Grace to You Resources
Grace to You - Resource

كما تَعلمون، نحن نُقَدِّم سلسلةً صغيرة عن دراسة الكتاب المقدَّس وكيفيَّة جَنْي أكبر فائدة ممكنة من كلمة الله. ويسعدني أن أقول لكم إنَّه في شهر آب/أغسطُس، سوف يَصدُر كتاب بعنوان: "كيف تَجني أكبر فائدة من كلمة الله" (How to Get the Most Out of God’s Word)؛ وهو سيحوي بعضًا مِمَّا أقوله لكم، وما هو أكثر بكثير من ذلك. وسوف يكون كتابًا بالحجم العاديِّ وذا غلافٍ وَرقيّ. وأنا متحمِّس حقًّا لصدوره لأنِّي، كما تَعلمون، شَغوفٌ بكلمة الله. وعلى مَرِّ السِّنين، ألَّفتُ كتبًا عديدة وكَتبتُ مقالاتٍ وأمورًا أخرى عديدة عن الكتاب المقدَّس. وهذا الكتاب يَجمَع بين غِلافَيْه زُبْدَة كلِّ ذلك، ويُضيف إليها، ويجمعها في كتابٍ واحد. ومَرَّةً أخرى، عنوان الكتاب هو: "كيف تَجني أكبر فائدة من كلمة الله". وعندما كنت أقرأ الكتاب وأُنَقِّحهُ، رُبَّما كانت زوجتي "باتريشا" (Patricia) تتعجَّب مِن ابتهاجي الشَّديد بشيءٍ كتبته بنفسي! ولكنِّي كنت أقول لها باستمرار: "هذه المادَّة دسمة حقًّا. إنَّها جيِّدة جدًّا".

وما حدث هو أنِّي كتبتُ ذلك قبل وقتٍ طويلٍ جدًّا حتِّى إنِّي نسيت أنِّي قلت كلَّ هذه الأشياء. لذا فإنَّ ذلك الكتاب سيُلخِّص الكثير من هذه المادَّة الَّتي نشاركها معكم. وإنَّها لبركة عظيمة لنا أن يأتي أشخاص كثيرون إلى كنيستنا، وأن يُقبِل كثيرون إلى الإيمان. ففي مساء يوم الأحد الماضي، كان هناك نحو ثمانين شخصًا رَحَّبْنا بهم في يمين الشَّركة في هذا الشَّهر في عائلة الكنيسة. وكان كثيرون منهم قد قبلوا المسيح حديثًا. ونحن نَهتمُّ جدًّا بترسيخ أساس الثِّقة بكلمة الله. وقد كنتُ وما زلتُ أقول للوعَّاظ طوال فترة خدمتي إنَّه عندما تخضع رعيَّتكم بوعيٍ لسُلطان كلمة الله، يمكنكم أن تفتحوها على أيِّ مَوضِعٍ فيخضعون للحقِّ المُعلَن فيها. لذا فإنَّ فَهْمَكم لما هو موجود لديكم في كلمة الله مهمٌّ جدًّا.

لذا، في هذه السِّلسلة القصيرة عن كيفيَّة دراسة الكتاب المقدَّس، نحاول أن نُرَسِّخ ماهيَّة الكتاب المقدَّس كي تنجذبوا إلى تلك الدِّراسة. ثُمَّ إنَّنا سندخل في التَّفاصيل المختصَّة بكيفيَّة القيام بذلك ابتداءً مِن هذه اللَّيلة. وعلى سَبيل التَّمهيد ومُتابعة طرح مجموعةٍ من الأفكار الجوهريَّة المختصَّة بكيفيَّة دراسة الكتاب المقدَّس (وهو أمرٌ سنبتدئُ القيام به، كما قلتُ، في هذا المساء)، اسمحوا لي أن أُذكِّركم بأنَّ الكتاب المقدَّس هو أكثر كتابٍ فَعَّالٍ في الوجود. فهو أكثر تُحفة أدبيَّة فاعليَّةً كُتِبَتْ يومًا. وبحسب ما جاء في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 4: 12، فإنَّه حَيٌّ وَفَعَّالٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْن. وَهُوَ يمتلك القدرة على اختراق مَفْرَقِ نفسِ الإنسان، وتَشريحه، والكشف عن طبيعته وشخصيَّته وخطيَّته وأشواقه سواءٌ أكانت مُوَجَّهة نحو الخطيَّة أَم نحو الله. فَهُوَ يستطيع حقًّا أن يُمَزِّقَكَ إرْبًا. فهو يَتغلغل عميقًا. وَهُوَ أداة قويَّة وحيَّة يستخدمها اللهُ ليكشف لنا قلبنا وحقيقتنا.

ولكنَّ الكتاب المقدَّس لا يَكتفي فقط بتمزيقك إرْبًا، بل إنَّه يُعيد لَمَّ أشلائِك مَرَّةً أخرى. فبحسب ما جاء في رسالة بطرس الأولى والأصحاح الأوَّل، فإنَّ الرَّسول بطرس يُذكِّرنا بأنَّ لدينا كلمة الله الحيَّة الباقية التي هي الحقُّ الدَّائم الَّذي يَبني اللهُ عليه أساس الحياة الأبديَّة والمجد. لِذا، معَ أنَّ الكلمة تمتلك القدرة على هدم ثِقتنا بأنفسنا وتمزيقها والقضاء عليها، وأنَّها تمتلك القدرة على كشف الحالة الحقيقيَّة لقلوبنا، فإنَّها تمتلك القدرة أيضًا على لَمِّ أشلائِنا مَرَّةً أخرى. وبحسب ما جاء في رسالة يوحنَّا الأولى 1: 4 فإنَّ يوحنَّا يقول: "وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً". فالكتاب المقدَّس هو أيضًا مصدر فرحٍ لا يُنطَق به، قائم على السَّلام والرَّجاء التَّامَّيْن الآن وفي الأبديَّة. فهذا هو أكثر كتابٍ فَعَّالٍ في الوجود. فلكي يكون قادرًا على القيام بهذه الأشياء الحيَّة، يجب ألاَّ يكون كلام بشر، بل كلمة الله الحيَّة. وهذه هي الحقيقة المُختصَّة به.

لذا فإنَّ المزمور 138: 2 يقول إنَّ الله قد عَظَّمَ كَلِمَتَهُ عَلَى كُلِّ اسْمِهِ. فمن المستحيل أن نفصل مجد الكلمة عن الله نفسه لأنَّها بحقّ كلمته. فالكتاب المقدَّس ليس كلامًا بشريًّا، بل هو كلمة الله. وأريد أن أتحدَّث عن ذلك قليلاً في هذا الصَّباح لأنَّك إن أردت أن تكون تلميذًا للكتاب المقدَّس، سوف يتوقَّف ذلك كثيرًا على ثقتك في الكتاب المقدَّس وفهمك لهذا الكتاب الَّذي تقرأه. فالكتاب المقدَّس هو الحقُّ المُعلَن. ففيه يتكلَّمُ اللهُ.

وأريد منكم أن تفتحوا على بضعة نصوص في الكتاب المقدَّس كي تفهموا هذا الأمر. أوَّلاً، الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاح الأوَّل ... الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاح الأوَّل. وسوف يكون الأمر شبيهًا بدرسٍ في غُرفة الصَّفِّ وليس عظةً عاديَّةً كتلك العظات الَّتي نُقدِّمها عادةً أو في أغلب الأحيان يوم الأحد. ولكنِّي أعتقد أنَّه درسٌ مهمٌّ جدًّا. وسوف أقوم بدور المُعلِّم إن تمكَّنتُ مِن ذلك في هذا الصَّباح. ولكن في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين 1: 1 و2، نجد مُلَخَّصًا جيِّدًا لفكرة الإعلان؛ أي الحَقِّ المُعلَن: "اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ [حَرفيًّا] الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ". وسوف نتوقَّف عند تلك النُّقطة. فنحن نأتي هنا إلى حقيقة أنَّ الله تَكلَّم. وهذا يُلخِّص مسألة الإعلان. فالله قد تَكلَّم. وهذا يعني أنَّه أعلنَ نفسه، وأنَّه كشف عن نفسه. فالله أعلن الحقَّ للإنسان.

وكيف فعل ذلك؟ لقد فعل ذلك بأن كَلَّمَ الآباء. والمقصود بأنَّه كَلَّم الآباء هو أنَّه كَلَّم الرِّجال الَّذينَ كانوا قادة بني إسرائيل. وحتَّى قبل ذلك، كان قد كَلَّم بكُلِّ تأكيد الآباء الَّذينَ يُعرفون بالآباء المذكورين في التَّوراة؛ ولا سيَّما في سِفْر التَّكوين تحديدًا. فالله كَلَّمَ منذ وقتٍ طويلٍ آباء بني إسرائيل. وقد كَلَّمَهُم بالأنبياء. وهذه كلمة عامَّة وحسب تشير إلى كُتَّاب الأسفار المقدَّسة، أو إلى أولئك الَّذينَ تَكلَّموا نيابةً عن الله، أو الَّذينَ كانوا النَّاطقين الرَّسميِّين بلسان الله. وهي كلمة تَضُمُّ الأنبياء، أو هي اللَّفظة الاصطلاحيَّة الَّتي تشير إلى أولئك الأشخاص الَّذينَ يُدْعَوْنَ "الأنبياء" في العهد القديم. وهي لفظة تَضُمُّ أيضًا ملوكًا مِثل النبيِّ داود وسُليمان. وهي تَضُمُّ أيضًا كهنةً مثل صموئيل وآخرين استخدمهم اللهُ للتكلُّم.

إذًا فإنَّ الكلمة "نَبيّ" مُستخدمة هنا بالمعنى العامِّ غير الاصطلاحيِّ للإشارة إلى الشَّخص الَّذي يتكلَّم عن الله. فالله تكلَّم من خلال مُتكلِّمين وكُتَّاب بشريِّين؛ وهذا يعني بكلِّ تأكيد كُتَّاب الكتاب المقدَّس. والآية تقول إنَّه تكلَّم "بِأَنْوَاعٍ" كَثِيرَة ("پولوميروس" – “polumeros”). وهي كلمة تعني: "أجزاء". وهي تشير إلى حقيقة أنَّ الله تكلَّم (وهو يشير هنا إلى العهد القديم)، وأنَّه تكلَّم بوضوح باستخدام أدوات بشريَّة مثل الكُتَّاب، وأنَّه فعل ذلك في أجزاءٍ كثيرة. وهناك 39 جزءًا محدَّدًا في العهد القديم (إن جاز أن نُسمِّي هذه الأسفار أجزاءً). فهي 39 سفرًا. فالكتاب المقدَّس يَحوي 66 سفرًا: العهد الجديد يحوي 27 سفرًا، والعهد القديم يحوي 39 سفرًا. إذًا فقد تكلَّم في أجزاءٍ كثيرة.

وفي إطار هذه الأسفار، أو في هذه الأسفار التِّسعة والثَّلاثين الَّتي يمكننا أن ندعوها أجزاءً، هناك أجزاء أيضًا. فهذه الأسفار مُجَزَّأة وتحوي أجزاءً عديدة ومختلفة، وأقسامًا، وفقراتٍ، وهَلُمَّ جَرَّا. وقد فعل ذلك على مدى فترة زمنيَّة طويلة مِن خلال العديد من الأنبياء أو الكُتَّاب البشريِّين. ولكنَّه بمجمله كلام الله. وقد تكلَّم أيضًا (كما جاء في العدد الأوَّل) بطرق كثيرة ... بطرق كثيرة. وما الطُّرق الَّتي استخدمها الله لتوصيل هذه الكلمات إلى هؤلاء الأشخاص الَّذينَ كتبوها؟ هناك الرُّؤى. فأنتم تعلمون بكلِّ تأكيد أنَّه كانت هناك رؤى عديدة. وحتَّى إنَّ مُوسَى رأى الله في العُلَّيقة الَّتي تَتوقَّدُ بالنَّار في البَرِّيَّة. ورؤيا إشعياء معلومة لدينا أيضًا. ورؤى حزقيال معلومة أيضًا لدينا. وهناك العديد من الرُّؤى الأخرى الَّتي جاءت إلى الأنبياء. والحقيقة هي أنَّ الأنبياء يكتبون غالبًا ويتحدَّثون في كتاباتهم عَمَّا رأوه في تلك الرُّؤى: "وجاءت رؤيا الرَّبِّ إلى النبيِّ فُلان فكتبَ".

ثُمَّ إنَّ هناك الكلمات المباشرة الَّتي يقولها الله مِن خلال العمل في العقل البشريِّ وكشف الحقِّ للكاتب الَّذي وعظ بها أوَّلاً. لذا فقد كان بمقدوره أن يقول إنَّه تكلَّم بها نبويًّا، وأن يقوم بعد ذلك بتدوينها. فالله تكلَّم إلى كُتَّاب الأسفار المقدَّسة من خلال أمثال، ومِن خلال أنماطٍ، ومِن خلال رموزٍ، ومِن خلال طُقوس، ومِن خلال ما نُسمِّيه بالتَّجَلِّيات أو الظُّهوراتِ الإلهيَّة لله في هيئة ملاك الرَّبّ، أو حتَّى في ظُهوراتٍ مَرئيَّةٍ لله مثلما فعل في العُلَّيقة المُتوقِّدة. وقد تكلَّم أحيانًا من خلال صوت مسموع سُمِع من السَّماء بصورة مسموعة كي يُسمع بشكل واضح ومُميَّز ومُحدَّد. لذا فقد تحدَّث اللهُ بطرق كثيرة، وفي أجزاء كثيرة، ومِن خلال كُتَّابٍ بشريِّين مختلفين. فهذا هو ما تقوله تلك الآية.

وقد دُوِّن ذلك، أي هذا الإعلان الإلهيّ، في العهد القديم. وقد اعتاد النَّاس على تدوين هذا الإعلان الإلهيّ الَّذي أعلنه الله نفسُه؛ وَهُمْ أُناسٌ حصلوا على الاستنارة والقوَّة مِن خلال الرُّوح القُدُس. فالرُّوح القُدُس هو الَّذي مَدَّهم بالطَّاقة. فما لدينا في العهد القديم هو ليس مجموعة مُنتقاة مِن أفضل الحِكَم البشريَّة. فهذا الكتابُ لا يَضُمُّ أفضل تأمُّلات الأشخاص المُتديِّنين القدماء، بل هو صوت الله وكلمته. ثُمَّ إنَّ الله تكلَّم أيضًا (كما جاء في العدد الثَّاني) "في هذه الأيَّام الأخيرة". وهذه إشارة إلى زمن المسيَّا. فالأيَّام الأخيرة هي الزَّمن الَّذي يأتي فيه المسيَّا. والمسيَّا جاء، ووُلد في بيت لحم مُبتَدِئًا الأيَّام الأخيرة. وقد كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ. فقد أعلن اللهُ ذاتَه في يسوع المسيح. وقد كُتِبَ سِجِلُّ يسوع المسيح آنذاك وَدُوِّن.

فقد تَمَّ اختيار أربعة كُتَّاب (وَهُم: مَتَّى، ومَرقُس، ولوقا، ويوحنَّا) لكتابة السِّجِلِّ المُوحى به للإعلان الإلهيِّ في يسوع المسيح والَّذي يُعرَف لدينا باسم الأناجيل الأربعة. ثُمَّ إنَّ الكاتب لوقا أُوْحِيَ إليه مِن روح الله أن يُتابع تدوين الأحداث بعد حياة يسوع المسيح في سِفْر أعمال الرُّسُل، وأن يُبيِّن السَّنوات الباكرة للكنيسة. ثُمَّ جاء كُتَّاب الرَّسائل (بطرس، ويعقوب، ويوحنَّا، ويهوذا، وبولس). وقد كتبوا هذه الرَّسائل الَّتي تشرح بصورة رئيسيَّة وتُحَدِّد معنى وأهميَّة مجيء الله في المسيح، وعمله الفدائيّ. ثُمَّ إنَّ الكتاب المقدَّس يُختَم بسِفر الرُّؤيا الَّذي يَعِدُ بعودة المسيح بمجد.

فالعهد الجديد بأجزائه السَّبعة والعشرين الَّتي كتبها كُتَّاب مختلفون دَوَّن إعلان الله، ولا سيَّما ذاك الَّذي يتحدَّث عن شخص يسوع المسيح وما يختصُّ به. إذًا، هناك إعلان الله مِن خلال كُتَّابٍ أُوْحِيَ إليهم ودَوَّنوه في أجزاء تُعرف بالعهد القديم. وهناك إعلان الله مِن خلال كُتَّابٍ أُوْحِيَ إليهم ودَوَّنوه في أجزاء تُعرف بالعهد الجديد. فهناك سبعة وعشرون سِفْرًا وتسعةٌ وثلاثون سِفْرًا تُؤلِّف الأسفار السِّتَّة والسِّتِّين للكتاب المقدَّس. فهذا هو إعلان الله. فهو نِتاجٌ ... بل هو النِّتاج الفريد لإعلان الله عن ذاته. فالله قد تَكلَّم. فعندما تمسك كتابك المقدَّس فإنَّك تقرأ كلمة الله.

والطَّريقة الَّتي استخدمها اللهُ لتدوين إعلانه هذا تُعرَف بالوَحْي. والكلمة "وحي" هي كلمة تَصِف عمليَّةً، وتَصِف وسيلةً. ويمكننا أن نَعرف شيئًا عن هذه الوسيلة؛ وهي (بالمناسبة) وسيلة خارقة للطبيعة. فهي ليست طبيعيَّة. فقد نقول: "هناك أشخاص كتبوا ترانيم جميلة يبدو أنَّها كُتِبَتْ بإلهام". أو ربَّما تكتب رسالةً جميلةً إلى أحد الأشخاص وتقول إنَّها رسالة كُتبِت حقًّا بإلهام. أو ربَّما تُلقي خطابًا وتقول إنَّه خِطابٌ أُعِدَّ بإلهام. ولكنَّنا نتحدَّث عن مستوى بشريٍّ من الإبداع يختلف جدًّا عَمَّا نشير إليه هنا. فعندما نتحدَّث عن الوحي بالمعنى الكِتابيِّ فإنَّنا إنَّما نتحدَّث عن طريقة مُعيَّنة استَخدَمَ اللهُ فيها عمليَّةً خارقةً للطَّبيعة لإعلان كلمته.

افتحوا على رسالة بطرس الثَّانية كي نلقي نظرة جيِّدة على هذه العمليَّة. رسالة بطرس الثَّانية والأصحاح الأوَّل. ومِن صلاح الله أنَّه كشف لنا هذا الأمر أو هذه العمليَّة المختصَّة بالوحي في آياتٍ في العهد الجديد كي نفهمه. فنحن نقرأ في العَدَدَيْن 20 و 21 (في رسالة بطرس الثَّانية 1: 20 و 21): "عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ. لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ". إنَّ هاتين الآيتين مهمَّتان جدًّا مِن جهة هذه النقطة المختصَّة بالوحي. والكلمة الرئيسيَّة هنا هي الكلمة "مَسوقين" في العدد 21. "مَسوقين" أي: "مَحمولين" ... "مَحمولين". وهي كلمة تُستخدم في المصادر اليونانيَّة غير الدِّينيَّة للإشارة إلى شيءٍ يَطْفو فوق ماء جَدول ماء مِثل ورقة الشَّجر. فقد كانوا مَسوقين مِن الرُّوح القُدُس.

فكُتَّاب الأسفار المقدَّسة، أو الرِّجال الَّذينَ كتبوا الأسفار المقدَّسة...وبالمناسبة، لا توجد أيُّ كاتبة للأسفار المقدَّسة. فجميع الأسفار الستَّة والستِّين كتبها رجال. لذا فقد حَرَّك روحُ الله هؤلاء الرِّجال كي ينطقوا حقًّا بأقوال الله مَسوقين مِن الرُّوح القُدُس. ولنتعمَّق أكثر في هذا النَّصّ. فنحن نقرأ في العدد 21: "لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ". وعودة إلى العدد 20: "عَالِمِينَ هذَا أَوَّلاً: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ". والآن، هناك عبارتان تُعَبِّران عن إخلاء المسؤوليَّة إذ إنَّ كلتيهما تقول إنَّ الكتاب المقدَّس لم يأتِ مِن مصدرٍ بشريّ. فهو كتاب خارق للطَّبيعة أَلَّفَهُ اللهُ مِن خلال الرُّوح القُدُس إذ إنَّه سَاقَ كُتَّابًا بشريِّين إلى كتابة ما يريد الله أن يقوله تمامًا.

"أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ...". وهذا يُشير إلى كلِّ الكتاب المقدَّس. فلا يوجد مَوضِع في الكتاب المقدَّس ... وَهُوَ لا يتحدَّث عن النُّبوَّة بمعناها التَّنبُّؤيّ. فالكلمة "نُبوءة" تعني: "يَتكلَّم". فلا توجد رسالة من الله، ولا يوجد كلام مِن الله موجود في الأسفار المقدَّسة، ولا يوجد شيء مِن عند الله مُتَضَمَّن في الأسفار المقدَّسة هو...استمعوا إلى هذه العبارة: "لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ". وهذا يحتاج إلى قليلٍ من التَّوضيح. والحقيقة هي أنِّي لا أُحِبُّ كثيرًا الكلمة "تفسير" هنا لأنَّ الكلمة اليونانيَّة هي "إيپيلوسيس" (epilusis). وإن كنتم تعرفون شيئًا عن اللُّغة اليونانيَّة فإنَّ الكلمة "لُؤو" (luo) تعني: "يَفُكّ". وهذه الكلمة تُشير إلى التَّفكيك. فهي تَنطوي على فكرة تَفكيك شيءٍ ما. وهي تنطوي على فكرة حَلْحَلَةِ شيءٍ ما. " أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ"؛ وَهُوَ يتحدَّث هنا عن النَّصِّ الأصليِّ. فهو يتحدَّث عن المصدر.

ففي حالة الجَرِّ، يُشير الاستخدام إلى المَصدر. لذا فإنَّ ما يقوله بطرس فعليًّا هو ما يلي: "إنَّ الكتاب المقدَّس لم يأتِ مِن أيِّ مصدرٍ بشريٍّ". وهذا لا يعني أنَّه كان يوجد أشخاصٌ يتمتَّعون بعلاقة حميمة مع الله، ويَعرفون الله، ويراقبون عمل الله، ويعرفون تاريخيًّا أعمال الله، ويمتلكون مستوىً عاليًا مِن النُّبوغ البشريِّ ومستوىً عاليًا من رهافة الحِسِّ الدينيَّة حتَّى إنَّهم كتبوا أفضل ما فَهِموه عن الله. فالأمر لم يحدث بهذه الطريقة. فلم يحدث أن قام أسوأ الرِّجال أو أفضل الرِّجال بكتابة تأمُّلاتهم عن الله. فلا توجد نبوءة في الكتاب المقدَّس، ولا توجد رسالة في أيِّ موضعٍ في الكتاب المقدَّس ترجع في أصلها إلى مصدرٍ بشريٍّ. ولا حتَّى واحدة.

ثُمَّ إنَّه يحرص في العدد 21 على تعزيز هذه النُّقطة مِن خلال تَكرارها: "لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ". وهذه جُملة مدهشة جدًّا. فلا يوجد شخص، مهما بلغ مِن الشَّرف أو التَّقوى، قال: "أعتقد أنِّي سأكتب كتابًا مُقدَّسًا". فلا أحد قال ذلك وفعل ذلك. ورُبَّما كان هناك أشخاص قالوا ذلك، ولكنَّهم لم يفعلوا ذلك لأنَّ هذا مستحيل، و"لأنَّه لَمْ تَأتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ". فلا يمكنك أن تكتب كتابًا مُقدَّسًا بمشيئة إنسان. ولا يمكنك أن تكتب كتابًا مُقدَّسًا مِن مصدرٍ خاصٍّ. بل إنَّ هناك رجالاً سَاقَهُم الرُّوح القُدُس فتكلَّموا بكلام الله. فهذا الكلام لم يأتِ مِن إنسان. ولم تأتِ نُبوَّة قطّ بمشيئة إنسان. فهو الفعل نفسه. بل إنَّهم سِيْقُوا أو حُمِلوا (فهو نفس الفعل) بالرُّوح القُدُس. فالرُّوحُ القُدُسُ اختار الكاتب. والرُّوح القُدُس أعطى الرسالة إلى الكاتب حتَّى يكون ما يكتبه هو تمامًا كلمة الله المعصومة مِن الخطأ والمُنَزَّهة عن الخطأ. فقد تكلَّموا مِن عند الله، وكتبوا تمامًا ما أراد الله منهم أن يقولوه. هذا هو الوحي.

والآن، افتحوا على نَصٍّ آخر وَهُوَ الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس. ويمكننا أن نصرف وقتًا طويلاً في دراسة ذلك النَّصّ. وقد فعلنا ذلك في وقتٍ سابق. ولكنَّنا سنكتفي الآن بلَفْتِ أنظاركم إلى هذه الأقوال البديعة كي تفهموا طبيعة الوحي. الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس 3: 16 و 17: "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ". وهذا هو المَوضِع الَّذي نحصل منه على الكلمة "وحي". وهذه ترجمة للعبارة "باسا غرافي ثيوبنوستوس" (pasa graphe theopneustos). والكلمة "ثيوبنوستوس" تعني: "تَنَفَّسَهُ اللهُ". وهي تُترجَم هنا: "مُوحَى به". وهي تعني أنَّ الله تَنَفَّسَهُ.

فإن لم يوجد لديك أيُّ هواء، لا يمكنك أن تتكلَّم. وإن لم تكن قادرًا على إخراج الهواء مِن رئتيك، لا يمكنك أن تَهُزَّ أوتارك الصَّوتيَّة، ولا أن تُصدِر أيَّ صوت، ولا أن تُخرِج كلماتك. ونحن نقرأ هنا أنَّ الله تَنَفَّسَ الكتاب المقدَّس. فالله تَكَلَّم به. فهو نَفَسُ الله نَفسِه. وهذا لا يشير فقط إلى النَّفَس، بل يشير أيضًا إلى إخراج النَّفَس بطريقة تَصِل إلى الأوتار الصوتيَّة، وتَهُزُّ الأوتار الصوتيَّة، وتَخرج مِن الفم مُشَكِّلَةً النُّطق. فالله قال تمامًا ما أراد أن يقول. فالله قال ذلك.

ونجد في المزمور 33 نَصًّا مُشابهًا لهذا. المزمور 33: 6: "بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ". وإليكُم وَجْه التَّشابُه: "وَبِنَسَمَةِ فِيهِ كُلُّ جُنُودِهَا". فأنتم تجدون هنا عبارةً وهي "كلمة الرَّبّ"، وعبارة موازية لها: "نَسَمَةُ فِيْه". فنَسَمَةُ فِيْهِ هي كلمة الرَّبّ. فبنَسَمَةِ فِيْهِ (الَّتي هي كلمةُ الرَّبِّ)، خُلِق كلُّ شيء. فقد قال اللهُ له كُنْ فكان. إذًا فإنَّ العبارة "مُوْحَى به مِن الله" تعني أنَّ الله تَكلَّم، وأنَّ الله قال، وأنَّ الله صَرَّح. إذًا، الكتاب المقدَّس هو كلام الله. لذا فإنَّ الآية رومية 3: 2 تقول إنَّ الكتاب المقدَّس هو "أقوال الله" ... أقوال الله. فالله هو مؤلِّف ما يقوله الكتابُ المقدَّس.

فكُلُّ شيءٍ في الكتاب المقدَّس مَصدرُه الله. فهو ليس كتابًا بشريًّا. فكلُّ الكتاب المقدَّس وكلُّ آيةٍ فيه هي مِن نَفَسِ الله. فهي خارجة مِن أوتاره الصَّوتيَّة (إن جاز القول) بطريقة خارقة للطَّبيعة، وتنقل إلينا بدقَّة ما يريد أن يقوله لنا. وكلُّ كلمة مِن الله "نقيَّة" (كما يقول الكتاب المقدَّس). والكتاب المقدَّس لا يمكن أن يُنقَض (كما جاء في إنجيل يوحنَّا 10: 35). فالكتاب المقدَّس سيبقى بالرَّغم مِن أنَّ السَّماء والأرض ستزولان لأنَّه الكلمة الحيَّة والثَّابتة والأبديَّة الخارجة مُباشرةً مِن فم الله نَفسِه.

وقد أَقَرَّت الكنيسة بذلك في وقتٍ مُبكر جدًّا. فقد كانوا يَعلمون الأسفار الَّتي أَوحى اللهُ بها؛ على غِرار قِدِّيسي العهد القديم الَّذينَ كانوا يَعلمون الأسفار الَّتي أَوحى بها الله. فقد كانت هناك كُتب دينيَّة أخرى كثيرة كُتبت في الأزمنة القديمة. ففي زمن كتابة العهد القديم، كانت هناك كُتب أخرى تُكتَب. وهناك كُتب أخرى كُتِبَتْ وتُعرف باسم الأسفار المَنحولَة؛ وهي موجودة في الجزء الواقع بين العَهدين في الكتاب المقدَّس الَّذي تستخدمه الكنيسة الكاثوليكيَّة على سبيل المثال. ولكنَّ تلك الأسفار لم تُضَمّ إلى لائحة الأسفار الكِتابيَّة.

وكيف كانوا يَعلمون الفرق؟ كانت هناك طرق مُميَّزة جدًّا جدًّا لمعرفة الأسفار الكِتابيَّة: أوَّلاً، كانوا يَعلمون أنَّه ينبغي أن يكون السِّفْر مكتوبًا مِن قِبَل واحدٍ مِن النَّاطقين الحقيقيِّين بلسان الله؛ أيْ مِن قبل واحدٍ مِن أنبياء الله في حالة العهد القديم، أو مِن قبل واحدٍ مِن رُسُل الله أو رِفاق الرُّسُل في العهد الجديد. لِذا فقد كانوا يَعلمون أنَّه ينبغي أن يكون السِّفر مكتوبًا مِن قبل واحدٍ مِن الرُّسل أو يَحظى بمصادقة الرُّسل. وفي العهد القديم، كان هناك أنبياء لله أو ناطقين بلسان الله كتبوا تلك الأسفار. وكان الجميع يعرفون تلك الأسفار. وكانوا يتحقَّقون مِن ذلك أيضًا مِن خلال القصد الداخليِّ. فقد كان من الواضح أنَّها تنسجم تمامًا مع كلِّ شيءٍ آخر في الكتاب المقدَّس. وكان هناك عنصرٌ خارقٌ للطَّبيعة في تلك الأسفار. وكان هناك عنصر إعجازيٌّ فيها. وكانت تتحدَّث عن عَظمة الله وتَدين خطيَّة الإنسان؛ وهو الشَّيء الَّذي يَدينه الله؛ لا كما يفعل الكُتَّاب الزَّائفون والمُعلِّمون الزَّائفون.

فقد كان مِن الواضح جدًّا لهم أنَّ أسفارًا مُعيَّنةً هي الأسفار القانونيَّة. وقد سُمِّيت بالقانونيَّة استنادًا إلى كلمة "قانون" الَّتي تعني: "مِعيار". فهي الأسفار المِعياريَّة للإعلان. وقد أقرَّت المَجامع الكنسيَّة في القرن الرَّابع، بصورة رسيمَّة، قانون أسفار العهد الجديد. ولكن بصورة غير رسميَّة، كانت الكنيسة تُمَيِّز دائمًا الأسفار الكِتابيَّة مِن غير الكِتابيَّة. فقد كان مِن السَّهل معرفتها. فهل كاتبُ السِّفر هو واحد مِن الرُّسُل في حالة العهد الجديد، أو واحد مِن رفاق الرُّسل؟ وهل يَتَّسِم السِّفر بسِمَةٍ خارقة للطَّبيعة؟ وهل يُمَجِّد الله والمسيح؟ وهل يَدين الخطيَّة؟ وهل ينسجم مع جميع أسفار العهد الجديد الأخرى؟ وهل أقَرَّهُ الرُّسُل أنفسُهم؟

إنَّ الكنيسة ... وأنا أقول ذلك على سبيل التَّوضيح ... إنَّ الكنيسة لم تُعطِنا حقًّا لائحةً بالأسفار القانونيَّة للعهد الجديد؛ كما أنَّ "إسحاق نيوتن" (Isaac Newton) لم يُعطِنا قانون الجاذبيَّة. فقانون الجاذبيَّة الأرضيَّة موجود قبل أن يكتشفه إسحاق نيوتن. واللَّائحة القانونيَّة لهذه الأسفار كانت موجودة قبل أن تعرفها الكنيسة. فالله هو الَّذي أعطانا الجاذبيَّة الأرضيَّة. والله هو الَّذي أعطانا الكتاب المقدَّس. وقد عرفناه نحن. فالكنيسة عرفته. إذًا، اللهُ هو كاتب كلِّ شيء يقوله الكتاب المقدَّس. فلا يوجد شيء في الكتاب المقدَّس لم يكتبه الله بنفسه. وقد أكَّدت الكنيسة ذلك على نطاقٍ شامل. والعهد القديم بأسفاره التِّسعة والثَّلاثين قد تأكَّد على نطاقٍ شاملٍ عبر العصور؛ كما هي حال العهد الجديد. فلا يوجد خلاف على هذه النُّقطة. فما لدينا هو كلمة الله الحيَّة والثَّابتة.

والآن، هناك أشياء أخرى ينبغي أن تفهموها بخصوص وحي الكتاب المقدَّس. فبولس لا يقول في رسالته الثَّانية إلى تيموثاوس ... ومِن المهمِّ جدًّا أن أقول ذلك ...إنَّ الكُتَّاب كانوا مُلْهَمين، بل إنَّه يقول إنَّ كلَّ الكتاب هو مُوحَى به. ويجب عليكم أن تفهموا ذلك. فالكُتَّاب لم يتلقَّوا إلهامًا، بل إنَّ الكتاب المقدَّس هو المُوحَى به. فنحن نتحدَّث اليوم عن شخصٍ يحصل على إلهام إذْ إنَّهُ يُلهَم ويُحَقِّق نجاحًا عظيمًا أو نجاحًا أدبيًّا كبيرًا (أيًّا كان)، أو إنجازًا عِلميًّا كبيرًا. ولكنَّ هذا ليس ما نتحدَّث عنه. فالكتاب المقدَّس لا يقول أيَّ شيء عن وجود أناسٍ حصلوا على الإلهام، بل يتحدَّث فقط عن كلماتٍ مُوحَى بها. هل تفهمون ذلك؟ فهذا مُهمٌّ جدًّا.

وقد تقول: "ما الَّذي تعنيه بذلك؟" ما أعنيه بذلك هو أنَّ بولس كَتب رسائل أخرى لم يَكُن مُوحَى بها. فبولس لم يحصل على الإلهام، بل إنَّ الكتاب المقدَّس هو الَّذي كان مُوحَى به. وعندما كَتب بولس تلك الأسفار، كانت تلك الأسفار مُوحَى بها. وعندما كان بولس يكتب رسائل أخرى، لم تكن مُوحَى بها. ولعَلَّكم تَذكرون الآن أنَّنا كُنَّا ندرس الرِّسالة الثَّانية إلى أهل كورنثوس قبل أن نأخذ استراحتنا القصيرة. وسوف نعود إليها في شهر آب/أغسطس. وفي الرِّسالة الثَّانية إلى أهل كورنثوس، قلتُ لكم مِرارًا إنَّ بولس كتب إلى أهل كورنثوس رسالة كورنثوس الأولى، ورسالة كورنثوس الثَّانية؛ وهُما رسالتان مُوحى بهما في العهد الجديد. ولكن توجد رسالة كَتبها إليهم قبل رسالة كورنثوس الأولى، ورسالة أخرى بين رسالة كورنثوس الأولى ورسالة كورنثوس الثانية، ولكنَّنا لا نجد هاتين الرِّسالتين في الكتاب المقدَّس لأنَّهما غير موحى بهما.

فبولس لم يكن شخصًا مُلْهَمًا بصورة عامَّة. وهذا يَصِحُّ على كُلِّ كاتبٍ آخر للكتاب المقدَّس. فإشعياء لم يكن كاتبًا مُلهَمًا، ولا داود أو بولس أو يوحنَّا أو أيُّ شخصٍ آخر. ولكن فقط عندما كتبوا كلمة الله كانوا قد أُوحي إليهم، أو حرفيًّا: كانوا الوسيلة الَّتي تَنَفَّس اللهُ مِن خلالها كلمته. فالكتاب المقدَّس هو كلمة الله. وهو ليس كلمة أناس تَلَقَّوْا إلهامًا. فالكُتَّاب دَوَّنوا الكلمة المُوحى بها. لذا فقد أَوْحَى اللهُ إليهم نفس الكلمات الَّتي أراد منهم أن يكتبوها. وبطريقةٍ ما إعجازيَّة وخارقة للطَّبيعة يَعذرُ علينا وَصفُها، كتبوا تمامًا ما أراد الله أن يقوله؛ وهو أمر ليس صعبًا على الله. فهو يستطيع أن يفعل ذلك. ولكنَّ العمليَّة نفسها يستعصي وصفُها. فهي إعجازيَّة. ولا يمكن تحديدها لأنَّها خارقة للطَّبيعة.

وهناك مَن قال إنَّها إنجازٌ بشريٌّ رفيع المستوى. كَلاَّ. وقد قال أُناسٌ: "لقد كانوا ... لقد كانوا أشخاصًا مِثل شكسبير، وكانوا يملِكون نُبوغًا دينيًّا عظيمًا. وبسبب وجود هذا النُّبوغ البشريِّ الدينيِّ العظيم الرَّفيع المستوى، تَمَكَّنوا مِن كتابة هذه المؤلَّفات الأدبيَّة الرَّائعة لأنَّهم كانوا موهوبين جدًّا في مجال الكتابة الإبداعيَّة". ولكنَّ هذا غير صحيح ... غير صحيح البتَّة. فالكتاب المقدَّس لم يكن نِتاجًا بشريًّا رفيع المستوى وذلك لأسباب عديدة:

أوَّلاً، كان يوجد فقط كاتبان للكتاب المقدَّس يَشتهران بكونهما كَاتبين لكتابات أخرى غير الكتاب المقدَّس. فالشَّخصان الوحيدان اللَّذان نعرف عنهما، واللَّذان أَسْهَما بانتظامٍ بصفتهما كاتِبَيْن، هُما داود وسُليمان. أمَّا البقيَّة فكانوا مجموعة مِن رُعاة الخِراف، وصَيَّادي السَّمك، ورُعاة الماشية، وما إلى ذلك، وقادة مِن هنا وهناك، ومجموعة مِن الرُّسُل العنيدين والأغبياء الَّذينَ صرفوا كلَّ وقتهم في أثناء حياة يسوع المسيح في فَهْم جوانب بسيطة جدًّا منها قبل أن يكتبوا أيَّ شيءٍ عنها. فَهُم لم يكونوا معروفين بأنَّهم أشخاص مُتعلِّمون. ولم يكونوا كُتَّابًا عظماء. ولم يكونوا مُثَقَّفين البَتَّة.

كذلك، لم يكن بمقدور الإبداع البشريِّ أن يبتكر يسوع المسيح. فلا يمكنك أن تَبتكر شخصيَّةً مِثل شخصيَّة يسوع المسيح. فطبيعةُ يسوعَ، وصِفاتُه، وشخصيَّتُه تَفوق الطَّهارة، والمحبَّة، والبِرّ، والقدرة، والكمال، والحكمة، والحقّ، وكلَّ شيءٍ وُجِد يومًا في التفكير البشريّ. فأين يمكن للأدباء أن يجدوا نموذجًا لشخصٍ كهذا؟ وما الَّذي يَدفعهم إلى تأليف كتابٍ يَدينُ البشر؟ فلم يكن بمقدورهم أن يَبتكروا يسوع. فعندما يكتب شخصٌ رفيع المستوى فإنَّه يكتب عن نفسه ويميل على الإعلاء مِن شأن نفسه، لا إلى إدانة نفسه. لذا لا يمكن أن يكونوا هُم مَن صاغوا الكتاب المقدَّس. لذا فإنَّهم يُقِرُّون بأنَّ الله كتبه. وهم يقولون إنَّ الله كَلَّمهم، وإنَّهم إنَّما كَتبوا كلمة الله.

ومِن المدهش أنَّهم لا يَدَّعون ذلك وحسب مباشرةً (وهي نُقطة سأتحدَّث عنها بعد قليل)، بل إنَّنا نجد أربعة آلاف شاهدٍ في الكتاب المقدَّس على أنَّ هذه الكتاب هو كلمة الله؛ أربعة آلاف مَرَّة. وهذا يعني أنَّ الكُتَّاب أعلنوا أربعة آلاف مَرَّة أنَّهم كانوا يكتبون كلمة الله. ولكن بمعزِلٍ عن تلك الأمور المحدَّدة، ما يدهشني دائمًا هو أنَّه يوجد في الكتاب المقدَّس جَوٌّ مُعَيَّن مِن العِصمة الَّتي قد يجد الأشخاص العاديُّون صعوبة بالغة في التَّعايش معها.

فمثلاً، إذا أردتَ أن تُقنِع الآخرين بأنَّ ما كتبته هو إعلان إلهيّ، وكنتَ مُجرَّد شخصٍ عاديٍّ غير معروف، قد تحاول أن تُقنع النَّاس بأنَّه ينبغي لهم أن يَقبلوا أنَّ ما تقوله هو كلام مباشر مِن الله. لذا، ربَّما ترغب في أن تقول في موضعٍ مَا في النَّصّ: "أنا أعلم أنَّه مِن الصَّعب أن تُصَدِّقوا هذا الكلام لأنِّي لا أحمل أيَّة شهادات جامعيَّة ولست شخصًا مشهورًا جدا، ولكنِّي أكتبُ إعلان الله. وينبغي أن تعلموا ذلك". ولكنَّنا لا نجد كلامًا كهذا. لا نجد كلامًا كهذا: "أنا أعلم أنَّه مِن المستحيل أن تقبلوا هذا لأنَّكم تَعلمون مَن أنا. فأنا رجل وضيع، ولا يمكنكم أن تَعلموا كيف يمكن أن يَصدُر كلام كهذا مِن شخص مِثلي. ولكنِّي أقول لكم، يا أصدقائي، إنَّ هذا الكلام آتٍ مِنِّي حقًّا وإنَّه كلمة الله". ولكنَّنا لا نجد كلامًا كهذا ... مِن المؤكَّد أنَّنا لا نجد كلامًا كهذا.

فلا توجد أيَّة محاولة لتبرير عمليَّة الوحي هذه. ولا توجد أيَّة محاولة لإقناع النَّاس بأنَّ هذا يحدث حقًّا. فَهُمْ لم يُفَكِّروا قَطّ في رأي الآخرين فيهم. فهؤلاء الكُتَّابُ لم يكونوا يُبالون بما قد يُقال عنهم، ولا نجد أيَّة محاولة منهم للدِّفاع عن أنفسهم بأنَّهم مصادر الإعلان. فالمرَّة الوحيدة الَّتي يحاول فيها أحد الكُتَّاب أن يدافع فيها عن نفسه، كما يفعل بولس، هي للدِّفاع عن صحَّة خدمته. ولكنَّهم يقولون نحو أربعة آلاف مرَّة إنَّهم يكتبون كلمة الله. وبالرَّغم من ذلك، لا نسمع أحدًا يَضحك قائلاً: "أنا أعلمُ أنَّكم تجدون صعوبةً بالغةً في قبول هذا الأمر". فَهُمْ لم يُبالوا قَطّ بما قد يقوله الآخرون.

وبالرَّغم مِن أنَّ الأغلبيَّة منهم لم يتلقَّوا تعليمًا رسميًّا أو تدريبًا مُكثَّفًا، وبالرَّغم مِن أنَّهم لم يكونوا يملِكون مُمتلكات أرضيَّة تُمَكِّنُهم من مُمارسة هواية الكتابة، ولم يكونوا يملِكون الفَصاحة اللَّازمة، ولم يكونوا مشهورين بكتابة أيِّ شيءٍ آخر (باستثناء سُليمان الَّذي كَتب الكثير مِن الأمثال الَّتي لم تُدَوَّن في الكتاب المقدَّس، وداود الَّذي كان ناظِمًا للمزامير وكتب العديد والعديد والعَديد مِن المزامير)، فإنَّنا نجد شخصًا مِثل مُوسَى الَّذي لا يُعرَف عنه أنَّه كتب أيَّ شيء. وفي التَّوراة، نجد أنَّه يقول نحو 680 مَرَّةً إنَّه يكتب كلمة الله مِن دون أن يُبالي بما قد يقوله الآخرون.

والأسفار النَّبويَّة تحوي 1307 أقوالٍ كهذه. والأسفار التاريخيَّة تحوي 418 قولاً كهذا. والأسفار الشِّعريَّة تحوي نحو مئتيّ قولٍ كهذا. وبالرَّغم مِن ذلك فإنَّ الكُتَّاب لا يُبدون أيَّ اهتمامٍ بما سيقوله الآخرون عنهم، بل إنَّهم كانوا يكتبون وحسب كلمة الله بالطَّريقة الَّتي أَوحَى بها اللهُ إليهم. ويؤكِّد كُتَّاب العهد الجديد أنَّ العهد القديم هو كلمة الله. والحقيقة هي أنَّ هناك 320 اقتباسًا لِكُتَّاب العهد الجديد مِن العهد القديم إيمانًا منهم بأنَّه كلمة الله. وَهُم يُلَمِّحون ألف مَرَّة إليه إيمانًا منهم بأنَّه كلمة الله في إشارة واضحة ومُحدَّدة إلى أحد مقاطع العهد القديم. إذًا، هناك 1300 تأكيدٍ مِن كُتَّاب العهد الجديد للعهد القديم. وَهُم يفعلون ذلك في أسفار الشَّريعة أو التَّوراة. وَهُم يفعلون ذلك في الأسفار التاريخيَّة. وهُم يفعلون ذلك في أسفار الأنبياء الصِّغار، والأنبياء الكبار، وكُلِّ الأسفار المُقَّدسة (مِثل سِفْرِ المزامير، والأمثال، وسفر الجامعة، ونشيد الأنشاد، وغيرها).

بعبارة أخرى، إنَّهم يؤكِّدون أنَّ كلَّ جزءٍ في العهد القديم هو كلمة الله بطرقٍ لا تُبالي برأي الآخرين بهم. ثُمَّ إنَّ الكُتَّاب يَكتبون في العهد الجديد ما يكتبونه دون مُبالاةٍ بآراء الآخرين أيضًا. فقد كان بولس يقرأ ناموسَ الله، أي العهد القديم، ويقول إنَّ الشَّريعة مُقدَّسة وعادلة وصالحة. فهو يُؤكِّد قداسة وكمال ناموس الله؛ أي العهد القديم. ويهوذا يَقتبس كلامًا قاله بطرس إيمانًا منه بأنَّه جزءٌ مِن الكتاب المقدَّس. وبطرس يَقتبس كلامًا قاله بولس إيمانًا منه بأنَّه جزءٌ من الكتاب المقدَّس. ويوحنَّا يقتبس كلامه هو شخصيًّا إيمانًا منه بأنَّه جزءٌ مِن الكتاب المقدَّس. فبعد أن انتهى يوحنَّا مِن كتابة تلك الرَّسائل إلى الكنائس فإنَّه يقول: "لتسمع الكنائس ما يقوله الرُّوح". فقد كان يوحنَّا يَعلم أنَّه كان يكتب ما يقوله الرُّوح، لا ما يقوله هو. فالكتاب المقدَّس ليس كتابًا رفيع المستوى مِن إنتاج عُقولٍ بشريَّة نابغة.

وهناك مَن يقولون إنَّ ما حصل حقًّا في الوحي هو أنَّ الله أعلن عن أفكار. ولا أدري لماذا يَقترح النَّاس آراءً كهذه؛ ولكنَّهم يفعلون ذلك. فَهُم يقولون إنَّ الله يُعلنُ أفكارًا، وإنَّه كان بمقدور الكُتَّاب أن يَنتقوا الكلماتِ الَّتي يَشاؤون. ولكنَّ الكتاب المقدَّس لا يُؤيِّد ذلك. كذلك، كيف يمكنك أن تنقل أفكارًا مِن دون كلمات؟ لا أظُنُّ أنِّي أعلم كيف يمكن القيام بذلك. ولكنَّ الفكرة هي أنَّ الله نَقَل مجموعةً مِن الأفكار الروحيَّة؛ لا وحيًا لفظيًّا، ولا كَلامًا مُنَزَّهًا أو معصومًا. ولكنَّ هذا القول غير صحيح.

فعندما دعا اللهُ موسَى عند العُلَّيقة المُتَّقِدَة، وكان مُوسى مُضطربًا، ولا يُصَدِّق (كما تَعلمون) أنَّه يَمتلك الفصاحة المطلوبة لتمثيل الله حين قال الله له: أريد منك أن تكون النَّاطق الرَّسميَّ بلساني، وأريد منك أن تتكلَّم نيابةً عنِّي (في سِفْر الخروج والأصحاح الرَّابع)، قال مُوسَى: "ولكن أنا..أنا..أنا..أَنَا..أنا ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَان". وإليكم ما قاله الرَّبُّ له: "اذْهَبْ وَأَنَا أَكُونُ مَعَ عقلك وَأُعَلِّمُكَ مَا تُفَكِّرُ بِه". هل كان هذا هو ما قاله له؟ لا! لم يكن هذا هو ما قاله له، بل قال: "اذْهَبْ وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَأُعَلِّمُكَ مَا تَتَكَلَّمُ بِه [تمامًا]".

ونقرأ في سِفْر صموئيل: "وَكَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ عَزِيزَةً فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. لَمْ تَكُنْ رُؤْيَا كَثِيرًا". بعبارة أخرى، كان مِن النَّادر أن يَسمع النَّاسُ اللهَ يتكلَّم. فقد كانت هناك نُدرة في كلمة الله في ذلك الوقت. ولم يكن صموئيل قد عرفَ الرَّبَّ بعد. ولم تكن كلمة الله قد أُعلِنَت له. لذا فقد كانت هناك فترة صمت. وهذا مُدَوَّن في سِفْر صموئيل الأوَّل والأصحاح الثَّالث. ثُمَّ فجأةً، كسر الله الصَّمت ونادى صموئيل. ولعلَّكم تذكرون أنَّه ناداه ثلاث مرَّات فقال صموئيل: "تَكَلَّمْ لأَنَّ عَبْدَكَ سَامِعٌ". تَكَلَّمْ لأَنَّ عَبْدَكَ سَامِع.

ونقرأ في سِفْر إشعياء: "ثُمَّ سَمِعْتُ صَوْتَ السَّيِّدِ قَائِلاً: «مَنْ أُرْسِلُ؟ وَمَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا؟» فَقُلْتُ: «هأَنَذَا أَرْسِلْنِي»". ثُمَّ نقرأ مُباشرةً في إشعياء 6: "فَقَالَ [الرَّبُّ]: «اذْهَبْ وَقُلْ لِهذَا الشَّعْبِ..." كذا وكذا وكذا وكذا. وقد وَضَّح له الله ما يريد منه أن يقول حرفيًّا. وقد كَتب إرميا: "فَكَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ إِلَيَّ قَائِلاً: قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ". بعبارة أخرى، لقد كانت جُملة مُحدَّدة.

فقد كانت كلمةُ الربِّ إليه. وَهُوَ يَقتبسها حرفيًّا. "قَدَّسْتُكَ. جَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلشُّعُوبِ... وَتَتَكَلَّمُ بِكُلِّ مَا آمُرُكَ بِهِ. ...هَا قَدْ جَعَلْتُ كَلاَمِي فِي فَمِكَ" (سِفْر إرْميا 1: 4-9). ونقرأ في الأصحاح التَّاسع والعدد 14: "هأَنَذَا جَاعِلٌ كَلاَمِي فِي فَمِكَ نَارًا". افتح فمكَ فتخرج منه نار. "وَهذَا الشَّعْبَ [يَكونُ] حَطَبًا، فَتَأْكُلُهُمْ [كلمةُ الدَّينونة]". الأصحاح 15: "وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلاَمُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي". والحقيقة هي أنَّنا نقرأ في الأصحاح 15 والعدد 19 أنَّ إرميا قالَ إنَّ اللهَ مِثل فَمي.

وفي سِفْر حزقيال، قال الربُّ لحزقيال في الأصحاح الثَّاني: "أَنَا مُرْسِلُكَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل...كُلُّ الْكَلاَمِ الَّذِي أُكَلِّمُكَ بِهِ، أَوْعِهِ فِي قَلْبِكَ وَاسْمَعْهُ بِأُذُنَيْكَ. وَامْضِ...وَكَلِّمْهُمْ". وهذا هو ما حدث. فقد تَكلَّم الله فتكلَّموا ونطقوا بما أوصاهم اللهُ أن ينطقوا به. وهناك عاموس. وَهُوَ لم يكن حتَّى نَبيًّا. وَهُوَ يقول في الأصحاح السَّابع من نبوَّته: "لَسْتُ أَنَا نَبِيًّا وَلاَ أَنَا ابْنُ نَبِيٍّ، بَلْ أَنَا رَاعٍ وَجَانِي جُمَّيْزٍ". فقد كان مزارعًا. ""فَأَخَذَنِي الرَّبُّ مِنْ وَرَاءِ الضَّأْنِ وَقَالَ لِي الرَّبُّ: اذْهَبْ تَنَبَّأْ لِشَعْبِي إِسْرَائِيل". فهو لم يَخضع لأيِّ تدريب، ولم يكن يَعلم ما سيقول. ولم يتهيَّأ لذلك. اذهب وحسب وقُل لهم بالحرف الواحد ما سأخبرك أن تقوله لهم.

وقد قال حَنَانِيَّا للرَّسول بولس...بعد أن أُصيب بالعمى وَهُوَ في طريقه إلى دمشق وبعد أن دُعي إلى الخدمة...قال له إنَّه سيكون شاهدًا للرَّبّ. وبسبب ذلك فقد قال لأهل غلاطيَّة في الأصحاح الأوَّل: "ما أُبَشِّرُ به [كما يقول] هو شيءٌ لَمْ أَسْتَشِرْ [بشأنه] لَحْمًا وَدَمًا. بل تَسلَّمتُه مباشرةً مِن الرَّبِّ. فالربُّ هو الَّذي دعاني وأفرَزَني مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ، وأعلن ابنه لي. وأنا أكرِزُ مِن دون أن أستشير لحمًا ودمًا". فقد عَلَّمه اللهُ.

يوحنَّا: "كُنْتُ فِي الرُّوحِ فِي يَوْمِ الرَّبِّ..." [في رؤيا 1]، "...وَسَمِعْتُ وَرَائِي صَوْتًا عَظِيمًا...قَائِلاً: "اكْتُبْ فِي كِتَابٍ". وقد أخبره الله تمامًا ما ينبغي أن يكتب. وحتَّى إنَّ يسوع المسيح، الكلمة الَّذي صار جسدًا...وهذا رائع جدًّا...تَسَلَّم رسالته من الله. وقد قال إشعياء عنه: "[الربُّ] جَعَلَ فَمِي كَسَيْفٍ حَادٍّ... أَعْطَانِي السَّيِّدُ الرَّبُّ لِسَانَ الْمُتَعَلِّمِينَ لأَعْرِفَ أَنْ أُغِيثَ الْمُعْيِيَ بِكَلِمَةٍ. يُوقِظُ كُلَّ صَبَاحٍ لِي أُذُنًا، لأَسْمَعَ كَالْمُتَعَلِّمِين".

وقد تكلَّم المسيَّا نبويًّا فقال: سوف أتكلَّم فقط بالكلام الَّذي يقوله اللهُ مِن خلالي. فقد قال يسوع ذلك. "لأَنَّ الْكَلاَمَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي [إنجيل يوحنَّا 17: 8] قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ". وهذا هو ما فَعله يسوعُ وحسب. فقد كَرَّر وحسب الكلام الَّذي نَطَق به اللهُ. لذا، عندما تتحدَّثون عن الكتاب المقدَّس، أنتم لا تتحدَّثون عن أفكار عامَّة مِن عند الله، بل تتحدَّثون عن أنَّ كلَّ كلمة من الله نقيَّة. فهي ليست مُجرَّد أفكار عامَّة. فلا يمكنكم أن تُوَصِّلوا أفكارًا مِن دون كلمات. فهذا يُشبه لحنًا مِن دون نغمات، أو شمسًا مِن دون نور، أو مبلغًا مِن دون أرقام، أو عِلْمَ أرضٍ مِن دون صخور، أو عِلْم إنسان مِن دون بشر، أو لحنًا من دون موسيقا إذ إنَّ ذلك يُشبه أفكارًا من دون كلمات.

والآن، كي أُبيِّن لكم روعة هذه المعجزة، افتحوا قليلاً على رسالة بطرس الأولى والأصحاح الأول. رسالة بطرس الأولى والأصحاح الأول. ويجب علينا أن نُسرِع. فالوقتُ يَمضي! رسالة بطرس الأولى 1: 10 و11: "الْخَلاَصَ..." إنَّ الخلاص هو الفكرة الرئيسيَّة في الكتاب المقدَّس مِن أوَّلِه إلى آخِره. ومن المؤكَّد أيضًا أنَّه الفكرة الرئيسيَّة في العهد القديم. فقد وعد الله بمجيء المخلِّص، ذاك الَّذي سيَسحق رأس الحيَّة، وذاك المُشْتَرِع الَّذي سيخرج مِن صُلْبِ يعقوب، وذاك الَّذي سيكون "شيلون"، الرَّئيس الآتي، المسيَّا، الحمل الأخير الَّذي ترمز إليه جميع الذَّبائح. ففداء المسيَّا الآتي هو الفكرة الرئيسيَّة في العهد القديم. لذا فإنَّ الخلاص هو الموضوع الرئيسيّ. لذا فإنَّنا نقرأُ عن الخلاص (في العدد 10؛ أي في رسالة بطرس الأولى 1: 10) "الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ، بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ، إِذْ سَبَقَ فَشَهِدَ بِالآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ، وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا".

وهذه آية مدهشة. وهل تعلمون ما تقوله؟ إنَّها تقول إنَّ كُتَّاب العهد القديم درسوا ما كَتبوا في محاولة لمعرفة معناه. والآن، إذا كنت كاتبًا ولا تدري ما تعنيه بكلامك، أنت في ورطة. فحين تكتب فإنَّك لا تكتب إلاَّ حين تفهم بوضوح ما تحاول أن تنقله، وإلاَّ حين تعتقد أنَّه واضح بالقدر الكافي الَّذي يُمكن للآخرين أن يفهموه فيه. فأنت تعمل جاهدًا جدًّا. فلا توجد أيَّة مِيزة في أن تكون صَعب الفهم. ولا توجد أيَّة مِيزة في كتابة أشياء غير واضحة. ولا توجد أيَّة مِيزة في وعظ أيَّة أشياء غير واضحة. والحقيقة هي أنِّي أقول دائمًا للوعَّاظ الشَّباب إنَّه من السَّهل جدًّا أن يكون المرء صَعب الفهم. أجل! مِن السَّهل جدًّا أن تكون صَعب الفهم.

فأحيانًا تسمعون أشخاصًا يقولون: "لقد كان الأمر مُعقَّدًا جدًّا بالنِّسبة إليَّ". ولكنَّ هذا غير مُحتمل كثيرًا، بل مِن المُرجَّح أنَّ السَّبب في أنَّك لم تفهم هو لأنَّ المتكلِّم لم يكن يفهم أيضًا. فمن السَّهل جدًّا أن تكون صعب الفهم. فكلُّ ما يتطلَّبه الأمر هو ألاَّ تعلم ما تتحدَّث عنه. وأنا أضمن لكم هذا بكلِّ تأكيد: إن لم تكن تعرف ما تتكلَّم عنه، لن يعرف الآخرون ذلك أيضًا. فمن الصَّعب جدًّا أن تكون واضحًا تمامًا لأنَّه لكي تكون واضحًا تمامًا ينبغي أن تكون واضحًا تمامًا في ما تقول. وهذا هو التَّحدِّي.

إذًا، لقد كان هناك أُناسٌ أُوْحيَتْ إليهم كلمة الله فكتبوا أشياء لم يكونوا يفهمونها. وهذا يريكم الطَّبيعة الخارقة للطبيعة والإعجازيَّة للوحي. فقد كانوا يكتبونها ثُمَّ يدرسوها في محاولة لفهم معناها. فقد كان هناك فرق بينهم وبين كتاباتهم لأنَّ الله كان يستخدمهم كأدوات. ويقول نُقَّاد آخرون: "الكتاب المقدَّس ... الكتاب المقدَّس هو كلمة الله في الأمور الروحيَّة، ولكن ليس في تلك الأمور الأخرى مِثل علم طبقات الأرض أو التَّاريخ أو العلم أو أمورٍ كهذه. فهو يُخطئ في هذه الأشياء".

والنُّقَّاد يُحبُّون هذه المواضيع. إنَّهم يحبونها وحسب. فَهُم يحبُّون أن يأخذوا مقاطع مِن الكتاب المقدَّس. وفي الكتاب المقدَّس الدِّراسيِّ الجديد، أخذنا كلَّ مقطعٍ يتحدَّثون عنه، وكلَّ مقطعٍ يبدو أنَّه يحوي تناقضًا ظاهريًّا، وكتبنا فقرةً للردِّ على ذلك النَّقد. وهناك إجابات واضحة عن كلِّ تلك المسائل. ولكن إليكم واحدة مِن تلك المسائل. فَهُم يقولون: "الكتاب المقدَّس صحيحٌ روحيًّا فقط، ولكنَّه ليس صحيحًا تاريخيًّا، وما شابه ذلك". وهُم يستخدمون ... هناك شخص منهم يستخدم مَثلاً توضيحيًّا مُستعينًا بسفر العدد 11: 31 و32. ولا وقت لديَّ لأفتح عليه، ولكنِّي سأقول لكم القصَّة.

في سِفْر العدد 11: 31 و32، كان بنو إسرائيل في بريَّة سيناء، ولم يكن لديهم أيُّ طعام. لذا فقد وَفَّر اللهُ لهم طعامًا. هل تذكرون ذلك؟ فقد هَبَّت ريحٌ ذات يوم وساقت طيور السَّلوى إلى هناك. فقد ساقت تلك الطُّيور وحسب إلى هناك. وقد ابتدأوا يجمعون السَّلوى. وطيور السَّلوى هي طيور واسعة الانتشار وحسب. وما أعنيه هو أنَّها موجودة في كلِّ مكان. والحقيقة هي أنَّ الشَّخص الَّذي جَمع أقلَّ عددٍ ممكن كان قد حصل على نحو عشرة حَوامِر منها. وطائر السَّلوى هو طائر صغير. ونحن نراها في حديقة بيتنا الخلفيَّة في كلِّ صباح. فهي طيور صغيرة وحسب. وهي تملأ المكان. وهي مُسالمة جدًّا إذ إنَّها تطير وحسب. وقد حصلوا على عددٍ كبيرٍ جدًّا منها هناك. فقد وَفَّر الله هذا الطَّعام الرَّائع لهم.

ونقرأ في سِفْر العدد 11: 31 و32 أنَّها كانت...أنَّها كانت نحو ذراعين فوق وجه الأرض. لذا فقد ضَحِكَ النُّقَّاد على هذه الكلمات وقالوا: "هذا كلامٌ سخيف. لنأخذ هذا الرَّقْم لأنَّ الذِّراعين يساويان تقريبًا أربعة أقدام. عُمْق أربعة أقدام مِن طيور السَّلوى؟" والنَّصُّ يتحدَّث عن مسيرة يوم مِن هنا ومسيرة يوم من هناك حَوالَيِ المَحَلَّة. لذا فإنَّ هناك أميالاً وأميالاً مِن طيور السَّلوى على ارتفاع أربعة أقدام. وقد قال هذا النَّاقد أنَّه بحسب هذا الكلام، ووفقًا لحساباته، كان هناك 19 تريليون، و538 مليارًا، و468 مليونًا، و 306 آلاف، و 672 طائر سَلوى. وهو يقول: "انظروا إلى سخافة الكتاب المقدَّس. وما أعنيه هو أنَّ هذا أمر سخيف بكلِّ معنى الكلمة".

ولكنَّ الشَّيء الَّذي لم يفهمه هو أنَّ الكلمة العِبريَّة المستخدمة هنا والتي تشير إلى أنَّ الرِّيح ساقت الطُّيور نحو أربعة أقدام فوق وجه الأرض لا تعني أنَّها كانت مُتراكمة بعضُها فوق بعض أربعة أقدام، بل تعني أنَّ الطُّيور كانت تطير على ذلك الارتفاع الَّذي كان ارتفاعًا ممتازًا كي ... أنُتم تَفهمون قَصدي ... كي يلتقطوها وهي تطير في الهواء. فالله سَاقها مِن وادي النِّيل وجعلها تطير على ارتفاعٍ مناسب. فلم يكونوا مُضطرِّين حتَّى للانحناء أو القفز. فالكتاب المقدَّس [اسمعوني] كُتِبَ مِن قِبَل إلَهٍ عالمٍ بكلِّ شيء ويعرف عن طيور السَّلوى بنفس القدر الَّذي يعرف فيه عن الأمور الروحيَّة. أليس كذلك؟ فلا فرق في ذلك. لذا فإنَّ كلمة الربِّ (أو كلمة الله) هي كذلك. ويجب عليك أن تفهم ذلك لكي يكون لديك الشَّغف والتَّوق إلى الحقِّ لكي ترغب في معرفته وجَعلِه جزءًا من حياتك.

والآن، ضعوا هذا جانبًا قليلاً إذ إنِّي أريد أن أختم في الدَّقائق القليلة المتبقِّية بمراجعة سريعة لما فعلته مساء يوم الأحد الماضي؛ وأنا أقول هذا لأجل الأشخاص الَّذينَ لم يكونوا حاضرين معنا في مساء الأحد الماضي لأنَّكم تحصلون على مواد مُتفرِّقة هنا حين لا تستمعون إلى جميع العِظات بالتَّتابع. ففي مساء يوم الأحد الماضي ... أريد أن أختم بأن أقول لكم وحسب إنَّنا تحدَّثنا عن مُتطلَّبات دراسة الكتاب المقدَّس. وقد حاولت أن أقدِّم لكم أساسًا لفهم هذه المسألة. وقد تحدَّثنا في صباح يوم الأحد الماضي، وفي هذا الصَّباح، عن هذا الكتاب القويِّ جدًّا، والحيِّ، والَّذي كُلُّه حَقّ. والآن، بعد أن فهمتم ماهيَّة الكتاب المقدَّس، ما هو الشَّيء المطلوب منك لكي تكون تلميذًا جيِّدًا؟ اسمحوا لي أن أقدِّم لكم لائحة قصيرة ابتدأناها مساء الأحد الماضي. وسوف أُقدِّمها لكم بإيجاز:

أوَّلاً، يجب عليك أن تكون مؤمنًا. يجب عليك أن تكون مؤمنًا. فيجب أن تولد ثانيةً لأنَّ رسالة كورِنثوس الأولى 2: 14 تقول إنَّ "الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا"، ولأنَّه مَيِّتٌ روحيًّا. ونقرأ في العدد 16 أنَّه ليس له فكر المسيح. فيمكنكم أن تَستدعوا أفضل علماء اللَّاهوت وأعظم العقول في مجال الدِّين، وأن تَجمعوهم معًا، وأن تضعوا كتابًا مُقدَّسًا أمامهم فيسيئون تفسيره. فأنا لا أُبالي بمستوى ذكائهم، ولا أُبالي بعدد شهاداتهم الجامعيَّة، ولا أبالي باللَّاهوت الَّذي درسوه. فيمكنكم أن تروا ما يفعلونه بالكتاب المقدَّس.

اذهبوا وحسب إلى قسم اللَّاهوت العِلمانيّ في أيِّ جامعة أو في أيِّ كليَّة لاهوت تمتلئ بغير المؤمنين وسترون أمورًا مُعادية لله، ومُعادية للمسيح، ومُعادية للكتاب المقدَّس. وأحيانًا فإنَّهم يستضيفون أولئك على البرامج التِّلفزيونيَّة. فقد كان هناك شيء على محطَّة "پي.بي.إس" (PBS) حيث أرادوا أن يناقشوا سِفْر التَّكوين. لذا فقد استضافوا مجموعة مِن اللَّاهوتيِّين المتحرِّرين غير المؤمنين لمناقشة سِفْر التَّكوين. وقد فَسَّروه جميعًا تفسيرًا مغلوطًا. لقد فَسَّروه جميعًا تفسيرًا مغلوطًا. لماذا؟ لأنَّهم أناس طبيعيُّون لا يمكنهم أن يفهموا أمور الله لأنَّها تحتاج إلى تمييزٍ روحيٍّ، ولأنَّهم أمواتٌ روحيًّا.

وَهُم يتضايقون بشدَّة لأنَّ أشخاصًا عاديِّين كثيرين مِن غير الشُّرفاء وأشخاصًا كثيرين مِن غير الأقوياء يَفهمون الكتاب المقدَّس لأنَّ لدينا مَسحة من الله، وتحديدًا لأنَّ الرُّوح القُدُس يُعلِّمنا كلَّ شيء. أليس كذلك؟ والرُّوح هو الَّذي يُمَيِّز. "لأَنْ مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ؟" فهذا هو ما يقوله بولس في نفس ذلك الأصحاح. "هكَذَا أَيْضًا أُمُورُ اللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اللهِ". فالكتاب المقدَّس يُذهل أيَّ عقلٍ بشريِّ بغضِّ النَّظر عن عظمة ذلك العقل. وَهُوَ يمكن أن يكون واضحًا لأيِّ مؤمنٍ يدرسه. فالأمر يبتدئ بتلك النُّقطة. وقد تحدَّثنا عنها مساء يوم الأحد الماضي.

النُّقطة الثَّانية الَّتي ذكرناها هي أنَّه لا يمكنك أن تكون تلميذًا للكتاب المقدَّس ما لم تكن لديك رغبة شديدة في ذلك. فيجب أن يكون هناك شوق لذلك في مكانٍ ما. فلا يمكنك أن تصل إلى أعماق غِنى الحقِّ الإلهيِّ ما لم يكن لديك دافع إلى القيام بذلك. وأودُّ أن أقول إنَّ السَّبب في أنَّ أغلبيَّة المسيحيِّين لا يدرسون أمور الله بعمق هو أنَّهم لا يملكون الدَّافع لذلك وحسب، بل لديهم دافع للقيام بأمور أخرى. لذا، يجب عليكم أن تُصَلُّوا كي يعطينا الله تلك الرغبة المذكورة في رسالة بطرس الأولى 2: 2: "وَكَأَطْفَال مَوْلُودِينَ الآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ". فيجب عليك أن تشتهي الكلمة كما يَشتهي الرَّضيع الحليب.

هل تدركون أنَّ الطِّفل الرَّضيع يشتهي الحليب لا لأنَّه ... لا لأنَّه يُحبُّ النَّكهة؟ أعتقد أنهم يحبون النكهة، ولكنَّهم يملكون آليَّةً مغروسةً فيهم تَحْفِزُ حقيقة أنَّ لديهم حاجة. وَهُم يعتمدون عليها في الحصول على أفضل ما يمكن للحياة أن تُقدِّمه لهم وَهُوَ: الصِّحَّة والعافية. والشَّيء نفسه يَصِحُّ على المؤمنين. فإن أردتَ أن تحصل على الصحَّة الروحيَّة وأن تشعر بالشِّبَع الحقيقيّ، وأن تشعر بالفرح الحقيقيِّ والشِّبَع في كلِّ جانب من جوانب حياتك بصفتك مؤمنًا، فإنَّ ذلك يتأتَّى من كلمة الله. ولكن يجب عليك أن تشتهي تلك الكلمة كما يشتهي الرَّضيع الحليب. وفي وقتٍ ما، حدث هذا الأمر في حياتي وشكرتُ اللهَ لأنَّه أعطاني ذلك الحافز الهائل، وذلك التَّوق العظيم لمعرفة الكتاب المقدَّس، والبحث عن الحقِّ الكتابيّ، ولأنَّه أعطاني ذلك الحُبَّ للكلمة، ولإعلانها، ولتطبيقها في حياتي الشخصيَّة، وتبجيلها، والدِّفاع عنها. فهذه بركة عظيمة.

فلا يمكن لأيِّ شخص أن يعرف الكلمة جيِّدًا من دون أن يرغب في القيام بذلك. فالأمر يبتدئ بذلك الشَّوق القلبيّ. فإن لم يكن موجودًا لديك، يجب عليك أن تُصلِّي أن يعطيك اللهُ إيَّاه. اقرأ أمثال 2. هل تريد الحكمة؟ يجب عليك أن تطلبها. هل تريد روح التَّمييز؟ اصرخ في الشَّارع بحثًا عنها، ابحث عنها كما تبحث عن الذَّهب. ابحث عنها كما يبحث النَّاس عن الكنوز في الأرض (كالذَّهب والألماس والمجوهرات الثَّمينة).

ونقرأ في أيُّوب 28 الشَّيء نفسه. فهو يقول إنَّه ينظر ويرى أولئك النَّاس. فَهُم يحفرون المناجم ويبحثون عن الذَّهب، ويبحثون عن المجوهرات والألماس، ويُنَقِّبون في الأرض في مواضع لم يبحث فيها إنسان، ويَقلِبون الأرض. وَهُم يفعلون هذا كلَّه مِن أجل الغنى الماديّ. ثم إنَّه يطرح السُّؤال التَّالي في العدد 20: "فَمِنْ أَيْنَ تَأتِي الْحِكْمَةُ، ويأتي الجواب بأنَّ الله هو الوحيد الَّذي يعرف الحكمة، وأنَّ الله هو الَّذي يكشفها لأولئك الَّذينَ يعرفونه. فالبشر في عالمنا قادرون جدًّا على استخراج كلِّ أنواع الأشياء الثَّمينة مِن الجانب الماديِّ. ولكن عندما يختصُّ الأمر بالحكمة الحقيقيَّة فإنَّهم يتجنَّبونها. أليس كذلك؟ فهي تَختصُّ فقط بأولئك الَّذينَ يبحثون عنها، وفقط بأولئك الَّذينَ يعرفون الله ويطلبون قوَّته لمعرفة الحقّ.

وهذا يَقودني إلى نُقطةٍ ثالثة. فإن أردتَ أن تكون تلميذًا جيِّدًا للكتاب المقدَّس، يجب أن تكون مجتهدًا. فالأمر يتطلَّب اجتهادًا. فعندما كنت صبيًّا يافعًا، كانوا يقولون لنا (كما تَعلمون): "اقرأ الكتاب المقدَّس خمس عشرة دقيقة كلَّ يوم، وخَصِّص وقتًا للتَّأمُّل كلَّ يوم. وقد كانت التَّأمُّلات اليوميَّة تُثير جنوني [في أغلب الأحيان] لأنِّي لم أكن أُحبُّ أن أقرأ الكتاب المقدَّس دون أن أفهمه، ثُمَّ أن أضعه جانبًا، وأن أقوم في اليوم التَّالي بقراءة شيءٍ آخر دون أن أفهمه وأضعه جانبًا. فقد كنت أريد دائمًا أن أفهم معناه. ففي نُقطةٍ ما، ينبغي أن يكون هناك اجتهاد، وأن يكون هناك تَوْقٌ للبحث في الكتاب المقدَّس. وقد كانوا يَستخدمون الآية المذكورة في أعمال الرُّسُل 17. فأعمال الرُّسل 17 يتحدَّث عن أنَّ أهل بيريَّة كانوا أشرف مِن أيِّ شخصٍ آخر لأنَّهم كانوا يفحصون الكُتب كلَّ يومٍ: هَلْ هذِهِ الأُمُورُ هكَذَا؟ فهذا هو ما يتطلَّبه الأمر.

"اجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ للهِ مُزَكُى، عَامِلاً لاَ يُخْزَى، مُفَصِّلاً كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاسْتِقَامَة". وكُن مِثل الشُّيوخ المَذكورين في الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس 5: 17 الَّذينَ كانوا "يَتْعَبُونَ فِي الْكَلِمَةِ وَالتَّعْلِيم" بأن تَجتهد حتَّى العرق والإجهاد. فالشَّباب الَّذينَ يأتون للدِّراسة في كليَّة اللَّاهوت يطرحون غالبًا أسئلة مُضحكة. وأنا أَذكُر شابًّا في كليَّة اللَّاهوت سألني ذات مرَّة (في أوَّل مَرَّة رآني فيها): "كنت أريد أن أسألك: ما هو الكتاب الوحيد الَّذي تَستقي منه كلَّ معلوماتك الجيِّدة؟" وهذا نموذجٌ على الأسئلة الَّتي يطرحها هؤلاء الشَّباب. ولكن لا يوجد كتابٌ كهذا. ولكن كان هذا هو سؤاله بأيِّ حال!

وهناك سؤال آخر ما زلتُ أذكره. فقد قال أحد الشُّبَّان لي: "ما هو العُنصر..." وقد كانت عيناه تلمعان. وأنا مُتيقِّن مِن أنَّه كان يتوقَّع جوابًا روحيًّا خَفيًّا. فقد قال: "ما هو العُنصر الرئيسيّ في الوعظ العظيم؟" فقلتُ: "إنَّه القدرة على لَصْقِ مؤخِّرتك بمقعدك إلى أن تفهم النَّصّ". وقد صُعِق. أجل! هذا هو المفتاح الحقيقيّ. فما يُميِّز الوعظ العظيم عن الوعظ الرَّديء هو معرفتك أو عدم معرفتك بالنصِّ الَّذي بين يديك. فمواهب الخَطابة هي شيءٌ آخر، ولكنَّها تعمل بعد أن تفهم النَّصّ. وكما قلنا سابقًا، عندما تفهم حقًّا كلمة الله، وعندما تصير واضحة بالقدر الكافي لجعلها واضحة لشخصٍ آخر، هذا هو ... هذا هو الوعظ الجيِّد. وما يُميِّز التِّلميذ الجيِّد لكلمة الله عن التِّلميذ العاديَّ هو الجُهد ... الجُهد ... الجُهد وحسب. فلا يوجد حَلٌّ سحريٌّ، بل الجهد وحسب.

واسمحوا لي أن أذكُر لكم مَطلبًا رابعًا. فإن أردت أن تكون تلميذًا للكتاب المقدَّس، يجب أن تهتمَ بالقداسة. انظروا إلى رسالة بطرس الأولى 2: 1 مَرَّةً أخرى. رسالة بطرس الأولى 2: 1: "فَاطْرَحُوا كُلَّ خُبْثٍ..." وهذه الكلمة تعني: "شَرّ" ("كاكيا" – “kakia”) "...وَكُلَّ مَكْرٍ [أو خِداعٍ] وَالرِّيَاءَ وَالْحَسَدَ وَكُلَّ مَذَمَّةٍ". اطرحوا كلَّ خطيَّة. اطرحوا كلَّ خطيَّة. وواحدة مِن الحقائق العظيمة في دراسة الكتاب المقدَّس هي أنَّك ستتعلَّم مِن الرُّوح القُدُس، ولكنَّ الرُّوح القُدُس لن يتمكَّن مِن مَلْئِك وتعليمك إن كانت هناك خطيَّة في حياتك. فالخطيَّة تَسُدُّ كلَّ تلك القَناة ... فهذا هو ما أريد أن أقوله لكم.

لذا، من المهمِّ جدًّا أن تفهموا ما جاء في رسالة يعقوب 1: 21. فالآية يعقوب 1: 21 تشترك في الحقيقة مع رسالة بطرس الأولى 2: 1 في قول ما يلي: "لِذلِكَ اطْرَحُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ وَكَثْرَةَ شَرّ". فكلُّ تلك النَّجاسة الَّتي كانت موجودة فيك منذ لحظة خلاصك، تَخَلَّص منها. "فَاقْبَلُوا بِوَدَاعَةٍ الْكَلِمَةَ الْمَغْرُوسَةَ". ولكنَّ تلك الكلمة لن تتمكَّن من العمل في حياتك إلاَّ إذا طَرحتَ الخطيَّة. لذا فإنَّ أوَّل شيءٍ ينبغي أن تفعله حين تأتي إلى كلمة الله هو: اعترف بخطاياك.

فالخطيَّة عائقٌ. لماذا؟ لأنَّها تَجعل عقلك ضبابيًّا. وهي تَحُوْلُ دون عمل روح الله. وأريد أن أقول لكم شيئًا آخر: إنَّها تَجعلك ... إنَّها تَجعلك تُصْدِرُ أحكامًا مُسَبَّقةً قبل حتَّى أن تدرس الكتاب المقدَّس. فإن كنت تَرعى خطيَّةً في حياتك، مِن المرجَّح أنَّك ستَلوي الكتاب المقدَّس كي لا تُضطرَّ إلى مواجهة ذلك.

فسوف تَتلاعب بالحقِّ وتُعَوِّجُ تفسير الكتاب المقدَّس كي تُخفي نفسك. أو إن لم تكن صادقًا بخصوص حياتك الشخصيَّة، ولم تكن صادقًا بخصوص قلبك، ولم تكن مستعدًّا لكشف نفسك أمامَ الرَّبِّ مِن خلال الاعتراف الصَّريح والصَّادق بخطاياك، مِن المؤكَّد أنَّك ستقرأ آياتٍ كتابيَّة مُعيَّنة. وعندما تبتدئ تلك الآيات في اختراق قلبك ستبحث عن طريقة أخرى لتفسيرها. ثُمَّ حين تصعد إلى المِنبَر لِتَعِظ، أو عندما تذهب إلى صَفٍّ لتُعلِّم، أو عندما تذهب لتلمذة شخصٍ ما، أو عندما تقود زوجتك أو أولادك، سوف تَحيدُ عن كلمة الله كي تُخفي خطيَّتك الشخصيَّة.

ولكن لا يمكنك أن تكون تلميذًا فعَّالاً في دراسة كلمة الله، أو تلميذًا صادقًا وفعَّالاً في دراسة كلمة الله إن كانت هناك خطيَّة في حياتك. لذا فإنَّنا نقول غالبًا عندما يبتعد النَّاس عن كلمة الله، أو عندما يتوقَّفون عن الاهتمام بكلمة الله، أو عندما لا يشعرون بالرَّغبة في المجيء إلى الكنيسة، أو عندما يتوقَّفون عن سماع الوعظ بانتظام أو عن تَعَلُّم كلمة الله، أو عندما لا تعود شهيَّتُهم مفتوحة لمعرفة الحقِّ، فإنَّنا نقول إنَّ هذه دلالة على وجود خطيَّة.

والأمر لا يتوقَّف على تلك الخطيَّة وحسب، ولكنَّ تلك الخطيَّة هي الَّتي تُؤدِّي إلى خطيَّة عدم المُبالاة بالحقّ. وعادةً ما تَخترق كلمة الله هؤلاء الأشخاص وتَكشف شيئًا لا يرغبون في الكشف عنه. لذا فإنَّ واحدًا من الأشياء الَّتي لا بُدَّ من حدوثها إن كنت ترغب حقًّا في معرفة كلمة الله وقَبول الكلمة المغروسة بكلِّ مِلئها، وبكلِّ نقاوتها [بقوَّة الرُّوح]، وبوضوح، يجب أن تكون مستعدًّا للتخلِّي عن كلِّ شيءٍ أو أيِّ شيءٍ خاطئٍ في حياتك تُنَبِّهُكَ كلمةُ اللهِ إليه.

ثُمَّ خامسًا: الطَّاعة لأنَّنا نقرأ في العدد 22 مِن رسالة يعقوب والأصحاح الأوَّل: "وَلكِنْ كُونُوا عَامِلِينَ بِالْكَلِمَةِ، لاَ سَامِعِينَ فَقَطْ خَادِعِينَ نُفُوسَكُمْ". فأنت لن تكون مؤمنًا حقًّا بما يقوله الكتاب المقدَّس ما لم تَعِش ذلك. أليس كذلك؟ أليس هذا القول مُنْصِفًا؟ لذا فإنَّ التِّلميذ الجيِّد للكتاب المقدَّس يتعلَّم، ويُطبِّق ما يَتعلَّمه حالاً، ويَضعه موضع التَّطبيق. فهو ليس مُجرَّد كلامٍ في الهواء، وَهُوَ ليس شيئًا نظريًّا وحسب، بل إنَّه مسألة حياة.

إنَّ الوقت يمضي. لذا، سوف أذكر لكم النُّقطة الأخيرة: النُّقطة السَّادسة هي الصَّلاة... الصَّلاة. والآية المذكورة في رسالة أفسُس والأصحاح الأوَّل هي آية فعَّالة جدًّا. ففي رسالة أفسُس 1: 17، صَلَّى بولس قائلاً: "كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ، رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ". وَهُوَ يقول في العدد 18: "مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ". فبولس يقول: "صلاتي لأجلكم... صلاتي لأجلكم هي أن يُعطيكم اللهُ حكمةً، وإعلانًا، واستنارةً، وفهمًا". صَلُّوا.

فالنَّاس يسألونني عن الصَّلاة. وأنا أقول دائمًا إنَّ الأوقات الَّتي تتكثَّف فيها صلواتي أكثر مِن أيِّ وقتٍ آخر هي الأوقات الَّتي أدرس فيها الكتاب المقدَّس وأطلب من الربِّ إيضاحًا، وأطلب مِن الربِّ حكمةً، وبصيرةً، وفهمًا، واستنارةً لفهم حَقِّه وكيفيَّة تطبيقه في حياتي الشخصيَّة وأيضًا في الكنيسة. فهل تريد أن تكون تلميذًا لهذا الكتاب العجيب الخارق للطَّبيعة؟ إنَّ ذلك يتطلَّب أن تُولد ثانيةً، وأن تكون لديك رغبة شديدة، وأن تجتهد، وأن تَهتمَّ بقداستك، وأن تكون مُطيعًا ومُصلِّيًا. وكلُّ هذه الأشياء هي عمل الرُّوح. أليس كذلك؟ لذا، يجب علينا أن نَبلُغ نُقطةً نسلك فيها في الرُّوح، ونَخضع له، ونتضرَّع إليه أن يعمل هذه الأعمال في حياتنا. وفي هذا المساء، سوف نتحدَّث عن كيفيَّة دراسة الكتاب المقدَّس حقًّا؛ أي كيف نَفتحه ونَفهمه. دعونا نُصلِّي:

مَرَّةً أخرى، يا رَبُّ، في هذا الصَّباح، امتلأت قلوبنا جدًّا ... امتلأت بوقت العبادة، وامتلأت بالدَّهشة بسبب حَقِّك. ونحن مُمتنُّون جدًّا. وصلاتُنا الآن هي أن تُرَسِّخ في قلوبنا كلَّ هذه الأشياء. أعطِنا محبَّةً فائقةً لحقِّك المُغيِّر جدًّا للحياة، والَّذي يُنشِئ فرحًا ويُمَجِّدُك. فنحن نريد أن نعرفه وأن نعيشه لأجل مجدك وإكرامًا لاسمك. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize