أرجو منكم أن تُجَهِّزوا كتابكم المقدَّس [في مَعرِض حديثنا عن هذا الموضوع المختصِّ بكيفيَّة الحصول على أقصى فائدة ممكنة من كلمة الله]، وأن تَفتحوه على الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس 2: 15. وأودُّ أن أعتذر نوعًا ما لأنَّنا اعتدنا في صباح ومساء يوم الأحد أن نأخذ مقطعًا كتابيًّا وأن نتأمَّل في ذلك المقطع بطريقة تفسيريَّة. ولكنَّ هذه السِّلسلة خاصَّة جدًّا. فهي تختلف عن الوعظ وتُشبه الصَّفّ إذْ إنَّنا نتحدَّث عن مبادئ دراسة الكتاب المقدَّس.
وبسبب طبيعة الموضوع، نحن مُضطرُّون للتَّطرُّق إلى مجموعة من الأمور الأكاديميَّة والأشياء الَّتي لا صِلة لها بالضَّرورة بأيِّ نَصٍّ كِتابيٍّ، ولكنَّها مهمَّة جدًّا وأساسيَّة جدًّا لأنَّها تُهَيِّئكم لدراسة كلِّ مقاطع الكتاب المقدَّس. لذا، إن سَمحتم لي أن أُحدِّثكم ولو قليلاً بصفتي مُعلِّمًا، لا بصفتي واعظًا اليوم، وأن أُقدِّم لكم درسًا في كيفيَّة دراسة الكتاب المقدَّس، سوف تَتباركون جدًّا؛ وكذلك أنا.
في الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس 2: 15، نجد نُقطة البداية وحسب، مِن زاوية كِتابيَّة، إذْ إنَّها تُنَبِّر على هذه الضَّرورة المُلِحَّة لدراسة الكتاب المقدَّس. فالآيةُ تقول: "اجْتَهِدْ أَنْ تُقِيمَ نَفْسَكَ للهِ مُزَكُى، عَامِلاً لاَ يُخْزَى، مُفَصِّلاً كَلِمَةَ الْحَقِّ بِالاسْتِقَامَة". فعدم تفصيل كلمة الحقِّ يَجلب عليك الخِزْي. فعندما تتعامل مع الكلمة فإنَّك تتعامل مع كلمة الله الحيّ. وعندما تتعامل مع الله فإنَّك تتعامل مع الله الحقيقيِّ الَّذي لا يوجد فيه أيُّ شيءٍ مُنافٍ للحقّ. فالله الَّذي لا يكذب قد تَكلَّم. ففي الكتاب المقدَّس، تَكلَّم الله. وقد تكلَّم بطريقة يمكن أن تُفهَم. لذا، يجب علينا أن نُفَصِّل كلمة الحقِّ بالاستقامة؛ أي أن نُفَصِّل بالاستقامة الكلمة الَّتي تَكلَّم الله بها.
ولا يوجد شيء يُحبطُني أو يُزعجني أو يُضايقني أكثر مِن إساءة التَّعامُل مع الكتاب المقدَّس. والحقيقة هي أنَّ هذا هو شَغَفي. وأنا أشعر بالحزن في قلبي حين أسمع أنَّ كلمة الله قد أُسيء استخدامها، أو أُسيء تفسيرها، أو أنَّ هناك مقاطع فيها استُخدمت لتعليم أمورٍ لا تُعَلِّمُها أصلاً، أو أنَّ هناك آياتٍ فيها استُخدمت لتعليم أشياءٍ لا تُعَلِّمها. فسوء استخدام كلمة الله هو شيء خطير. فهذه خطيَّة خطيرة يمكننا أن نَصِفَها بأنَّها عبادة غير لائقة وغير كتابيَّة.
ولا أحد مِنَّا يريد أن يكون مُذنبًا بعبادة الله بطريقة لا تَليقُ به. فالله يريد أن يُعبَد. وَهُوَ يُريد أن يُعبَد بالرُّوح والحقّ. والله يريد أن يُعبَد مِن القلب. وَهُوَ يريد أن يُعبَد كما يَليق بشخصه. وَهُوَ يريد أن يُفهَم فهمًا صحيحًا. وَهُوَ يريد أن يُجَلَّ على صِفاته الَّتي يَتَّصِف بها. لِذا، يجب علينا أن نعبد اللهَ الحقيقيَّ كما يليق به، وبالطَّريقة الَّتي دعانا إلى عبادته بها في الكتاب المقدَّس.
ونحن لا نريد أن نتعامل مع عبادة الله بطريقة تافهة أو بطريقة مُبتذلة لأنَّنا نفهم خطورة ذلك. وينبغي أن نُطبِّق المبدأ نفسه على كيفيَّة تَعاملنا مع الكتاب المقدَّس لأنَّ الله عَظَّم كلمتَه على كلِّ اسمه (كما جاء في المزمور 138: 2). فطريقة تعاملُنا مع الكتاب المقدَّس مُهمَّة بالقدر نفسه بالنِّسبة إلينا. وإن لم نتعامل معها كما ينبغي، ينبغي لنا أن نَخجَل من أنفسنا.
فهناك مِقدار من الخِزْي مرتبط بسوء استخدام الكتاب المقدَّس. والآن، ربَّما تقول... مِن مُنطلق أنَّ النَّظرة السَّائدة هي أنَّ تفصيل الكتاب المقدَّس بالاستقامة ليس أمرًا هَيِّنًا، ومِن مُنطلق أنَّ الأشخاص الأتقياء يَختلفون في وجهة نَظرهم، ومِن مُنطلق أنَّ الكثير مِن مُعلِّمي الكتاب المقدَّس يَختلفون، وأنَّ الوعَّاظ يختلفون، والكُتَّاب يختلفون: "إن كان...إن كان مِن المهمِّ جدًّا أن نُفَصِّله بالاستقامة، وإن كُنَّا سنُخزى إن لم نفعل ذلك، لماذا يوجد كلُّ هذا الاختلاف في وجهات النَّظر؟"
الحقيقة هي أنَّ هناك أسبابًا عديدة لذلك. وواحدٌ منها هو بسبب الدِّراسة غير الكافية، أو الاستعداد غير الكافي. وهناك سبب آخر وهو الافتراضات المُسَبَّقة. فهناك أشخاص يُقْدِمون على دراسة الكتاب المقدَّس وَهُمْ مُقتنعون بوجهات نظر مُعيَّنة يريدون أن يَفرضوها على الكتاب المقدَّس عوضًا عن السَّماح للكتاب المقدَّس بالتَّكلُّم عن نفسه بنفسه. وهناك سبب آخر وهو عدم تعامل المرء مع مشاكله الشخصيَّة بطريقة تُتيح له أن يَفهم الكتاب المقدَّس، وأن يَترك كلَّ خطيَّةٍ وأمورٍ أخرى تُشَوِّش ذهنه.
وأعتقد أنَّ هناك سببًا آخر يؤدِّي إلى الاختلاف في تفسير الكتاب المقدَّس وهو أنَّ هناك أناسًا اتَّخذوا قرارًا باتِّباع أبطالٍ مُعيَّنين. فَهُم يتبعون تقاليد مُعيَّنة، أو أبطالاً لاهوتيِّين مُعيَّنين، أو كُتَّابًا مُعيَّنين فيسيرون في نفس الدَّرب الَّذي يسيرون فيه. وهُم يميلون إلى فَرْض ذلك على نصوص كتابيَّة عديدة بسبب إعجابهم الشَّديد بكاتب مُعيَّن في فترة زمنيَّة مُعيَّنة، وحتَّى بأحد الكُتَّاب المعاصرين. فهناك أسباب عديدة لوجود هذا الاختلاف. وهناك اختلافات طبيعيَّة؛ ونحن نَتفهَّم ذلك في العديد من القضايا الكِتابيَّة الثانويَّة الَّتي لا يُشار إليها كثيرًا في الكتاب المقدَّس أو الَّتي لم تُذكَر بوضوح في الكتاب المقدَّس.
فهناك أمور مُعيَّنة في الكتاب المقدَّس لا نملك معلومات كثيرة عنها. لِذا، لا يَسَعُنا إلاَّ أن نأخذ ما هو مُتاح لدينا وأن نُفسِّره أفضل تفسير ممكن. ولكن بعد أن قُلنا كلَّ ذلك، أُذكِّركُم بأنَّ هناك تيَّارًا رئيسيًّا أو مصدرًا رئيسيًّا للحقِ في صميم كلمة الله، وفي صميم التَّاريخ المسيحيِّ لا يَتزعزع ولا يَهتزُّ. ونحن نتمسَّك بذلك التَّقليد العظيم. فنحن نريد أن نُفسِّر كلمة الله كما فُسِّرَت دائمًا مِن قِبَل الشُرَّاح الأمناء والأتقياء. وهناك حقيقة عظيمة في الإيمان المسيحيِّ وهي أنَّه كان وما زال يوجد دائمًا فَهْمٌ صحيحٌ للكتاب المقدَّس في كلِّ تاريخ الكنيسة؛ وحتَّى في كلِّ تاريخ إسرائيل.
ففي أثناء تِيْه بني إسرائيل، وخطيَّتهم، وزيغانهم، وابتعادهم، وارتدادهم، كان هناك دائمًا يهود أمناء للحقِّ الكتابيِّ. وقد فَهموه فهمًا صحيحًا. وكان هناك دائمًا أنبياء وقفوا وقَدَّموا التَّفسير الصَّحيح، وكَهنة تَصَرَّفوا وفقًا لذلك التَّفسير الصَّحيح لجذب النَّاس إلى الله. ونحن نريد أن نسير في خُطىَ ذلك التَّيَّار مِن الحقِّ، ومِن الفهم الصَّحيح للكتاب المقدَّس عندما ندرس كلمة الله؛ عَالِمين أنَّ هناك أمورًا غامضةً جدًّا ولا يمكننا أن نستوعبها لأنَّها خارقة للطَّبيعة بطبيعتها في حين أنَّنا طبيعيُّون؛ وعَالِمين أنَّ هناك أمورًا لا يمكننا أن نفهمها، ويَستعصي علينا بعقولنا هذه أن نُفَصِّلها وأن نُدركها.
وهناك أمور مُعيَّنة لا نعرف سوى القليل عنها. لذا، لا يمكننا حقًّا أن نُفسِّرها تفسيرًا سليمًا جدًّا. ولكن عندما يختصُّ الأمر بجوهر الكتاب المقدَّس، وصميم الكتاب المقدَّس، وَلُبِّ الكتاب المقدَّس، يمكننا أن نفهمه. فبصورة عامَّة، يمكننا أن نأخذ ما تقوله كلمة الله حَرفيًّا وأن نفهمه بصفتنا مؤمنين.
والآن، لكي نفعل ذلك، ولكي نَجني أقصى فائدة ممكنة مِن كلمة الله، ولكي نفهم حقًّا ما قصده الله بما قاله، يجب علينا أن نَسُدَّ عددًا مِن الفَجْوات. وأودُّ أن أتحدَّث عن ذلك في هذا الصَّباح. فأنا أريد أن أتحدَّث عن طريقة قيامنا بذلك في أثناء دراسة الكتاب المقدَّس. فقد تحدَّثنا سابقًا عن قراءة الكتاب المقدَّس. وهذه هي النُّقطة الَّتي ينبغي أن تبتدئ منها. فيجب عليك أن تقرأه كي تَعرف جيِّدًا نَصَّ الكتاب المقدَّس.
ويمكنني أن أؤكِّد لكم شيئًا واحدًا وهو أنَّكم لن تعرفوا يومًا ما يقوله الكتاب المقدَّس ما لم تقرأوه. وعندما تقرأوه مِرارًا، كما ذَكَرنا، بحسب خُطَّة القراءة المُتكرِّرة، ستبتدئون في غرس الكلمة في قلوبكم. وحينئذٍ ستُفَسِّر الكلمةُ نفسها بنفسها لأنَّك ستبتدئ في معرفة ما تقول.
ولكن هناك عددًا مِن الفَجْوات في فَهْمِ ما تعنيه بما تقوله ينبغي أن تُسَدّ. فحالما تقرأ كلمة الله وتضعها في قلبك، وتستمرُّ في قراءتها وحِفظها وتطبيقها شخصيًّا، سوف تصيرُ حَيَّة بالنِّسبة إليك بطرق عديدة. ولكن ستبقى هناك مجموعة مِن الفجوات الَّتي ينبغي أن تُسَدَّ. والفجوات مرتبطة بقِدَمِ هذا الكِتاب. فنحن نتعامل مع وثيقة قديمة. فهذا الكتاب قديمٌ جدًّا.
فهو يَرجِع إلى عهد الآباء، أي إلى زمن مُوسى عندما كَتَب عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسُف. وهو يَرجِع إلى زمن سِفْرِ أيُّوب الَّذي رُبَّما كُتِب حَتَّى قبل سِفْر التَّكوين، والخروج، واللاَّويِّين، والعدد، والتَّثنية (الَّتي نُسَمِّيها: التَّوراة). فهو وثيقة قديمة جدًّا كُتِبَت على مَدى أكثر مِن ألفٍ وخمسمئة سنة مِن قِبَل أكثر مِن أربعين كاتبًا؛ وهو يدور حول ذلك المكان العجيب الَّذي يُدعى: إسرائيل. فكِلا العهدين القديم والجديد يأتيان مِن هناك. ولكنَّه قديم. وقد اكتمل، كما تَعرفون تمامًا، في القرن الأوَّل الميلاديّ؛ أي قبل نحو ألفيّ سنة. لذا فإنَّنا نتعامل مع وثيقة قديمة جدًّا. وهذا يَسمح بوجود عددٍ مِن الفجوات بالنِّسبة إلينا. وإن أردنا أن نَفهم الكتاب المقدَّس، يجب علينا أن نَسُدَّ هذه الفجوات.
الفَجوة الأولى هي الفَجوة اللُّغويَّة. فالكتاب المقدَّس لم يُكتب باللُّغة الإنجليزيَّة، بل إنَّ العهد القديم مِن الكتاب المقدَّس كُتِبَ باللُّغة العِبْريَّة (وهناك أجزاء فيه كُتِبَت بالآراميَّة؛ وهي اللُّغَة الدَّارجة آنذاك. وحتَّى إنَّها كانت لُغةً مَحكيَّةً في زمن يسوع بين اليهود). ولكن بصورة عامَّة بكُلِّ تأكيد، فقد كُتِب باللُّغة العِبْريَّة، وكُتِبَتْ أجزاءٌ منه بالآراميَّة. أمَّا العهد الجديد فكُتِب باللُّغة اليونانيَّة الَّتي كانت لُغة الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة الَّتي كانت قد مَدَّت نُفوذها إلى الشَّرق الأوسط وأرض إسرائيل في ذلك الوقت.
لِذا فإنَّنا أمام مشكلة هنا لا فقط لأنَّ العهد القديم كُتب باللُّغة العِبريَّة، بل لأنَّه كُتب بلُغة عِبريَّة غير مُتداولة اليوم لأنَّها قد تغيَّرت كما هي حال أيَّة لغة. وقد كُتب العهد الجديد بلُغة يونانيَّة مختلفة عن اللُّغة اليونانيَّة المَعروفة اليوم. وحتَّى إنَّها كانت تُعرَف باسم اليونانيَّة العَاميَّة أو اليونانيَّة الشَّائعة. وقد كانت مُختلفة عن اليونانيَّة المُعَقَّدة غير الدَّارجة أو الأدبيَّة حتَّى في الزَّمن الذي كُتب فيها. وكِلا هذَيْن الشَّكلين كانا مُختلفَيْن عن اليونانيَّة المعروفة اليوم.
لِذا، يجب علينا أن نَسُدَّ هذه الفَجوة اللُّغويَّة. وهذه نُقطة مهمَّة جدًّا لأنَّه لا بُدَّ لنا أن نَفهم أحاديث النَّاس، وكيف كانوا يتكلَّمون، وكيف كانوا يكتبون إن أردنا أن نَفهم قَصدهم. لِذا، عندما يذهب الشَّباب إلى كُليَّة اللاَّهوت فإنَّنا نُعلِّمهم اليونانيَّة والعِبْريَّة. ونحن نَعلم أنَّ الالتحاق بكُليَّة اللاَّهوت ثلاث أو أربع سنوات (أو في حالاتٍ أخرى ثماني أو تسع سنوات... وفقًا للحالة) وأنَّ صَرْف ذلك الوقت في تَعَلُّم اليونانيَّة والعِبْريَّة لن يجعلك بالضَّرورة، مِن خلال تلك المادَّة الموجزة، المَرْجِع الرَّئيسيَّ في تلك اللُّغة.
ولكن من المهمِّ جدًّا أن تفهموا اللُّغة اليونانيَّة واللُّغة العِبْريَّة لأنَّ هناك فوائد عديدة تَجنيها حين تفعل ذلك. فيمكنك مثلاً أن تَستخدم جميع الأدوات الدراسيَّة العِبْريَّة. فيمكنك أن تستخدم المعاجم والقواميس وكلَّ تلك الأشياء. ويمكنك أيضًا أن تقرأ كُتُبَ شَرْحٍ مُعيَّنة تشير إلى الكلمات العِبْريَّة وأن تعرف ما تتحدَّث عنه. ويمكنك أيضًا، إن كنتَ تعرف اللُّغتين اليونانيَّة والعِبْريَّة، عندما يُشير شخص إلى اليونانيَّة والعِبْريَّة، يمكنك أن تَتحقَّق مِمَّا يقوله لتعرف إن كان ذلك صحيحًا أم لا. أمَّا إن لم تكن تعرف هاتين اللُّغتين فإنَّك ستكون تحت رحمة الكاتب الَّذي اخترت أن تُصدِّقه لأنَّك لا تستطيع أن تتحقَّق مِن ذلك.
لِذا فإنَّ معرفة اللُّغة مهمٌّ جدًّا. فينبغي أن يَعرف أحدٌ اللُّغة. وإن لم تكن أنتَ، بصفتك دارسًا للكتاب المقدَّس، تعرفها، ينبغي أن يكون لديك شخص يعرفها ويُطلعك عليها. وهنا تَكمُن أهميَّة كُتب الشَّرح بالنِّسبة إليك، والموادّ الدراسيَّة، و "قاموس فاين لمفردات العهدَيْن القديم والجديد" (Vine’s Dictionary of Old and New Testament Words) وتلك الموادّ الَّتي تساعدك في فهم مَعنى الكلمة. وقد ذَكَرْتُ قاموس " فاين " (Vine) تحديدًا لأنَّه يَنطلق مِن اللُّغة الإنجليزيَّة ثُمَّ يرجع إلى اليونانيَّة والعِبْريَّة. لِذا، يمكن للشَّخص الَّذي لا يعرف اليونانيَّة أو العِبريَّة أن يَستخدمه. ولكن يجب عليك أن تدرس الكلمات كي تعرف معناها لأنَّ هذا هو أساس التَّواصُل وجوهره.
وهناك فجوة ثانية ينبغي أنْ تُسَدَّ وهي الفَجوة الثَّقافيَّة. وهذه الفجوة تَختصُّ لا بالكلام، بل بالعادات. فالكلام مرتبط بالعادات. والكلام اصطِلاحيٌّ. وما أعنيه هو أنَّ كلامَنا اصطِلاحيّ. فعندما أستمع إلى المصطلحاتٍ المستخدمة اليوم، لا أعرف حتَّى ما يتحدَّث عنه الشَّباب اليوم. وما أعنيه هو أنَّني أسمعُهم يتحدَّثون، ولكنِّي لا أدري ما يتحدَّثون عنه لأنَّ اللُّغة تستمرُّ في ابتكار مُصطلحاتٍ جديدة. ونحن نَعرف مُصطلحات مُعيَّنة.
فكما تَعلمون، نحن نقول للنَّاس عندما نَلتقيهم: "كيف أنت؟" (How are you?). لا أدري...إنَّه سؤالٌ سخيفٌ إن فَكَّرتم فيه بصيغته الحَرفيَّة: "كيف أنت؟" كيف أنا؟ أنا موجود لأنَّ أُمِّي كانت موجودة، وأبي كان موجودًا، فصِرْتُ أنا موجودًا. ماذا تَعني: "كيف أنت؟" ما مَعنى ذلك؟ فإن قلتَ لشخصٍ ما: "هل أنت بخير؟" سيُجيبُك قائلاً: "أجل" أو "لا". وإن قلتَ لشخصٍ ما: "هل أنت سعيد؟" سيُجيبك عن سؤالك. ولكنَّ السُّؤال: "كيف أنت؟" يبدو في نظري مُصطلحًا خَطَر ببال شخصٍ ما ذات مَرَّة وقَصَدَ به شيئًا لا نفهمه نحن. وهناك مُصطلحٌ آخر نستخدمُه وهو: "هاي" (Hi). ما معنى ذلك؟ "هاي!" لا أعرف معنى ذلك، ولكنَّه مُصطلَح مُستخدَم. فنحن نَبتكر تلك المصطلحات في اللُّغة.
وحين تتعاملون مع لُغةٍ قديمة، أنتم تتعاملون مع لُغة اصطِلاحيَّة. فأنتم تتعاملون مع تعبيرات تَعكس الثَّقافة. لِذا فإنَّ معرفة الثَّقافة مهمَّة جدًّا. فلا يمكنك حتَّى أن تُعيد تصوير المشهد... لا يمكنك أن تُعيد تصوير المشهد كِتابيًّا ما لم تَعرف الثَّقافة. فهو أمر مُهمٌّ جدًّا جدًّا... ما لم تعرف الخَلفيَّة. ففَهْمُ الكثير من الأشياء عن الثَّقافة (أي الثَّقافة اليهوديَّة والثَّقافة اليونانيَّة) مهمٌّ جدًّا جدًّا في تفسير الكتاب المقدَّس.
فثقافة الدِّيانات السِّريَّة، وثقافة الفَرِّيسيِّين، وثقافة الصَّدُّوقيِّين، والرُّومان، والموقف بأسره هناك، والثَّقافة المحيطة بإسرائيل، والشِّرْك بالله... والشِّرْك بالله يعني تَعَدُّد الآلهة... والوثنيِّين، وثقافة عبادة البَعْل، فكلُّ تلك الأشياء المُحيطة بالبيانات الكِتابيَّة هي جزءٌ من فهم الإطار الَّذي توجد فيه اللُّغة والذي تُسرَد فيه القصص.
ثالثًا، الفَجوة الجُغرافيَّة...الفجوة الجغرافيَّة. ومِن المهمِّ جدًّا أن نَفهم شيئًا ما عن ذلك. فهي ليست فجوة يَتعيَّن علينا أن نَفهمها مِثلَ غيرها، ولكن يجب علينا إلى حَدٍّ ما أن نكون قادرين على معرفة المشهد نفسه؛ أي المشهد الفِعليِّ الَّذي كان موجودًا. فمثلاً، يقول يسوع: "ارْفَعُوا أَعْيُنَكُمْ وَانْظُرُوا الْحُقُولَ إِنَّهَا قَدِ ابْيَضَّتْ لِلْحَصَاد". حسنًا! ما الَّذي...ما الَّذي يجري هناك. ما الَّذي قَصدهُ بذلك؟
كان يوجد مشهد رائع هناك إذْ إنَّ المحاصيل كانت قد بلغت مرحلةً في ذلك الوقت مِن السَّنة في ذلك الجزء مِن العالم. ومِن وراء المحاصيل، كان النَّاس مُقْبِلين مِن القرى وَهُمْ يَرتدون ثيابهم البيضاء. وكانوا يَبدون مِثل سَنابل قمحٍ فوق سُويقاتِها اليانعة جاهزة للحصاد. ويسوع يَستخدم ذلك كاستعارة للإشارة إلى الحاجة إلى حصاد نُفوس أولئك النَّاس.
إذًا، هناك شيء بخصوص المجتمع الزِّراعيِّ، وشيء بخصوص حقيقة أنَّ تِلال فلسطين كانت تُستخدَم لزرع الكُروم، وأنَّ الحقول كانت تُستخدم لزرع المحاصيل. وهناك شيء بخصوص فَهْم معنى الصُّعود إلى أورُشليم والنُّزول إلى أريحا. فهناك شيء بخصوص الجُغرافية مهمٌّ جدًّا جدًّا. فيجب أن تفهم الكثير عن ثقافة الكتاب المقدَّس، ويجب أن تفهم الكثير عن جغرافيَّة الكتاب المقدَّس. ثُمَّ ينبغي أن تفهم النُّقطة الرَّابعة وهي التَّاريخ؛ أي الحَبكة نفسَها. فيجب عليكَ أن تَسُدَّ تلك الفجوات.
والآن، لنتحدَّث عن تلك...عن تلك الفجوات الأربع. الفجوة اللُّغويَّة تَختصُّ بالكلام، والفجوة الثَّقافيَّة تختصُّ بالعادات والمصطلحات. والفجوة الجغرافيَّة تختصُّ بالمشهد؛ أي بالمشهد الحقيقيِّ المحيط بالنَّصّ. والفجوة التاريخيَّة هي الحَبْكَة؛ أي ما كان يحدث تاريخيًّا بذلك الشَّأن. فما هي القرينة التَّاريخيَّة؟ لقد وَجدتُ على مَرِّ السِّنين أنَّ صَرْف أكبر وقتٍ على هذه الأمور مُهمٌّ جدًّا لِفَهْمِ أيِّ نَصٍّ في الكتاب المقدَّس.
فالنَّاس يسألونني عادةً: "كم يَلزمني مِن الوقت لتحضير عِظَة؟" حسنًا! الحقيقة هي أنَّه لكي أتمكَّن حقًّا مِن وضع مُخَطَّطٍ، وكتابة مجموعة مِن الملاحظات، والصُّعود إلى المِنْبَر لتقديمها إليكم، قد يتطلَّب الأمر ساعة واحدة للقيام بذلك. ولكنِّي قد أحتاج إلى صَرْفِ ثلاثين ساعة للقيام بما وَصَفْتُه لكم بأنَّه سَدُّ تلك الفجوات الأربع لأنَّه حالما تَسُدُّ تلك الفجوات، ويَتشكَّل لديك المشهد الحَيُّ، وتَفهم اللُّغة، وتَفهم الثَّقافة، والعادات الَّتي تُشَكِّل تلك اللُّغة، تكون قد أَعَدْتَ صياغة المشهد وفَهِمتَ الحبكة. وحينئذٍ، سيصير النَّصُّ الكِتابيُّ جاهزًا كما لو أنَّه ثمرة ناضجة سَقَطت من الشَّجرة. فسوف يصير معناه واضحًا تمامًا حين تُعيد بناء كلِّ ذلك.
وبصراحة، هذا مُمتِع. فهذه هي مُتعة دراسة الكتاب المقدَّس بالنِّسبة إليَّ؛ ولا سيَّما حين أتمكَّن مِن إعادة بناء ذلك المشهد الَّذي يتحدَّث عنه النَّصُّ لأنَّ ذلك يجعله نابضًا بالحياة. والآن، لنتحدَّث عن ذلك. لنتحدَّث عن اللُّغة في البداية. فكما قلتُ، هناك لُغتان رئيسيَّتان: العِبْريَّة واليونانيَّة. والعِبْريَّة أسهل للتَّعلُّم بالرَّغم مِن أنَّك ستُلاقي صعوبة في تَعَلُّم اللُّغة العِبريَّة لأنَّك ستنظر إلى حروف اللُّغة العِبريَّة فتبدو مُختلفة عن حُروف اليونانيَّة...عن حُروف اليونانيَّة.
ولكنَّ العِبريَّة هي في الحقيقة لُغة أسهل، بل إنَّها ليست مُعقَّدة مِثل اليونانيَّة. وهي ملموسة أكثر. ولكن حين تأتي إلى اللُّغة اليونانيَّة ستجد أنَّها مُعقَّدة جدًّا جدًّا. والحقيقة هي أنَّه لا يوجد فِعْلٌ عاديٌّ واحدٌ في اللُّغة اليونانيَّة يتبع صيغةً واحدةً في جميع الحالات النَّحويَّة والصَّرْفيَّة وما إلى ذلك. فلا يوجد فعلٌ يونانيٌّ واحد في كُلِّ اللُّغة اليونانيَّة لا يتغيَّر في جميع الحالات. وهذا يعني أنَّهُ يجب عليكَ أن تَحفظ الأجزاء الشَّاذَّة. وكلُّ فعلٍ له صِيَغ عديدة. ففي كلِّ مَرَّةٍ تُغيِّر فيها أيَّ جُزءٍ نَحويٍّ في الجُملة فإنَّ صيغة الفعل تتغيَّر.
ونحن لا نواجه هذه المُعضِلة في اللُّغة الإنجليزيَّة. فحين نَستخدم أحد الأفعال فإنَّه يبقى على حاله. فأنا أقول "لقد ركضتُ" فيبقى الفعلُ على حاله. أو يمكنني أن أقول: "كنتُ أركضُ". فهناك صِيَغ قليلة. أمَّا في اللُّغة اليونانيَّة فإنَّ الفعل "رَكَضَ" يتغيَّر إلى خمس عشرة صيغة مُختلفة وفقًا لكيفيَّة استخدامه في بُنية الجملة. لذا، فإنَّها لُغة تتطلَّب قدرًا هائلاً مِن الحفظ. فالأشخاص الَّذي يدرسون اللُّغة اليونانيَّة يَحفظون ويحفظون ويحفظون ويحفظون كي تكون كلُّ تلك المعلومات في ذهنك كي تتمكَّن من القراءة. وأخيرًا، حين تفعل ذلك وقتًا طويلاً وكافيًا، سيصير الأمر مألوفًا لديك. ولكنَّ ذلك يُساعدك على التَّلامُس مع الكلام.
والآن، اسمحوا لي أن أقول لكم شيئًا أساسيًّا جدًّا ينبغي أن تفهموه. عندما كَتب الله الكلمة، وَضع رسالته في الكلمات. فالرِّسالة موجودة في الكلمات. لِذا، يجب فَهْم الكلمات. ويجب أن نَفهم أنَّ الكلمات الأصليَّة كانت بالعِبريَّة واليونانيَّة. وكلَّما زاد فهمُنا لمعنى تلك الكلمات الأصليَّة، زاد فهمُنا للمقطع. وبصورة عامَّة، يمكنكم أن تفرحوا لحقيقة أنَّ مُترجمي الكتاب المقدَّس ترجموا بدقَّة هذه الكلمات.
فالتَّرجمة الإنجليزيَّة للكتاب المقدَّس خَضَعت للدِّراسة تلو الدِّراسة تلو الدِّراسة تلو الدِّراسة على مَرِّ العصور، وخَضَعت للتَّدقيق والتَّمحيص حتَّى إنَّ التَّرجمات المتوفِّرة لدينا اليوم هي ترجمة دقيقة للنُّصوص اليونانيَّة والعِبريَّة؛ ولكنَّها تخلو مِن الفُروق الدَّقيقة والفُروق الغَنيَّة الَّتي لا يمكن إدراكها إلاَّ مِن خلال الدِّراسة المُتمعِّنة للُّغة. لذا فإنَّ ما أفعله عند دراستي للكتاب المقدَّس هو أنِّي أتلامس مع ذلك. فأنت تتعامل مع عِلْم الصَّرْف...مع عِلْم الصَّرْف. وهذا يعني أنَّك تتعامل مع صِيغة الكلمة، والحالة الَّتي وردت بها الكلمة، وجنسِها. هل وردت بالصِّيغة المُفردة؟ هل وردت بصيغة الجمع؟ هل هي فعل ماضٍ؟ هل هي فعل ماضٍ ناقِص؟ هل هي فعلٌ تامّ؟ وكلّ تلك الأشياء.
وكما تَعلمون، هناك مشكلة تَعترضنا اليوم لأنَّنا نحاول أن نتعامل مع أشخاصٍ وأن نُعلِّمهم لغةً لأنَّهم لا يعرفون...لا يعرفون الأجزاء الرئيسيَّة في اللُّغة الإنجليزيَّة. ففي كليَّة اللاَّهوت "ذا ماسترز سيميناري" (The Master’s Seminary)، على سبيل المثال، نحن لا نَقبل إلاَّ الطَّلبة المتفوِّقين، وإلاَّ الطَّلبة الَّذينَ يستطيعون أن يدرسوا دراسات عالية صعبة جدًّا جدًّا. ويجب على هؤلاء أن يُضَحُّوا حقًّا، أكاديميًّا، كي يُفلِحوا في كُليَّة اللاَّهوت. وهذا يتطلَّب أفضل وأذكى الأشخاص للقيام بذلك. وواحدٌ مِن أصل أربعة أشخاص يتقدَّمون بطلبٍ لكليَّة اللاَّهوت لدينا يستطيع أن ينجح في امتحان اللُّغة الإنجليزيَّة الأوَّليّ. وجميع هؤلاء حاصلون على شهادات جامعيَّة. ولكنَّهم لا يعرفون لُغتهم جيِّدًا.
صحيحٌ أنَّهم يعرفون كيف يَنطقونها، ولكنَّهم لا يفهمون أُصولها اللُّغويَّة، ولا يفهمون أصولها النَّحويَّة والقواعديَّة. لِذا، عندما تحاول أن تُعلِّمهم لغةً أخرى فإنَّهم لا يعرفون كيف يتعلَّمون تلك اللُّغة إلاَّ إذا قَدَّمتَ لهم شريط "بيرلتز" (Berlitz) وتخبرهم أنَّه يمكنهم أن يتعلَّموا العِبريَّة مِن خلال تَعلُّم هذه العبارات القليلة. ولكن لا يمكنك القيام بذلك. لذا فإنَّ الأمر ينطوي على تَحَدٍّ كبيرٍ جدًّا. فيجب عليك أن تتعلَّم صيغ الكلمات. وهذا تَحَدٍّ كبير جدًّا.
وما زِلتُ أَذكُر أنَّني عندما كنتُ طالبًا جامعيًّا في السَّنة الأولى تَعبتُ جدًّا. فقد عَقدتُ العَزم على معرفة العهد الجديد. لذا، عندما كنتُ طالبًا في السَّنة الأولى في الجامعة، أخذتُ خمس ساعات مُعتمدة لُغة يونانيَّة. فقد كنتُ أدرس اللُّغة اليونانيَّة كلَّ يومٍ، خمسة أيَّامٍ في الأسبوع، طَوال السَّنة...طَوال السَّنة الأولى. وهذا كَمٌّ هائل مِن اللُّغة اليونانيَّة لطالبٍ في الثَّامنة عشرة مِن عُمره. وكان هناك كَمٌّ هائلٌ ينبغي أن أحفظه، وكَمٌّ هائل مِن الدراسة. وقد درستُ اليونانيَّة طَوال سنوات دراستي الأربع في الجامعة، وكان تَخَصُّصي الفَرعيُّ هو اللُّغة اليونانيَّة. ثُمَّ ذهبتُ إلى كُليَّة اللاَّهوت ودرستُ اللُّغة اليونانيَّة ثلاث سنواتٍ أخرى. لذا فقد استمرَّيتُ في دراسة اليونانيَّة. وفي النِّهاية، لا أعتقدُ أنِّي حفظتُ كُلَّ ما ينبغي حفظه. فهي مُعقَّدة جدًّا. ولكنَّنا نملِك أدوات رائعة جدًّا اليوم لمساعدتنا على دراسة تلك الأمور، ولمساعدتنا على فهم الكلمات وصيغ الكلمات.
ثُمَّ إنَّ هناك عِلْم المعاني بالإضافة إلى ما أسميناه: "عِلْم الصَّرْف" الَّذي يختصُّ بدراسة صيغ الكلمات. أمَّا علم المعاني فيختصُّ بدراسة معاني الكلمات. وهذا يقودنا إلى معرفة معاني تلك الكلمات. وهذا يقودكم إلى معرفة خَلفيَّة الكلمات؛ وهو أمرٌ غنيٌّ جدًّا. ثُمَّ هناك علم النَّحو...علم النَّحو الَّذي يَختصُّ بمعرفة العلاقة بين الكلمات. وهذا يأتي بكم إلى معرفة كيفيَّة ارتباط الكلمات معًا. وهذا مُهمٌّ جدًّا. فهذه فجوة ينبغي أن تُسَدَّ.
ولكي أُقدِّم لكم مثلاً توضيحيًّا بسيطًا عن كيفيَّة قيامي بذلك؛ وأنا أقوم بذلك منذ أن ابتدأتُ الوعظَ وتعليم كلمة الله. فهذا هو ما أفعله عادةً. وهذا هو ما أقوم به عادةً. فهذه هي حِرْفَتي. فأنا أبتدئ بإحضار أوراقٍ كبيرة الحجم وأفتح الكتاب على النَّصّ. وأنا أدرس الجزء اللُّغويَّ الأصليَّ مِن النَّصِّ باللُّغة الأصليَّة الَّتي سأعظ بها، وأدرس كلَّ النَّصِّ إلى أن أفهم الكلمات، وأفهم معاني الكلمات، وصيغ الكلمات. وقد أُضطرُّ أحيانًا إلى إعرابها أو تحليلها لمعرفة الحالة الَّتي هي عليها أو الصِّيغة الَّتي هي عليها سواءٌ كانت جُملاً إسميَّة، أَم أسماء، أَم صِفات.
ثُمَّ عندما أنتهي مِن القيام بذلك...تكون الأوراق الَّتي أمامي مُمتلئة بالخَربَشات. وهذه الخَربَشات ليست للنَّشر، ولكنَّها تتسرَّب هنا وهناك أحيانًا. ولكنَّها مُجرَّد خَربَشات. ثُمَّ إنِّي أدرس معاني تلك الكلمات، وأبحث عن معاني الكلمات، وأرجع إلى مراجع عديدة لمعرفة معانيها الدَّقيقة. ثُمَّ إنِّي أبحث عن الرَّوابط والصِّلات وأبتدئُ في ربط هذه الكلمات بالنَّصِّ نفسه. وحينئذٍ فإنِّي أحصل على... أحصل على فهمٍ شامل لما يقوله النَّصُّ بصورة رئيسيَّة. فالكلمات نفسها تصير الآن واضحة بالنِّسبة إليَّ. فمِن المهمِّ جدًّا أن أحاول أن أَفهم باللُّغة الأصليَّة أغنى معنى ممكن لذلك النَّصّ. فهكذا أتعامل مع الجانب اللُّغويّ. وهذه هي أوَّل عمليَّة أقوم بها. فأنا أبتدئ باللُّغة الأصليَّة كي أتمكَّن مِن فهم ذلك.
والآن، مِن المؤكَّد أنَّكم لن تتمكَّنوا جميعًا مِن القيام بذلك لأنَّكم لا تعرفون اللُّغة. ولكن اسمعوني: هناك أدوات كثيرة مُتاحة يمكنها أن تساعدكم، وهناك أشياء جيِّدة كثيرة جدًّا لمساعدتكم على التَّلامس مع أفضل وأغنى ما في اللُّغة. وإن كان هناك يا أصدقائي، وقتٌ...يجب عليَّ أن أقول لكم هذا...إن كان هناك وقتٌ في تاريخ الكنيسة يستطيع فيه الأشخاص العِلمانيُّون أن يكونوا تلاميذ جيِّدين للكتاب المقدَّس، فإنَّه اليوم. والسَّببُ في ذلك هو كَثرة الموادِّ المُتاحة لكم، وبسبب وَفرة الموادّ المُتاحة لكم.
أمَّا إن لم تكن تلميذًا جيِّدًا للكتاب المقدَّس فإنَّ السَّبب في ذلك يَرجع إلى أنَّك لا تهتمُّ بالقدر الكافي بدراسته، أو إلى أنَّك تُصَدِّق تفاسير خاطئة. فبالرَّغم مِن وجود كلِّ تلك الكُتب القَيِّمة في المكتبات، ستجد مُقابِل كلِّ كتابٍ جيِّد ربَّما خمسة كُتب سيِّئة. لذا، يجب أن تُحسِن التَّمييز وأن تحصل على العون كي تُحسِن الاختيار. ولكن لم يأتِ وقت حَظَيْنا فيه بفرصة أكبر مِن هذه لنكون تلاميذ جيِّدين للكتاب المقدَّس لأنَّه لم يأتِ وقت آخر في التَّاريخ كانت تتوفَّر فيه أدوات دراسيَّة أكثر. وفي مرحلةٍ ما مِن قراءتك لكلِّ تلك الكُتب القيِّمة الَّتي كَتبها مؤمنون أتقياء لمساعدتك، ابتدئ بعمليَّة الدِّراسة الجادَّة للكتاب المقدَّس، واحصل على أدوات دراسيَّة للقيام بذلك كي تُركِّز أكثر على دراسة كتابك المقدَّس.
حسنًا، لننتقل إلى النُّقطة الثَّانية المختصَّة بِسَدِّ الفجوة الثَّقافيَّة. وما أعنيه بالثقافة هو: الأيديولوجيَّات الحاليَّة والأفكار الحاليَّة. فكيف كان هؤلاء يُفكِّرون؟ كيف كان اليهود يُفكِّرون؟ وكيف كان اليونانيُّون يُفكِّرون؟ فعندما كتب بولس إلى أهل كورنثوس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس والأصحاح 11، ابتدأ بالتحدُّث عن وُجوب أن تُبقي المرأة شعرها طويلاً. وما الَّذي...ما الَّذي قَصده بذلك؟ يجب عليكم أن تفهموا... وقد عثرتُ على جزءٍ مِن هذه المعلومات في كتاب صغير رائعٍ مِن منشورات دار "بانتام" (Bantam) بعنوان: "الحياة اليوميَّة في روما القديمة" (Daily Life in Ancient Rome)، تأليف: "جيروم كاركوپينو" (Jerome Carcopino). وهو كتابٌ عِلمانيّ. والمؤلِّف مؤرِّخ كَتب عن تاريخ الإمبراطوريَّة الرومانيَّة في فترة العهد الجديد. وقد كتب جزءًا كاملاً عن حركة تحرير المرأة في ذلك الوقت والتي تركَّزت في مدينة كورنثوس.
فقد كانت النِّسوة عاريات الصُّدور، ويحملن رماحًا بأيديهنَّ، ويَطْعَنَّ الخنازير، ويَتسلَّقن الأعمدة في محاولةٍ للحصول على حقوقٍ متساوية مع الرِّجال. ويتحدَّث "كاركوپينو"... يتحدَّث كاركوپينو عن كلِّ هذه المواضيع ويُبيِّن كيف أنَّ هذه هي الخلفيَّة. وواحد من الأشياء الَّتي كانت تفعلها هؤلاء النِّسوة في خِضَمِّ هذه الرَّغبة...أو في خِضَمِّ هذه المُطالبة بالتحرُّر هو أن يَحْلِقْنَ شُعورهنَّ. في ضوء هذه الخلفيَّة، وفي ضوء فهمنا لهذه الثَّقافة، عندما كَتب بولس عن أنَّ شعر المرأة هو مجدها، لا بُدَّ أنَّكم ستفهمون ما قصدَهُ بذلك.
وهناك صُعوبات عديدة تظهر في إنجيل يوحنَّا 1: 1 إذْ نقرأ عن الكلمة: "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ". ونحن جميعًا نَتمنَّى (لأجل شُهود يَهوه في المقام الأوَّل) لو أنَّ الآية قالت: "يسوع هو الله ولا تُجادلوا في ذلك". أليس كذلك؟ ولكن لماذا تقول الآية: "والكلمة كان..." كما تَعلمون؟ سوف أقول لكم السَّبب. لأنَّه في ذلك الوقت، كانت هناك فلسفة سائدة، وكانت هناك كلمة مشهورة جدًّا وهي: "لوغوس" (logos). وهذه هي الكلمة اليونانيَّة المُترجَمة "الكلمة" هنا. وكان هناك اعتقاد بأنَّ اللُّوغوس هي طاقة إلهيَّة هائمة وخارقة للطَّبيعة خَلَقت كلَّ شيء.
وما يقوله يوحنَّا هو: هل تعلمون ما هي تلك الطَّاقة الإلهيَّة الهائمة والخارقة للطَّبيعة الَّتي خَلقت كلَّ شيء؟ إنَّها المسيح. فهو يُخاطب وحسب أذهان ذلك العصر بمصطلحات هؤلاء النَّاس الفلسفيَّة والدينيَّة، ويُبيِّن لهم أنَّ ذلك هو كلمة الله. وتجدون الشَّيء نفسه في رسالة كولوسي والأصحاح الثَّاني حيث يتحدَّث بولس عن عقليَّة سابقة للغَنوصيَّة إذ كان هؤلاء النَّاس يؤمنون بالمعرفة الخاصَّة ويعبدون الملائكة. فقد كانوا يعتقدون ويؤمنون بوجود انبثاقاتٍ تنحدر مِن الله إلى البشر، ويؤمنون بكلِّ تلك الأمور الغريبة الغامضة والسُّلوكيَّات التَّقشُّفيَّة. وهو يَرُدُّ على ذلك في رسالة كولوسي والأصحاح الثَّاني. فالكلام هناك مُوجَّه مباشرةً إلى ذلك التيَّار الَّذي كان سائدًا في الفكر اليونانيّ.
وتجدون موقفًا مشابهًا في إنجيل يوحنَّا والأصحاح الثَّامن. وهذا الأمر موجود في جميع أجزاء الكتاب المقدَّس؛ ولكنَّ هذا النَّصَّ خَطَر ببالي وحسب. فقد وقف يسوع وقال: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ". وقد تقول: "هذا رائع! أنا أفهم ذلك. يسوع هو النّور. فالعالمُ مُظلم، وَهُوَ يجلب النُّور". ولكن عندما تُفكِّر في ذلك، وعندما فَكَّرتُ أنا في ذلك بادئ الأمر في أثناء دراستي لإنجيل يوحنَّا، سألتُ نفسي: "لماذا يقف ويقول ’أنا نور العالم؟‘ لماذا يقول ذلك؟" وما أعنيه هو: ما هو سِياق ذلك النَّصّ؟
ثُمَّ عندما تبتدئون بدراسة المقطع في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 8 ستُدركون أنَّه قال ذلك في ساحة النِّساء الَّتي هي السَّاحة الخارجيَّة للهيكل. وفي ساحة النِّساء أيضًا، كانت توجد صناديق صغيرة كي يضع فيها النَّاس تقدماتهم. فقد كانوا يأتون وحسب...كان الرِّجال والنِّساء يأتون إلى هناك ويتبرَّعون بأموالهم. وكان الرِّجال يذهبون إلى الجزء الآخر أو إلى الجزء الداخليِّ مِن السَّاحة. وكانت النِّساء يبقين في الخارج هناك. ولكِنَّ يسوع تَحَدَّث في ساحة النِّساء. فقد دخل إلى ساحة النِّساء.
ونجد أيضًا، كما يقول النَّصُّ، أنَّه كان اليوم الَّذي يَلي العيد. أيُّ عيد؟ عيد الأنوار. وما هو عيد الأنوار؟ إنَّ عيد الأنوار هو عيد يُحتفل فيه بإرشاد الله لبني إسرائيل بعمود نارٍ في اللَّيل وبعمود سحابٍ في النَّهار. فهكذا قادَهُم في البريَّة. وقد كانوا يحتفلون بذلك مِن خلال عيد الأنوار مُدَّة ثمانية أيَّام. وكيف كانوا يحتفلون به؟ هل تَعلمون ما المَنارة؟ شَمعدانٌ ذو سبعة أَفرُع. فقد كانوا يُقيمون مَنارة ضخمة أو شمعدانًا ضخمًا في وسط السَّاحة الَّتي لا سقف لها، بكلِّ تأكيد. فقد كانت السَّاحة تَضُمُّ مَنارةً قويَّة مُتعدِّدة الشُّعَب مُنيرة مِن فوق كما لو كانت جوهرةً في منتصف مدينة أورُشليم.
وقد كانت تلك المَنارة تُنار ثمانية أيَّام. فقد كانت تلك المنارة تُوْقَد ثمانية أيَّام احتفالاً بتوفير الله للنُّور في البَريَّة. وفي اليوم الَّذي أعقب إطفاءَها، دخل يسوع ساحة النِّساء حيث كانت تُنصَب المنارة هناك. ولكنَّ المنارة كانت قد مُطفَأة. وقد قال: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَم. ولكنِّي لا أَنطفئ". وفجأةً، صار هناك سِياقٌ يُقَدِّم معنىً مختلفًا تمامًا لذلك النَّصّ ويَلمس بقوَّة قلوب النَّاس.
هذا فيما يَخُصُّ الثَّقافة وفهم الخلفيَّات. وهذا جزء مِمَّا تفعله بصفتك تلميذًا للكتاب المقدَّس. فيجب أن يكون لديك عدد من المصادر، والكتب، والشُّروح، وقواميس الكتاب المقدَّس. وأيًّا كانت تلك المصادر، يمكنك أن تجدها في المكتبة. فنحن لا نُدير المكتبة هنا لِدَرِّ المال. وقد أَثبتنا ذلك سنةً بعد سنة بعد سنة. فنحن نُدير تلك المكتبة لتوفير المصادر إليكم. لِذا فإنَّ هذه النُّقطة مهمَّة فيما يَخُصُّ الثَّقافة.
والآن، إنَّ الجُغرافية مهمَّة بالقدر نفسه. فواحد من الأشياء الرائعة الَّتي يمكنك أن تفعلها بصفتك مؤمنًا إن أُتيحت لك الفرصة لذلك هو أن تزور أرض إسرائيل بمفردك. فهذه الرِّحلة ستجعل الكتاب المقدَّس حيًّا بالنِّسبة إليك مِن أوجه عديدة وكثيرة. فكلُّ ما ينبغي لك القيام به هو أن تختبر عاصفةً واحدةً في بحر الجليل. فحينئذٍ ستفهم لماذا كان التَّلاميذ خائفين؛ ولا سيَّما إن كنت أنت نفسك في قارب تجذيف. فسوف تفهم طوبوغرافيَّة الأرض، وجُغرافيَّة الأرض. وستفهم العلاقة بين البَلدات والقرى والمُدن.
وسوف تفهم كيف تَمَّ خَوْض المعارك وسبب خوضهم لها في وديان مُعيَّنة وعلى قِمَم جبال مُعيَّنة. فسوف تقف هناك وترى كلَّ ذلك المشهد حَيًّا أمام عينيك. وسوف تفهم لماذا اختار الله مَجِدُّو ليكون مكان معركة هرمجدُّون الَّتي ستكون الصِّراع الأخير في كلُّ الدُّهور. فقد قال "نابوليون": "إنَّها أفضل ساحة معركة على وجه الأرض". فإن ذهبتَ إلى هناك، ووقفت هناك، ونظرتَ مِن أعلى الجبل إلى كلِّ ذلك المكان، ستفهم لماذا كان هذا المكان طوال التَّاريخ القديم واحدًا مِن أعظم ساحات المعارك في العالم. فَفَهْم الجغرافيَّة مهمٌّ جدًّا.
فإن فَهمتَ مثلاً شيئًا عن جغرافيَّة أورُشليم، تلك المدينة الواقع فوق ذلك التَّلِّ المرتفع، إن فَهمتَ ذلك على سبيل المثال وقرأتَ عن موت يسوع المسيح وكيف أنَّه غادر في تلك اللَّيلة بعد خيانته مِن قِبَل يهوذا. فيهوذا، كما تَذكرون، غادر العشاء الأخير وذهب ليُكمل خيانته. وقد غادر يسوع وعَبَر وادي قدرون، وصَعِد إلى جبل الزَّيتون. وهذا مُهمٌّ لأنَّه في ذلك الوقت، كانت حُملان الفصح تُذبح بالآلاف. وقد كانت تُذبح في الجزء الخلفيِّ مِن جبل الهيكل.
وكانت دماؤها تَسيل إلى أسفل من أعلى جبل الهيكل الواقع في الجهة الشَّرقيَّة من أورُشليم، وتجري في وادي قدرون. وكان نهر قدرون يجري فيه. وهناك مُنحدَر يُؤدِّي إلى نهر قدرون. فإن عَبرتَ النَّهر، هناك منحدر ينزل مِن أعلى جبل الزَّيتون. وفوق التَّلَّة الصَّغيرة، هناك قرية بيت عنيا. وإلى الجنوب هناك بيت لحم. وقد مشى يسوع فوق ذلك التَّلِّ الخلفيِّ وعَبَر وادي قدرون.
وفي ذلك الوقت مِن السَّنة، في موسم الفصح، كان نهر قدرون ما يزال مُمتلئًا بالماء. صحيحٌ أنَّه نهر جافّ في الصَّيف، ولكنَّه ما زال يحوي ماءً فيه. وكان ذلك الماء يصير بلون الدَّم بسبب آلاف الحُملان الَّتي كانت تُذبح فتسيل دماؤها مِن أعلى تلِّ الهيكل وتملأ الجدول الصَّغير ذاك. وقد كان صعود يسوع إلى هناك يَرمز إلى ذبيحته الشخصيَّة بصفته حمل الله. وهذه الأشياء تصويريَّة جدًّا وتَجعل كلمة الله حَيَّة.
وعندما يأتي ذِكْر الجحيم مثلاً في الكتاب المقدَّس، كان اليهود يفهمون أنَّ الجحيم هو مكان العذاب الأليم، ومكان صرير الأسنان والبكاء، ومكان الظُّلمة، ومكان الألم، ومكان عذاب الضَّمير دون أيِّ راحة على الإطلاق. فهو مكان مُريع. وقد كانوا يَصِفونه بالكلمة "جَهَنَّم". وماذا كان أصل تلك الكلمة؟ إنَّ الكلمة "جَهنَّم" مُشتقَّة مِن اسم مِكَبٍّ للنِّفايات في وادي هِنُّوم إلى الجنوب مِن وادي قدرون. فقد كانوا يحملون كلَّ قُمامة المدينة ويطرحونها كلَّها في ذلك المكان. وكانوا قد أشعلوا نارًا عظيمةً لا تَنطفئ.
ولا شَكَّ في أنَّ القُمامة كانت قُمامة في تلك الأيَّام، وأنَّه كانت توجد يَرَقات في تلك الأيَّام ورائحة كريهة جدًّا. لذا فإنَّ الكتاب المقدَّس يتحدَّث عن وجود دودٍ لا يموت لأنَّه كانت توجد دائمًا قمامة تُطرَح في وادي هِنُّوم. لذا، كان يوجد دائمًا دُود هناك يَتغذَّى على القمامة. وهو يتحدَّث أيضًا عن النَّار والأهوال المُصاحبة لذلك، والدُّخان، والرَّائحة الكريهة، وهَلُمَّ جَرَّا. لِذا فقد كانت هذه هي صورة الجحيم بالنِّسبة إليهم. فإن كان بمقدورك...إن كان بمقدورك أن تقف على أيِّ جبلٍ مِن الجبال في أورُشليم، وأن تنظر إلى أسفل إلى وادي هِنُّوم، ستُدرك تمامًا وجود جحيمٍ في الأسفل في ذلك المكان المُريع والمُرعب جدًّا.
لذا فإنَّ فَهْم شيءٍ عن تلك الجغرافيَّة مهمٌّ جدًّا. فإن فهمتَ شيئًا عن الجُغرافيَّة، حتَّى عن الجُغرافيَّة في الشمال (مِثل الجليل) ستفهم الكثير عن غِنى القصص الكتابيَّة. فينبغي لك أن تَسُدَّ تلك الفَجوة مِن خلال استخدام عددٍ مِن القواميس والأطالِس. فأنا أحتفظ بقواميس وأطالس للكتاب المقدَّس بالقرب من مكتبي طوال الوقت كي تكون في مُتناول يدي للبحث عن الطوبوغرافيَّة والعلاقات. وفي أثناء كتابتي للكتاب المقدَّس الدِّراسيّ، كنتُ أجلس وأنأ أحمل بيدي تلك المِسطرة الصَّغيرة، وذلك المقياس الصَّغير لقياس المسافة بين قريةٍ وأخرى. ففي كلِّ العهد القديم، نقرأ أنَّ فُلانًا انتقل مِن هذا المكان إلى ذاك، وأنَّ فُلانًا انتقل مِن هذا المكان إلى ذاك. لذا فإنَّك تقول: "حسنًا! هذا المكان يَبعُد مسافة كذا، وهذا المكان يَبعُد مسافة كذا، وهذا المكان يَبعُد مسافة كذا". وحين تبتدئ في دراسة كلِّ هذه الأشياء ستصيرُ القصَّة كلُّها ويصير فَهمُك للكتاب المقدَّس غنيًّا وحيًّا بصورة رائعة.
وهناك أيضًا فجوة رابعة. فهناك الفجوة اللُّغويَّة، وهناك الفجوة الثَّقافيَّة، وهناك الفجوة الجُغرافيَّة. ثُمَّ إنَّ هناك الفجوة التاريخيَّة. والفجوة التاريخيَّة هي الحَبْكَة. فهناك حَبكَة للكتاب المقدَّس. وكما تعلمون، أحيانًا...أذكُر أنَّ جَدَّتي، عندما كنتُ صبيًّا صغيرًا، أنَّه كان لديها صندوق بلاستيكيّ صغير يحوي آياتٍ كتابيَّة. هل رأيتم يومًا تلك الأشياء. فقد كان مُجرَّد صندوق صغير يحوي بطاقات صغيرة كُتبتْ عليها آيات كتابيَّة.
وما كان يُدهشني دائمًا هو أنَّه كان بإمكانهم أن يضعوها بأيِّ ترتيب، ولكنَّها مِن دون سِياق. فيمكنك أن تخلطها كورق اللَّعِب وأن تضعها بأيِّ ترتيبٍ تشاء. وأعتقد أنَّه يمكنك أن تُخرِج منها أيَّ شيءٍ تُريد. فما عليك إلاَّ أن تسحب تلك البطاقة الَّتي تقول: "ثُمَّ مَضَى [يَهوذا] وَخَنَقَ نَفْسَهُ". والبطاقة الَّتي تَليها تقول: "اذْهَبْ أَنْتَ أَيْضًا وَاصْنَعْ هكَذَا". لذا، يمكنك...يمكنك أن تُرتِّبها بالطريقة الَّتي تشاء. فيمكنك أن تُرتِّب آيات الكتاب المقدَّس بأيَّة طريقة.
ولكنَّ الكتاب المقدَّس لم يُكتب هكذا. فهناك حَبكة حقيقيَّة، وهناك قصَّة حقيقيَّة تجري، وكلُّ شيءٍ يحدث في سياقٍ وإطارٍ مُعيَّن. فهو ليس مجموعة آيات مُفرَّقة يمكن أن توضَع بأيِّ ترتيب. فهناك تاريخ. وهناك خلفيَّة. فلا يمكنك، على سبيل المثال، أن تفهم سبب جَلْد بيلاطُس ليسوع ومحاولته إقناع اليهود بإطلاقه؛ أي السَّبب الَّذي دفعه إلى بذل كلِّ جهدٍ ممكن للقيام بذلك، وسبب خروجه وقوله إنَّه غسل يديه مِن ذلك الأمر بِرُمَّته، وإنَّه وجده بريئًا، وهَلُمَّ جَرَّا؛ ولكنَّهم بالرَّغم من ذلك صَلبوا المسيحَ إلاَّ إذا فهمتَ أنَّ بيلاطس كان غارقًا إلى أُذُنيه في المشاكل مع الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة بسبب ما لا يقلّ عن ثلاثة أخطاء جسيمة اقترفَها عندما كان حاكمًا في إسرائيل.
وقد أراد القيصر الرُّومانيُّ السَّلام الرُّومانيَّ أو السَّلام لروما. ولكنَّ كلَّ ما استمرَّ بيلاطُس في فِعله هو إهاجة غضب هؤلاء اليهود العِدائيِّين وإثارة غضبهم على روما. لذا فقد كان في ورطة كبيرة جدًّا جدًّا. وأخيرًا، سحب اليهود ورقتهم الرَّابحة وقالوا له: "إن لم تَصلبه سنُخبر قيصر". وبذلك انتهى النِّقاش. فإن فهمتهم الخلفيَّة ستفهمون سبب حدوث ذلك بتلك الطريقة. لذا فإنَّه أمرٌ مهمٌّ جدًّا جدًّا.
عندما كنتُ أدرسُ رسالة كورنثوس الأولى والأصحاحات مِن 12 إلى 14، كنت أحاول أن أفهم ما كان يفعله الكورنثيُّون عِوضًا عن الاستخدام الحقيقيِّ للألسنة والاستخدام الصَّحيح للمواهب الروحيَّة. ومِن الواضح أنَّهم لم يكونوا يفعلون الشَّيء الصَّحيح. فقد كان هناك أشخاص يقفون ويتظاهرون بأنَّهم يَملكون موهبةً مِن الرُّوح القُدُس؛ ولكنَّهم كانوا يُجَدِّفون على يسوع المسيح. وهذا هو وَجْهُ الغَرابة في ذلك.
وقد بَحثتُ في المكتبة قبل سنوات في محاولةٍ للعثور على مادَّة مَرجعيَّة عن ديانات اليونان والعالم القديم. وقد عَثرتُ على كتابٍ رائعٍ بعُنوان: "الدِّيانات السريَّة" (The Mystery Religions) كَتَبَهُ رجُل يُدعى "آنغوس"...آنغوس (Angos)، مِن مَنشورات...فحتَّى إنِّي لم أَنْسَ اسم النَّاشِر...مِن مَنشورات مطبعة دوڨر (Dover Press) في إنجلترا. وقد كان هذا الكتاب ضخمًا، وهو يَتحدَّث من وجهة نظرٍ عِلمانيَّة عن تاريخ الدِّيانات السريَّة في زمن العهد الجديد.
وقد فَهمتُ كلمتين في اللُّغة اليونانيَّة هُما "إنثوزيازموس" (enthousiasmos) و "إكستازِيَا" (ekstasia) ومعناهُما: "حَماسة" وَ "نَشوة". وهُما كلمتان كانتا تَصِفان طبيعة العبادة في الدِّيانات السريَّة. فقد كانوا يحاولون إدخال النَّاس في حالةٍ مِن النَّشوة والحماسة. فكلتاهما حالة تَخرج فيها عن الوعي وتفعل أشياءً غريبةً وجامِحَة. وقد كانت تلك هي الطريقة السريَّة الَّتي تتواصل بها مع تلك الآلهة.
وهل تَعلمون أنَّ الشَّخص الَّذي تَبَنَّى ذلك في ثقافتنا المعاصرة هو "تيموثي ليري" (Timothy Leary) ورَوَّجه بين كلِّ جيل الطلبة الجامعيِّين بأن قال لهم إنَّهم إن أرادوا أن يتواصلوا حقًّا مع الله، يجب عليهم أن يُدَخِّنوا مادَّةً مُخَدِّرة. وهذه صورة طبق الأصل عَمَّا كان يحدث آنذاك. لذا، كانت الفكرة السَّائدة هي أنَّه يوجد اختبار دينيّ. هل تذكرون أنَّهم في ذلك الوقت ابتدأوا ينحدرون مِن تدخين تلك المادَّة المُخدِّرة إلى الشُّعور بالنَّشوة، ووضع رُكبة فوق رُكبة بوجود مُعلِّمٍ روحيٍّ، وكانوا يُدخِّنون المزيد من تلك المادَّة ظَنًّا منهم أنَّهم سيتواصلون مع الآلهة في أثناء تلك العمليَّة؟ لقد كان ما يفعلونه تقليدًا لما كان يحدث في تلك الدِّيانة السريَّة اليونانيَّة القديمة.
وقد رُحتُ أقرأ عن كيفيَّة تعبيرهم عن أنفسهم، وابتدأت أفهم ذلك. وقد قرأتُ رسالة كورنثوس الأولى والأصحاحات 12 و 13 و 14 ففهمتُ بوضوحٍ تامٍّ ما كان يحدث هناك. فقد أخذوا ما كان يجري في تلك الدِّيانات السريَّة وقَلَّدوهُ في الكنيسة، وصَبغوه بصِبغة مُقدَّسة، وأطلقوا عليه اسم: "عمل الرُّوح القُدُس". وهذا هو ما كان ينبغي لبولس أن يَتصدَّى له. وتلك الخلفيَّات...تلك الخلفيَّات التاريخيَّة تصيغ الحبكة الَّتي تُسرَد بها القصَّة. وهذه نقطة مهمَّة جدًّا جدًّا.
والآن، هناك أشخاص يقولون: "حسنًا، ولكنِّي لا أقرأ أيَّ كُتب، بل أقرأ فقط الكتاب المقدَّس". وقد سمعتُ أشخاصًا يقولون ذلك، وسمعتُ وُعَّاظًا يقولون لي: "أنا لا أُوْمِنُ بالكُتب الدراسيَّة، بل أكتفي فقط بدراسة الكتاب المقدَّس". حقًّا؟ إذًا، ربَّما تريد أن تخبرنا كلَّ ما تعرفه عن "شُوْر" و "موآب" و "مَهَيْرَ شَلاَلَ حَاشَ بَز" و "كَلْنو" و "كَرْكَمِيش" و "مِخْمَاس" مِن مَخزونك العقليِّ وحسب. لا أعتقد ذلك. فهذا نوعٌ من الأنا المُبَطَّنة. ولكن يجب علينا أن نشكر الربَّ لأنَّه وَفَّر هذه الأدوات لنا لِسَدِّ تلك الفجوة. أليس كذلك؟ فأنت بحاجة إلى مجموعة مِن كُتب الشَّرح الجيِّدة وإلى قاموسٍ جيِّد للكتاب المقدَّس.
فيجب عليك أن تمتلك قاموسًا للكتاب المقدَّس وكتابًا جيِّدًا مِن كُتب التَّفسير كي يكون لديك نموذج للتَّفسير، ولكي يكون لديك مرجع لتوضيح المقاطع الصَّعبة. ونحن نحاول القيام بذلك في الكتاب المقدسَّ الدراسيّ بشتَّى الطُّرق الممكنة. والحقيقة هي أنَّ هذا هو ما يجعل الكتاب ضخمًا جدًّا لأنَّنا نحاول توضيح كلِّ مقطعٍ صعب. فنحن نريد أن نساعدكم على القيام بذلك. والآن، هذه هي الفجوات الَّتي ينبغي سَدُّها. وقبل أن أختم حديثي...وأنا لا أملك وقتًا كثيرًا للقيام بهذا، ولكن رَكِّزوا معي: هناك خمسة مبادئ. فأنا أستخدم خمسة مبادئ لسَدِّ هذه الفجوات. فهناك خمسة مبادئ أستخدمها. وهذه مُجرَّد لمحة خاطفة عنها.
أوَّلاً، المبدأ الحَرفيّ...المبدأ الحَرفيّ. فعندما تُفسِّر الكتاب المقدَّس، يجب عليك أن تُفسِّره حَرفيًّا. ما معنى ذلك؟ هذا يعني أنَّه يجب عليك أن تَفهم الكتاب المقدَّس بالمعنى الطبيعيِّ المألوف. يجب عليك أن تَفهم الكتاب المقدَّس بالمعنى الطبيعيِّ المألوف. بعبارة أخرى، فإنَّ المعنى المألوف للكلمات هو المعنى الَّذي ينبغي أن تَقبله. فلا يوجد معنى سِرِّيّ، ولا يوجد معنى مَحجوب، ولا يوجد معنى يَختفي وراء المعنى. وقد تقول: "حسنًا، ولكن ماذا عن اللُّغة المَجازيَّة؟" حسنًا! إنَّ اللُّغة المجازيَّة تبقى لغةً مجازيَّة. وهذا أمرٌ مألوف وعاديّ. فإن قلتُ إنَّ فلانًا قويٌّ كالثَّور، لا أقصد بذلك أنَّه ثور. وهذا واضح. وإن قلتُ إنِّه يقف راسخًا كشجرة، لا أعني بذلك أنَّه شجرة لها فروع وأغصان. وأنتم تفهمون ذلك. فهذه لغة عاديَّة. فالاستعارات جزء مِن اللُّغة العاديَّة. فالاستعارات والتَّشبيهات وكلُّ تلك الأشياء هي جزء مِن اللُّغة العاديَّة. لذا، هناك استعارات في الكتاب المقدَّس. فهذا جزءٌ من اللُّغة العاديَّة.
وماذا عن الرَّمزيّة؟ هناك رموز في الكتاب المقدَّس. وهناك رموز في لُغتنا. فنحن نَرمز إلى الأشياء طَوال الوقت. ونحن نستبدل شيئًا بشيءٍ آخر كي...كي نُضفي إليه معنىً. فنحن نقول مثلاً: "أريد أن أقول لك إنِّي رأيتُ فُلانًا يَنطلق في الشَّارع كالصَّاروخ". فما الَّذي نعنيه بذلك؟ نحن لا نعني أنَّه كان ينطلق في صاروخٍ عابِرٍ للقارَّات، بل نعني على الأرجح أنَّه رُبَّما كان يمتلك سيَّارة قويَّة بِثماني أُسطوانات وأنَّه كان ينطلق بسرعة عالية. ولكنَّ الصَّاروخ يصير رمزًا لذلك. وهذه لُغة عاديَّة. فاللُّغة تَسمح بذلك. ولا حاجة إلى الشُّعور بالفَزع عندما ترى رمزًا. انظر وحسب إلى السِّياق فتعرف معنى الرَّمز.
وقد تقول: "وماذا عن سِفْر الرُّؤيا؟" هناك رموز في سِفْر الرُّؤيا فريدة جدًّا. ولكنَّكم تجدونها أيضًا [انتبهوا إلى ما سأقول] في سِفْر زكريَّا، وحِزقيال، وإشعياء، ودانيال بصورة رئيسيَّة، وفي سِفْر الرُّؤيا. وسوف تلاحظون أنَّ كلَّ هذه الأسفار تتحدَّث عن ماذا؟ النُّبوَّة. لذا عندما يختصُّ الأمر بنبوَّة سوف تتحقَّق في المستقبل، ستجدون رموزًا كثيرة لأنَّه لا يوجد لها مُرادف تاريخيّ. وتلك الأشياء ستتكشَّف في المستقبل. والله يُخبرنا عنها بلُغة رمزيَّة. ونحن نَعلم أنَّها رمزيَّة. فنحن نَعلم أنَّها رمزيَّة.
فحين نقرأ عن السَّماء نقول إنَّهُ يوجد في السَّماء...أو قُدَّام عرش السَّماء...إنَّه يوجد بحرُ زُجَاجٍ شِبْهُ الْبَلُّور. والبحر هو البحر، والبَلُّور هو البَلُّور. ولكن ما هو ذلك الشَّيء في الحقيقة؟ هل هو بحر أَم زُجاج؟ لا أدري. فجُزءٌ مِن ذلك مَجازيّ، وجُزءٌ منه رمزيّ. ويجب علينا أن ننتظر ونرى لأنَّنا لا نملك أيَّ خبرة في ذلك الشَّأن. فالكثير مِن الأدب النَّبويِّ يحوي رموزًا. فعندما تقرأ في سِفْر الرؤيا أنَّ وحشًا سيخرج من البحر، فإنَّه يَذكر شيئًا عن الوحش ومَن يكون. فالوحش يُمثِّل قوَّة شرسة. وَهُوَ يَخرج. ويخبرك السِّفر أنَّ له سبعة قرون، وإنَّه يَملِك رؤوسًا مُعيَّنة، ويُحَدِّد حقيقة هذه الرُّؤوس. فالكتاب المقدَّس يَكشف ذلك في السِّياق.
والنُّقطة الجوهريَّة هي أنَّ الله تَكَلَّم بوضوح. لذا، يجب عليك أن تقبل ذلك حرفيًّا. فحالما تقول: "لن أقبل التَّفسير الحرفيَّ للكتاب المقدَّس" تكون قد ضِعْتَ وصِرْتَ بلا رجاء. فالمعنى العاديُّ للكلمات هو تمامًا ما قَصده الله. فعندما أعطانا اللهُ الكتاب جَعلهُ واضحًا. فقد قال: "أريد منكم أن تسمعوني أتكلَّم". أليس كذلك؟ فهو لم يُعطنا شَيئًا غامضًا، بل كَشَفه لنا. وقد وَقع أَحْبار اليهود في فَخِّ المعنى الغامِض. فقد أخذوا الكلمة "أَبْرام"...فاسم "أَبْرام" يحوي ثلاثة حروف صامتة. فالباء والرَّاء والميم في اللُّغة العِبريَّة هي حروف ساكنة. أمَّا الحرف "ألف" فهو حرف عِلَّة. وفي اللُّغة العِبريَّة يوجد لكلِّ حرفٍ مُرادِف رَقْميّ. لذا فقد قال أَحْبار اليهود إنَّ الاسم السِّريَّ لأبرام يتألَّف مِن جَمْع الأرقام المُرادفة للحروف "باء" و "راء" و "ميم" فيكون حاصِل الجمع 318. لذا فإنَّ المعنى السِّريَّ لاسم "أبرام" هو أنَّه كان يوجد لديه 318 خادمًا.
ولكنَّك لن تجد ذلك في سياق أيِّ شيء. فهذه مُخَيِّلة خِصبة وحسب. ولكنَّ هذا هو نوع التَّفسير الذي قَدَّموه. وهذا يُسَمَّى بالتَّفسير القَباليّ (kabbalistic interpretation). وبالمناسبة، لقد كان نَهجًا شائعًا جدًّا في الماضي، وهو نهج شائع حتَّى اليوم. وقد كَتب "ويل ڨارنر" (Will Varner) مقالة رائعة في "صحيفة ذا ماسترز سيميناري" (The Master’s Seminary Journal) عن النَّهج القَباليّ حيث تجدون كلَّ تلك المعاني السِّريَّة الغريبة. اسمعوني: مع أنَّ الإنسان الَّذي هو عابر سَبيل قد يكون جاهلاً، لا حاجة إلى أن يُسيء التَّفسير لأنَّ الله تكلَّم بوضوح. فيجب عليه أن يأخذ كلامَه كما هو. لذا، هذه هي نُقطة البداية. فيجب عليك أن تبتدئ بفهم المعنى الحرفيِّ للكلام.
ثانيًا، المبدأ التاريخيّ. فبعد أن فَهمتَ الكلمات...وأنا أُكَرِّر ما قُلناه ولكِن مِن زاوية مختلفة. فأنت تُرَكِّز الآن على التَّاريخ. وهذا هو ما أُحبُّ القيام به إذ إنِّي أعود إلى التَّاريخ والخلفيَّات والثَّقافة والجغرافيا. وهنا أَبتدئ حقًّا في القراءة. فيجب عليَّ أن أقرأ كلَّ أنواع الكُتب. فأنا أقرأ...أنا أقرأ كُتب الخلفيَّات، وأقرأ كُتب التَّفسير، وأقرأ على الأرجح...رُبَّما أقرأ في العادة نحو خمسة عشر كتاب تفسير عن كلِّ مقطع لأنِّي أريد أن أستفيد مِن أفضل ما كُتب مِن أفكار عن الخلفيَّات والتَّاريخ. وأنا أقرأ قواميس الكتاب المقدَّس أو تواريخ الكتاب المقدَّس أو أيَّ شيءٍ آخر يتطلَّبه الأمر. فمُجرَّد القراءة عن الثَّقافة اليهوديَّة تَزيد حصيلة معلوماتك عن أسلوبهم في العمل وطريقتهم في التَّفكير. وهذا يَكشف لك الكثير عن الكتاب المقدَّس.
والنُّقطة الَّتي أحاول أن أفهمَها هُنا هي: ما الَّذي كان النَّصُّ يَعنيه بالنِّسبة إلى الأشخاص الَّذين قيل لهم أو كُتب إليهم؟ ماذا كان مَعناهُ آنذاك؟ لا ما يَعنيه الآن، بل ما كان يَعنيه آنذاك؟ لأنَّه أيًّا كان ما يَعنيه آنذاك فإنَّه يَعنيه الآن. لذا، ما هو السِّيناريو بالنِّسبة إليهم؟ وما الَّذي كان يَجري؟ هذه هي الحَبكة. وأنا أعود إلى ذلك. ولطالما قُلتُ إنَّ النَّصَّ مِن دون سِياق هو مُجَرَّد كلام. فلا يمكنك أن تُخرِج آيةً مِن سياقها وأن تَدَّعي أنَّها تعني ما تريد. فهناك حَبكة، وهناك قصَّة تجري هناك. وهناك شيء يحدث هناك ويتحدَّث عنه هذا النَّصُّ مباشرةً. وحين تَفهم الحبكة ستفهم المعنى المكتوب. وهذا هو المبدأ التاريخيّ. فهو يعني تكوين فكرة عن خلفيَّة مشهدٍ مُعيَّن.
ثالثًا، المبدأ النَّحويّ. وهذا تمرينٌ أُؤدِّيه. التَّمرين الأوَّل: أنا أكتبُ كلَّ شيءٍ عن اللُّغة. فأنا أَجمع كل الأمور الحرفيَّة، وأكتبها، وأدوِّنها، وأفهم النصَّ. ثُمَّ إنِّي أرجع إلى جميع كُتب التَّفسير وأقرأ كلَّ ما أحتاج إلى قراءته. وأنا أدرس التَّاريخ والمشهد والخلفيَّة. فإن أردتُ أن أَفهم أيَّ شيءٍ عن الفريسيِّين أو الصَّدُّوقيِّين فإنِّي أبحث عن ذلك، وإن أردتُ أن أفهم شيئًا عن الغَيورين أو الأسينيِّين أو أيِّ شيءٍ آخر، وإن أردت أن أعرف المزيد عن خلفيَّة شخصٍ مُعيَّن فإنِّي أرجع إلى كُتب مُعيَّنة تعطينا خلفيَّات عن شخصيَّات الكتاب المقدَّس كي أجمع كلَّ معلومات ممكنة عن ذلك المشهد.
ثُمَّ إنِّي أعود وأكتب مُلاحظاتي على تلك الأوراق. ثُمَّ إنِّي أنتقل إلى المبدأ النَّحويِّ. وهناك أبتدئ في النَّظر إلى البُنية نفسها. فقد فَهمتُ الآن المشهد، وفَهمتُ الحبكة، وفهمتُ ما يقوله النَّصّ. لذا فإنَّي أتعمَّق الآن في دراسة النَّصّ. فأنا أنظر إلى حروف الجرّ، والضَّمائر، والأفعال، والأسماء، وأبتدئ في تحليل المقطع، وأبتدئ في تحليل بُنية المقطع، وأجمع كلَّ ذلك معًا: الكلمات والعبارات والشَّواهد السَّابقة. وهذا هو التَّمرين الَّذي نُسَمِّيه: "الدِّراسة الاستقرائيَّة للكتاب المقدَّس". فأنت تعرف الخلفيَّة، وتعرف الكلمات. والآن، ما الَّذي تقوله؟ ما الَّذي تقوله حقًّا؟ وهُنا يأتي وقت دراسة بُنية الجُملة.
ولعلَّكم تَذكرون أنَّه عندما كُنَّا ندرس الإنجليزيَّة في أيَّام الطُّفولة، كانوا يُعلِّمونا كيف نرسم مُخطَّطًا. هل فعلوا ذلك معكم بأن عَلَّموكم أن ترسموا مُخَطَّطًا للجملة؟ مِن المهمِّ جدًّا أن تتعلَّموا القيام بذلك. فهي طريقة مفيدة جدًّا كي تتعلَّموا كيف تُجَزِّئون العبارات والكلمات والمُحَدِّدات. وأودُّ أن أقول لكم إنِّي أشعر بالقلق على الجيل القادم مِن تلاميذ الكتاب المقدَّس إن لم يتعلَّموا كيف يُحَلِّلون لُغتهم. فإن كان كلُّ ما يعرفونه هو لُغة الشَّارع، ولم يفهموا عناصر اللُّغة، كيف سيُحَلِّلون اللُّغة؟ وأعتقد أنَّ هناك أسبابًا كثيرة تَحول دون تَمَكُّن النَّاس مِن تفصيل الكلمة بالاستقامة وفهمها فَهمًا سليمًا اليوم.
وواحد مِن الأسباب هو أنَّهم لا يفهمون أهميَّة ذلك، بل يظُنُّون أنَّه يكفي أن يبقوا في أماكنهم إلى أن يشعروا بشيءٍ أو شعورٍ ما، أو أن ينتظروا إلى أن يُخبرهم الله عن معنى النَّصّ. ولكن هناك مشكلة أخرى وهي أنَّهم لا يَفهمون بُنية اللُّغة. فَهُم لا يدركون أنَّ اللُّغة لها قواعد وأصول تَمَّت مراعاتها بدقَّة مُتناهية، وأنَّه ينبغي لك أن تفهم تلك القواعد. فهذا مهمٌّ جدًّا. إذًا، يجب عليك أن تُحَلِّل العبارات، وأن تُحَلِّل الكلمات، وأن تُحَلِّل المُحَدِّدات كي تتمكَّن من معرفة كيفيَّة ارتباط كلِّ تلك الأجزاء معًا. وهذه نُقطة مهمَّة جدًّا جدًّا إن أردتَ أن تُفصِّل كلمة الحقِّ بالاستقامة. وبقيامك بذلك تكون قد دخلتَ حقًّا إلى قلب ذلك النَّصِّ وصُلبِه.
والآن، اسمحوا لي أن أقترح أمورًا عمليَّةً صغيرة بخصوص كيفيَّة القيام بذلك...أشياء صغيرة وحسب. فأنت تبتدئ بقراءة ذلك المقطع المَرَّة تلو المَرَّة، تلو المَرَّة، تلو المَرَّة كي تعرف النُّقطة الرئيسيَّة. فهذا هو أوَّل شيء تفعله عند قيامك بالتحليل النَّحويّ. اعثر على النُّقطة الرئيسيَّة. ما هي النقطة الرئيسيَّة؟ سوف أعطيكم تلميحًا صغيرًا. النقطة الرئيسيَّة ترتبط عادةً بالفعل الرئيسيّ. فإن كنت تدرس فَقْرة مِن الكتاب المقدَّس...لِنَقُل مثلاً أنَّك كنت تدرس فقرةً تحوي آيتين أو ثلاث آيات، أو ربَّما ثلاث أو أربع آيات، لا بُدَّ مِن وجود فعلٍ رئيسيّ فيها.
وقد قلتُ في الخدمة الأولى...الحقيقة هي أنَّني لم أتحدَّث عن هذه النُّقطة. ولكن إن فتحتم قليلاً على رسالة فيلبِّي والأصحاح الأوَّل، ستجدون مثلاً توضيحيًّا رائعًا على ذلك. فأنتم تقرأون في رسالة فيلبِّي 1: 18 ... ويمكنكم العثور على ذلك في كلِّ صفحة وكلِّ مقطع، ولكن إليكم هذا النَّموذج. فهو يقول: "غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ [العدد 18] سَوَاءٌ كَانَ بِعِلَّةٍ أَمْ بِحَقّ يُنَادَى بِالْمَسِيحِ، وَبِهذَا أَنَا أَفْرَحُ. بَلْ سَأَفْرَحُ أَيْضًا". إنَّ الفكرة الرئيسيَّة هنا هي أنَّ بولس ماذا؟ إنَّه ماذا؟ إنَّه يَفرح. إنَّه يَفرح. هذه هي الفكرة الرئيسيَّة. إذًا نحن نقرأ. فنحن نبتدئ بالقراءة مِن العدد 12 حيث نجد فَقْرةً جديدة في النَّصّ. والفقرة تمتدُّ إلى نهاية العدد 26 كما هي موجودة أمامكم. فأنتم تبتدئون مِن العدد 12، وَهُوَ يتحدَّث عن كيف أنَّ أُمورَهُ قد آلَتْ أكثر إلى تَقدُّم الإنجيل.
وما هي أحواله؟ حسنًا! إذا درستم خلفيَّة رسالة فيلبِّي، أين كان؟ لقد كان في السِّجن. فنحن نقرأ في العدد 13 أنَّه يتحدَّث عن سجنه فيقول: "لأنِّي في السِّجن، صار جميع مَن في دار الوِلاية يَسمع الإنجيل. ولأنِّي في السِّجن، زادت جَراءةُ آخرين [كما جاء في العدد 14] إذْ إنَّهم يَجْتَرِئُونَ أَكْثَرَ عَلَى التَّكَلُّمِ بِالْكَلِمَةِ بِلاَ خَوْفٍ". فقد أدَّى ذلك إلى زيادة جُرأة مؤمنين آخرين. "ولأنِّي في السِّجن، صار قَوْمٌ يَكْرِزُونَ بِالْمَسِيح عَنْ حَسَدٍ وَخِصَام".
هل يمكنكم أن تتخيَّلوا ذلك؟ فقد كان هناك كارِزون ينزعجون جدًّا مِن ظِلِّ بولس...فَهُم لا يريدون أن يكونوا موجودين في ظِلِّ بولس. فقد كان هو أعظم كارزٍ. وعندما رأوا بولس في السِّجن ابتدأوا يقولون بسبب الحسد والدَّافع الشِّرِّير الَّذي في قلوبهم إنَّه في السِّجن لأنَّ الله يُعاقبه. وقد هاجَموه. ونقرأ في العدد 17 أنَّهم كانوا يُضايقونه إلى جانب ضيق السِّجن. فقد آذَوْه. وكانوا يفعلون ذلك بدافع الطُّموح الأنانيِّ، لا بدوافع نقيَّة. ثُمَّ إنَّه يقول في العدد 19: "لأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ هذَا يَؤُولُ لِي إِلَى خَلاَصٍ بِطَلْبَتِكُمْ وَمُؤَازَرَةِ رُوحِ يَسُوعَ الْمَسِيح".
أنا أفرح. لماذا أفرح؟ انظروا إلى النَّصِّ. فالفكرة الرئيسيَّة هي أنَّه كان فَرِحًا. وقد أخبرتكم لماذا. أولاً، في العدد...وأنا أرتَجِلُ الكلام الآن ارتجالاً يا أصدقائي. لقد كان فرحًا لأنَّه كان يَعلم أنَّ أحواله ستؤول إلى تَقدُّم الإنجيل. ثانيًا، لأنَّ الحرس الإمبراطوريَّ بأسرِه كان يسمع الحقَّ المختصَّ بالمسيح. ثالثًا، لأنَّ المؤمنين الآخرين ازدادوا شجاعةً حين رأوا أنَّه بالرَّغم مِن وجودك في السِّجن، يمكنك أن تكرز بالإنجيل. رابعًا، لأنَّه بالرَّغم مِن أنَّ ذلك كان يَدفع كارزين آخرين إلى مهاجمته، فإنَّه كان يَدفع المؤمنين إلى الصَّلاة لأجله. لذا، كما تَرون، فإنَّ الشَّيء الرئيسيَّ الَّذي فَعله هو: "أنا أفرح". وكلُّ شيءٍ آخر كان يُعَزِّز ذلك ويُدَعِّم ذلك.
وكما تَعلمون، فإنَّ النَّاس يَسألونني أحيانًا: "كم الوقت اللَّازم لتحضير عظة؟" الجزء الَّذي أقوم فيه بإحضار مجموعة أوراق وتدوين تلك الملاحظات عليها يتطلَّب مني نحو ساعة واحدة. ولكنِّي قد أحتاج إلى عشرين ساعة لبُلوغ تلك النُّقطة. فكما ترون، عندما تفعلون كلَّ الأمور الأخرى فإنَّ النَّصَّ يصير ناضجًا كحبَّة الفاكهة ويَسقط عن الشَّجرة. فحين تَفهمون ما تقوله الكلمات، وتفهمون الخلفيَّة التاريخيَّة، وتفهمون النَّحو، سيصير النصُّ حيًّا وحسب. لذا فإنَّكم تبتدئون بالقراءة، وتعثرون على الفكرة الرئيسيَّة، ثُمَّ تبتدئون بتحليل البُنية في إطار تلك الفكرة الرئيسيَّة.
وقد عَبَّر لوثر عن ذلك بالطَّريقة التَّالية، وهي جُملة رائعة، إذ قال ما يلي: "هُزَّ الشَّجرة كُلَّها، ثُمَّ تَسَلَّق وهُزَّ كلَّ فِرع، ثُمَّ كلَّ غُصن، ثُمَّ كلَّ غُصَيْن، ثُمَّ انظر تحت كلِّ ورقة". وهذا، يجب أن تَعلموا أنَّكم لا تسمعون رُبَّما خُمْسَ ما أفعله في تلك العمليَّة. ولكنَّ ذلك... ذلك هو ما يتطلَّبه الأمر.
نأتي الآن إلى المبدأ الرَّابع. فالأوَّل هو المبدأ الحرفيّ؛ والثَّاني هو المبدأ التاريخيّ؛ والثَّالث هو المبدأ النَّحويّ المختصّ بالبُنية اللُّغويَّة. رابعًا هو: التَّركيب. وأنا لا أعني هُنا اختلاق شيءٍ زائف، بل أعني تركيب الأجزاء معًا وضَمِّها معًا. وما الَّذي نعنيه بذلك؟ ما أعنيه هو أنَّه ينبغي أن تَفهموا ما يلي: هناك ستَّة وستُّون سِفرًا في الكتاب المقدَّس (39 في العهد القديم و 27 في العهد الجديد) كَتبها أكثر مِن أربعين كاتبًا. ولكن يوجد مَصدر واحد فقط لكلِّ الكتاب المقدَّس. مَن هو؟ إنَّه الله. لِذا، لا يوجد تناقضات في الكتاب المقدَّس. لذلك فإنَّ الكتاب المقدَّس مُنسجم تمامًا بعضُه مع بعض. وحين تكتشف معنى نَصٍّ مُعيَّن...فلنأخذ على سبيل المثال ذلك المقطع مِن رسالة فيلبِّي والأصحاح الأوَّل. حسنًا، نحن نَعلم الآن أنَّ بولس فَرِحَ لكلِّ تلك الأسباب مُجتمعةً. ولكن عجبًا! كيف ينسجم ذلك مع كلِّ الكتاب المقدَّس؟ هذا هو السُّؤال التَّالي الَّذي ينبغي أن تَطرحه.
واسمحوا لي أن أُبيِّن ذلك. لقد دَعا المُصلِحون ذلك "تَناغُم الكتاب المقدَّس"؛ أي أنَّ الكتاب المقدَّس مُنسجمٌ مع نفسه. وهذا يعني أنَّه مُتوافق تمامًا مع نفسه. فلا يُمكن لأيِّ جزءٍ فيه أن يتناقض مع أيِّ جزءٍ آخر لأنَّ كاتبًا واحدًا (هو اللهُ الرُّوحُ القُدُس) كَتبه كُلَّه. لذا، في هذه النقطة، أنا أبتدئ في البحث عن شواهد أخرى. وأنا أحبُّ هذا الجزء أيضًا. فأنا أبحث في كلِّ الكتاب المقدَّس. فيا للعجب! إنَّه يتألَّم ظُلمًا ولكنَّه يَفرح. وأين يمكنني أن أذهب كي أتعلَّم عن ذلك؟ ماذا عن رسالة يعقوب والأصحاح الأوَّل؟ أليس كذلك؟ "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَة". وفي أوقاتٍ أخرى من حياة بولس، وقف الموقف نفسه وعَبَّر عنه في مناسبات عديدة. ويمكنني أن أرجع إلى أيُّوب. ويمكنني أن أرجع إلى المُرنِّم وأن أقرأ مزامير داود الَّتي يَفرح فيها في وسط الضِّيق الشَّديد.
ويمكنني أن أرى تدريجيًّا أمثلة توضيحيَّة على ذلك في كلِّ كلمة الله. ويمكنني حتَّى أن أتعمَّق في رسالة يعقوب والأصحاح الأوَّل (مثلاً) وأن أعثر على المزيد بخصوص مبدأ الفرح في أوقات الألم. فيمكنني العثور على ذلك في رسالة يعقوب. ويمكنني العثور على ذلك في رسالتيّ بُطرس. ويمكنني العثور على ذلك في الكنيسة المُضطهدة في سِفْر الرؤيا والأصحاحين الثاني والثالث. هذا هو مبدأ التَّركيب. فأنت تبتدئ بالبحث في الكتاب المقدَّس. وهذه هي الفائدة الَّتي ستجنيها مِن البحث عن شواهد أخرى. لذا فقد كَتبنا في الكتاب المقدَّس الدِّراسيّ: "انظر الملاحظة كذا"... "انظر الملاحظة كذا"... "انظر الملاحظة كذا"... ولا أدري كم مئة ألف شاهدٍ يوجد هناك. لِذا، يمكنك أن تبحث عن أيَّ شيءٍ تريد بحثًا عن الحقِّ في كلِّ الكتاب المقدَّس. وسوف تجد أنَّ النَّصَّ يصير غنيًّا ومُشبِعًا جدًّا حين تفعل ذلك.
ثُمَّ إنَّ هناك مبدأ خامس وأخير حين تدرس الكتاب المقدَّس وَهُوَ مبدأ يمكنكم أن تُسَمُّوه: النَّهج العمليّ. فهناك المبدأ الحرفيّ، والتاريخيّ، والنَّحويّ، والتَّركيبيّ، والعمليّ. وفي هذه النقطة، سأعترف بشيء لكم. لا أعتقد حقًّا أنَّ أفضل شيء في دراسة الكتاب المقدَّس هو أن تُعطي النَّاس مجموعة مِن الأشياء العمليَّة الصَّغيرة كي يفعلوها. فعلى سبيل المثال يا أصدقائي، ما أريد مِنْكِ أن تفعليه هو أنَّه عندما تعودين إلى البيت ويَصرُخ زوجُك عليكِ، افرَحي! وفي المرَّة القادمة الَّتي تَتعثَّرين فيها بلُعبةٍ مِن ألعاب طفلك وتكسِرين فيها كاحِلَكِ في رُدهةِ المنزل، افرَحي. وفي المرَّة القادمة الَّتي تذهب فيها إلى عملك وتسمع مِن مُديرك كلامًا جافًّا ويحصل شخص آخر في العمل على ترقية تستحقُّها أنت لأنَّك أنت مَن قُمت بالعمل وَهُوَ مَن حصل على التَّرقية، افرَح!
حسنًا! هذا كُلُّه حسنٌ وجيِّدٌ وينبغي أن تفعل ذلك. ولكنَّ الشَّيء الَّذي تعلَّمته في أثناء حياتي وأعتقد أنَّه ناجح حقًّا ومنطقيٌّ حقًّا هو...اسمعوا ما سأقول: إنَّ التركيز الحقيقيَّ في دراسة الكتاب المقدَّس يَنصبُّ على فهم المبدأ. وعندما يصير ذلك المبدأ قناعةً، سيَظهر في كلِّ موقفٍ عَمليّ. وهناك مواقف عمليَّة لا حصر لها يمكنني أن أذكرها لكم. ولكنَّها ليست مواقف قد تنطبق عليكم مباشرةً. فالمواقف الحياتيَّة تتغيَّر باستمرار.
ولكنِّي أريد أن أقول لكم شيئًا واحدًا: عندما تفهمون الكتاب المقدَّس فهمًا كافيًا ويصير قناعةً راسخةً، فإنَّه سيظهر في كلِّ موقفٍ عمليّ. لذا فإنِّي أصرف وقتًا أطول وأتعرَّض للانتقاد بسبب ذلك: "أنتَ تُركِّز كثيرًا على اللاَّهوت، وتُرَكِّز كثيرًا على المادَّة الكِتابيَّة، ولكنَّك لا تتحدَّث كثيرًا عن الجوانب العَمليَّة".
أنا لست قلقًا كثيرًا على الأمور العمليَّة أو التطبيقيَّة لأنِّي أَعلم أنَّكم تعيشون ما تؤمنون به، وأَعلم أنَّكم تعيشون قناعاتكم، وأنَّكم تسيرون وَفقًا لقناعاتكم، لا وَفقًا لِعظاتي، ولا وَفقًا لأحوالي، ولا وفقًا لتعليماتي الصَّغيرة هنا وتعليماتي الصَّغيرة هناك بخصوص ما ينبغي أن تفعلوه. ويجب أن تَعلموا أنَّني أرى بين الحين والآخر إعلانًا عن واحدة مِن تلك النَّدوات الَّتي يقولون فيها: "يجب عليكَ...يجب عليكَ أن تكون لطيفًا مع زوجتك" أو "إن لم يكن يوجد في زواجك حُبّ، وكان زواجُك كذا، يجب عليك أن تفعل كذا وكذا".
وقد قرأتُ شيئًا كَتبه أحد الأشخاص إذْ إنَّه يقول: "خُذ إجازة! خُذ إجازة!" أتريدون أن تَعلموا شيئًا؟ إن لم تكن تتمتَّع بعلاقة سليمة بزوجتك، ستكون الإجازة شيئًا مُريعًا لأنَّك ستَعلق معها. وهذا الشَّخص قال في نفس الكتاب... في نفس كِتابه ذاك قال: "اشترِ دَبدوبًا صغيرًا، واحضره إلى المنزل، وغَلِّفْهُ بورق القصدير، وضعه في الجزء الخَلفيِّ مِن المُجَمِّدة (أو الفريزر). اكتُب ملاحظة رقيقة ورومانسيَّة حقًّا، وألصقها على الدَّبدوب الصَّغير، وغَلِّفهُ بورق القصدير، وضعه في الجزء الخلفيِّ مِن الفريزر. وذات ليلة، عندما ترغب زوجتك في إخراج بواقي الطَّعام لإعداد وجبةٍ لك، سترى ذلك بالصُّدفة ولا تعرف ما هو، فتفتحهُ وتجد هناك دَبدوبًا صغيرًا وكلامًا رومانسيًّا مِنك".
وتَعليقي على ذلك هو: إن كان زواجك مُتعسِّرًا، مِن الأفضل ألاَّ تفعل ذلك. فقد تضربك به. والدِّبَبَة الصَّغيرة المُجَمَّدة مؤذية أكثر بكثير مِن الدِّبَبَة غير المُجَمَّدة. وما تعلمون، يمكننا أن نصرف وقتًا طويلاً في التحدُّث عن تلك الأشياء. ولكنِّي أريد أن أقول لكم شيئًا: إن كانت لديك قناعة في قلبك بأنَ الله قد دعاك إلى أن تُحِبَّ زوجنك الَّتي وَهبكَ إيَّاها، وكُنتَ أمينًا في مُمارسة تلك القناعة أمام الله مِن أعماق قلبك، هذه هي النُّقطة المهمَّة. فيمكنكم...يمكنكم أن تقوموا بأشياء عمليَّة. ويجب علينا أن نقوم بأمورٍ عمليَّة. ولا بأس في عَرْضِ هذه الاقتراحات. ولكنَّني مُقتنعٌ بأنَّ المبدأ العمليَّ هو مبدأ القناعة. فهو المبدأ الَّذي يقول: "أنا أعرف هذا الحقَ، وأقبَلُ هذا الحقّ، وأُوْمِنُ بهذا الحقّ، وسأعيش بمُقتضَى هذا الحقّ". وهذا تدريبٌ شخصيٌّ جدًّا، وتمرينٌ شخصيٌّ ينبغي أن تُمارسه.
وأنا أَعلم حين أدرس كلمة الله أنَّ الشَّيء الأخير الَّذي أريد أن أفعله هو أن أَصقل ما تَعلَّمته وأن أجعله جزءًا مِن معتقداتي. لذا فإنِّي أقول: "في أوَّل فُرصة تُتاح لي سأُطَبِّق ذلك. فأنا أريد أن أعيش ذلك المبدأ". حسنًا! هذه هي... هذه هي الأمور الخمسة الَّتي تجعلكم تتلامسون مع النَّصّ. وهذه هي التَّمارين الخمسة الَّتي أقوم بها في أثناء التَّحضير لفهم الكتاب المقدَّس. وحين أنتهي مِن هذه كلِّها، يمكنني دائمًا أن أُفَكِّر في ما سأقوله (كَما تَعلمون بكلِّ تأكيد). وأودُّ فقط أن أَذكر لكم عُنصرين رئيسيَّيْن آخرَيْن إن أردتم أن تعرفوا حقًّا الكتاب المقدَّس. فقراءته مهمَّة جدًّا. وقد زَوَّدناكم بخُّطَّة قراءة تساعدكم على القيام بذلك. وهناك تَفسيره. وقد تحدَّثنا عن ذلك كُلِّه.
وهناك نقطة ثالثة أُشَجِّعُكم على التفكير فيها وهي التَّأمُّل فيه...التَّأمُّل فيه. ففي سِفْر التَّثنية 6: 6-9، قال الله: "وَلْتَكُنْ هذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ عَلَى قَلْبِكَ. وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ، وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ، وَحِينَ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُ وَحِينَ تَقُوم". في كلِّ وقت...في كلِّ وقت. هذه هي الفكرة هنا. فيجب أن تتكلَّم عنها في كلِّ وقت. فيجب أن تكون في قلبِكَ وعلى لسانك. "وَارْبُطْهَا عَلاَمَةً عَلَى يَدِكَ". بعبارة أخرى، يجب عليك أن تُطبِّق كلمة الله في كلِّ عمل تقوم به. "وَلْتَكُنْ عَصَائِبَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ". فيجب أن تكون...يجب أن تكون حقائق كلمة الله النُّقطة الرئيسيَّة في أفكارك. "وَاكْتُبْهَا عَلَى قَوَائِمِ أَبْوَابِ بَيْتِكَ" كي تفعل كلَّ شيء في الحياة في بيتك بما يَتَّفق مع كلمة الله.
"[وَاكتُبها] عَلَى أَبْوَابِكَ" كي تَتِمَّ تَنقية كلِّ شيءٍ يختصُّ بك في أثناء ذهابك وإيابك في العالَم مِن خلال فهمك وتطبيقك لكلمة الله. بعبارة أخرى، يجب عليك أن تتأمَّل في الكتاب المقدَّس طَوال الوقت: يومًا فيومًا، وساعةً فساعةً... حين تجلس، وحين تقف، وحين تضطجع، وحين تمشي في الطَّريق. ويجب أن يكون هو موضوع كلِّ حديثٍ تُجريه مع عائلتك ومع أولادك. ويجب أن يُهيمِن على ما تفعله في بيتك وعلى كلِّ ما تفعله في ذهابك وإيابك في أثناء عيشك لحياتك.
إذًا ينبغي أن تَكتُب كلمة الله (بحسب ما جاء في ذلك المقطع في تثنية 6)... ينبغي أن تكتب الحقَّ على قوائم أبواب بيتك. بعبارة أخرى، يجب أن تصير كلمة الله بالنسبة إليك مثل لافتةٍ تراها في كلِّ مكان. ويجب أن تكون مُطَبَّقة في يديك، وفي أفكارك، وفي بيتك، وفي ذهابك وإيابك. فكأنَّك تضع لافتاتٍ في كلِّ مكان في حياتك، وفي كلِّ طرق الحياة... لافتات كلمة الله. فلا يمكنكم أن تقودوا سيَّاراتكم ذهابًا وإيابًا في الشَّوارع في مجتمعكم وفي ثقافتكم مِن دون أن تروا لافتاتٍ إعلانيَّة عن المشروبات الكحوليَّة، ولا سِيَّما عن الجِعَّة، ومِن دون أن تروا لافتات إعلانيَّة عن السَّجائر. فهناك لافتات إعلانيَّة في كلِّ مكان تُرَوِّج لكلِّ هذه الأشياء.
ويمكننا أن ننظر إلى ذلك وأن نفهم سبب انجذاب الشَّباب إلى المشروبات الكحوليَّة والسَّجائر. ومع أنَّه لم يَعُد بإمكان تلك الشَّركات أن تُعلن عن تلك الأشياء في التِّلفزيون الآن، ولكنَّهم يَستخدمون اللَّافتات الإعلانيَّة الَّتي يضعونها أمام أعيُن الجميع في مجتمعنا. والربُّ يَعلم الطبيعة البشريَّة. فهو يعرفُنا. وهو يَعلم أنَّنا سنتجاوب مع اللَّافتات. لِذا فإنَّ كلمة الله توصينا بأن نضع لافتات. ويجب أن تكون تلك اللَّافتات مُنسجمةً مع ما تقوله كلمة الله. فيجب أن تكون لافتاتٍ تحوي العقيدة السَّليمة، وأن تكون لافتاتٍ تحوي الحقَّ الكِتابيَّ.
وقد سأل أحدهم شابًّا ذات يوم: "عندما تحاول أن تنام ليلاً وتعجز عن النَّوم، هل تلجأ إلى أسلوب عَدِّ الخِراف؟" قال: "لا، بل أستمع إلى الرَّاعي". ويجب أن تَعلموا أنَّه من الجيِّد أن تفعلوا ذلك. فمِن الجيِّد أن تضطجع في اللَّيل وأن تَتلو عددًا مِن اللَّافتات الَّتي أعلنها اللهُ في كلمته. فالتَّأمُّل في كلمة الله مهمٌّ جدًّا. اسمح لذهنك فحسب أن يَتَشَبَّع بها. تأمَّل فيها فحسب. "طُوبَى لِلرَّجُلِ..." [كما جاء في المزمور 1: 1 و 2] "...الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ. لكِنْ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ مَسَرَّتُهُ، وَفِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلاً".
والكلمة "يَلهج" تَحمل في الحقيقة معنى اجْتِرار (أو مَضْغِ) شيءٍ ما باستمرار. وهي كلمة تَرمِز... أو رُبَّما ينبغي أن أقول إنَّها كلمة يُمكن أن يُرمَز إلها ببقرة تَمضُغُ الطَّعام الَّذي تَجْتَرُّه. فهي تَخرج في الصَّباح. وفي الوقت الَّذي يكون فيه العشب أخضر فإنَّ البقرة تأكل العشب. وحين تَسطَع الشَّمس ويصير العشب دافئًا والطَّقس حارًّا، تبحث البقرة عن مكانٍ ظَليل وتستمرُّ في مَضْغِ ما أكلته في أوَّل النَّهار. وهذا هو المعنى الحقيقيُّ للكلمة "يَلْهَج". فأنت تأكُلها ثُمَّ تبتدئ في اللَّهْجِ فيها. فأنت تَسترجِعُها، وتُفَكِّر فيها، وتتأمَّل فيها. وعقلُك يُفَكِّر في تطبيقاتها المناسبة، وَهَلُمَّ جَرَّا. وهذا جزء مهم جدًّا في فهم الكتاب المقدَّس.
وإن كان بمقدوري أن أُضيف شيئًا إلى ذلك، أعتقد أنَّ هناك أمرًا آخر أيضًا يساعد أحيانًا وهو أن تَتحدَّث عنها. فلا أظُنُّ أنَّ التَّأمُّل وحده يكفي للتعمُّق في الكتاب المقدَّس، بل أعتقد أنَّ عمليَّة التَّأمُّل تَتعمَّق أكثر إن كان هناك شخص يمكنك أن تَتحدَّث معه عن كلمة الله. وهذا هو، في اعتقادي، السَّبب في أنَّ الأصحاح السَّادس مِن سِفْر التَّثنية يقول: "وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَقِف، وحين تَجْلِس، وَحِينَ تَنام، وحين تَمْشِي فِي الطَّرِيق". ولا أدري ما الذي تفعله أنت، ولكنَّ هناك أمورًا اتَّضحت لي أكثر فيما يختصُّ بفهم الكتاب المقدَّس، وأنَّها كانت تزداد وضوحًا عندما أتحدَّثُ عنها مع الآخرين بسرعة أكبر مِمَّا كانت تَتَّضح لي عندما كنتُ أتأمَّل فيها بمفردي.
لِذا فإنَّني أَذكُر ذلك لأنِّي أعتقد أنَّه مِن المهمِّ حقًّا أن تَجْتَرُّوا على كلمة الله، وأن تَلهجوا بكلمة الله، وأن تُناقشوا كلمة الله طوال الوقت. وسوف تُدهش حين تَرى كيف أنَّ ذلك سيساعدك في فَهمِها، وفي استيعابها، وفي فَهم تطبيقاتها الرَّائعة في حياتك.
وهناك مبدأ آخر أودُّ أن أُقدِّمه لكم، ولكنِّي لن أتوسَّع فيه لأنَّه موضوع واسع. إن أردتَ أن تعرف الكتاب المقدَّس اقرأهُ، وفَسِّرهُ، وتأمَّل فيه. رابعًا، وَربَّما كان هذا هُوَ المبدأ الأهمُّ: عَلِّمْهُ. فهناك مبدأ بسيط صحيح حقًّا. الشَّيء الَّذي تُعَلِّمه للآخرين يَترسَّخ لديك. الشَّيء الَّذي تُعَلِّمهُ للآخرين يَترسَّخ لديك. فأفضل طريقة للتَّعلُّم هي التَّعليم. وأفضل طريقة لتعَلُّم الحقِّ الكتابيِّ هي أن تكون مسؤولاً عن مشاركته مع الآخرين.
لقد قال بولس في رسالته الثَّانية إلى تيموثاوس 2: 2: "وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أَيْضًا". فإن أردتَ أن تُرَسِّخ الحقَّ لديك، شاركه. وقد تقول: "ما الَّذي يجعل هذا المبدأ... ما الَّذي يجعله صحيحًا؟" إنَّه صحيح لأنَّه: أوَّلاً، كي تُعلِّم الحقَّ، ينبغي أن تتعلَّمه. وحين تَسعى جاهدًا لتوضيحه لتلاميذك، أنت تسعى جاهدًا في الوقت نفسه لتوضيحه في ذهنك. وقد يكون هذا الأمر واحدًا من الأسرار الَّتي لا يُفترَض بي أن أشاركها معكم، ولكنِّي أَعِظُ في الأصل ما ... مَا أحتاج إليه، وما يُساعدني، وما يَحفِزني، وما يُوضِّح الأمور لي، وما أرى أنَّه منطقيّ، وما يجعل كلمة الله واضحة لي.
فالنَّاس يسألونني دائمًا: "كيف تعرف...كيف تعرف كيف تُفَكِّر رَعيَّتُك؟" الحقيقة هي أنَّني لا أعلم كيف تُفكِّرون جميعًا. "كيف تَعرف ما هي اهتمامات رَعيَّتك؟ وكيف تعرف نبض رعيَّتك وهَلُمَّ جَرَّا في كنيسة كبيرة كهذه؟" الحقيقة هي...وأنا أشعر أحيانًا بالتَّردُّد قليلاً في قول ذلك، ولكن لكي أكون صريحًا معكم فإنَّ الواعظ [بصفته مُعَلِّمًا] يَعِظُ ويُعَلِّم ما يأسر قلبه هو شخصيًّا. وعندما أجتهد في توضيح شيءٍ ما لكم وأجد طريقةً للقيام بذلك، فإنَّ السَّبب في ذلك هو أنَّه صار واضحًا بالنِّسبة إليَّ. لِذا فإنَّني أتمكَّن من توصيل ذلك إليكم.
لِذا فإنَّ أيَّ شخص يُعَلِّم يدخل في هذه الدَّائرة مِن ترسيخ الحقّ. وأنا أريد أن يكون الحقُّ واضحًا. فأنا أمتلك هذا الشَّغف القويّ لفهم الكتاب المقدَّس. وأنتم تحصلون على زَخْمِ ذلك. فقبل أن أتمكَّن مِن تعليمكم الحقَّ، يجب أن أتعلَّمَه بنفسي. وأنا أكتشف أيضًا أنَّني عندما أجتهد في فهمه فإنَّه يَتغلغل عميقًا. ثُمَّ عندما أجاهد على المنبر، وأحيانًا يكون الجهاد أصعب مِن أوقاتٍ أخرى؛ ولكن عندما أجاهد مِن أجل توصيل الحقِّ إليكم، فإنَّني أُرَسِّخهُ أيضًا في قلبي. والتَّكرار مُفيد أيضًا، ولا سيَّما إذا كنت تَعِظ مَرَّتين يوم الأحد صباحًا. ولكنِّي أقول لكم الآن إنَّ أفضل طريقة لتعلُّم الكتاب المقدَّس هي أن تُعَلِّمَه. وقد لا تشعر أنَّك تستطيع الوقوف أمام صَفِّ مدرسة الأحد أو أمام مجموعة من الأشخاص وأن تُعلِّمهم، ولكنَّك تستطيع بكلِّ تأكيد أن تعثر على شخصٍ بحاجة مُلِحَّة إلى معرفة كلمة الله وأن تَضطلِع بمسؤوليَّة تعليمه.
بعد أن قُلنا ذلك كلَّه، يمكننا أن نستخلِص نقاطًا بسيطة. فقد أعطانا اللهُ كلمتَه. وهي مصدر الحقّ. وهي مصدر البَرَكة. وهي مصدر النُّصرة. وهي مصدر النُّموّ. وهي مصدر القوَّة. وهي مصدر الإرشاد. وهي مصدر الرَّجاء. وهي طريق البِرّ. وهي كلُّ شيءٍ نحتاج إليه. فنحن نعيش بكلِّ كلمة تخرج مِن فم الله. فهذا الكنز الثَّمين...الذي نتحدَّث عنه طَوال الوقت...هذا الكنز الثَّمين هو بين أيدينا. وهو قابل للاستيعاب إن تَعاملنا معه بأمانة. فالكتاب المقدَّس يتطلَّب مِنَّا أن نؤمن به، وأن نَحترمَه، وأن نُحبَّه، وأن نُطيعَه، وأن نُجاهد مِن أجله وندافع عنه، وأن نُنادي به، وأيضًا أن ندرسه.
ونحن نقرأ في رسالة كولوسي 3: 16 إنَّه ينبغي لنا أن نَجعل كلمة المسيح تَسْكُنْ فينا بِغِنىً... بِغنى. وعندما صَلَّى الرَّسول بولس لأجل أهل أفسُس، صَلَّى أن تَستنيرَ عُيُونُ أَذْهَانِهمْ، لِيَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ، وَمَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِين. وأين يمكنك أن تتعلَّم ذلك؟ وأين يمكنك أن تعثر على ذلك؟ إنَّه مُعلَن في كلمة الله.
وقد صَلَّى أن نَعرف الحقَّ الإلهيَّ، وأن نَفهم الحقَّ الإلهيَّ. فقد قال بولس لأهل فيلبِّي: "وَهذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي كُلِّ فَهْمٍ، حَتَّى تُمَيِّزُوا الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ...". فمَرَّةً تلو الأخرى، يخبرنا الكتاب المقدَّس أنَّه يجب علينا أن نفهم حقائقه. لذا فإنَّنا نحاول أن نُبيِّن لكم الطريقة الَّتي يمكننا مِن خلالها أن نستوعب هذه الحقائق وأن نُطبِّقها شخصيًّا.
وأعتقد أنَّ صلاتي لأجلكم وشوقَ قلبي لأجلكم هو نفس شوق قلب بولس الَّذي عَبَّر عنه في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي 2: 13: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا نَشْكُرُ اللهَ بِلاَ انْقِطَاعٍ، لأَنَّكُمْ إِذْ تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ خَبَرٍ مِنَ اللهِ، قَبِلْتُمُوهَا لاَ كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ، بَلْ كَمَا هِيَ بِالْحَقِيقَةِ كَكَلِمَةِ اللهِ، الَّتِي تَعْمَلُ أَيْضًا فِيكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِين". فصلاتي لأجلكم هي أن تسمعوا الكلمة، وأن تفهموا الكلمة، وأن تعمل الكلمة في حياتكم إذْ تُكَرِّسون أنفسكم لِتَعَلُّمِها. ونحن نقرأ في إنجيل متَّى 4: 4 مَرَّةً أخرى: "لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ الله". لِذا تَغَذَّوْا على ذلك الخبز السَّماويّ. دَعونا نُصَلِّي:
يا أبانا، ما أروع أن نجتمع معًا في هذا الصَّباح، وأن نَدرس كلمتك، وأن نَتعلَّم كيف نَتعمَّق في حقائقها ونغوص فيها. وصلاتي لأجل كلِّ شخصٍ هنا هي أن يفعل ذلك، وأن يَستفيد مِن هذا الكنز العظيم الغنيّ. فقد قال داود: "خَبَأْتُ كَلاَمَكَ فِي قَلْبِي لِكَيْلاَ أُخْطِئَ إِلَيْكَ". فلا توجد طريقة أخرى. فنحن نَتجنَّب الخطيَّة حين تُهيمن كلمةُ الله علينا. املأنا بحقِّك الثَّمين كي نعيش لتمجيدك. باسم المسيح. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
