Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا الصَّباح، أريدُ أن أَعودَ إلى دراستِنا لتشريحِ الكنيسة. وأريدُ أن أتكلَّمَ عن مَوقفٍ آخر. هناكَ أشخاصٌ كثيرونَ أَلَحُّوا عَليَّ كي أستمرَّ في الوعظِ عنِ الغُفران. وقد قالَ لي أُناسٌ إنَّ عِظةَ الأسبوعِ الماضي عنِ الغُفرانِ كانت قَويَّة جدًّا حتَّى إنَّهم ظَنُّوا أنِّي أَعرفُ قِصَّةَ حَياتِهم وأعرِفُ ما يَحدُثُ في حَياتِهم. والحقيقةُ هي أنَّ أشخاصًا عَديدينَ قالوا لي، لا شَخصًا واحدًا فقط، بل أشخاصًا عَديدينَ قالوا لي: "لقد كانت عِظَتُكَ تلكَ مُوَجَّهةً إليَّ. وقد كَشَفَتْ أُمورًا في حياتي يَنبغي لي أن أُعالِجها. ولا أدري إن كنتَ قد كَشفتَ عنها جَميعَها. لِذا، هل يُمكنكَ أن تَستمرَّ في الوعظِ والكَشفِ عنها إلى أن أُعالِجها كُلَّها؟" وقد كانَ ذلكَ التَّجاوبُ رائعًا جدًّا.

وكما تَعلمونَ فإنَّ النَّاسَ يُحبُّونَ الحَقَّ ويُحبُّونَ الرَّبَّ عندما يُحبُّونَ التَّوبيخَ والتَّقويمَ الَّذي يَجلِبُهُ الكتابُ المقدَّسُ إلى حَياتِهم. وهذا مُشَجِّعٌ جدًّا. ولكنَّ الرَّبَّ سيُبارِكُنا في اعتقادي حتَّى لو توقَّفنا عنِ الحديثِ عنِ الغُفران. ولا شَكَّ في أنَّنا سنتحدَّثُ عنهُ لاحقًا؛ ولكنِّي أريدُ أن نَنتقلَ إلى مَوقفٍ آخرَ ونُتابِعَ دراستَنا لموضوعِ الأنظمةِ الداخليَّةِ الَّتي ينبغي أن تُوجَدَ في الكنيسة. فقد تَحدَّثنا عن كيفَ أنَّ حَياةَ الكنيسةِ تَنبُع مِن مَواقِف مُعيَّنة؛ أي مِن مَواقِف رُوحيَّة مُعيَّنة كالإيمانِ، والطَّاعةِ، والمَحبَّةِ، والتَّواضُعِ، والوَحدةِ، وبِكُلِّ تأكيدٍ: الغُفران. وأريدُ أن أتحدَّثَ عن مَوقفٍ آخرَ مِن هذهِ المَواقفِ، أو في الحقيقةِ عن مَوقِفَيْنِ اثنينِ اليومَ؛ وكِلاهُما وَرَدَتِ الإشارةُ إليهِ في نفسِ المَقطعِ الكِتابيّ.

لِذا، افتَحوا على رسالة تسالونيكي الأولى والأصحاح الخامس. وهناكَ مَواضِع عَديدة في الكتابِ المقدَّسِ يُمكنُنا أن نَفتَحَ عليها للتَّحدُّثِ عن هذا الموقفِ الرُّوحيِّ الآخرِ الَّذي ينبغي أن يُوجَدَ في الكنيسة. ورُبَّما توجدُ آياتٌ كِتابيَّةٌ كثيرة. والحقيقةُ هي أنَّ أبرَزَ سِفْرٍ يَخطُرُ بالبالِ هو رسالة فيلبِّي لأنَّها تَتحدَّثُ عن ذلكَ الأمر مِرارًا وتَكرارًا. ولكنِّي أريدُ مِنكُم أن تَفتحوا على الرِّسالةِ الأولى إلى أهلِ تسالونيكي لأنَّها قَصيرة جدًّا، ومُهمَّة جدًّا، ومُباشِرَة جدًّا. ففي رسالة تسالونيكي الأولى 5: 16 نَقرأُ هذه الآية القصيرة جدًّا: "افْرَحُوا كُلَّ حِين". هذه هي الآية. والحقيقةُ هي أنَّنا نَجِدُ في اللُّغةِ الأصليَّةِ أنَّ الظَّرْفَ يأتي أوَّلاً. لِذا فإنَّ الآيةَ تُقرأ هَكذا: "كُلَّ حِيْنٍ..."، ثُمَّ إنَّ الوَصيَّة تأتي بصيغةِ المُضارِع في الجُزءِ الأخيرِ كما يَلي: "كُلَّ حِينٍ استَمِرُّوا في الفَرح"، أو: "كُلَّ حِينٍ افرَحُوا".

هذهِ هي الوَصيَّة في العَدد 16. والمَوقفُ الَّذي أريدُ أن أتحدَّثَ عنهُ هو الفَرَح... الفَرَح. وهناكَ أسبابٌ كثيرة في العالَمِ الَّذي نَعيشُ فيه تَجعلُنا نَشعُرُ بالحُزن، واليأس، والاضطِراب، والانزعاج، والقَلَق، والأرَق، والتَّوتُّر، والخَوف، والشَّكّ؛ ولكنَّ هذا لا يَسري على المُؤمِنين. فالكِتابُ المُقدَّسُ يُوصينا بأن نَفرحَ دائمًا. وهذهِ ليست وَصيَّةً ذُكِرَت مَرَّة فقط، بل إنَّ بولسَ تَحَدَّثَ سَبْعَ عشرةَ مَرَّةً في رسالتِهِ إلى أهلِ فيلبِّي عنِ الفَرَح. وفيما يَلي عَدَدٌ مِنَ الآياتِ الَّتي تَخطُرُ ببالي: رسالة فيلبِّي والأصحاح الثَّاني: "لكِنَّنِي وَإِنْ كُنْتُ أَنْسَكِبُ أَيْضًا عَلَى ذَبِيحَةِ إِيمَانِكُمْ وَخِدْمَتِهِ، أُسَرُّ وَأَفْرَحُ مَعَكُمْ أَجْمَعِينَ. وَبِهذَا عَيْنِهِ كُونُوا أَنْتُمْ مَسْرُورِينَ أَيْضًا وَافْرَحُوا مَعِي". فبِغَضِّ النَّظرِ عَمَّا يَحدُث، وحتَّى لو كنتُ مَسجونًا، وحتَّى لو خَسِرتُ حَياتي وبَذَلتُ نَفسي مِن أجلِ تَوصيلِ الإنجيلِ إليكُم، أنا أَفرَح. فأنا أَفرحُ مَعَكُم وأتوقَّعُ منكم أن تَبتهِجوا وتَفرحوا معي.

ونَقرأُ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعددِ الأوَّلِ مِن رسالة فيلبِّي: "أَخِيرًا يَا إِخْوَتِي افْرَحُوا فِي الرَّبِّ". ونَقرأُ في الأصحاحِ الرَّابعِ والعددِ الرَّابع: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا". فالرَّبُّ يُوصينا بأن نَبتهِج. وهو يُوصينا بأن نَفرَح. وسوفَ أقولُ شَيئًا الآنَ قد يبدو صَعبَ التَّصديق قَليلاً، أو رُبَّما يَستحيلُ تَصديقُه، ولكنِّي أَعني ما أقول. وسوفَ أحاولُ أن أُبَيِّنَ لكُم السَّبب. إليكُم هذا الشَّيء: لا يُمكِنُ لأيِّ حَدَثٍ أو ظَرْفٍ في الحياةِ أن يَسلِبَ المُؤمِنَ فَرَحَهُ. اسمَحوا لي أن أقولَ ذلكَ مَرَّةً أخرى: لا يُمكِنُ لأيِّ حَدَثٍ أو ظَرْفٍ في الحياةِ أن يَسلِبَ المُؤمِنَ فَرَحَهُ.

والحقيقةُ هي: اسمَحوا لي أن أقولَ ما هو أكثر مِن ذلك: إن سَمَحْتَ لأيِّ ظَرفٍ أو حَدَثٍ أن يَسلِبَكَ فَرَحَك، تَكونُ قد أخطأت. تَكونُ قد أخطأت. هل يَبدو هذا الكَلامُ سَخيفًا في ضَوْءِ مَصاعِبِ الحَياة؟ وهل يَبدو ذلكَ أمرًا يَستحيلُ تَصديقُه؟ ولكنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُوصينا قائلاً: "افرَحوا..." [مَتى؟] "...كُلَّ حِيْن". وفي حالِ أنَّكُم لم تَسمَعُوا ذلك فإنَّهُ يَقولُ: "وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا". والآن، لنَنظُر إلى هذه الوَصيَّة هُنا ونَرى السَّببَ في أنَّ الكَلامَ الَّذي قُلتُهُ للتَّوّ صَحيحٌ، ولماذا لا يوجد حَدَث أو ظَرف في حياةِ المؤمن يَستطيعُ أن يَسلِبَهُ فَرَحَه. لننظُر إلى الوَصيَّة أوَّلاً. "افْرَحُوا كُلَّ حِينٍ". وكما قُلتُ، إنَّها ليست وَصيَّة مُنفردة، بل إنَّها وَصيَّة تَتكرَّرُ بِكُلِّ تأكيد في رسالة فيلبِّي ومَواضِع أخرى.

فهُناكَ رسالة بُطرس الأولى 4: 13. فهي تَقول: "بَلْ كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلاَمِ الْمَسِيحِ، افْرَحُوا". وقد قالَ بولُس: "بالرَّغمِ مِن آلامي، أنا أَفرَح". وبُطرُس يَقول: "بِقَدرِ ما تَشتركونَ في آلامِ المسيحِ، بنفسِ القَدرِ استمرُّوا في الفَرَح". وكأنَّهُ يَقول: كُلَّما زَادَت آلامُكُم، ينبغي أن يَزيدَ فَرَحُكم. والكتابُ المقدَّسُ يَقولُ الكثيرَ عن ذلك. فهو يَقولُ الكثيرَ عن ذلك. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ عِظَةَ رَبِّنا لِتلاميذِهِ في العِليَّةِ في اللَّيلةِ الَّتي تَعَرَّضَ فيها للخِيانَة. فإنجيلُ يُوحنَّا والأصحاح 13 يُصَوِّرُ لنا يَسوعَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ إلى المائدةِ معَ تَلاميذِه. وهذا الكَلامُ يَستمرُّ حَتَّى الأصحاح 17. فقد قالَ لَهُم هذا الكَلامَ المُدهشَ الَّذي تَرَكَهُ وَصِيَّةً لَهُم.

وأنا أُسَمِّي ذلكَ "إرْث يَسوع". وحَتَّى إنّي قد كَتَبْتُ كِتابًا عنه. وواحدٌ مِنَ الأشياءِ الَّتي يَترُكُها يَسوعُ لخاصَّتِهِ هو الفَرَح. وهو يُشيرُ ثَماني مَرَّاتٍ في ذلكَ المَقطعِ إلى الفَرَحِ أوِ الفَرَحِ الكامِل. وحَتَّى إنَّهُ يَقول: "كُلُّ ما قُلتُهُ لَكُم هو لكي يكونَ فَرَحُكم كامِلاً". فسوفَ أَمضي، وسوفَ أموت، وسوفَ أُصلَب، ولن أكونَ مَوجودًا هنا، ولن أكونَ مَعَكُم. وسوفَ تُواجِهونَ مَصاعِب كثيرة. في هذا العالَم سيكونُ لكُم ضِيق. فسوفَ يُلاحِقونَكُم. وسوفَ يَستمرُّ قادةُ المَجمعِ هَؤلاءِ في تَعَقُّبِكُم وإزهاقِ حَياتِكُم. فكما أنَّهُم اضطَهدوني، سوفَ يَضطَهِدوكُم؛ وَهَلُمَّ جَرَّا. ولكنِّي أقولُ لكم كُلَّ هذهِ الأمور لأنِّي أريدُ منكم أن تَحصُلوا على مِلْءِ الفَرَح.

يا للرَّوعَة! فبالرَّغمِ مِنَ الأحوالِ المُرعِبَةِ، وبالرَّغمِ مِن مَوتِ الرَّبِّ وخَسارَتِهِم لَهُ بعدَ أن كانَ حَياتَهُم، وبالرَّغمِ مِن أنَّهُ سيَترُكُهم، وبالرَّغمِ مِن أنَّهم كانوا يَتوقَّعونَ أنَّهُم سيُعانونَ كثيرًا، ويُضطَهَدونَ، ويَموتونَ؛ بالرَّغمِ مِن هذا كُلِّه فإنَّهُ يَقول: "يجب أن تَمتَلِئوا بالفَرح". وهو يُنَبِّرُ على ذلكَ باستِمرار. وعَداوَةُ الآخرينَ لا تُغَيِّرُ تلكَ الحقيقة. لِنَرجِع إلى إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الخامِس قليلاً. فلا أهميَّةَ لقسوةِ التَّجارِب. فهذا لن يُغَيِّرَ المَطلَب. فنحنُ نَقرأُ في العددِ العاشرِ مِن إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الخامِس: طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ. اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا".

وهذا أمرٌ ليسَ مِنَ السَّهلِ دائمًا القيامُ به عندما تُهانونَ أو تُضطَهَدُونَ أو عندما تُقالُ عليكُم كُلُّ كَلِمة شِرِّيرة كَذِبًا. "افرَحوا وتَهَلَّلُوا". وهناكَ مَقطعٌ كِتابِيٌّ مُشابِهٌ جدًّا لهذا في إنجيل لوقا. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل لوقا 6: 22 و 23: "طُوبَاكُمْ إِذَا أَبْغَضَكُمُ النَّاسُ". والكلمة "طُوباكُم" تَعني: "يا لِغِبطَتِكُم!". "طُوبَاكُمْ إِذَا أَبْغَضَكُمُ النَّاسُ، وَإِذَا أَفْرَزُوكُمْ وَعَيَّرُوكُمْ، وَأَخْرَجُوا اسْمَكُمْ كَشِرِّيرٍ مِنْ أَجْلِ [المَسيح]". ثُمَّ استَمِعوا إلى ما يَقول: "اِفْرَحُوا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ وَتَهَلَّلُوا". اقفِزُوا مِنَ الفَرَح؟ اقفِزوا مِن فَرْطِ ابتِهاجِكُم؟ فكأنَّكَ تَعودُ إلى البيتِ بعدَ يومِ عَمَلٍ شَاقٍّ وأنتَ تُدَنْدِنُ لَحْنًا أو تُرَنِّمُ تَرنيمةً، وتَبتَسِمُ ابتسامَةً عَريضةً، وتَقفِزُ، وتَبدو في مِزاجٍ رائعٍ، ورُبَّما تَرقُصُ قَليلاً فتَقولُ لكَ زَوجَتُكَ: "ما خَطْبُكَ؟" فتقول: "لقد تَعرَّضتُ للاضطِهادِ اليوم! فقد تَعرَّضتُ فقط للإهانَةِ والنَّبْذِ، وقِيلت عَليَّ كُلُّ كلمة شِرِّيرة". لقد دَارَ حَديثٌ منذُ فترةٍ ليست طويلة بيني وبينَ صَديقٍ كانَ يُخبرُني عنِ المُعاملةِ السَّيِّئةِ الَّتي تَعرَّضَ لها، والأشياءِ الشِّرِّيرةِ الَّتي قِيلت عنهُ، والإهاناتِ والإساءاتِ المُريعةِ الَّتي تَعرَّضَ لها. وقد كانَ مُشمئزًّا مِن ذلك، ومُتعَبًا مِمَّا يَجري، ولا يُحبُّ ما يَحدُث، ويَقولُ إنَّ ذلكَ ليسَ عَدلاً. وقد كنتُ أُصغي إليهِ وأحاولُ أن أَتعاطَفَ مَعَهُ إلى حَدٍّ مَا. وأخيرًا قُلتُ لَهُ: "هل يُمكنُني أن أطرحَ عليكَ سُؤالاً؟"

ثُمَّ قُلتُ: "إنْ وَضَعْنا جَانبًا حَقيقةَ أنَّكَ لا تَبدو فَرِحًا جدًّا، هل فَكَّرتَ في الشَّيءِ الَّذي يُحاولُ اللهُ أن يُحَقِّقَهُ في حَياتِكَ مِن خِلالِ هذا كُلِّه؟" قال: "الحقيقة... الحَقيقة هي أنَّهُ رُبَّما يُحاولُ أن يُريني أنَّهُ ينبغي لي أن أكونَ حَذِرًا بشأنِ الأشخاصِ الَّذينَ أتحدَّثُ إليهم". قلتُ: "حَقًّا؟ لا أعتقدُ أنَّ هذا هو قَصدُه. أنا لا أتحدَّثُ عن ذلك، بل ما الَّذي تَعتقدُ أنَّهُ يُحاولُ أن يَفعلَهُ مَعَكَ؟ ما الَّذي يُحاولُ الرَّبُّ أن يُحَقِّقَهُ في حَياتِك؟ هل تَعتقدُ أنَّهُ رُبَّما يُريدُ أن يَجعلَكَ أكثر شَبَهًا بابنِهِ؟" وهذهِ كَلِماتٌ مُبَكِّتَة حينَ تَقولُها لشخصٍ ما يَزالُ يَشعُرُ بالألمِ ويَشعُرُ أنَّهُ مُبَرَّر. "ماذا عنِ القَفْزِ مِنْ فَرْطِ الفَرَح؟ هل يبدو هذا شيئًا ينبغي لكَ أن تَفعلَهُ؟" قال: "هل تَمزَح؟"

ولكِن إن كنتَ تُطيعُ هذه الوَصيَّة، مَتى يَنبغي أن تَفرح؟ كُلَّ حِين! أيْ حتَّى عندما تَتألَّم، وحتَّى عندما تُضطهَد، وتُطرَد، وتُنبَذ، وتُقالُ عليكَ كلُّ كلمة شِرِّيرة، وحتَّى عندما تُساءُ مُعاملتُك، ويُساءُ فَهمُك، ويُساءُ تَمثيلُك. فيجب عليكَ أن تبتهِج. وكيفَ يُمكِنُ للمَرءِ أن يَفعلَ ذلك؟ مِنَ المؤكَّدِ أنَّ الرَّسولَ بولسَ كانَ بارِعًا في ذلك. وقد كانَ مُضطرًّا لِتَعَلُّمِ ذلك لأنَّهُ عاشَ حَياتَهُ كُلَّها مُتألِّمًا. وقد قَدَّمَ يَعقوبُ دَرسًا تَعليميًّا رائعًا حينَ قالَ في الأصحاحِ الأوَّل والعددِ الثَّاني: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ". فيجب عليكَ أن تَفرحَ في تَجارِبِكَ أكثرَ مِمَّا تَفرحُ في الأوقاتِ المُمتِعَة لأنَّ التَّجاربَ تَصْقُلُكَ أكثر بكثير. أليسَ كذلك؟ وهي مُفيدة أكثر بكثير رُوحيًّا. أليسَ كذلك؟

وَمِنَ المُرجَّحِ أنَّها أكثر قُدرةً على تَخليصِكَ مِن تَركيزِكَ على نَفسِك. وهي أكثر قُدرةً على إقناعِكَ بأنَّكَ لستَ مُسيطرًا على كُلِّ شيءٍ وعلى كَسْرِ كِبريائِك. وهي أكثر قُدرةً على جَعلِكَ إنسانًا مُتواضِعًا. وهي أكثر قُدرةً على جَعلِكَ مُتَّكِلاً على الرَّبّ. وهي أكثر قُدرةً على تَحسينِ حَياةِ الصَّلاةِ لديكَ. وهي أكثر قُدرةً على جَعلِكَ تَتعاطَفُ معَ آلامِ المسيحِ وآلامِ الآخرين. فهي مُفيدة جدًّا. ويَعقوبُ يَقول: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إيمانِكُم [أوِ اختبارَ إِيمَانِكُمْ] يُنْشِئُ صَبْرًا. وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ".

هل تَفرحُ في تَجارِبِكَ؟ هل تَفرحُ في مُعاناتِكَ؟ هل تَفرحُ في أَلَمِك وفي ضِيقاتِك؟ هذا هو ما يَدعوكَ الكتابُ المقدَّسُ إلى القِيامِ به. والآن، قد تَقول: "مَهلاً مِن فَضلِك! نحنُ نَقرأُ في رسالة رُومية 12: 15: ’فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ‘. فهل هذا تَناقُض؟ ألا تَوجدُ أوقاتٌ ينبغي لنا فيها أن نَتوقَّفَ عنِ الفَرح؟" هذا صَحيحٌ خَارجيًّا. يومَ أمس، كنتُ أحضُرُ مُؤتمرًا في شيكاغو وأَعِظُ طَوالَ اليوم. وقد كنتُ أَعِظُ عنِ السُّلطانِ والقوَّةِ العَظيمَيْنِ للكِتابِ المُقدَّس. وقد صَرفنا وقتًا رائعًا. ولكن كانَ يوجدُ مُتَكَلِّمٌ آخر. وقد كنتُ أقفُ خارجَ القاعةِ بينما كانَ أحدُ المُتَكَلِّمينَ يَختِمُ كَلامَهُ. وقد خَرَجَ صَديقٌ عَزيزٌ جدًّا على قلبي مِنَ القاعةِ واقتربَ مِنِّي وَهُوَ يَبدو مُحْبَطًا. فقد كانَ الإحباطُ ظَاهِرًا على مُحَيَّاه.

وقد قال: "هذا مُريع! هذا مُريع! لا يُمكنُني أن أُصَدِّقَ ما يَحدُث!" قلتُ: "حسنًا! لنتحدَّث عن ذلك". لِذا فقد اقتربَ وراحَ يَبكي. ولا شَكَّ في أنَّني أتأثَّرُ كثيرًا عندما يَبكي صَديقٌ عَزيزٌ على قَلبي. لِذا فقد احتَضنتُهُ وأدركتُ مَعنَى أن نَبكي معَ البَاكين. ولكنَّ ذلكَ لم يُؤثِّر سَلبيًّا في فَرَحي. فقد كانَ حَزينًا بسببِ شَيءٍ حَدَثَ وكَسَرَ قَلبَهُ. ولكنَّ ذلكَ لم يُؤثِّر سَلبيًّا في فَرحي، ولم يُؤثِّر سَلبيًّا أيضًا في فَرِحِهِ هُوَ أيضًا. ومِن خلالِ تَعاطُفي وشُعوري مَعَهُ، ابتسمتُ لهُ وقُلتُ لهُ إنَّ الرَّبَّ ما زَالَ جَالِسًا على العَرشِ وإنَّهُ رُبَّما لَديهِ قَصدٌ مَا.

فهناكَ شَيءٌ مُمَيَّز بخصوصِ التَعاطُفِ معَ المَشاعرِ البشريَّةِ العاديَّة. فلا شَكَّ في أنَّنا نَشتركُ في ذلك. وهناكَ شَيءٌ مُميَّز بخصوصِ مُعانقةِ شخصٍ مُتألِّم أو حَزين. وهناكَ شَيءٌ مُمَيَّز في مُشاركةِ الآخرينَ في البُكاء. وهناكَ شَيءٌ مُمَيَّزٌ في تَفَهُّمِنا لشخصٍ حَزينٍ وإظهارِ تَعاطُفِنا مَعَهُ. ولكنَّ ذلكَ لا يُؤثِّرُ سَلبيًّا في الفَرَحِ الدَّاخليِّ الدَّائم. فلا يَجوزُ أن يُؤثِّرَ سَلبيًّا فيه. وأعتقدُ أنَّ التَّوازُنَ المَطلوبَ مُبَيَّنٌ في رسالة كورِنثوس الثانية 6: 10. فالرَّسول بولُس يَقول: "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُون". فهذا هو التَّوازُنُ الَّذي يَتحدَّثُ عنه. "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُون". فَمِنَ المُؤكَّدِ أنَّ هناكَ مَكانًا للتَّعاطُفِ البَشريِّ الطَّبيعيِّ؛ ولكنَّنا دائمًا فَرِحون. فوراءَ تلكَ الدُّموعِ وذلكَ التَّعاطُفِ، هُناكَ هذا الفَرَحُ الَّذي لا يَنتهي. فنحنُ دائمًا فَرِحون.

وبالمُناسبة، لقد كانَ هذا الأمرُ جُزءًا لا يَتجزَّأُ مِن حياةِ الكنيسةِ الباكِرَةِ إذْ إنَّ تَحيَّتَهُم (وكم كنتُ أتمنَّى أن نَعودَ إلى تلكَ التَّحيَّة)... فقد كانت تَحيَّتُهم هي: "كايروتيه" (chairote). وهل تَعلمونَ مَا هو مَعناها؟ افرَحُوا! افرَحُوا! وهل تَعلمونَ مَنِ الَّذي ابتدأَ بذلك؟ يَسوع. ففي صَباحِ اليومِ الَّذي قامَ فيه، لَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّهُ خَرَجَ مِنَ القَبرِ ثُمَّ التقى تَلاميذَهُ. وكانَت أوَّلُ كلمة قالها لَهُم [بِحَسَبِ بَعضِ تَرْجَماتٍ] هي: "مَرحبًا" (all hail)! ويا لها مِن تَرجمةٍ رَكيكَة! مَرحبًا! كما لو أنَّ يَسوعَ كانَ بِريطانيًّا. وأعتقدُ أنَّهُ لو أنَّ الأمريكانَ قد تَرجموا تلكَ الكلمة لتَرجموها: "هاي" (hi). ولكنَّ الكلمة "كايروتيه" (chairote) تَعني: "افرَحُوا". فهذا هو ما قالَهُ. وكانت تلك هي الكلمة المُناسبة. أليسَ كذلك؟

فبعدَ القيامة، جاءَ إلى هؤلاءِ الأشخاصِ وكانوا جَميعًا يَنُوحونَ ويَبكونَ لأنَّهُ مَضَى. وهو يَظهَرُ ويَقول: "افرَحُوا!" وقد صارت تلكَ تَحيَّة. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّها أفضل مِن "هاي" (hi). ألاَ يُمكنُنا أن نَعودُ إلى استخدامِ تلكَ التَّحيَّة؟ افرَحُوا! صَباح الخير، افرَح! فهذه هي التَّحيَّة الَّتي دَرَجوا على استِخدامِها: افرَحُوا! وكانَ لا بُدَّ لَهُم أن يَفعلوا ذلكَ لأنَّهُ كانَ يوجد سَببٌ دائمٌ للقيامِ بذلك، ولأنَّ تلكَ وَصيَّة. ويجب أن تَتذكَّروا هذه الوصيَّة كثيرًا. وفي سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 15: 23، أرسَلَ المَجمَعُ رِسالةً... لَعَلَّكُم تَذكرونَ أنَّ مَجْمَعَ أورُشليمَ أرسلَ رسالةً جاءَ فيها: "مِنَ الرُّسُلِ والشُّيوخِ والإخوةِ، إلى الإخوةِ المُؤمِنينَ مِن غيرِ اليَهودِ في مُقاطَعاتِ أنطاكيَة وسُورِيَّة وكيليكيَّة: تَحَيَّاتُنا". تَحِيَّاتُنا؟ الحقيقةُ هي أنَّهُم قالوا: افرَحُوا! افرَحُوا! افرَحُوا!

ومِنَ المؤكِّدِ أنَّ لدينا كُلَّ الأسبابِ الَّتي تَدعو إلى الفَرَح. والرَّبُّ يُوصينا بذلك. فالكِتابُ المُقدَّسُ يقولُ إنَّ فَرَحَنا ينبغي أن يكونَ عَظيمًا، وينبغي أن يَكونَ وَفيرًا، وينبغي أن يَكونَ ظَاهرًا، ولا يُنطَقُ بهِ ومَجيد. فكُلُّ هذا مَذكورٌ في الكتابِ المقدَّس. فهو ليسَ فَرَحًا كالَّذي يُعطيهِ العالَم. ففَرحُ العالَمِ هو شَيءٌ مُختلفٌ تَمامًا. وما أعنيه هو: عندما تُفكِّرونَ في فَرَحِ العالَم، أعتقدُ أنَّهُ إن أردتُم أن تُعَرِّفوهُ كِتابيًّا فإنَّ فَرَحَ العالَمِ يُعَرَّف كما يَلي مِن زاويةِ الكتابِ المقدَّس: أوَّلاً، إنَّهُ فَرحٌ مُستمَدٌّ مِنَ المُتَعِ الدُّنيويَّة. ففرحُ العالَمِ يَأتي مِنَ المُتَعِ الدُّنيويَّة. فمثلاً، نَقرأُ في سِفْر الجامعة 2: 10 و 11: 9 (أي في كِلا هَذَيْنِ المَوْضِعَيْن) عنِ الفَرحِ الدُّنيويِّ إذْ إنَّ النَّاسَ يَفرحونَ باتِّباعِ نَزْواتِ قُلوبِهم.

بعبارة أخرى، عندما يَكونُ لديكَ شَغَفٌ أو تَوْقٌ، أو تكونُ لديكَ رَغبةٌ أو شَهوةٌ لشيءٍ مَا، ثُمَّ تُلَبِّي تلك الرَّغبة، فإنَّكَ تَفرَح. وهذا فَرحٌ دُنيويٌّ لأنَّهُ مُرتبطٌ تمامًا بتلبيةِ شَهَواتٍ دُنيويَّة. ولكنَّ سفرَ الأمثال والأصحاح 14 يَقولُ إنَّ هذا وَهْمٌ لأنَّهُ يَقولُ إنَّ نِهايةَ الفَرَحِ قد تَكونُ حُزْنًا. فالنَّاسُ يَشْتَهونَ ويَشْتَهونَ ويَشْتَهونَ ويَشْتَهونَ، ثُمَّ يُسارِعونَ إلى تَلبيةِ تِلكَ الرَّغْباتِ، ويَسْعَوْنَ إلى تَحقيقِ شَهَواتِهم، ويُلَبُّونَ تلك الرَّغبات. وغالبًا، بعدَ أن يُلَبُّوا تلك الشَّهوةِ بوقتٍ قَصير، يَتحوَّلُ فَرَحُهم إلى حُزن. فهي مُتعة مُؤقَّتة جدًّا ولا تَدومُ إلاَّ خلالَ الوقتِ الَّذي تَستمتِعُ فيهِ بها. ولكنَّ الفرحَ لا يَدومُ بعدَ تلكَ المُتعة. لِذا فإنَّ الآيةَ أيُّوب 20: 5 تَقول: "وَفَرَحَ الْفَاجِرِ إِلَى لَحْظَةٍ". فهو فَرَحٌ مُرتبطٌ ارتباطًا وَثيقًا بمُتعةٍ مُعيَّنة. وعندما تَزولُ تلكَ المُتعةُ يَزولُ الفَرَح؛ بل إنَّهُ غالبًا ما يَتحوَّلُ إلى حُزن.

والحقيقةُ هي أنَّ سِفْرَ الجامِعَة يَقولُ في الأصحاحِ السَّابعِ والعَدد 6 إنَّ الفَرَحَ الدُّنيويَّ يُشبِهُ الأشواكَ المُحترقةَ إذْ إنَّهُ يَزولُ سَريعًا. ويَعقوبُ يَقولُ إنَّهُ يَتحوَّلُ غالبًا إلى نَوْح: "لِيَتَحَوَّلْ ضَحِكُكُمْ إِلَى نَوْحٍ". وهذا يَعني أنَّهُ يَنطوي على عُنصرِ الدَّينونة. فَمِنَ المُحتمَلِ جدًّا أنَّهُ بعدَ أن تُحَقِّق مُتعَتَكَ القصيرةَ الأجل، أوِ التَّمَتُّعِ بالخطيَّة إلى حِيْن، وعندما تَفعلُ ما تُمليهِ عليكَ شَهواتُكَ ويَتحوَّلُ فَرَحُكَ إلى حُزْنٍ، وتَشعُرُ بالخَواءِ والفَراغ، فإنَّ ما ينبغي أن تَتوقَّعَهُ هو الدَّينونة الإلهيَّة على انغِماسِكَ في الخطيَّة. لِذا فإنَّ الآية إشعياء 16: 10 تَقول: "وَانْتُزِعَ الْفَرَحُ وَالابْتِهَاجُ". فهذه دَينونة. لِذا فإنَّنا لا نَتحدَّثُ عن هذا النَّوعِ مِنَ الفَرح.

فنحنُ لا نَتحدَّثُ عن إشباعِ الشَّهوات، ولا نَتحدَّثُ عن صِفَةٍ شَخصيَّة. فهناكَ أشخاصٌ فَرِحونَ بطبيعتِهم وجَذِلونَ أكثرَ مِن غَيرِهم. وهناكَ أشخاصٌ مُتفائِلونَ في الحياةِ بطبيعتِهم ويَنظرونَ إلى الأمورِ نَظرةً أكثرَ إيجابيَّة مِنَ الآخرين. وهناكَ أُناسٌ مِزاجِيُّونَ يَحزنونَ ويَكتئبونَ بسرعة في أيِّ ظَرف. فَهذه هي طَبيعتُهم كما لو أنَّ تَركيبتَهُم النَّفسيَّةَ هي عُذرٌ لهم على عدمِ إطاعتِهم لكلمةِ الله. ولكنَّنا لا نَتحدَّثُ عنِ الصِّفاتِ الشَّخصيَّةِ الطبيعيَّة أو عنِ القُدرةِ على امتصاصِ الصَّدَمات.

ونحنُ لا نَتحدَّثُ عنِ التَّفكيرِ الإيجابيِّ الَّذي يُنادي بهِ شَخصٌ مِثلَ "نورمان فينسنت بيل" (Norman Vincent Peale)، ولا عنِ التَّفكيرِ الإيجابيِّ الَّذي يُنادي بهِ شَخصٌ مِثلَ "روبرت شوللر" (Robert Schuller) حيثُ إنَّكَ تُحاولُ أن تَخلِقَ عَالَمَكَ الوَهميَّ الَّذي يَحوي أمورًا إيجابيَّةً في وَسْطِ واقعٍ سَلبيٍّ. ونحنُ لا نَتحدَّثُ عنِ اللُّجوءِ إلى التَّحايُلِ الذِّهنيِّ. ونحنُ لا نَتحدَّثُ عنِ فَرَحٍ بَديهيٍّ هُنا، بل نَتحدَّثُ عن فَرَحٍ يَنبغي أن يَفوقَ ذلك لأنَّ الفَرَحَ البَديهيَّ يَدومُ إلى حين فقط وفي ظُروفٍ ضَحلة فقط. ولكنَّنا نَتحدَّثُ عن فَرحٍ خارقٍ للطَّبيعة هُنا. ونحنُ نَتحدَّثُ عن فَرحٍ هو مِن نَصيبِ المُؤمِنينَ فقط – عن فَرَحٍ عَميق. وهو مِن حيثُ مَصدَرِهِ مَوصوفٌ في رسالة غلاطيَّة 5: 22 بأنَّهُ ثَمَرُ الرُّوح: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّة، فَرَح...".

والحقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في رسالة رُومية 14: 17 أنَّ مَلكوتَ اللهِ هُوَ "بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُس". ونحنُ نَتحدَّثُ عن فَرحٍ رُوحيٍّ يأتي مِنَ الرُّوحِ القُدُس (كالسَّلامِ الرُّوحيِّ، والبِرِّ، والمحبَّة). فنحنُ لدينا مَحبَّة ليست أرضيَّة. ونحنُ لدينا بِرٌّ يَختلِفُ عنِ البِرِّ الذَّاتِيِّ. ونحنُ لدينا سَلامٌ يَختلِفُ عنِ السَّلامِ الَّذي يُعطيهِ العالَم. ونحنُ لدينا فَرحٌ مُختلِف. فهو فَرحٌ عَميق. وَهُوَ ليسَ الفَرحُ الَّذي يَعرفُهُ العالَم. فهو يأتي مِنَ اللهِ مِن خلالِ المسيحِ ويُعطَى لنا بواسطةِ الرُّوحِ القُدُس. ولا يَجوزُ لنا أن نَسمحَ لأيِّ ظَرفٍ – سوفَ أُعيدُ ذلك: لا يَجوزُ لنا أن نَسمحَ لأيِّ ظَرفٍ أو حَدَثٍ أن يَحرِمَنا مِن ذلك الفَرح.

ولكن يوجد شيءٌ واحدٌ فقط – شيءٌ واحدٌ فقط – يَستطيعُ أن يَسلِبَكَ فَرَحَك. ما هو؟ الخطيَّة. ولكن لا يَجوزُ لنا أن نَسمحَ لها بحِرمانِنا منهُ وقتًا طويلاً لأنَّهُ يجب عليكم أن تُسارعوا إلى ماذا؟ إلى الاعترافِ بتلكَ الخطيَّة والابتهاجِ بغُفرانِ الله. والآن، اسمَحوا لي أن أُعطيكُم تَعريفَ هذا الفَرَح لكي تَعلَموا مَا هو. فهو ليسَ فَرحًا طَبيعيًّا، وليسَ فَرحًا دُنيويًّا، وليسَ شَيئًا يَشعُرُ بهِ أُناسٌ لأنَّهُم يَنظرونَ نَظرةً إيجابيَّةً إلى الحياة. إليكُم تَعريف الفَرح: إنَّهُ شُعوري بأنِّي بِخَيْر. إنَّهُ شُعوري بأنِّي بخَيْر؛ وهو شُعورٌ نَابعٌ مِن ثِقَتِي العَميقةِ بأنَّ اللهَ مُهيمِنٌ تمامًا على كُلِّ شيء لِخَيري ومَجدِه. حسنًا؟ إنَّهُ شُعوري بأنِّي بِخَيْر. فهو اختِبارٌ وشُعورٌ بأنِّي بِخَيْر.

فهو يعني أن أَشعُرَ بأنِّي على ما يُرام، وبأنِّي بحالٍ جَيِّدة، وبأنِّي بِحالٍ مُمتازة، وبأنِّي إيجابيٌّ ومُنتَصِرٌ وغَالِبٌ؛ لا بسببِ الظُّروف، بل بسببِ ثِقَتِي الوَطيدةِ بأنَّ اللهَ مُهيمِنٌ على كُلِّ شيء، وبأنَّ كُلَّ شَيءٍ يَحدُثُ لخيري ومَجدِهِ. ويُمكنُنا جميعًا أن نَتجاوبَ مع كُلِّ شيءٍ في الحياةِ بفَرحٍ إن آمَنَّا بأنَّ اللهَ يَجعلُ كُلَّ الأشياءِ تَعملُ معًا لمَجدِهِ وخَيرِنا. لِذا فقد قلتُ لصديقي: "في رأيِك، ما الَّذي يُحاولُ الرَّبُّ أن يَفعلَهُ مِن خلالِ هذا الظَّرْف؟ هل تَعتقدُ أنَّهُ يُريدُ أن يَجعلَكَ أكثر شَبَهًا بالمسيح؟ يجب أن تكونَ فَرِحًا، ويجب عليكَ أن تَقول: ’شُكرًا لكَ يا رَبُّ على هذه التَّجربة. شُكرًا لك. شُكرًا لك‘". ويجب علينا جميعًا أن نَعتادَ على التَّعبيرِ دائمًا عن فَرَحِنا عندما نُفكِّرُ في ما يَصنَعُهُ اللهُ في حياتِنا.

والآن، هذه هي الوَصيَّة: "افرَحُوا كُلَّ حِين". واسمَحوا لي أن أُقَدِّمَ لكم الأسبابَ الَّتي تَدعونا إلى إطاعَةِ هذه الوصيَّة. حسنًا؟ وسوفَ أُقَدِّمُ لكم لائحةً صغيرةً هُنا. فهي بَسيطة جدًّا ومُباشِرَة. إليكُم الأسبابُ الَّتي تَدعوكُم إلى أن تَكونوا شَاكِرين: أوَّلاً، لأنَّ الفَرَحَ هو تَجاوُبٌ سَليمٌ معَ شخصِ الله. فهو تَجاوبٌ سَليمٌ معَ شخصِ الله. وأنا أبتدئُ مِن حيثُ انتَهيتُ للتَّوّ. فالفرحُ يَنبُعُ مِن مَعرفتي بأنَّ إلهي مُهيمِنٌ، ومُنعِمٌ، ومُحِبٌّ، ورَحيمٌ، ولَطيفٌ، وكُليُّ القُدرةِ، وكُليُّ العِلمِ، وحاضِرٌ في كُلِّ مَكان، وبأنَّهُ حَريصٌ على خَيري. أليسَ كذلك؟ فهذه هي ثِقتي العميقة. فأنا أعرفُ إلهي. وإلهي يَقول: "قد يَقصِدُ النَّاسُ أن يَصنَعوا بِكَ شَرًّا، ولكنِّي سأجعَلُهُ لِخيرِك". وإلهي يَقول: "أنا أجعلُ كُلَّ الأشياءِ تَعملُ معًا للخيرِ لِلَّذينَ يُحِبُّوني".

يا للرَّوعَة! يا للرَّوعَة! فأنا أعرفُ إلهي وأستطيعُ أن أبتهجَ بإلهي. فلا يُمكنُني دائمًا أن أفرحَ في ظُروفي، ولكنِّي أستطيعُ أن أفرحَ في اللهِ الَّذي يُهيمِنُ على ظُروفي. ويُمكنُني أن أفرحَ في شخصِ إلهي. ألاَ تَشعرونَ بالسَّعادة لأنَّ إلهَكُم لا يَتغيَّر؟ فماذا لو كانَ اللهُ يُغيِّرُ الطَّريقةَ الَّتي يَعملُ بها مِن حينٍ إلى الآخر؟ يا لَهُ مِن أمرٍ مُرعِب! وماذا لو أنَّ نِعمَتَهُ كانت مِزاجيَّة وتَعملُ في مُناسباتٍ مُعيَّنة فقط عندما يَرغبُ في ذلك؟ وماذا لو أنَّ عَدالتَهُ تَظهَرُ فجأةً ثُمَّ تَختفي؟ وماذا لو أنَّهُ كانَ صَاحِبَ مِزاجٍ مُتَقَلِّب؟ وماذا لو أنَّهُ كانَ يُعاني مِنَ انتكاساتٍ كتلكَ الَّتي لَحِقَتْ بغريغ مادوكس (Greg Maddux) يومَ أمس في مُباراةِ كُرةِ القاعدة في الجَولةِ الثَّالثة؟ ماذا لو أنَّهُ يُعاني انتِكاساتٍ في قُدراتِه؟ فذلكَ اللاَّعِبُ هو جَيِّدٌ جِدًّا في أغلبِ الأوقات - رُبَّما في سَبعِ جَولاتٍ مِن أصلِ ثماني جَولات. فهو رائع. ولكنَّ الأمرَ سيكونُ مُرعبًا لو أنَّ اللهَ كذلك.

ولكنَّ صِفَةَ عَدَمَ التَّغَيُّرِ في شخصيَّةِ إلهِنا، وثَباتَهُ، وعدمَ تَبَدُّلِهِ، وحِكمَتَهُ، وسِيادَتَهُ، وقُدرَتَهُ، ونِعمَتَهُ، ورَحمَتَهُ هي أمورٌ تَجعلُني أفرحُ في قَلبي. وأنا أفرحُ لأنِّي أعلمُ أنَّ ما يَقولُهُ إلهي سيَفعلُهُ، وأنَّ مَا يَعِدُ بهِ سيُنَفِّذُهُ.

ثانيًا: لقد قُلنا إنَّهُ لا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أن يَمَسَّ فَرَحَ المؤمنِ لأنَّهُ لا يُمكِنُهُ أن يَمَسَّ إلَهَ المُؤمِنِ لأنَّهُ ثابِتٌ ولا يَتغيَّر. ثانيًا: الفرحُ هو التَّصَرُّفُ السَّليمُ تَقديرًا لعملِ المسيح. فالفَرَحُ هو التَّجاوبُ السَّليمُ والتَّصرُّفُ السَّليمُ تَقديرًا لعملِ المسيح. فعندما أُدركُ أنَّ يسوعَ المسيحَ حَمَلَ خَطايايَ في جَسَدِهِ على الصَّليب، وأنَّ يسوعَ المسيحَ الَّذي لم يَعرِف خَطيَّة صَارَ خَطيَّةً لأجلي، وعندما أُدركُ أنَّ اللهَ جَعَلَهُ خَطيَّة لأجلِنا، وعندما أُدركُ أنَّني افتُديتُ لا بأشياءٍ تَفنى كالفِضَّةِ أوِ الذَّهبِ، بل بدَمِ يسوعَ المسيحِ الثَّمين، وعندما أُدركُ أنَّني عندما كنتُ عَدُوًّا للهِ، وكنتُ مُبغِضًا لَهُ، وكارِهًا لَهُ، ومُعادِيًا لَهُ، وعندما كُنتُ أُعانِدُهُ، وأُجَدِّفُ عليهِ، وأهزأُ بِهِ فإنَّ اللهَ أظهرَ كُلَّ رَحمةٍ ومَحبَّةٍ لي بأن أرسلَ ابنَهُ لكي يَفديني. وعندما أفهمُ أنَّ الصَّليبَ يَحمِلُ كُلَّ خَطايايَ، وعندما أفهمُ أنَّ كَفَّارَتَهُ البَديلةَ الكاملةَ تَستُرُني بِبِرِّ المسيح، وعندما أفهمُ أنَّ السَّماءَ مِن نَصيبي إلى الأبد، وعندما أفهمُ كُلَّ ما صَنَعَهُ المسيحُ فإنَّ ذلكَ يُعطيني فَرَحًا دائمًا لا تَستطيعُ كُلُّ ظُروفِ الحياةِ الصَّعبة أن تُزَعْزِعَهُ.

ثالثًا، يجب عليَّ أن أفرحَ كُلَّ حين مِن مُنطلَقِ ثِقَتي بعملِ الرُّوحِ القُدُس - مِن مُنطلَقِ ثِقَتي بعملِ الرُّوحِ القُدُس. عندما تُفكِّرونَ في ذلك، ما الَّذي يَعملُهُ الرُّوحُ القُدُس؟ لقد أخبرتُكُم أنَّ رسالة رُومية 14: 17 تَقول إنَّهُ يُنشِئُ بِرًّا وسَلامًا وفَرَحًا. ونَقرأُ في رِسالةِ غَلاطيَّة والأصحاحِ الخامِسِ أنَّهُ يُنشِئُ مَحبَّةً، وفَرَحًا، وسلامًا، ولُطفًا، وصَلاحًا، وإيمانًا، ووداعةً، وتَعَفُّفًا. وفي رسالة كورنثوس الثَّانية 3: 18، لعَلَّكُم تَذكرونَ تلكَ الآيةَ الرَّائعةَ الَّتي تقولُ إنَّ الرُّوحُ القُدُسَ يَنقِلُنا مِن مُستوىً مِنَ المَجدِ إلى الآخر ويَجعلُنا أكثرَ فأكثرَ شَبَهًا بيسوعَ المسيح، وإنَّهُ يَفعلُ ذلكَ طَوالَ الوقت. والرُّوحُ القُدُسُ يُرينا الأمورَ المُختصَّةَ بالمسيح. فلا أحدَ يَعرفُ فِكرَ اللهِ وفِكرَ المسيحِ إلاَّ الرُّوح القُدُس.

ورُوحُ المسيحِ يَحيا فينا، ويُرينا المَسيحَ، ويُرشِدُنا إلى كُلِّ الحَقِّ، ويُذَكِّرُنا بكُلِّ الأشياء، ويُعَلِّمُنا كُلَّ الأشياء. وهو المَسْحَةُ الَّتي مِنَ اللهِ لَنا. وهو العُرْبونُ، أوِ الدُّفعةُ الأولى، أو خَاتَمُ الخُطوبةِ، أوِ الثَّمَنِ الَّذي يُدفعُ مُقَدَّمًا لميراثِنا الأبديّ. فهو كُلُّ هذهِ الأشياءِ الَّتي يَفعلُها اللهُ فينا. وهو يَحمينا مِنَ الخطيَّة. وهو يَختِمُنا إلى يومِ الفِداء. وهو يَملأُ أفواهَنا بالتَّسبيح. وهذا يَحدُثُ طَوالَ الوقت. لِذا، يجب أن يَبتدئَ فَرَحُكَ مِن إدراكِكَ لحقيقةِ اللهِ المُثَلَّثِ الأقانيمِ، ومِن إدراكِكَ لِثَباتِ إلهِكَ وعَظَمَتِه، والعَملِ المَجيدِ الَّذي أَكمَلَهُ المسيحُ مُخَلِّصُكَ، والقوَّةِ المُقَدِّسَةِ المُستمرَّةِ للرُّوحِ القُدُسِ الَّذي يَسكُنُ فيكَ ويَعيشُ فيك. فهذه هي ثِقَتُنا العَميقةُ بأنَّ كُلَّ شيءٍ بخير.

واسمَحوا لي أن أَذكُرَ لكم بِضعَةَ أسبابٍ أخرى. وسوفَ نَنتقلُ مِنَ العامِلينَ إلى العَمل. فنحنُ نَفرحُ باللهِ والمسيحِ والرُّوحِ القُدُس؛ ولكن لِنَنظُر إلى الأعمالِ الَّتي يَعملونَها. رابعًا: يجبُ علينا أن نَفرحَ كَرَدِّ فِعْلٍ مَنطِقيٍّ على البَركاتِ الرُّوحيَّةِ الَّتي تُعطَى لنا باستمرار. فهي لا تَتوقَّف. إنَّها لا تَتوقَّف. فمثلاً، نَقرأُ في رسالة أفسُس والأصحاحِ الأوَّلِ أنَّنا تَبارَكنا "بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّات". وهي بَركاتٌ تَستمرُّ وتَستمرُّ وتَستمرُّ وتَستمرّ. فاللهُ يَستمرُّ وَحَسْب في سَكْبِ بَركاتِهِ الرُّوحيَّة. وقد تَقول: "ما الَّذي تَعنيه بذلك؟ فأنا لا أشعرُ حَقًّا أنَّ حَياتي مُباركَة جدًّا الآن". اسمَحوا لي أن أقولَ لكم شيئًا: في كُلِّ مَرَّة تُخطئُ فيها وتُغفَرُ فيها خُطئتُك فإنَّ تلكَ بَركة عَظيمة لأنَّ عَدمَ الغُفرانِ سيُرسِلُكَ إلى جَهنَّم.

وفي كُلِّ مَرَّة يَجعلُكَ اللهُ فيها أكثر شَبَهًا بيسوعَ المسيحِ فإنَّها بَرَكة عَظيمة. وفي كُلِّ مَرَّة يُنَقِّيكَ اللهُ فيها مِن خلالِ تَجاربِ الحياةِ فإنَّها بَرَكة عَظيمة. فاللهُ يُغدِقُ غُفرانَهُ عليكَ، ويَسُدُّ حَاجاتِكَ. واللهُ يَجعَلُكَ تَعيشُ يَومًا آخرَ، ويُجَنِّبُكَ آلامًا رُبَّما لم تَختبرها يومًا ولن تَعرفَ طَعمَها لأنَّكَ لم تَختبرها وذلكَ بسببِ رَحمتِه. فالبَرَكاتُ تَنهَمِرُ عليكَ باستمرار. وهو يَعملُ الآنُ (وأنا أُفَكِّرُ في ذلكَ كثيرًا) على إعدادِ مَنزِلٍ لنا. فهناكَ أمورٌ تَحدُثُ في السَّماءِ لإعدادِ مَكانٍ لَنا؛ وهي بَركاتٌ سنَختبرُها في المُستقبَل.

فاللهُ يُغدِقُ علينا بَرَكَتَهُ، ويُغدِقُ علينا غُفرانَهُ، ويُغدِقُ علينا إرشادَهُ، ويُغدِقُ علينا حِكمَتَهُ، ويُغدِقُ علينا قُوَّتَهُ. فكُلُّ البَرَكاتِ الرُّوحيَّةِ تُسكَبُ علينا بِلا تَوقُّف. فكُلُّ فَرحٍ رائعٍ وغَنِيٍّ في هذه الحياةِ يَأتي مِنه. وأنا أتحدَّثُ هنا عنِ البَركاتِ الَّتي تُرَى والَّتي لا تُرَى. وهل فَكَّرتَ يومًا في الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي يَشفَعُ فيكَ كُلَّ حين بأنَّاتٍ لا يُنطَقُ بها؟ فهذا يَحدُثُ طَوالَ الوقت. فالرُّوحُ القُدُسُ يَشفَعُ فيكَ ويَطلُبُ مِنَ اللهِ دائمًا أن يَفعلَ كُلَّ ما يَؤولُ إلى بَرَكَتِكَ وفَرَحِكَ، وما يَؤولُ إلى تَمجيدِه. والرُّوحُ القُدُسُ يُصَلِّي دائمًا بِحَسَبِ مَشيئةِ اللهِ (كما جاءَ في رسالة رُومية والأصحاحِ الثَّامن). لِذا فإنَّ صَلواتِهِ لأجلِكَ مُستجابَة دائمًا. كما أنَّ شَفاعةَ يَسوعَ المسيحِ لأجلِكَ لا تَتوقَّفُ أيضًا. فهو أمامَ عرشِ اللهِ دائمًا يَشفَعُ فيكَ. فهناكَ بَركاتٌ لا تَنتهي – بَركاتٌ لا تَنتهي.

خامسًا: الفَرَحُ هو رَدُّ فِعْلٍ مُناسِبٍ على العِنايةِ الإلهيَّة. وقد تَحدَّثنا قليلاً عن هذه النُّقطة؛ ولكنِ اسمَحوا لي أن أجعَلَها نُقطةً مُحَدَّدَة. الفرحُ هو رَدُّ فِعلٍ مُناسبٍ على العِنايةِ الإلهيَّة. وعندما أقولُ العِنايةَ الإلهيَّةَ فإنِّي أعني ببساطةٍ حقيقةَ أنَّ اللهَ يُهيمِنُ على كُلِّ الظُّروفِ ويَجعلُها تَعمَلُ لِخَيرِك. والعِنايةُ الإلهيَّةُ (كما أقولُ دائمًا) هي مُعجزة أكبر في نَظري مِن أيَّة مُعجزة أخرى. فلو كُنتُ اللهَ، سيكونُ الأمرُ أسهل بكثير. فإن أردتُ أن أفعلَ شَيئًا مُحَدَّدًا، أو إن أردتُ أن أُحَقِّقَ هَدفًا مَا، أو إن كانَت لديَّ غايةٌ أو خُطَّة، أو كَانَ لديَّ قَصدٌ أو مَرامٌ مُعيَّن أريدُ تَحقيقَهُ، يُمكنُني أن أتدخَّلَ وَحَسْب وأُحَقِّقَهُ.

وكما تَعلمونَ، هذه هي طَبيعَتي بأيَّةِ حَال. فالأشخاصُ الَّذين يَعرفونَني ويَعملونَ معي يَعلمونَ أنَّني إن وَضَعْتُ هَدَفًا نُصْبَ عَينيَّ فإنِّي أمضي بأسرعِ وقتٍ مُمكن لتنفيذِه. وهناكَ أشخاصٌ يَقولونَ لي: "جون! لا تَتَعَجَّل كثيرًا. يجب عليكَ أن تَعقِدَ لُجنةً، ويجب علينا أن نَتحدَّثَ إلى هؤلاءِ النَّاس، ويجب علينا أن نُطلِعَهُم على ما يَجري، ويجب علينا أن نُعطي الآخرينَ فُرصةَ للمُشاركة، ويجب علينا أن نَفعلَ كَذا وكَذا". ولكنِّي أرجِعُ إلى الوراءِ وأقول: "أجل، ولكنَّكُم تَعلمونَ أنَّ ما سأفعَلُهُ صَحيح". "أجل، بكُلِّ تأكيد! إنَّهُ صَحيح". لِذا، لو كنتُ مَكانَ اللهِ؛ ومِنَ المؤكَّدِ أنَّها فِكرةٌ غير مَعقولة؛ ولكن لو كُنتُ مَكانَ اللهِ لَقُلتُ: "انْسُوا موضوعَ العِنايةِ الإلهيَّة. سوفَ أصنَعُ مُعجزةً الآنَ" ويَنتهي الأمر.

ولكنَّ اللهَ يَقول: "لا! سوفَ نَسمحُ بحدوثِ كُلِّ تلكَ الأشياء. وسوفَ أُهيمِنُ على كُلِّ ما يَجري؛ أي على مِلياراتِ الأحداثِ، وأجعلُها كُلُّها تُحَقِّقُ الغايةَ الَّتي أُريد". ما هذا الإعجاز؟ فاللهُ يُهيمِنُ على كُلِّ ما يَجري في حياتِكَ لتحقيقِ قَصدِهِ وَهُوَ: أن يَجعلَكَ مُشابِهًا ليسوعَ المسيح. تَخَيَّلوا أنَّ اللهَ يَجلِسُ في الأعلى ويَقول: "ما هذا! لم أتوقَّع حُدوثَ ذلك! كيفَ سأُصلِح هذا الأمر؟" ولكن يا لها مِن ثِقةٍ عَميقةٍ بأن نَعلمَ أنَّهُ مُهيمِنٌ على كُلِّ شيء. فهذا مُدهش.

سادسًا: الفَرحُ هو تَجاوبٌ مُناسبٌ على الوَعدِ بالمجدِ المُستقبليّ. والسَّببُ الَّذي دَفَعني إلى كِتابةِ كِتابٍ عنِ السَّماءِ هو أنَّهُ إن لم تَكُن هذه النَّظرة مَوجودة لدى المؤمنين لكُنتُم في حالةٍ يُرثَى لَها وعالِقينَ هُنا. أمَّا إذا انهمكتُم في التَّفكيرِ في الأمجادِ المُستقبليَّة فإنَّ أمجادَ الحياةِ الحاضرةَ ستَزولُ شيئًا فشيئًا. أليسَ كذلك؟ فكما تَعلمونَ، عندما قالَ بولسُ لأهلِ كولوسي: "اهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى الأَرْض" لم يَكُن يُحاولُ أن يقولَ لهُم شيئًا مُؤلمًا جدًّا بِمَعنى: "افعَلوا هذا بالرَّغمِ مِن أنَّهُ سيكونُ مُؤلِمًا جدًّا"، بل كانَ يَقولُ لهم شيئًا مِن شأنِهِ أن يُحَرِّرَهُم مِن كُلِّ انهِماكٍ زائدٍ عنِ الحَدِّ بأمورٍ غير مُهمَّة أصلاً. وما أعنيه هو أنَ فَرَحَكُم لا يُمكِنُ أن يُمَسَّ البتَّة. لقد اتَّصلتُ بأُختي الَّتي أُصيبت بداءِ السَّرَطان وتَحدَّثنا على الهاتِف كما نَفعلُ كثيرًا. والحقيقةُ هي أنَّني سأذهبُ لزيارتِها ورؤيتِها في هذا الأسبوع. وقد قلتُ لها: "حسنًا يا جولي (Julie)، انظري: إنَّ أسوأَ شيءٍ قد يَحدُثُ لكِ هو أفضلُ شيءٍ يُمكِنُ أن يَحدُثَ لأيِّ شخص".

قالت: "أنا أَعلمُ ذلك، ولا أَشُكُّ البَتَّة في ذلك". قلتُ: "إنَّ أسوأَ شيءٍ قد يَحدُثُ لكِ هو أن تَذهبي لتكوني في حَضرةِ الرَّبِّ في أمجادِ السَّماء". قالت: "هذه هي ثِقَتي". وقد قالت: "لقد أرسَلوا إليَّ طَبيبًا نَفسيًّا اليومَ في المُستشفى برفقةِ شخصٍ مَا وقالوا لي: "سوفَ نَضَعُكِ في بَرنامَجٍ للعِلاجِ الجَماعيِّ، ونَضَعُكِ في بَرنامَجٍ للمُعالجةِ الخاصَّة لأنَّنا نُريدُ مِنكِ أن تَتلامَسي معَ كِيانِكِ الطُّفوليِّ البَاطِن". ولكنَّها قالت لَهُم: "لا، شُكرًا. أنا لستُ بحاجةٍ إلى التَّلامُسِ معَ كِياني الطُّفوليِّ البَاطِن. شُكرًا لكُم. فأنا أتلامَسُ معَ رَبِّي يسوعَ المسيح وكُلُّ شيءٍ على ما يُرام. كُلُّ شيءٍ على ما يُرام". لِذا، يُمكنكم أن تُواجهوا أيَّ موقفٍ إن كانَ هذا الرَّجاءُ مَوجودًا في قُلوبِكُم. وهذا جُزءٌ لا يَتجزَّأُ مِنَ الحِفاظِ على فَرَحِكُم. وأنا لا أنزعجُ كثيرًا بسببِ مَا يَحدُثُ هنا لأنَّها حياة مُؤقَّتة جدًّا ولا يُمكنُني إصلاحُ الأمورِ في كُلِّ الأوقاتٍ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال. وهذا يَجعلُ السَّماءَ أكثرَ رَوعةً وجاذبيَّة.

أمَّا النُّقطةُ السَّابعةُ في لائِحَتي الصَّغيرة فهي التَّالية: الفَرحُ (أيِ الفَرحُ الدَّاخليُّ العَميق) يَنبغي أن يَظَلَّ مَوجودًا دائمًا كَشيءٍ نُعَبِّرُ مِن خِلالِهِ عنِ امتِنانِنا للهِ على استجابَتِهِ لِصَلاتِنا. "اُطْلُبُوا تَأخُذُوا، لِيَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً" (إنجيل يوحنَّا 16: 24). ما الشَّيءُ الَّذي طَلبتُهُ ولم يَفعلهُ الرَّبُّ إن كانَ مُتوافقًا معَ شَخصِهِ وقَصدِه؟ لقدِ استجابَ الرَّبُّ لصَلواتي المَرَّة تِلو المَرَّة تِلو المَرَّة. وتَعبيرًا عنِ امتِناني لكُلِّ الصَّلواتِ المُستَجابَة، وكُلِّ الصَّلواتِ الَّتي لم يَسْتَجِب لها بَعد ولكنِّي أعلمُ أنَّهُ سيَسمَعُها ويَستجيبُ لها، لا يُمكِنُ لأيِّ شيءٍ أن يُؤثِّرَ سَلبيًّا في فَرَحي.

ثامِنًا: تَقديرًا للكِتابِ المُقدَّس – تَقديرًا للكِتابِ المُقدَّس. إنَّ المَزمور 19: 8 (كما تَعلمونَ) هو واحدٌ مِن مَزاميري المُفَضَّلة. ويُمكِنُني أن أَعِظَ مِنهُ كُلَّ الوقتِ لو كانَ الأمرُ بيدي. ويُمكنُني أن أُشيرَ إليهِ مِرارًا وتَكرارًا: "وَصَايَا الرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ تُفَرِّحُ الْقَلْبَ". فالكِتابُ المُقدَّسُ يَجعَلُني فَرِحًا. وقد قالَ إرْميا: "وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلاَمُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي". وهُناكَ المَزمور 119. اقرأوا وَحَسْب المَزمور 119. وما أكثرَ المَرَّاتِ الَّتي قالَ فيها داودُ إنَّ كلمةَ الرَّبِّ تُفَرِّحُ قَلبَهُ، وإنَّ كلمةَ الرَّبِّ تُبهِجُ قَلبَهُ! ويجب أن تَشعروا بالتَّقديرِ العَميقِ لكلمةِ اللهِ حَتَّى إنَّها تَجعلُكُم فَرِحين، وتَجعلُكُم تَشكرونَهُ على كُلِّ ما وَهَبَكُم إيَّاه. اسمَعوا ما قالَهُ يوحنَّا: "وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً". كاملاً.

تاسعًا: يجب عليكم أن تَفرحوا دائمًا تَقديرًا للشَّركةِ المسيحيَّة – تَقديرًا للشَّركةِ المسيحيَّة. فما أَحْلَى الشَّركةَ المسيحيَّة! فبولُس يَقولُ في رسالتهِ الأولى إلى أهلِ تسالونيكي 3: 9: "لأَنَّهُ أَيَّ شُكْرٍ نَسْتَطِيعُ أَنْ نُعَوِّضَ إِلَى اللهِ مِنْ جِهَتِكُمْ عَنْ كُلِّ الْفَرَحِ الَّذِي نَفْرَحُ بِهِ مِنْ أَجْلِكُمْ قُدَّامَ إِلهِنَا؟" فبولُس يَقول: "أنا فَرِحٌ وَحَسْب بسببِكُم". ويُمكنني أن أقولَ ذلك. فهناكَ أمورٌ كثيرة تَجلِبُ الفَرحَ إلى حَياتي بسببِكُم، وبسببِ كيفيَّةِ استخدامِ اللهِ لَكُم، ومُباركتِهِ لَكُم، وكيفيَّةِ قَبولِكُم للكلمة، وخِدمَتِكُم للرَّبّ، وبسببِ أنِّي أذهبُ إلى أماكِن كثيرة حَولَ العالَم وفي جَميعِ أرجاءِ أمريكا، والنَّاسُ يأتونَ ويقولونَ لي ما يَعنيهِ الرَّبُّ لَهُم، وما تَعنيهِ الكلمة لَهُم.

فعندما ذَهبتُ إلى شيكاغو، ذَهبتُ لتَناوُلِ العَشاءِ فقالَ لي أحدُ الأشخاصِ: "أريدُ أن أَحكي لكَ قِصَّةً". وقد قال: "لقد ذَهبتُ إلى مَكانٍ يُدعى ’هَندريد مايل بوست‘ (Hundred Mile Post). قلتُ: "وما هو هذا المكان؟" قال: "إنَّها بَلدة في كندا. فعندما تَترُكُ الجُزءَ المُتَحَضِّرَ وتَذهبُ إلى شَمالِ كَندا باتِّجاهِ الدَّائرةِ القُطبيَّةِ الشَّماليَّة، سَتَصِلُ إلى مَنطِقَةِ غَاباتٍ تُقطَعُ فيها الأخشابُ يَضَعُ فيها السُّكَّانُ عَمودًا خَشبيًّا كُلَّ خَمسينَ مِيلاً. لِذا، هُناكَ عَمودُ الخَمسين ميل، وعَمودُ المِئة ميل، وعمودُ المئة والخمسينَ ميلاً، وعَمودُ المِئتيّ ميل. وهو مَكانٌ نَاءٍ. وقد قال: "لقد ذهبتُ إلى مَكانٍ يُدعَى ’عَمود المِئة مِيل‘ والتقيتُ شخصًا. وهناكَ كنيسة في ذلك المَكان". وأعتقدُ أنَّها كنيسة تَضُمُّ مِئةً وخمسينَ أو مِئتيّ شخص في هذا المكانِ الَّذي لا يَقطُنُهُ أُناسٌ كثيرون.

وقد أخبَرَني ذلك الشَّخصُ كيفَ ابتدأت هذه القصَّة. فقد ذهبَ أحدُ المُرسَلينَ إلى هُناك. وهي مَنطقةٌ يَقطُنُها جَماعَةٌ مِنَ الحَطَّابين. وقد ذهبَ هذا المُرسَلُ إلى هُناكَ وقَدَّمَ لهُم عِظاتٍ مُسَجَّلة مِن إصداراتِ هَيئة "غريس تو يو" (Grace To You) قبلَ خمس عشرةَ سنة. ولم تَكُن هُناكَ خِدمة هناكَ قَطّ. وقد استمعَ أحدُ الأشخاصِ إلى هذه الأشرطةِ ونالَ الخلاصَ. ثُمَّ أحضرَ المَزيدَ والمَزيدَ والمَزيدَ مِنَ الأشرطة. والآن، هناكَ كنيسة في ذلكَ المَكان تَضُمُّ مِئتي شخصٍ في ذلكَ المَكان الَّذي يُسَمَّى "هَندريد مايل بوست". وقد كانَ هذا الشَّخصُ يَستمتِعُ بالشَّركةِ وبحقيقةِ أنَّ هُناكَ رَعيَّة لأنَّها تُعَدُّ امتِدادًا لكنيسة "غريس" (Grace Community Church) بسببِ التَّعليم. وهل مَن شَيءٍ أَحلى مِن ذلك؟ أن تكونَ هناكَ شَرِكَة مَسيحيَّة حينَ تَحتاجُ إليها، أو أن يكونَ هناكَ صَديقٌ أو شخصٌ تُصَلِّي مَعَهُ وتَستمدُّ مِنهُ القُوَّة!

النُّقطةُ العاشرةُ والأخيرة: يجب علينا أن نَفرحَ كُلَّ حين تَعبيرًا عن تَقديرِنا لامتيازِ الشَّهادَةِ وامتيازِ الكِرازةِ بالإنجيل. فيا لَهُ مِنَ امتيازٍ لنا أن نَكرِزَ بالمَسيح. يا لهُ مِنَ امتيازٍ، ويا لَهُ مِن شَرَف! هل تَذكرونَ الرُّسُلَ في الجُزءِ الأوَّلِ مِن سِفْر أعمالِ الرُّسُل؟ فقد كانوا يَجلِدوهُم، ويَضربوهُم، ويَضطَهِدوهُم. ثُمَّ إنَّهُم صَرَفوهُم مِن هُناكَ فماذا فَعَلوا؟ لقد مَضَوْا ماذا؟ فَرِحينَ لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِ المَسيح. فقد كانوا مُتَحَمِّسينَ للكِرازةِ بالإنجيل بِغَضِّ النَّظرِ عنِ التَّكلُفة. هذه هي الأسباب؛ ولكن كما تَعلمونَ، هُناكَ أمورٌ قد تُعَطِّلُ فَرَحَكُم.

فإن لم يَكُن هناكَ فَرحٌ في حَياتِك، اسمَحوا لي أن أَذكُرَ هذهِ الأمور، ثُمَّ سَنَختِمُ حَديثَنا. أولاً، قد يكونُ السَّببُ في ذلكَ هو أنَّكَ لستَ مُخَلَّصًا. أجل. فقد يكونُ السَّببُ هو الخَلاصُ الزَّائِف. ولَعَلَّكُم تَذكرونَ ما جاءَ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 13 عنِ البُذورِ الَّتي وَقَعت في التُّربة، ولكنَّ التُّربةَ كانت مُحْجِرَةً. وقد أَنْبَتَتْ وكانَ هُناكَ فَرَحٌ. ثُمَّ إنَّ الشَّمسَ أشرَقَت وأحرقتها فماتت فلم تَعُد هُناكَ حَياة. فرُبَّما اختبرتَ حَماسَةً نَفسيَّةً أو شُعورًا بالبَهجَةِ أو فَرَحًا عَاطفيًّا؛ ولكنَّهُ اختَفى. فإن كنتَ لا تَشعُرُ بالفَرحِ في حَياتِكَ، ولا تَستطيعُ التَّغلُّبَ على ذلك، قد يَرجِعُ السَّببُ في ذلكَ إلى أنَّكَ لا تَعرِفُ المَسيحَ حَقًّا. لِذا، يجب عليكَ أن تَفحصَ نَفسَكَ لتَرى إن كُنتَ في الإيمان.

ثانيًا، رُبَّما سَقطتَ في تَجربة. فرُبَّما سَقطتَ في تَجربةٍ قويَّةٍ جدًّا لأنَّهُ إن كانَ يوجدُ شيءٌ يُحِبُّ الشَّيطانُ أن يَفعلَهُ فهو أن يَسْلِبَكَ فَرَحَك. فهو "كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ" (كما يَقولُ بُطرس). لِذا فإنَّ بُطرسَ يَقول: إليكُم الحَلَّ: "مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْه". فرُبَّما تَحْمِلُ جُزءًا كَبيرًا مِن حِمْلِك. وقد يَصيرُ هذا الأمرُ تَجربةً بسُرعة كبيرة لأنَّكَ لا تَتْرِكُ ذلكَ الحِمْل. "مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْه". "مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْه". ورُبَّما كانت لديكَ تَوقُّعاتٌ زائفة. ورُبَّما تَظُنُّ أنَّكَ تَستحقُّ أكثرَ مِمَّا تَحصُل عليه في حين أنَّكَ تَستحقُّ في الحقيقةِ أقَلّ. أليسَ هذا صَحيحًا؟ فما الَّذي يَستحقُّهُ الشَّخصُ غيرُ المُخَلَّص؟ وما الشَّيءُ الَّذي يَستحقُّهُ الخاطِئُ الشِّرِّير؟ جَهنَّم!

ولكنَّ اللهَ يُعطيهم برحمَتِهِ حَياةً، وشَمسًا، ومَطرًا، وطَعامًا، وعائلةً، ومَحبَّةً؛ وهذا أكثر بكثير مِمَّا يَستحقُّونَهُ. فاللهُ يَفعلُ ذلك حتَّى للأشخاصِ الَّذينَ لا يَنتمونَ إليه. لِذا، انظروا إلى ما يُعطينا إيَّاه بالرَّغمِ مِن أنَّنا لا نَستحقُّ أيَّ شيء. فهو يُعطينا الكَثير جدًّا. ولماذا يَتوقَّعُ النَّاسُ كُلَّ شيء؟ تَرَكَت امرأةٌ الكنيسةَ وذهبت إلى كنيسةٍ خَمسينيَّةٍ تُنادي بإنجيلِ الرَّخاء. وقد عادت وقالت: "لا أريدُ أن أذهبَ إلى هُناك. فَهُم لا يَسمحونَ لكَ بأن تكونَ فَقيرًا أو مَريضًا". ففي الحياةِ الحَقيقيَّة، هناكَ أشخاصٌ فُقراءُ ومَرضَى. وهناكَ أشخاصٌ فُقراءُ وَحَسْب. وهناكَ أشخاصٌ مَرضَى وحَسْب. فما الَّذي تَتوقَّعُهُ مِنَ الحياةِ بأيِّ حَال؟ أن تكونَ سَعيدًا، وغَنيًّا، وناجِحًا، وبصحَّة جَيِّدة دائمًا، وأن تَحصُلَ على مُعجزاتٍ كثيرة؟ إذًا، أنتَ تُوْقِعُ نَفسكَ في وَرطةٍ حَقيقيَّة.

لِذا، أحيانًا عندما لا تَكونُ فَرِحًا، قد يكونُ السَّببُ هو أنَّكَ لستَ مُؤمِنًا. وقد يكونُ السَّببُ هو أنَّ هُناكَ تَجارب كثيرة في حياتِك. وقد يكونُ السَّببُ في ذلكَ هو أنَّكَ تَضَعُ تَوقُّعاتٍ زائفة. وهذا مُرتبطٌ بالكِبرياءِ يا أحبَّائي. فالسَّببُ قد يكونُ الكِبرياء. فقد يكونُ السَّببُ هو خَطيئة الكِبرياء؛ أيِ الخَطيئة البَشِعَة والقَبيحة الَّتي تَقول: "أنا لا أَملِكُ مَا يَكفي. أنا أريدُ المَزيدَ مِن هذا أو ذاكَ أو ذاك". وكما تَعلمونَ فإنَّ مُجتمعَنا كُلَّهُ يُرَوِّجُ لعدمِ الرِّضا. أليسَ كذلك؟ وما أعنيه هو أنَّهُم يَضعونَ نِساءً على شاشةِ السِّينما أوِ التِّلِفزيون كي يَجعلوكَ غيرَ رَاضٍ عن زَوجَتِك. وَهُم يَضعونَ رِجالاً على الشَّاشةِ كي يَجعلوكِ غيرَ راضية عن زَوجِكِ. وَهُم يَضعونَ سَيَّاراتٍ على الشَّاشةِ كي يَجعلوكَ غيرَ رَاضٍ عنِ السَّيَّارةِ الَّتي لديك.

فَهُم يَضعونَ كُلَّ تلكَ الأشياءِ أمامَكَ لكي يَجعلوكَ غيرَ رَاضٍ. والأساسُ الَّذي تَقومُ عليهِ كُلُّ الإعلاناتِ هو: "اجَعلوهُم غيرَ رَاضين". لِذا فإنَّ المُجتمَعَ يُهاجِمُكَ مِن هذه الزَّاوية. وأنتَ تَنظُرُ إلى بيتِكَ، وإلى زَوجَتِكَ (أو تَنظرينَ إلى زَوجِكَ)، وتَنظُرُ إلى سَيَّارَتِكَ، وحياتِكَ، وعَمَلِكَ وتَشعُرُ أنَّ كُلَّ هذهِ الأشياء لا تُوافِقُ الصُّورةَ الَّتي يُحاولونَ أن يُرَوِّجوا لها. ولكنَّ عَدَمَ الشُّعورِ بالرِّضا هو الَّذي يَقودُكَ إلى الشِّراءِ أو إلى التَّخلِّي عَمَّا لديكَ بسببِ ذلكَ الخِداع. والكِبرياءُ ستَجعلُكَ تَسعى إلى الحُصولِ على تلكَ الأشياء. وعدمُ الامتِنانِ سيَقتُلُ فَرَحَك. وسوفَ نَتحدَّثُ أكثرَ عن ذلك في هذا المَساء. وهناكَ أمرٌ آخر هو عَدَمُ الصَّلاة. فعدمُ الصَّلاةِ يَسلِبُكَ فَرَحَك. وهذا يُعيدُنا إلى ما قُلتُهُ سابقًا لأنَّكَ ستُحاول أن تَحْمِلَ حِمْلَكَ بنفسِك.

فسوفَ تُحاولُ أن تَفعلَ كُلَّ شيءٍ بنفسِك. ولكنَّكَ لستُ مُضطرًّا إلى القيامِ بذلك. فَقَط سَلِّم أَمْرَكَ للهِ، واطرَح هُمومَكَ أمامَ الرَّبِّ، وسَلِّمها لَهُ، ودَعْهُ يَحمِلها عنكَ: "مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْه". ونَقرأُ في رسالة فيلبِّي والأصحاح الرَّابع أنَّهُ ينبغي لنا أن نُصَلِّي: "لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى الله". ونتيجةً لذلك، سوفَ يَحِلُّ سَلامُ اللهِ في قَلبِك. وهناكَ شيءٌ آخر أريدُ أن أتحدَّثَ عنهُ وهو: المَشاعِر. فإن كنتَ تَعيشُ بالمَشاعِر، وتَتحرَّك بالمشاعِر، ستُلاقي صُعوبةً جَمَّةً في الحِفاظِ على الفَرح. فالنَّاسُ يَقولون: "أنا لا أشعرُ أنِّي فَرِحٌ. أنا لا أشعرُ أنِّي مُبْتَهِجٌ. وكيفَ يُمكنُني أن أفرحَ إن لم أكن أشعرُ بذلك؟ وكيفَ أتحكَّمُ بمشاعري؟" اسمَحوا لي أن أقولَ إنَّهُ ينبغي لكم أن تَفعلوا ذلك.

وما أعنيه هو: إن كانَ الجَميعُ يَعيشونَ ويَفعلونَ فقط ما يَرغبونَ في القيامِ به، كيفَ ستكونُ حالُ العالَم؟ فنحنُ جميعًا نَتحكَّمُ بمشاعِرنا بدرجاتٍ مُتفاوتة. وَمِنَ السُّخْفِ أن نَعيشَ ونقول: "أنا لا أشعرُ بذلك". إذًا، يجب عليكَ أن تَتحكَّمَ بمشاعِرِكَ كُلَّ الوقت. يجب عليكَ أن تَفعلَ ذلك. والطَّريقةُ الَّتي تَتحكَّمُ بها بمشاعركَ الَّتي تَسلِبُكَ فَرَحَكَ هي بأن تَملأَ ذِهنَكَ بالحَقّ. والآن، لقد وَصلتُ إلى النُّقطةِ الجَوهريَّةِ هُنا. والنُّقطةُ الجَوهريَّةُ هي كالتَّالي: إنَّ العامِلَ الرَّئيسيَّ الَّذي يُسهِمُ في غِيابِ الفَرَحِ هو الجَهل؛ أي ألاَّ تَعرِفَ الحَقَّ المُختصَّ باللهِ والمسيحِ والرُّوحِ القُدُسِ، وألاَّ تَعرِفَ فِكرَ المسيحِ، وألاَّ تَعرِفَ شَيئًا عن سِيادَةِ اللهِ ورَحمَتِهِ وعِنايتِه. وكُلُّ هذهِ الأشياءِ هي أمورٌ تَحدَّثنا عنها.

فعندما يَمتلئُ ذِهنُكَ بالعقيدةِ القويمة، وتُؤمِنُ بها بكُلِّ قلبِك، فإنَّها تُسيطِرُ على مَشاعِرِك. وحينئذٍ لن تَعيشَ بِحَسَبِ ما تُمليهِ عليكَ مَشاعِرُك. فأنتَ كَائِنٌ عَقلانيٌّ، ويجب عليكَ أن تَتحكَّمَ بمشاعِرِكَ بواسطةِ مَنطِقِكَ، وبواسِطَةِ عَقلِكَ. وعندما يَكونُ ذِهنُكَ مَملوءًا بالحقِّ الإلهيِّ فإنَّهُ سيَتحكَّمُ بمشاعِرِك. وهذا يُشبِهُ السَّفَرَ بالطَّائرة. فعندما يَحدُثُ خَطْبٌ مَا (كأن يَتَعَطَّلَ أحدُ المُحَرِّكاتِ) سوفَ تَشعُرُ بالخَوفِ والذُّعرِ والرُّعب. فالمشاعِرُ هي الَّتي تَسودُ آنذاك بصورة رئيسيَّة. ولكنَّكَ تَقولُ لنفسِك: "قد تكونُ هذه أروع خِبرة في حياتي! فقد تكونُ هذه هي الرِّحلة 841 إلى السَّماء. فقد أرى... قد أرى الرَّبَّ قريبًا. وعَمَلُ الرَّبِّ سيَستمرّ. أليست هذه فُرصة رائعة؟"

وكما تَرَوْنَ، يجب أن يُهيمِنَ المَنطِق. فالأفكارُ المَوجودة في عَقلِكَ هي الَّتي تُسيطر على مَشاعِرِك. فهناكَ أشخاصٌ يَقولون: "لن أنهارَ، ولن أُصابَ بالذُّعر، بل سأُسيطِر على نفسي. لا يَجوزُ أن تُحرِجَ نَفسَكَ". فكما تَعلمونَ، قد يُسيطِرُ العَقلُ في تلكَ اللَّحظةِ بطريقةٍ سَطحيَّة. وقد يَضبُطُ ذلكَ الإنسانُ نَفسَهُ لأنَّ حَياتَهُ عَزيزة. وقد حَدثَ ذلكَ لي عندما أَقلَعَتِ الطَّائرةُ مِن مَطار لوس أنجليس. فقد انفجرَ أحدُ المُحَرِّكاتِ حالَ إقلاعِ الطَّائرةِ فما كانَ مِنَ السِّيِّدةِ الَّتي تَجلس بجانبي إلاَّ أن غَرَزَت أَظفارَها في ذِراعي. وكما تَعلمونَ، كانَ ذلك مُؤلمًا جدًّا. ولكنِّي لم أفعل شيئًا سِوى الابتسام! فَمِنَ المؤكَّد أنَّ النَّاسَ سيُبدونَ رَدَّةَ فِعل على ذلك. ولكن فجأةً، رُحتُ أُفَكِّرُ في كُلِّ الاحتمالاتِ بخصوصِ ما قد يَحدُث.

وكما تَرَوْنَ فإنَّ مَشاعِرَكُم قد تُسيطِرُ على أذهانِكُم. لِذا، إن كانَ ذِهنُكَ مَملوءًا بالحقِّ المُعلَنِ في كلمةِ الله، سوفَ تَتجاوبُ مَشاعِرُكَ وَفقًا لها. أليسَ كذلك؟ لِذا، سوفَ تَتجاوبُ تَجاوبًا سَليمًا معَ الواقعِ. وهذا هُوَ الشَّيءُ الأكثر أهميَّة لأنَّ هذا هو الواقعَ الرُّوحيّ. حسنًا، أعتقد أنَّكُم فَهِمتُم الرِّسالة الآن: "افرَحُوا كُلَّ حِين". أَلاَ فَعلتُم ذلك؟ دَعونا نُصَلِّي: يا أبانا، نَشكُرُكَ على هذا الصَّباح الرائع. ونَشكُرُكَ على فَرَحِ وُجودِنا معًا. نحنُ نَعلمُ أنَّ فَرحَ الرَّبِّ هو قُوَّتُنا، وأنَّهُ يُعطينا القُوَّةَ للتَّغَلُّبِ على كُلِّ تَحَدِّياتِ الحياة. نَشكُرُكَ لأنَّكَ أعطيتَنا سَبَبًا كي نَفرحَ فَرَحًا لا يَنتهي.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize