Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا المساء، كما تَعلمون، سننظر إلى رسالتنا الثَّامنة في سلسلة "التَّطَلُّع نَحْوَ السَّماء". وأودُّ أن أقول أيضًا إنَّني لم أتعمَّد أن أجعل هذه الأمور صعبة الفهم، بل بسيطة جدًّا وأساسيَّة جدًّا كي نفهم جميعًا الحقائق المختصَّة بالسَّماء كما هي مُعلنة في كلمة الله. وأرجو أن تكون هذه الدِّراسة مفيدة لكم كما كانت مفيدة لي في قلبي، وفي إعطائي ذلك التَّرقُّب للسَّماء؛ وَهُوَ أمر ينبغي أن يَتَّصِفَ به كُلُّ مؤمن.

في رسالة فيلبِّي 3: 20، ربما تذكرون أنَّ الرَّسول بولس يقول لنا إنَّ مواطنتنا هي في السَّماء. فهناك يوجد بيتُنا. وذلك هو مكاننا الحقيقيّ. وقد قال يسوع إنَّه مَضى كي يُعِدَّ مكانًا لنا، مكانًا في بيت الآب، وإنَّه سيأتي ذات يوم ويَخطفنا ويأخذنا لنكون معه. لذا فيما يَختصُّ بالمؤمنين فإنَّ مكاننا الصَّحيح هو السَّماء. فمكانُنا الصَّحيح هو السَّماء. فهي بيتُنا. وقد نظرنا عن كَثَب إلى بيتنا في هذه الدِّراسة تحديدًا معًا.

والآن، بسبب رغبتنا في فهم كُلِّ ما يمكننا فَهْمُه عن السَّماء، ابتدأنا بدراسة الموضوع مِن خلال طَرح أسئلة والإجابة عنها. وهل أحتاج إلى تذكيركم بها؟ لقد ابتدأنا بطرح السُّؤال: "ما هي السَّماء؟" وقد عرفنا أنَّ السَّماء مكان. ثُمَّ إنَّنا طرحنا السُّؤال: أين هي السَّماء. وقد رأينا أنَّ الكتاب المقدَّس يشير إلى أنَّ السَّماء موجودة في الأعلى فوق السَّماء الأولى، وفوق السَّماء الثَّانية. فهي موجودة فوق الكَوْن المخلوق الَّذي نَعرفه، وهي النِّطاق الَّذي يسكن الله فيه في حضوره اللامُتناهي. ثُمَّ إنَّنا طَرحنا السُّؤال: كيف هي السَّماء. وقد نظرنا إلى آياتٍ في العهد القديم وفي العهد الجديد تصف جزءًا مِن جمال السَّماء، وبهائها، واتِّساعها، وروعتها الَّتي يصعب علينا إدراكُها. ثُمَّ إنَّنا طرحنا السُّؤال: مَن يوجد في السَّماء. وقد تحدَّثنا عن الله لأنَّها مَسكنه. وقد تحدَّثنا عن الملائكة القِدِّيسين. وقد تحدَّثنا عن حقيقة أنَّنا [نحن الَّذينَ نَعرف الربَّ] مُواطنون أيضًا في ذلك المكان.

ثُمَّ إنَّنا ناقشنا الفِكرةَ القائلة: كيف ستكون الحال في السَّماء؟ وقد توسَّعنا في دراسة وصف السَّماء أكثر قليلاً وتحدَّثنا عن كيف ستكون علاقاتنا في السَّماء: كيف ستكون علاقتنا بالله، وكيف ستكون علاقتنا بالمسيح، وكيف ستكون علاقتنا بالملائكة، وكيف ستكون علاقتنا بعضُنا ببعض. والآن، نحن نُجيب عن السُّؤال: ماذا سنفعل في السَّماء؟ ماذا سنفعل؟ ما الَّذي سنقضي أبديَّتَنا في القيام به؟ وسوف نَغوص قليلاً في ذلك السُّؤال تحديدًا مَرَّةً أخرى في هذا المساء.

والآن، اسمحوا لي أن أُقدِّم لكم مُراجعةً لأنَّنا ابتدأنا في التحدُّث عن ذلك. وأوَّل شيءٍ قُلناه هو إنَّنا سنُبَجِّلِ اللهَ والمسيح؛ أي أنَّنا سنَتعبَّد. فالسَّماء مكان عبادة. وهي ستكون مكانَ حُبٍّ وتَبجيلٍ وعبادة. فسوف نعبد اللهَ، ونمجِّد اللهَ، ونُعَلِّي اسمَ اللهِ بِملئِه. فسوف يكون وقت تسبيح مِن دوافع نَقيَّة وبتَعبيرٍ كامل. فقلوبنا ستكون مستقيمة عندما نعبد اللهَ، وتعابير قلوبنا ستكون كاملة كما هي حال قلوبنا. وبالمعنى الحقيقيِّ، لقد رأينا أنَّ ذلك هو تَتميمُ خطَّة الله في الخلاص لأنَّنا تَذكَّرنا في إنجيل يوحنَّا والأصحاح الرَّابع أنَّ رَبَّنا قال إنَّ الآب يَطلب سَاجِدينَ حقيقيِّين. وقد فَدانا الله مع جميع الأشخاص الآخرين الَّذينَ فَداهم كي يجعلنا عابدين أبديِّين نقضي أبد الآبدين ودهر الدُّهور في إعطائه المجد والتَّسبيح. وقد تذكَّرنا تعريف المؤمِن الوارد في رسالة فيلبِّي 3: 3 إذْ إنَّنا أولئك الَّذينَ نَعبُدُ اللهَ بالرُّوح. فهذه هي صِفَةُ المؤمِن.

إذًا أوَّلاً، سوف نقضي الأبديَّة في تَبجيلِ اللهِ وتَبجيلِ المسيحِ مِن خلال العبادة. ثانيًا، لقد قُلنا إننا سنَملِك مع الله ومع المسيح. وهذا يُشير إلى سُلطاننا ونطاق مسؤوليَّتنا. فسوف يكون لِكُلِّ مؤمن في السَّماء، في اعتقادي، نطاق مسؤوليَّة ونطاق سُلطان. فسوف يُوْكَل إلينا ذلك السُّلطان بكُلِّ تأكيد، ولكن لن يكون هناك حُكَّامٌ مُستبِدُّون، ولن يكون هناك حُكَّامٌ مُستقلُّون، بل إنَّنا سنعمل تحت السُّلطة المُفوَّضة إلينا مِن الله؛ تمامًا كما فعل المسيح. ولَعلَّكُم تذكرون أنَّ المسيح قال إنَّه لن يفعل إلَّا ما أراه الآبُ أن يفعل. ولا شَكَّ في أنَّه يَملِك على ميراثٍ أعطاهُ الآبُ إيَّاه. لذا، كما أنَّ المسيح حصل على سُلطانٍ مُفَوَّضٍ من الآب، سوف نحصل نحن أيضًا على سُلطان مُفوَّض في السَّماء. وسوف نَجلس (كما يقول الكتاب المقدَّس) على عرش الآب، وعلى العرش مع الابن والآب. وسوف نُعَبِّر عن ذلك الحُكْم مِن خلال الحكمة الكاملة. لذا، سوف نَحكُم على نِطاق مسؤوليَّة مُعطاة لنا مِن خلال سُلطانٍ مُفوَّض. وسوف يكون حُكمُنا حُكمًا كاملاً يَتميَّز بالحِكمة الكاملة. ولن نقترف أيَّ خطأ، ولن نُسيء استخدام السُّلطة، ولن نُخطئ. فكل شيءٍ سنفعله في نِطاق مسؤوليَّتنا سيكون كاملاً وصحيحًا.

والآن، لقد خَلُصْنا لنكون عابِدين. ولكن المسيح لم يُخَلِّصنا فقط كي يَجعلَنا عابِدين، بل خَلَّصنا كي يَجعلنا حُكَّامًا. وقد تحدَّثنا عن حقيقة أنَّ هناك مقاطِع كتابيَّة عديدة تتحدَّث عن حقيقة أنَّنا سنكون حُكَّامًا في السَّماء. فسوف يكون لنا نِطاق حُكم. وسوف نَحكُم إلى هذا الحَدِّ أو ذاك في الملكوت. ولكن لاحظوا أيضًا ما تقوله هذه الآية صَراحةً: "وَجَعَلَنَا مُلُوكًا"، ثُمَّ إنَّه يقول: "وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ".

والآن، خَزِّنوا هذه المعلومة في أذهانِكم. فهذه نُقطة مُهمَّة جدًّا ينبغي أن نفهمها. ولا أدري إن كنتم تفهمون ذلك مِن جهة تطبيقاته الأبديَّة. فنحن نتحدَّث كثيرًا عن كَهنوت المؤمن، وعن أنَّه يمكننا جميعًا أن ندخل إلى حضرة الله. فنحن جميعًا كهنة بمعنى أنَّنا نستطيع الدُّخول مباشرةً إلى حضرة الله. ولكن هل فكرتم يومًا في حقيقة أنَّه يجب علينا أن نكون كهنة إلى الأبد بذات الطَّريقة الَّتي سنصير فيها عابدين إلى الأبد وحُكَّامًا إلى الأبد؟ فنحن سنصير أيضًا كهنة إلى الأبد. وقد أُعطينا كهنوتًا لا ينتهي. وقد خَلُصْنا لنصير كهنة للهِ أبي رَبِّنا يسوع المسيح.

والآن، ما الَّذي يَفعله الكهنة؟ فأيًّا كان الشَّيء الَّذي يَفعله الكهنة، سنَفعله في السَّماء. والجواب بسيطٌ جدًّا: إنَّهم يخدمون الله. لذا، هذه هي النُّقطة التَّالية الَّتي أريد منكم أن تُدوِّنوها في أثناء تفكيركم في هذا الموضوع. ثالثًا، في السَّماء، سوف نخدم المسيح ونخدم الله. فالشَّيء الأوَّل الَّذي رأيناه هو أنَّنا سَنُسَبِّح. والشَّيء الثَّاني هو أنَّنا سنَملِك. ثالثًا، سوف نَخدم. سوف نَخدم. ولنستخدم الكلمة: "واجب". فسوف نُدعَى إلى العبادة، وسوف نُدعَى إلى امتلاكِ سُلطانٍ، وسوف نُدعى إلى القيام بواجبنا. وما الَّذي يفعله الكهنة؟ إنَّ الكهنة يَخدمون الله. فعندما أرادت حَنَّة أن تُكرِّس حياة طفلها الَّذي وَهبه الله لها (واسمُهُ: "صَموئيل")، أخذت ذلك الطِّفل الصَّغير، بعد أن فَطَمَتْهُ، وأعطتهُ إلى رئيس الكهنة، ووضعت صموئيل في بيت الله، وتركته هناك طَوال حياته [في الحقيقة] إلى أن نضج تمامًا وصار رَجُلاً. فقد كان تَقْدِمَةً إلى بيت الله بهدف خِدمة الله. وهذا هو ما يفعله الكهنة. إنَّهم يَخدمون الله. وَهُم يُقدِّمون الذَّبائح والتَّقدمات والخدمة لله.

والنُّقطة الرئيسيَّة هي الخدمة. فَهُمْ يَخدمون الله. ولكن يوجد عنصرٌ آخر في تلك الخدمة أَوَدُّ أن أُركِّز عليه. فما يفعله الكهنة هو أنَّهم يَخدمون الله خِدمةً حَميمة. خِدمةً حَميمة. ففي العهد القديم، وأنتُم تَعلمون ذلك جيِّدًا، كان الكاهن يتمتَّع بعلاقة فريدة بالله. والحقيقة هي أنَّ العهد القديم يُعلِّم أنَّهُ لا يمكن لأيِّ إسرائيليٍّ عاديٍّ أن يَقترب كثيرًا مِن أيِّ شيءٍ يَرمز إلى الله. فلا يمكن لأيِّ إسرائيليٍّ عاديٍّ أن يَقترب كثيرًا مِن الأشياء الَّتي كانت تَرمز إلى حُضور الله. ومع أنَّهُ كان يُسمَحُ لِلْلاَّويِّينَ أن يَقتربوا كثيرًا لأنَّهم كانوا يقومون بأعمال الخدمة، لم يكن يُسمح لهم بالاقتراب كما يَقترب الكهنة. فقد كان الكهنة الأشخاص الوحيدين الَّذينَ يخدمون الله خِدمةً حَميمة. صحيحٌ أنَّ اللَّاوِيِّين كانوا يخدمون الله، وأنَّ "بَني قَهَات" كانوا يَخدمون اللهَ مِن خلال نَقْلِ تابوتِ العهد، وأنَّ كُلَّ بني إسرائيل خدموا اللهَ بطرق عديدة جدًّا؛ ولكنَّ الكهنة كانوا يخدمون الله خِدمةً حَميمة...خِدمةً حَميمة. وإن لَمَسَ أيُّ شخص من غير الكهنة أشياء مُقدَّسة، كان يموت. فقد كان الكهنة الأشخاص الوحيدين الَّذينَ يُسمح لهم بالاقتراب إلى الله. وكان رئيس الكهنة هو الشَّخص الوحيد الَّذي يستطيع أن يدخل إلى قُدْسِ الأقْداسِ مَرَّةً في السَّنة وقتًا قصيرًا فقط. فبعد أن يَغتسل بحسب طُقوس الاغتسال الدَّقيقة ويُطَهِّر قلبَه حَقًّا، كان باستطاعته أن يَدخل إلى حضرة الله.

إذًا، كان بمقدور الكهنة أن يخدموا الله خدمةً فريدة وحميمة. ولكن في العهد القديم، كانت تلك الحَميميَّة محدودة. ففي سِفْر العَدد، حيث تجدون حديثًا عن أولئك الَّذينَ أساءوا استخدامَ مسؤوليَّتِهم الكَهنوتِيَّة: "فَأَرْسَلَ مُوسَى لِيَدْعُوَ دَاثَانَ وَأَبِيرَامَ ابْنَيْ أَلِيآبَ. فَقَالاَ: لاَ نَصْعَدُ! أَقَلِيلٌ أَنَّكَ أَصْعَدْتَنَا مِنْ أَرْضٍ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلاً لِتُمِيتَنَا فِي الْبَرِّيَّةِ حَتَّى تَتَرَأَسَ عَلَيْنَا تَرَّؤُسًا؟" ولَعلَّكم تَذكرون القصَّة الَّتي حدثت بعد ذلك بخصوص قُورَح وكُلِّ الأشخاص الآخرين الَّذينَ تَطاوَلوا على المسؤوليَّةِ الكَهنوتيَّة، والنَّتائج المأساويَّة الَّتي حدثت عندما عُوقِبوا عِقابًا شديدًا ومُريعًا. وهؤلاء هُمْ أشخاص تَعَدَّوْا على دور الكَهنة في حين أنَّهم لم يكونوا يَملكون الحقَّ في الاقتراب إلى الله أكثر مِن الحدود المسموحة لهم. فالكهنة هم الأشخاص الوحيدون الَّذينَ كان بمقدورهم أن يقتربوا إلى ذلك الحَدّ.

ونَقرأ في سِفْر اللَّاوِيِّين والأصحاح 16 أنَّ رئيس الكهنة وحده كان يستطيع الاقتراب أكثر مِن بقيَّة الكهنة. وَكان يفعل ذلك مَرَّةً واحدةً فقط في السَّنة. وبالرَّغم مِن ذلك، في العهد القديم، نَرى أنَّ الصِّفاتِ الَّتي تُمَيِّز الكاهِن هي الحَميميَّة، والشَّركة، والاقتراب إلى الله.

أمَّا في العهد الجديد فما الَّذي حدث؟ عندما مات يسوعُ المسيح على الصَّليب، انشَقَّ حِجاب الهيكل مِن فوق إلى أسفل، وصار المكان المُقدَّس في الهيكل في أورشليم مكشوفًا، وصار قُدسُ الأقداس مكشوفًا للجميع. وكان الله يقول مِن خلال هذا المَثَل التَّصويريِّ إنَّه باستطاعة جميع الأشخاص الَّذينَ يؤمنون بابني أن يدخلوا الآن إلى حضرتي. لذا، في العهد الجديد، كُلُّ مؤمن هو كاهن. ويمكننا جميعًا أن نَدخل إلى حضرة الله. فنحن كهنوتٌ مُلوكيّ. وقد دُعينا حَرفيًّا [بحسب ما جاء في رسالة بُطرس الأولى 2: 9) إلى نُورِ اللهِ العَجِيب. والآن، فكِّروا في ذلك وحسب. فقد دُعينا إلى نُورِ الله العجيب. وما الَّذي كان هذا يعنيه بالنِّسبة إلى اليهود؟ لقد كان ذلك يُشبه الدُّخول إلى الشَّكينة؛ وَهُوَ أمر كان في العهد القديم كَفيلاً بإهلاكِهم. أمَّا في العهد الجديد، ولأنَّ المسيح فَتَح الطَّريق أمامنا، فإنَّنا ندخل حرفيًّا إلى نُوره العجيب لأنَّ الله يَدعونا إلى نُوره لأنَّه كما قال بُطرس: نحن شعبُ... [لاحِظوا هذا] ... نحن شعبُ اقْتِناء. في نفس الآية (1بطرس 2: 9): "كَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، ...شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ". لذا، في العهد الجديد، نحن جميعًا نَتمتَّعُ بعلاقةٍ حميمة، ويمكننا جميعًا أن نَدخل إلى حضرته. لذا فإنَّ كاتب الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين يقول: "فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ". فنحن ندخل بثقة إلى حضرة الله كي نكون في شركة معه. ومِن خلال تلك الشَّركة الحميمة، نحن نخدمه.

لِذا، يا أحبَّائي، لم يعد هناك كهنوت. لم يعد هناك كهنوتٌ خاصّ. فلا يوجد كاهنٌ في الكنيسة يقوم [بطريقةٍ مَا] بدور الوسيط بيننا وبين الله. فلا يوجد وسطاء، بل يُوجَدُ وَسِيطٌ وَاحِدٌ فقط (كما يقول بولس في رسالته الأولى إلى تيموثاوس) بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ المَسِيح. فلا يوجد ما يُسَمَّى "رُتْبَة مِنَ الكَهَنة" الَّذينَ يعملون وسطاء بين البشر والله. فقد أُلغِيَ ذلك على صليب يسوع المسيح. فنحن جميعًا كَهنة لله. ونحن جميعًا كَهنوت مُلوكِيّ. ونحن جميعًا نتواصَل مع الله تَواصُلاً حَميمًا دون الحاجة إلى كاهنٍ وسيطٍ يَدخل إلى حضرة الله نيابةً عَنَّا.

ولكن في يومٍ ما في السَّماء، سوف نكون كهنة كاملين. وتَذكَّروا الفكرة التَّالية: لن نقترب وحسب مِن عرش النِّعمة، بل إنَّنا سنقترب مِن ما هو أكثر مِن عرش النِّعمة الَّذي يقول عنه "توماس مانتون" (Thomas Manton)، الطَّهورِيُّ العَظيم، إنَّه رُوَاق السَّماء، بل سنقترب مِن عرش المجد. فسوف نتمكَّن من الاقتراب من عرش المجد، لا فقط من عرش النِّعمة. فيمكننا الآن أن نقترب فقط من عرش النِّعمة لأنَّنا خُطاة. ويمكننا فقط أن نتوقَّف عند رُواق السَّماء حيث نَحصل على النِّعمة. فإنْ ذهبنا إلى عرش المجد سنحترق بسبب خطيَّتنا. ولكن في يومٍ ما، عندما نُغادر هذا العالَم، ونذهب إلى السَّماء، ونكون في حالة مُكَمَّلة مِن الجسد والنَّفس، سنكون في حالة كمال، ونكون كَهَنة كاملين يمكننا أن نذهب إلى ما بعد رُوَاقِ السَّماءِ، أيْ إلى ما بعدِ عرش النِّعمة وُصولاً إلى عرش المجد. وسوف نُقدِّم خدمة أبديَّة لإلهنا الحَيِّ. وسوف نتمتَّع بعلاقة حميمة أبديَّة وكاملة مع الله. ونقرأ في سِفْر الرُّؤيا أنَّ الله سيسكن معنا وأنَّنا سنسكن معه. وسوف يَنْصُبُ حَرفيًّا خَيمَتَهُ بيننا. وهو يقول إنَّ السَّماء كُلَّها هيكل، وإنَّ كُلَّ واحدٍ هناك هو كاهن، وإنَّ الله سيملأ مِلْءَ تلك السَّماء الأبديَّة. فهي سماء واحدة عظيمة وأبديَّة لا نهاية لها يَملأُها اللهُ بحضوره. ونحن نَخدم بِصفتِنا كَهنة له. وهيكل الله وهيكل الخروف واسع مِثل السَّماء الأبديَّة اللَّانهائيَّة. وسوف نكون كَهَنَتَه. فَكِّروا في ذلك. سوف نكون كَهَنَتَه.

لِذا، سوف نخدم الله بصفتنا كهنة...كهنة نتمتَّع بعلاقة حميمة. ولن نكون يومًا بحاجة إلى تطهير أنفسنا. ولن نكون يومًا بحاجة إلى الاغتسال في أيِّ مِرْحَضَة. ولن نكون بحاجة إلى تقديم ذبيحة للتَّكفير عن أنفسنا كي نتمكَّن مِن الدُّخول إلى حضرة الله. ولن نكون بحاجة إلى التَّضَرُّع إلى عرش النِّعمة، بل يمكننا أن ندخل حالاً إلى عرش المجد لأنَّه لن تكون هناك حاجة إلى ذبيحة، ولا حاجة إلى التَّطهير. فقد تَمَّ الاعتناء بذلك كُلِّه في الماضي. وهذ رائع! فسوف ندخل إلى السَّماء. وسوف ندخل إلى مِلْء خدمتنا الكهنوتيَّة ونُقدِّم الخدمة إلى الله. وقد يقول قَائِلٌ: "وما الَّذي سنفعله؟" والجواب هو: أيَّ شيء يريد مِنَّا أن نفعله. وسوف نفعل ذلك بحماسة وسعادة وكمال.

وفي سِفْر إشعياء والأصحاح 58، نجد بضع آيات قد تساعد في توسيع مَدارِكِنا. فنحن نقرأ في العدد 13: "إِنْ رَدَدْتَ عَنِ السَّبْتِ رِجْلَكَ، عَنْ عَمَلِ مَسَرَّتِكَ يَوْمَ قُدْسِي، وَدَعَوْتَ السَّبْتَ لَذَّةً، وَمُقَدَّسَ الرَّبِّ مُكَرَّمًا، وَأَكْرَمْتَهُ عَنْ عَمَلِ طُرُقِكَ وَعَنْ إِيجَادِ مَسَرَّتِكَ وَالتَّكَلُّمِ بِكَلاَمِكَ، فَإِنَّكَ حِينَئِذٍ تَتَلَذَّذُ بِالرَّبِّ، وَأُرَكِّبُكَ عَلَى مُرْتَفَعَاتِ الأَرْضِ، وَأُطْعِمُكَ مِيرَاثَ يَعْقُوبَ أَبِيكَ، لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ". والآن، قد تقول: "ما معنى ذلك؟" اسمعوني جيِّدًا، واسمحوا لي أن أقول هذا مَرَّةً أخرى: هذه هي مشيئةُ الله لنا. "إِنْ رَدَدْتَ عَنِ السَّبْتِ رِجْلَكَ، عَنْ عَمَلِ مَسَرَّتِكَ يَوْمَ قُدْسِي...". فهذا هو ما يُريدُهُ اللهُ دائمًا. فهو يُريد دائمًا أشخاصًا يُمَثِّلونه ويقومون بخدمته. "...وَدَعَوْتَ السَّبْتَ لَذَّةً، وَمُقَدَّسَ الرَّبِّ مُكَرَّمًا، وَأَكْرَمْتَهُ عَنْ عَمَلِ طُرُقِكَ وَعَنْ إِيجَادِ مَسَرَّتِكَ وَالتَّكَلُّمِ بِكَلاَمِكَ، فَإِنَّكَ حِينَئِذٍ تَتَلَذَّذُ بِالرَّبِّ، وَأُرَكِّبُكَ عَلَى مُرْتَفَعَاتِ الأَرْضِ". فهذا هو ما يُريدُه الله. وهذا هو ما سيحدث في السَّماء. فسوف نتوقَف تمامًا عن القيام بأيِّ شيءٍ نجد فيه مَسَرَّتَنا. فسوف ندعو الرَّاحة الأبديَّة لَذَّةً. وسوف نَجعلُ يومَ الرَّبِّ المُقدَّسَ الأبديَّ مُكَرَّمًا. وسوف نتوقَّف عن السُّلوكِ في طُرُقِنا، ونتوقَّف عن إيجاد مَسَرَّتِنا الشخصيَّة والتكلُّم بكلامنا الشخصيِّ. وسوف نُسَرُّ تمامًا وإلى الأبد بالرَّبِّ وخدمته. حينئذٍ، سوف يُرَكِّبُنا على مُرْتَفَعَاتِ الأَرْض. وهذه هي الرَّاحة، الرَّاحة الكهنوتيَّة الَّتي ندخل بها إلى السَّماء. وعندما نتحدَّث عن ذلك بأنَّه راحة، أي راحة السَّبت، فإنَّها ليست رَاحة بمعنى أنَّنا لن نفعل أيَّ شيء، بل إنَّها راحة بمعنى أنَّنا لن نشعر بالتَّعب، ولن نشعر بالضُّعف، ولن نكون مُشَتَّتي الانتباه، ولن يُقاطعنا أيُّ شيءٍ في خدمتنا الأبديَّة لله...خدمتنا الأبديَّة لله. فسوف نخدم الله. فهذا هو ما يفعله الكهنة.

والآن، لكي نُطبِّق ذلك مِن خلال نُصوص مُحَدَّدة، لنذهب إلى نهاية الكتاب المقدَّس (أي إلى سِفْر الرُّؤيا) قليلاً ونَرى ما يقوله الكتاب المقدَّس عن خدمتنا في السَّماء. لننظر إلى سِفْر الرُّؤيا والأصحاح السَّابع. وهُنا، في هذا الأصحاح السَّابع، نَتعرَّف إلى مجموعة من الأشخاص في العدد 9: "بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا جَمْعٌ كَثِيرٌ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّهُ، مِنْ كُلِّ الأُمَمِ وَالْقَبَائِلِ وَالشُّعُوبِ وَالأَلْسِنَةِ، وَاقِفُونَ أَمَامَ الْعَرْشِ وَأَمَامَ الْخَرُوفِ، مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ وَفِي أَيْدِيهِمْ سَعَفُ النَّخْلِ وَهُمْ يَصْرُخُونَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلِينَ: «الْخَلاَصُ لإِلهِنَا الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ»". فها هُمْ جميع المَفديِّين في السَّماء. وَهُمْ يُسبِّحون الله ويُعظِّمون الله ويُبَجِّلون الله. "وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ كَانُوا وَاقِفِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ، وَالشُّيُوخِ وَالْحَيَوَانَاتِ الأَرْبَعَةِ، وَخَرُّوا أَمَامَ الْعَرْشِ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَسَجَدُوا ِللهِ قَائِلِينَ: «آمِينَ! الْبَرَكَةُ وَالْمَجْدُ وَالْحِكْمَةُ وَالشُّكْرُ وَالْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالْقُوَّةُ لإِلهِنَا إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ!» وَأجَابَ وَاحِدٌ مِنَ الشُّيُوخِ قَائِلاً لِــي: «هؤُلاَءِ الْمُتَسَرْبِلُونَ بِالثِّيَابِ الْبِيضِ، مَنْ هُمْ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَتَوْا؟» فَقُلْتُ لَهُ: «يَا سَيِّدُ، أَنْتَ تَعْلَمُ». فَقَالَ لِي: «هؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ أَتَوْا مِنَ الضِّيقَةِ الْعَظِيمَةِ، وَقَدْ غَسَّلُوا ثِيَابَهُمْ وَبَيَّضُوا ثِيَابَهُمْ فِي دَمِ الْخَرُوفِ". فهذا الجَمْعُ تَحديدًا هُمْ مَفْدِيُّو الضِّيقة العظيمة؛ أي فترة الدَّينونة تلك الَّتي ستدوم سبع سنوات بعد اختطاف الكنيسة. "هؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ أَتَوْا مِنَ الضِّيقَةِ الْعَظِيمَةِ، وَقَدْ غَسَّلُوا ثِيَابَهُمْ وَبَيَّضُوا ثِيَابَهُمْ فِي دَمِ الْخَرُوفِ"؛ أي أنَّهُم نالوا الخلاصَ. "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ..." (كما جاءَ في العدد 15، لاحِظوا ذلك): "...هُمْ أَمَامَ عَرْشِ اللهِ". وماذا يَفعلون؟ ما يَفعله الكهنة الحقيقيُّون: "يَخْدِمُونَهُ" [مَتى؟] نَهَارًا وَلَيْلاً فِي هَيْكَلِهِ". فمع أنَّه لا يوجد نهار وليل، فإنَّكم تَفهمون الفكرة مِن خلال استخدام مُفرداتٍ نستخدمها هنا على الأرض. فَهُم يَخدمونه باستمرار. "وَالْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ يَحِلُّ فَوْقَهُمْ [أو يَبْسُطُ خَيْمَتَهُ عَليهِم]. لَنْ يَجُوعُوا بَعْدُ، وَلَنْ يَعْطَشُوا بَعْدُ، وَلاَ تَقَعُ عَلَيْهِمِ الشَّمْسُ وَلاَ شَيْءٌ مِنَ الْحَرِّ، لأَنَّ الْخَرُوفَ الَّذِي فِي وَسَطِ الْعَرْشِ يَرْعَاهُمْ، وَيَقْتَادُهُمْ إِلَى يَنَابِيعِ مَاءٍ حَيَّةٍ، وَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ»". فهذه هي راحة الخدمة إذْ لا توجد دُموع، ولا تعب، ولا شيء مِنَ الحَرّ، ولا جُوع، ولا عَطش.

وها نحن نوجد بالقرب مِن عرش الله، وبالقرب مِن عرش المسيح، مَحْمِيِّين بحضور الله، وفي حضرة الخروف الَّذي هو راعينا ومُرشدنا. فهذا هو معنى أن نخدمه بصفتنا كهنة نتمتَّع بعلاقة حميمة معه. هل ترون ذلك؟ هذه هي الشَّركة الحميمة في السَّماء. فنحن نخدمه نهارًا وليلاً في هيكله. والله الَّذي هو على العرش يَبسُطُ تلك الخيمة علينا. ونحن لن نبتعد يومًا عن حضرته. والخروف هو مَركِز كُلِّ شيء. والكلمة "يَخدِمونَهُ" هنا هي "لاتريو" (latreuo)، ومعناها: خدمة كهنوتيَّة. فهي خدمة يُقدِّمها الكاهن الَّذي يتمتَّع بعلاقة حميمة بالله.

وهل يمكنني أن أُضيف ملاحظةً تساعدكم في فهم ما أقول؟ في السَّماء، لن نخدم بعضُنا بعضًا فِعليًّا، بل سنخدم الله. فلن تكونوا بحاجة إليَّ ولن أكون بحاجة إليكم للتَّعويض عن أيِّ نقصٍ في حياتكم. هل تفهمون ذلك؟ لن نكون بحاجة إلى أن يَخدم بعضُنا بعضًا بالطَّريقة الَّتي نفعلها الآن والتي هي بصورة رئيسيَّة: أن يَبْني بعضُنا بعضًا في جوانب الضُّعف. فلن تكون لدينا تلك الحاجة المُلحَّة. فحيث إنَّنا سنكون كاملين ومُمَجَّدين ومُشابهين للمسيح، ستكون كُلُّ خدمتنا مُوَجَّهة مُباشرة إلى الله. لذا فإنَّنا لن نُفارِق حضرتَه، بل سنكون دائمًا كالكهنة الَّذينَ ستكون خدمتهم في الحقيقة في السَّماء، والَّذين سينهمكون تمامًا وكُليًّا في خدمة الله. إنَّها خدمة كهنوتيَّة.

والآن، لنفتَح على سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 22؛ وهو الأصحاح الأخير مِن هذا السِّفْر النَّبويِّ الرَّائع. ونحن نجد كلمات ليست غريبة، بل إنَّها تُشبه كثيرًا الكلمات الَّتي قرأناها قبل قليل. فنحن نقرأ في العدد الأوَّل: "وَأَرَانِي نَهْرًا صَافِيًا مِنْ مَاءِ حَيَاةٍ لاَمِعًا كَبَلُّورٍ، خَارِجًا مِنْ عَرْشِ اللهِ وَالْخَرُوفِ. فِي وَسَطِ سُوقِهَا وَعَلَى النَّهْرِ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ، شَجَرَةُ حَيَاةٍ تَصْنَعُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ثَمَرَةً، وَتُعْطِي كُلَّ شَهْرٍ ثَمَرَهَا، وَوَرَقُ الشَّجَرَةِ لِشِفَاءِ الأُمَمِ. وَلاَ تَكُونُ لَعْنَةٌ مَا فِي مَا بَعْدُ. وَعَرْشُ اللهِ وَالْخَرُوفِ يَكُونُ فِيهَا، وَعَبِيدُهُ [ماذا؟] يَخْدِمُونَهُ". ومَرَّةً أخرى، نجد الكلمة نفسها "دولوس لاتريو" (doulos latreuo): عبيد يُؤدُّون خدمة كهنوتيَّة. فسوف نُؤدِّي خدمةً كهنوتيَّةً لله. ولن نُفارق يومًا حضرته. فسوف نبقى هناك عند عرش الله، وهناك عند عرش الخروف. ونقرأ في العدد الرَّابع أنَّنا سنَرى وَجْهَهُ، وأنَّ اسْمَهُ سيكون عَلَى جِبَاهِنا. فبطريقةٍ ما، سوف يَضَعُ اللهُ اسمَهُ على جِباهِنا بصفَتِنا كهنة نَنتمي إليه. "وَلاَ يَكُونُ لَيْلٌ هُنَاكَ، وَلاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى سِرَاجٍ أَوْ نُورِ شَمْسٍ، لأَنَّ الرَّبَّ الإِلهَ يُنِيرُ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ سَيَمْلِكُونَ إِلَى أَبَدِ الآبِدِين". وهذا هو العُنصر الآخر. فسوف نَملِك إلى الأبد، وسوف نخدم بصفتِنا كهنة إلى الأبد. فهي خِدمة كهنوتيَّة.

وهذا مُدهش جدًّا...مُدهش جدًّا! وأنا سعيد جدًّا بسماع ذلك لأنَّه كما قلت لكم في هذا الصَّباح عندما تَحدَّثتُ عن الخدمة في هذا المساء، لا يمكنني أن أتخيَّل أيَّ شيءٍ أسوأ مِن أن أكون في مكانٍ ما إلى الأبد دون أن أفعل شيئًا. فهذا غير معقول. لماذا؟ لأنَّه يوجد شيء في الطَّبيعة البشريَّة، ويوجد شَيء في صُورة الله الموجودة فِيَّ يجعلني بحاجة إلى الخدمة، ويجعلني بحاجة إلى القيام بشيءٍ ما. وأنا أريد، في المقام الأوَّل، في حالتي المُكَمَّلة أن أفعل شيئًا لأجل الله الَّذي فَداني. والحقيقة هي أنِّي شخصيًّا أُفكِّر في أنَّه مِن الواضح أنَّه عندما يُكَمَّل جسدك ونفسك في حضرة الله فإنَّك ستكون حَرفيًّا مُنهَمِكًا إلى الأبد في تلك الرَّغبة القويَّة الَّتي تدفعك إلى خدمة الله. ولا بُدَّ أن يكون لهذه الرَّغبة مُتَنَفَّسٌ واضح وتعبيرٌ مَا. وهذا هو ما سيحدث. فسوف تُتَمِّم أعمقَ دافعٍ لديك في ذاتك المَفديَّة لخدمة الله. وقد تقول: "وما نوع الخدمة الَّتي سنقوم بها؟" إنَّه لا يَذكُر التَّفاصيل. وَلِمَ المحاولة؟ فلا يمكننا أن نَفهم السَّماء. لا يمكننا أن نفهمها البَتَّة. ولكنَّنا سنَخدم الله بطريقةٍ ما.

ولكنَّ هذا يُناسب شعوري الشخصيَّ بأنِّي إنسان، ويُناسب طبيعة الرَّجُل أو المرأة. فنحن بحاجة إلى أن نَخدم. فهناك رغبة في العمل مغروسة فينا. ونحن نرغب في رؤية شيء يتحقَّق. فأنا أُسَرُّ في القيام بعملٍ ما بإتقان. أَلاَ تُسَرُّون بذلك أنتُم أيضًا؟ فأنا أُسَرُّ بالشُّعور بالإنجاز، وبالشُّعور بإنهاء إحدى المَهامّ. وأنا أُسَرُّ جدًّا حين أُقَدِّمُ خدمةً مَا وأَعلمُ أنَّ الشَّخصَ الَّذي خَدمتُهُ مسرور. وما أروع أن نَخدم الله الَّذي سَيُسَرُّ تمامًا بها. فهناك ذلك التَّحَدِّي الَّذي تنطوي عليه المَهمَّة. وهناك ذلك التَّحدِّي الَّذي يَنطوي عليه الإنجاز. وهناك ذلك التَّحدِّي الَّذي ينطوي عليه القيام بشيءٍ ما وتنفيذُه بإتقان. تَخَيَّلوا أنَّه طَوال الأبديَّة سيكون كُلُّ شيء تفعلونه كاملاً، وأنَّكم ستُنفِّذونه. أجل، ستُنفِّذونه. وهذا لا يعني أنَّ الله سيجعله تلقائيًّا كاملاً، بل إنَّكم ستفعلونه وإنَّه سيكون دائمًا كاملاً. فهذا هو ما يُريدُكَ اللهُ أن تكون عليه وأن تَفعله.

والآن، اسمَحوا لي أن أُقدِّم لكم فكرةً أخرى حيث إنِّي قد ذَكرتُ هذه النُّقطة. فأنا أُوْمِنُ حقًّا بأنَّ طبيعة خدمتنا...والآن، فَكِّروا في هذه الفكرة...بأنَّ طبيعة خدمتنا ستكون مُرتبطة على الأرجح بخدمتنا هُنا والآن. هل فهمتم ذلك؟ فلعلَّكُم تَذكرون أنِّي قلتُ لكم إنَّ طبيعة ميراثِكُم في المجد ستكون مُرتبطة بكيفيَّة تعامُلكم مع ميراثكم هنا. فإن كنت أمينًا في القليل، سوف يُقيمُكَ على ماذا؟ الكثير. وقد تأمَّلنا في الأمثال المُختصَّة بأولئك الَّذينَ كانوا أُمناء بوَزَناتٍ قليلةٍ فأُعطوا أكثر، وفي الأمثال المُختصَّة بأولئك الَّذينَ كانوا أُمناء على مُدن قليلة فأُعطوا مُدنًا أكثر. وأعتقد أنَّ هذه الأمثال تُشير إلى المجد. فبِمعنَى مِنَ المعاني، إذا كُنت أمينًا في مسؤوليَّة قليلة هُنا، سوف يُعطيك الله مسؤوليَّة أكبر هناك. وهذا هو ميراثُك. وإن كُنت أمينًا في خدمةٍ ما هُنا، سوف يُعطيك خدمةٍ أكبر هناك. وهذه هي مُكافأتُك.

وقد تحدَّثنا عن مُكافآتِ المؤمنين. وأنا أُوْمِنُ بأنَّ مكافآت المؤمنين هي ليست شيئًا تَضَعُهُ على رأسك مِثل الإكليل، وبأنَّها ليست أشرطةً تَضَعُها على ثوبك الأبيض، وبأنَّها ليست غُرَفًا في منزلك بِمعنى أنَّه كُلَّما زادت خدمتك الَّتي تقوم بها هنا زادت مِساحةُ منزلك وكانت تلك هي مُكافأتك. وهذا لا يعني أنَّ مَرْكَبَتَكَ ستكون أكبر وأسرع مِن أيِّ شخص آخر، أو أنَّ أَحْصِنَتَكَ البيضاء ستكونُ أكثر. بل أنا أُوْمِنُ بأنَّ مُكافأتك في السَّماء ستكون قدرتك على الخدمة. فكُلَّما زاد تكريسُك للخدمة هنا، زادت القدرة الَّتي سيمنحها اللهُ لك هناك حَتَّى إنَّك ستتمكَّن مِن التَّعبير بقدرة أكبر عن خدمتك لله. والقدرة على الخدمة إلى الأبد هي في اعتقادي جوهر مكافأتك هناك. فهي لن تكون قُبَّعَةً ترتديها، ولن تكون نياشينَ على ثَوبِك، ولن تكون منزلاً تسكن فيه ويكون أفضل مِن منزل أيِّ شخصٍ آخر. فهي لن تكون كذلك، بل إنَّها ستتمثَّل في القدرة على الخدمة الروحيَّة. وكُلُّ شخصٍ مِنَّا سيُكافأ.

انظروا إلى رسالة كورنثوس الأولى قليلاً، ولنتأمَّل في الأصحاح الرَّابع، ثُمَّ في الأصحاح الثَّالث بإيجازٍ شديد. فنحن نقرأ في رسالة كورنثوس الأولى 4: 5: "إِذًا لاَ تَحْكُمُوا فِي شَيْءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ..." [أيْ قبلَ الوقتِ الَّذي سيأتي فيه الرَّبُّ]، حَتَّى يَأْتِيَ الرَّبُّ الَّذِي سَيُنِيرُ خَفَايَا الظَّلاَمِ وَيُظْهِرُ آرَاءَ الْقُلُوبِ". ثُمَّ استمعوا إلى هذا: "وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَدْحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ اللهِ". فكُلُّ إنسانٍ [عندما يُواجِهُ فيه الرَّبُّ ذلك الإنسان] سيحصل على المَدْحِ من الله. ولكِنَّ كُلَّ شخصٍ سيحصل على المَدح مِن الله بصورة فريدة. فاللهُ سَيُقَيِّمُ وكالَتنا. فنحنُ نقرأ في العدد الأوَّل: "نحنُ وُكلاءٌ وخُدَّامٌ". وفي العددِ الثَّاني: "يجبُ على الوُكَلاَءِ أن يكونوا أُمناء". وفي العددِ الثَّالثِ: "لا يَهُمُّني كيف تَحْكُمونَ عَليَّ، أو حَتَّى كيف أحكُمُ أنا على نَفْسِي". وفي العددِ الرَّابع: حَتَّى عندما لا أعرفُ أيَّ شيءٍ ضِدِّي فإنِّي أترُكُ الحُكْمَ لله. فسوف يأتي اليوم الَّذي سيَحكُم فيه على دوافِعي ويَحكُم فيه على خِدمتي. وسوف يَمْدَحُني. لِذا فإنَّ لدى الله خطَّة لمكافأةِ كُلِّ مُؤمن. وأرجو منكم أن تُلاحظوا: "يَكُونُ الْمَدْحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ اللهِ". فكُلُّ مؤمنٍ سيأخذُ المَدحَ مِن الله. وكُلُّ مؤمنٍ سيتلقَّى مُكافأةً.

وقد تتفاوتُ المُكافآت. ولعلَّكُم لاحظتُم في الأصحاحِ الثَّالث أنَّ العمل الَّذي نعمله قد يتفاوت أيضًا. ولعَلَّكُم تَذكرون أنَّه يقول في هذا الأصحاح والعدد 12: "وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدُ يَبْنِي عَلَى هذَا الأَسَاسِ [أيِ المَسيح]: ذَهَبًا، فِضَّةً، حِجَارَةً كَرِيمَةً، خَشَبًا، عُشْبًا، قَشًّا، فَعَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ سَيَصِيرُ ظَاهِرًا". فسوف نُكافأ جميعًا، ولكنَّنا سنحصل على مُكافآت مُختلفة. فسوف يكون بعضٌ مِن أعمالنا ذهبًا، وبعضٌ منها فضَّةً، وبعضٌ منها حجارة كريمة، وبعضٌ منها خشبًا أو عُشْبًا أو قَشًّا. والخشب والعُشبُ والقَشُّ ليست سَيِّئةً، وليست شِرِّيرةً، ولكنَّها ليست قَيِّمةً جدًّا. والحقيقةُ هي أنَّها تَميل إلى الاحتراق. فسوف نُكافأ جميعًا ونحصل على المَدح من الله، ولكنَّ كُلاًّ مِنَّا سيحصل على مُكافأة مختلفة بحسب الخدمة الَّتي قَدَّمناها. والمكافأة، في اعتقادي، ستكون القُدرة على خدمة الله في المجد. وقد تَمَّتِ الإشارة إلى ذلك، في اعتقادي، في تلك الأمثال حيث إنَّ الأشخاص الأُمناء في القليل قد أُعْطوا أكثر. فذلك الخادم الَّذي اهتمَّ بالوَزَناتِ أُعْطِيَ ضِعْفَ ذلك مُكافأةً مِن الرَّبّ. وذلك الخادمُ الَّذي أُعطي خمس وَزَناتٍ أُعطي ضِعْفَ ذلك مُكافأةً مِن الرَّبّ. فما نفعله بامتيازِ الخدمة هُنا يُحَدِّد ما سيفعله الله بنا في جَعْلِنا نخدمه هُناك. وفي الأمثال المُختصَّة بأولئك الخُدَّام (بحسب ما جاء في إنجيل مَتَّى وإنجيل لُوقا)، نَتذكَّر أنَّه في كُلِّ حالة، عندما جاء السَّيّدُ وأراد أن يُكافِئ عبيدَهُ فإنَّه كافأهم مُكافآتٍ مُوافقةً لذلك بأن أعطاهم نِطاقًا أكبر مِن الخدمة أو نِطاقًا أكبر مِن الحُكْم. لذا، سوف نَحكُمُ ونَخدِم بحسب أمانتنا في قيامنا بمسؤوليَّة الحُكْم هُنا وخِدمتنا هُنا.

والكتاب المقدَّس يتحدَّث كثيرًا عن تلك المكافآت. ولا أريد أن أُخَصِّصَ عِظةً بأسرِها للتحدُّث عن موضوع المكافآت، ولكن اسمحوا لي أن أقرأ لكم وحسب بضع آياتٍ كِتابيَّة. دانيال 12: 3: "وَالْفَاهِمُونَ يَضِيئُونَ كَضِيَاءِ الْجَلَدِ، وَالَّذِينَ رَدُّوا كَثِيرِينَ إِلَى الْبِرِّ كَالْكَوَاكِبِ إِلَى أَبَدِ الدُّهُور". والآن، إنَّ ما يقوله هنا بسيطٌ جدًّا. فإن قُدْتَ كثيرين إلى البِرّ، ستُضيءُ كالنُّجوم إلى أبد الآبدين. لذا فإنَّ مكافأتك تتوقَّف على الأمانة الَّتي أعلنتَ فيها رسالةَ البِرّ. فكُلُّ الأشخاص الحُكماء سيُضيئونَ كَضِيَاءِ الجَلَد. وما يقوله دانيال هنا هو أنَّ طريقتك في التَّعامُل في هذه الحياة مع حِكمة الله، وطريقتك في التَّعامُل في هذه الحياة مع إعلان رسالة الله ستُقَرِّر كيف ستُضيء في الحياةِ الأبديَّة.

وفي العهد الجديد، في رسالة تسالونيكي الأولى والأصحاح...إنَّها آيات كثيرة. وأنا لا أريد أن أقرأَ آيات كثيرة، ولكنَّه يقول في الأصحاحِ الثَّاني والعدد 19: لأَنْ مَنْ هُوَ...[حَرفِيًّا: مَنْ هُوَ] رَجَاؤُنَا وَفَرَحُنَا وَإِكْلِيلُ افْتِخَارِنَا؟ أَمْ لَسْتُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا أَمَامَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي مَجِيئِهِ؟ لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ مَجْدُنَا وَفَرَحُنَا". فبولس يقول إنَّ جُزءًا مِن المكافأة الَّتي سنحصل عليها في السَّماء سيكون مُكافأة رؤية أولئك الأشخاص الموجودين هناك بسبب أمانتنا. فذلك سيكون جُزءًا مِن مُكافأتنا. فجزء مِن مكافأتنا...لاحظوا هذا...لن يكون فقط الخدمة، بل الفرح؛ فالفَرح برؤية أُناسٍ هُناك بسبب أمانتنا سيكون جُزءًا مِن مكافأتنا، بل جُزءًا مُهمًّا مِن مكافأتنا. ومَرَّةً أخرى، أُرَكِّزُ على أنَّها ليست مكافأة تَرتديها، بل هي شيء تَختبره: خِدمة أعظم، ومسؤوليَّة أعظم، وفرح أعظم. وهذا مُهمٌّ جدًّا في فهم الموضوع بِرُمَّتِه.

وفي رسالة كورنثوس الأولى 9: 25 يَقول بولس: "وَأَمَّا نَحْنُ [فسنأخُذُ لا إكليلاً يَفْنَى أو تَاجًا يَفْنَى، بل] إِكْلِيلاً لاَ يَفْنَى". والآن، دَوِّنوا تلك الفكرة. وما يعنيه ذلك هو أنَّه عندما نأخذ مُكافأتنا فإنَّها لن تَفنى يَومًا. فالرِّياضيُّون الَّذينَ حَقَّقوا انتصاراتٍ عظيمة أو حصلوا على تكريمٍ كبير يَعرفون روعة ذلك. وأنا أَعلمُ مِن خلال حياتي الرياضيَّة الشَّخصيَّة مَعنى أن تفوز بمباراة كبيرة، وأن تفوز بلعبة مُهمَّة، وأن تربح جائزةً، وأن تَتلقَّى تقديرًا ما، أو تَقديرًا قَومِيًّا، أو أيَّ شيءٍ مِن هذا القَبيل. وأنتُم تَعلمون مَعنى أن تشاهدوا رياضيًّا يَصعَد إلى المِنَصَّةِ للحصول على المِيْدَالْيَة الذهبيَّة في الألعاب الأولمبيَّة. ولكنَّ تلك اللَّحظة، تلك اللَّحظة مِن النَّشوة، وتلك اللَّحظة مِن المجد هي مُجرَّد لحظة وَحَسْب. فقد كنت أشاهد مباراةً في كُرة القدم ذات ليلة، وأشاهد "جيمي جونسون" (Jimmy Johnson) يفرح فرحًا شديدًا بسبب الفوز في البطولة القوميَّة. ورُبَّما نَهَضَ مِن النَّوم في صَباح اليوم التَّالي على الواقع. وإن كان بمقدوركم أن تُطَبِّقوا ذلكَ على السَّماء، فإنَّ السَّماء ستكون مُتعة أبديَّة بتلك اللَّحظة الرَّائعةِ من النَّشوة الَّتي لن تَنتهي يومًا، ولن تتلاشى يومًا، ولن تزول يومًا. فسوف تبقى واقفًا على مِنصَّة الفوز وتحصل على الميدالْيَة الذَّهبيَّة لمجدِ اللهِ الحَيِّ إلى أبدِ الآبدينَ ودهرِ الدُّهور. فذلكَ سيكون اختبارك المستمرّ الَّذي لن ينقطع ولن ينتهي. فسوف تحصل على ذلك الإكليل الَّذي لا يَفْنَى ولا يَزول. ولن يكون هناك صَباحُ يومٍ آخر، بل فرحٌ وابتهاجٌ مُستمرَّان.

إذًا، الكتابُ المقدَّسُ يَعِدُ بإكليل الحياة، وإكليل العَدَّاء، وكُلِّ تلك الأشياء. وكُلُّ تلك الأشياء هي قدرات على الخدمة، أو أنَّها تُشير ببساطة إلى الحياة الأبديَّة. فإكليلُ الحياة، في رأيي، هو الحياة الأبديَّة. والإكليل الَّذي لا يَفْنَى هو، بِمعنى مِنَ المَعاني، الحياة الأبديَّة. وإكليل الفَرح هو الحياة الأبديَّة، ولكنَّها حياة أبديَّة مُفعمة بالفرح والمجد وامتياز الخدمة. وبولس يَكتُب في رسالته الثَّانية إلى تيموثاوس والأصحاحِ الرَّابع (وأنتم تعرفون هذه الآية لأنَّها آية معروفة) فيقول في العدد الثَّامِن: "وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا". وما هو إكليل البِرّ؟ إنَّه البِرُّ الأبديّ. فإكليل الحياة هو الحياة الأبديَّة. وإكليل الفرح هو الحياة الأبديَّة. لذا فإنَّ الإكليل ليس شيئًا تَرتديه، بل أقول مَرَّةً أخرى إنَّه شيء تَختبرُه. فهو حياة أبديَّة، وفَرحٌ أبديٌّ، وامتيازٌ أبديٌّ للخدمة، وبَرَكة أبديَّة. فهذه هي المُكافأة.

ويكتب بطرس في رسالة بطرس الأولى والأصحاح الخامس (وأعتقد أنَّكم تتذكَّرون العددَيْن الثَّاني والثَّالِث) إذْ يَقول: "ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ الَّتِي بَيْنَكُمْ نُظَّارًا، لاَ عَنِ اضْطِرَارٍ بَلْ بِالاخْتِيَارِ [كَما يُريدُ اللهُ]، وَلاَ لِرِبْحٍ قَبِيحٍ بَلْ بِنَشَاطٍ، وَلاَ كَمَنْ يَسُودُ عَلَى الأَنْصِبَةِ، بَلْ صَائِرِينَ أَمْثِلَةً لِلرَّعِيَّةِ. وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ الرُّعَاةِ تَنَالُونَ إِكْلِيلَ الْمَجْدِ الَّذِي لاَ يَبْلَى". وما هو ذلك؟ المجد الأبديّ. فإكليل الحياة هو الحياة الأبديَّة. وإكليل الفرح هو الفرح الأبديّ. وإكليل المجد هو المجد الأبديّ. والإكليل الَّذي لا يَفنَى هو مكافأة ستدوم إلى الأبد. لذا، سوف نَخدِم آنذاك وتكون خدمتنا الأبديَّة، في اعتقادي، مُتوقِّفةً على أمانتنا هُنا والآن. وأنا أعتقد، يا أحبَّائي، أنَّ الطَّريقة الَّتي نَخدِم بها الآن تُقَرِّر قُدرتنا على الخدمة في الأيام الَّتي سنصرفها في الأبديَّة. وهي ليست أيَّامًا، بل هي في الحقيقة دُهورًا نصرفها في الأبديَّة. ونقرأ في سِفْر الرُّؤيا 2: 26: "وَمَنْ يَغْلِبُ وَيَحْفَظُ أَعْمَالِي إِلَى النِّهَايَةِ [هل لاحظتُم ذلك؟] فَسَأُعْطِيهِ سُلْطَانًا عَلَى الأُمَمِ، فَيَرْعَاهُمْ". بعبارة أخرى: إنَّ ما تفعله الآن يُقَرِّر ما سيستخدمُكَ الرَّبُّ للقيام به آنذاك. أجل. سِفْر الرُّؤيا 2: 26.

إذًا، إنَّ ما نفعله الآن يُقَرِّر قدراتنا في المكافأة المستقبليَّة. استمعوا إلى رُؤيا 22: 12: "وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي" [اسمَعوا] لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ". هل فهمتهم ذلك؟ فقدرتك على الفرح الأبديّ، والمجد الأبديّ، والمكافأة الأبديَّة ترتبط بما فعلته: ذَهَبًا، فِضَّةً، حِجَارَةً كَرِيمَةً، خَشَبًا، عُشْبًا، قَشًّا. إذًا، ما الَّذي سنفعله في السَّماء؟ سوف نَعبُد. وسوف نَحكُم. وسوف نَخدِم. وسوف تكون قدرتنا على الحُكْم مرتبطة بأمانتنا في قيامنا بمسؤوليَّتنا وبوكالتنا هنا. وسوف تتقرَّر قدرتنا على الخدمة بحسب أمانتنا في الخدمة هنا. وسوف يكون إكليل الحياة بحسب طاعتنا هنا. فسوف نتمتَّع بالحياة الأبديَّة إلى الحَدِّ الأقصى لقدرتنا، ولكنَّ تلك القدرة ستقترن بحياتنا هنا. وإكليل الفرح سيكون فرحًا أبديًّا بقدرة تَتقرَّر بالأمانة الَّتي نُظهرُها هنا. وإكليل المجد سيكون كذلك أيضًا.

لِذا فإنَّنا في هذا الوقت تحديدًا نَفعل أمورًا في هذه الحياة لنخدم الله الحيَّ ككهنة، وهي ستُؤثِّر في قدرتنا على خدمته في الأبديَّة. ويجب أن يَحْفِزَ ذلك قلبَكم. فأحيانًا يَرغب النَّاس في تشجيعك فيقولون لك إنَّه ينبغي لك أن تُبطئ وأن تعمل أقَلّ. ولكن إذا نظرتم إلى الأمر هكذا فإنَّ الأمر على النَّقيض تمامًا. أليس كذلك؟ فيجب علينا حقًّا أن نُنْفِقَ أنفسَنا إلى الحدِّ الأقصى هنا كي نَمتلك القدرة القصوى طَوال الأبديَّة على إعطاء المجد لله العظيم وأبينا والرَّبِّ يسوعَ المسيح.

رابعًا، وهذا شيء آخر سنفعله في السَّماء. وهو لا يختصُ حقًّا بما سنفعله، ولكن لا بُدَّ أن نَذكُرَهُ في نقطةٍ ما. لذا، سوف أذكُره هنا. فسوف نَنتعشُ دائمًا بحُضوره. وسوف نُسَمِّي ذلك: "الرَّاحة". فسوف نستريح في السَّماء. سوف نستريح في السَّماء. والأصحاح الرابع مِن الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين يتحدَّث عن الدُّخول إلى الرَّاحة. فهناك راحة لشعب الله. فقد قال يسوع: "اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ". فواحدٌ مِن وعود الربِّ الَّتي أعطاها للمؤمنين بابنه هو أنَّنا سنعرف الرَّاحة: الرَّاحة مِن أتعابنا، أيْ أتعاب محاولة البحث عن الله بمُفردنا، والرَّاحة مِن أعمال البِرّ؛ ولكن ليس الرَّاحة مِن الواجب. فنحن نقرأ في إنجيل لُوقا 13: 29 أنَّنا سنَتَّكِئ ونشترك في وليمة. وقد تحدَّثنا عن ذلك في وقتٍ سابقٍ مِن سِلسلتِنا الدِّراسيَّة. وهذا لا يعني أنَّنا سنجلس دون عمل طَوال الوقت. ففي الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاحَيْن الثَّالث والرَّابع، عند التَّحَدُّثِ عن الرَّاحة الَّتي ستكون لشعب الله، فإنَّ ذلك يعني أنَّنا لن نشعر يومًا بالتَّعب، ويعني أنَّنا لن نشعر يومًا بالضُّعف، ويعني أنَّنا لن نشعر يومًا بعدم الإنجاز. وَهُوَ يعني أنَّنا لن نشعر يومًا بوجود شيء يُقاطِعُنا. فهي راحة مِن نوعٍ فريد.

انظروا إلى سِفْر الرُّؤيا 14: 11 إذْ نَقرأ: "وَيَصْعَدُ دُخَانُ عَذَابِهِمْ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ". وهذه إشارة إلى أولئك الَّذينَ سيُدانون في وقت الدَّينونة العظيمة. وسوف تكون دينونتهم بِلا راحة (كما هو واضحٌ). ولكن مِن جهة أخرى، نقرأ في العدد 12: "هُنَا صَبْرُ الْقِدِّيسِينَ. هُنَا الَّذِينَ يَحْفَظُونَ وَصَايَا اللهِ وَإِيمَانَ يَسُوعَ. وَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً لِي: «اكْتُبْ: طُوبَى لِلأَمْوَاتِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ فِي الرَّبِّ مُنْذُ الآنَ». «نَعَمْ» يَقُولُ الرُّوحُ: «لِكَيْ [ماذا؟] يَسْتَرِيحُوا مِنْ أَتْعَابِهِمْ، وَأَعْمَالُهُمْ تَتْبَعُهُمْ»". يَستريحوا...يَستريحوا. ورسالة تسالونيكي الثَّانية 1: 7 تَدعو تلكَ أيضًا: راحةً...راحةً. فهي تقول إنَّه عندما يأتي يسوعُ فإنَّه سيُعطي راحةً لِلَّذين يَتضايقون. راحةً...راحة.

وما معنى ذلك؟ هذا يعني راحةً رُوحيَّة. وهذا يعني راحةً مِنَ التَّعبِ والضُّعف. فلن يكون هناك أيُّ جوع. ولن يكون هناك أيُّ عطش. ولن يكون هناك أيُّ تعب. ولن يكون هناك أيُّ حَرٍّ يُرهِقُنا. فهذه هي الرَّاحة الأبديَّة. وهذا لا يعني أنَّنا لن نخدم. فسوف نَحكُم ونَخدِم باستمرار براحة تامَّة. هل تستوعبون ذلك؟ ويمكنكم أن تقولوا إنَّه كُلَّما خَدمتُم أكثر، ارتحتُم أكثر. وكُلَّما خَدمتُم أكثر، انتعشتُم أكثر. وكما تَرَوْن، فإنَّ ذلك لا يُوافق قانون الدِّيناميكا الحراريَّة الَّذي نُسَمِّيه "القُصور الحَرارِيّ"، والذي يَجعل كُلَّ شيءٍ يَتفكَّك لأنَّه غير مُطَبَّق هناك. لذا، لن تكون هناك قُوَى تَستنزِف طاقَتنا، بل إنَّه كُلَّما خدمتم أكثر، زاد شعوركم بأنَّكم حَقَّقتُم قَصدَكُم، وزاد انتعاشُكم. فلن توجد طاقة تُستَنفد يومًا. هل فهمتم ذلك؟ فلن تصرف يومًا أيَّ طاقة، ولن تَلْهَثَ يَومًا، ولن يَنقطع نَفَسُك يومًا، ولن تُبْطِئَ السَّيرَ يومًا. ويا لها مِن أفكارٍ رائعة! راحة تامَّة...راحة تامَّة.

وقد كَتَبَ الرَّاعي الطَّهوريُّ العظيم "ريتشارد باكستر" (Richard Baxter) هذه الكلمات الَّتي تَستحقُّ أن نستمع إليها: "الرَّاحة! ما أَعذبها مِن كلمة لأُذُنَيَّ. أعتقد أنَّ نَغَمَتَها تَتحوَّل إلى شيءٍ ذي معنى، وتدخُل أُذُنَيَّ، وتمتلك عقلي، وتتغلغل إلى أعماق قلبي. وأعتقد أنِّي أشعر بتحرُّكها وعملها في كُلِّ أجزائي وقُواي؛ مع أنَّها تعمل عملاً مُختلفًا في أجزائي المختلفة. فبالنِّسبة إلى أحاسيسي المُتعَبة ومعنويَّاتي المُحبَطة، يبدو أنَّها مُهَدِّئ قويّ يُسَكِّنُها. وبالنِّسبة إلى قُواي الضَّعيفة، إنَّها روحٌ وحياة. وبالنِّسبة إلى عينيَّ، إنَّها مَرْهَمٌ للعيون وشيءٌ أَتَرَقَّبُه. وبالنِّسبة إلى حَاسَّة التَّذوُّق، إنَّها شَيءٌ حُلْو. وبالنِّسبة إلى أُذُنَيَّ، إنَّها نَغَم. وبالنِّسبة إلى يَديَّ وقَدميَّ، إنَّها قُوَّة وحَيويَّة. وأعتقد أنِّي أشعرُ أنَّها تَنْهَضِمُ في أثناء مُرورِها فتَرفعُ حَرارتي الأصليَّة، وتَزيدُ رُطوبتي، وتَستقرُّ كشيءٍ مُنعشٍ في قلبي؛ ثُمَّ إنَّها تَبْعَثُ مِن هناك معنوياتٍ مُرتفعة تَتدفَّقُ في كُلِّ نَبْضَةٍ مِن كِياني. إنَّها راحة، ولكنَّها ليست كالحجر الَّذي يرتاح على الأرض، ولا كتلك الكُتَل اللَّحميَّة الَّتي ستَرقُد في القبر حَتَّى إنَّ الحَيَواناتِ لا بُدَّ أن تَستريح أيضًا مِثلَنا. ولا هي راحة لإشباع شهواتِنا الجسديَّة، ولا هي راحة كتلك الَّتي يَشتهيها العالم الدُّنيويّ. لا، لا! بل إنَّ هناك نوعًا مِن الرَّاحة يختلف عن هذه. فسوف نستريح مِن كُلِّ أتعابنا الَّتي هي مُجرَّد وسيلة وطريقة للرَّاحة؛ ولكنَّ ذلك هو الجزء الأصغر. فيا لها مِن رَاحةٍ مُبارَكةٍ حيث لن نستريح نهارًا أو ليلاً مِن ترديد الكلمات: ’قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، أيُّها الرَّبُّ الإلهُ رَبُّ الرَّاحة‘، وحيث سنستريح مِن الخطيَّة ولكن ليس مِن العبادة؛ ومِن الألم والحزن ولكن ليس مِن التَّعزية. ويا لهُ مِن يومٍ مُباركٍ أستريح فيه مع الله، وأستريح فيه بسبب المعرفة والمحبَّة والفرح والتَّسبيح إذْ إنَّ نفسي وجسدي الكامِلَيْن سيتمتَّعان معًا مِن خلال هذه الأشياء الكاملة بالله الكامل عندما يُبادرُ اللهُ، الَّذي هو المحبَّة بعينِها، إلى التَّعبير عن محبَّته الكاملة لي، أجل، ويَستريح في محبَّته لي كما سأستريح أنا في محبَّتي له، ويَبتهجُ معي بفرحٍ وترنيمٍ كما أبتهجُ أنا به" [نهاية الاقتباس]. راحة...راحة...راحة.

وأخيرًا، وهذا شيءٌ يُذهلني! افتحوا على إنجيل لوقا والأصحاح 12. إنجيل لوقا والأصحاح 12، والعدد 35 إذ يَقول: "لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً، وَأَنْتُمْ مِثْلُ أُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ سَيِّدَهُمْ مَتَى يَرْجعُ مِنَ الْعُرْسِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ وَقَرَعَ يَفْتَحُونَ لَهُ لِلْوَقْتِ". والآن، رَكِّزوا: "طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَتَمَنْطَقُ وَيُتْكِئُهُمْ وَيَتَقَدَّمُ وَيَخْدُمُهُمْ". توقَّفوا عند تلك النُّقطة. فهذا مُدهش! فهناك شيء آخر سنختبرُه في السَّماء. هل أنتم مُستعدُّون لهذا؟ سوف يَتقدَّمُ الرَّبُّ يسوعُ ويَخدِمُنا. سوف يَتقدَّمُ الرَّبُّ يسوعُ ويَخدِمُنا. "طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَتَمَنْطَقُ وَيُتْكِئُهُمْ وَيَتَقَدَّمُ وَيَخْدُمُهُمْ".

هل أنتُم جاهزون لهذا؟ فهناك شيء آخر سيحدث في السَّماء إلى أبد الآبدين ودهر الدُّهور. فاللهُ الابن سيَخدِم المَفديِّين. أليس هذا أمرا يَصعُبُ تصديقُه لِروعَتِه؟ فيسوع يَستخدم هنا صورة سَيِّدٍ عظيمٍ يعود إلى قصره فيجد عَبيدَهُ ساهرين ينتظرونه. فكُلُّ شيءٍ مُعَدٌّ. وَهُمْ أُمناء لسيِّدهم. وعند وصوله فإنَّه يدعوهم إلى الاجتماع معًا. وَهُوَ لا يحاول أن يأخذ قِسْطًا مِن الرَّاحة، ولا يقول لعبيده: "أريد أن أذهب لأنام قليلاً. فقد كانت الرِّحلة طويلة"، بل إنَّه يقول: "لا! بل أريد منكم أيُّها العبيد أن تجلسوا. فسوف أُقدِّم لكم وجبة طعامٍ تقديرًا مِنِّي لخدمتكم لي واستعدادكم لمجيئي". فالسيِّدُ لا يذهب ليرتاح، ولا يذهب لينام طَوال اللَّيل، بل يَجعل عَبيدَهُ مُلوكًا ويُعِدّ وليمةً لهم. ومِن المدهش أنَّه لا يأمر عبيدًا آخرين بخدمتهم، بل يَخدمهم بنفسه. وقد قلت قبل لحظات إنَّنا لن نخدم بعضُنا بعضًا في السَّماء، بل إنَّنا سَنُخدَمُ مِن قِبَل الرَّبِّ نفسه. وهذه فكرة مُذهلة. فالرَّبُّ السَّماويُّ نفسُه سيعملُ إلى أبد الآبدين على خِدمتِنا.

فعندما يأتي ويجد أنَّنا أمناء، سوف يخدمنا إلى الأبد. أليس هذا الحَقُّ مُشجِّعًا؟ وهل يُعقَلُ أن توجد في السَّماء بَرَكة أعظم مِن هذه؟ فما أروع أن نُفكِّر في أنَّنا سنعبُده إلى الأبد، وفي أنَّنا سنملِك معه إلى الأبد! وما أروع أن نُفكِّر في أنَّنا سنخدمه إلى الأبد، وفي أنَّنا سنرتاح في تلك الخدمة إلى الأبد! ولكِنَّ الشَّيء الأعجَب مِن هذا كُلِّه هو أن نُفكِّر في أنَّه سيَخدمُنا إلى الأبد. وبالرَّغم مِن ذلك، لا ينبغي لهذا أن يُدهشَنا. فقد غَسَلَ أرجُلَ التَّلاميذ لأنَّه أحَبَّهُم (في يُوحنَّا 13). وَهُوَ سيُحِبُّنا محبَّة كاملة آنذاك أيضًا. وَهُوَ سيخدمنا. إذًا، عندما تُفكِّرون في السَّماء فإنَّها شيء رائع. أليست كذلك؟ وقد قال "توماس واطسون" (Thomas Watson): "القِدِّيسُ الحقيقيُّ يُفكِّر كُلَّ يوم في السَّماء. فأفكاره وأشواقه هي مِثل كروبيم يَطير في أرجاء الفِرْدَوس" [نهاية الاقتباس]. لِذا، مِنَ المَنطقيِّ أن نَتطلَّع نحو السَّماء، يا أحبَّائي. فهو أمرٌ مَنطقيّ. ومِنَ المَنطقيِّ أن نَهتمَّ بما فوق عندما نُدرك روعةَ السَّماء.

وأودُّ أن أختِمَ كلامي بلائحة تُساعدكم في فحص أنفسكم. وأريد منكم أن تَفهموا ذلك لأنَّه خُلاصة هذه السِّلسلة. وسوف أتحدَّث باختصار شديد. لا تفقدوا تركيزَكم. ابْقَوْا معي. فما هي مَنافِعُ التَّطلُّع نحو السَّماء؟ ولماذا صَرَفنا ثمانية أسابيع في هذه الدِّراسة؟ اسمعوني جَيِّدًا. سوف أُقدِّم لكم أسبابًا عديدة. وقد دَوَّنْتُ سَبعة أسباب.

فما هي فائدةُ التَّطلُّع نحو السَّماء؟ الفائدة الأولى: إنَّه دليل على الخلاص الحقيقيّ. إنَّه دليل على الخلاص الحقيقيّ. فهل أنت مُنشَغِلٌ بالسَّماء؟ إنَّها إشارة قويَّة إلى أنَّك مُخَلَّص. فهل هذا هو شوق قلبك؟ وهل تَتوق إلى أن تكون في السَّماويَّات؟ وهل تَتوق إلى الشَّركة مع الله؟ وهل تَكنِز كَنزَكَ في ذلك المكان؟ وهل تُرَكِّز عواطفك على ما فوق، لا على الأشياء الأرضيَّة؟ إنَّ التَّطلُّع إلى السَّماء هو دليل على الخلاص الحقيقيّ. فالقلبُ المُتَعَلِّق بالسَّماء هو قلب مُتعلِّق بالله. والقلب المُتعلِّق بالله هو قلبٌ غَيَّرَهُ اللهُ. وربَّما يكون أقوى دليلٍ على النِّعمة المُخَلِّصة هو موقفك مِن السَّماء.

ثانيًا، التَّطلُّع نحو السَّماء مُهمٌّ لأنَّه الدَّافع إلى بُلوغ أرفع مستوى في الشخصيَّة المسيحيَّة. فهو الدَّافعُ إلى بُلوغِ أرفع مستوى في الشخصيَّة المسيحيَّة. فلا يمكن لأيِّ شيء أن يَحْصُرَكَ في أن تكون ما يريد الله منك أن تكون أكثر مِن الحقائق المُختصَّة بالسَّماء. فإن كنت تفهم الحقائق المختصَّة بميراث السَّماء، ومُكافآتها، وأمجادها، وأفراحها، وامتيازاتها، وقدراتها، وكنت تَفهم أنَّ المسيح نفسه سيخدمك إلى الأبد مِن مُنطلَق امتنانِه لك على الأشياء الَّتي فعلتَها، سيكون ذلك أقوى دافعٍ يقودك إلى أرفع مستوى في الشخصيَّة المسيحيَّة. فهذا هو الرَّجاء الَّذي يُطَهِّر (كما قال يُوحَنَّا)، ويُنَقِّي القلب، ويجعلنا في شركة مع رَبِّ السَّماء، وينقلُنا إلى هناك مِن خلال الصَّلاة والتَّأمُّل والتَّكريس. فهو يُطَهِّر القلب ويدفعنا إلى الطَّاعة.

ثالثًا، مِن فوائد التَّطلُّع نحو السَّماء هو أنَّه أفضل طريق لحياةٍ مُفعمة بالفرح. فهو أفضل طريق لحياةٍ مُفعمة بالفرح. فإن أردت أن تكون في حالة بائسة، رَكِّز على هذا العالَم. أمَّا إن أردت أن تكون مُفعمًا بالفرح، رَكِّز على السَّماء. فقد قال داود إنَّ نُورَ وَجْهِ اللهِ يُفَرِّحُ القلب. فنحن نَفرح في الرَّجاء ونَحتَمِل أيَّ ضيق في ضَوْء المجد (كما قال بولس). فَثِقَلُ المجدِ الأبديِّ يَفوق أيَّ ألمٍ نَحتمله في هذه الحياة. لِذا، عندما نَتطلَّع نحو السَّماء فإنَّ ذلك هو أقوى دليل على الخلاص الحقيقيِّ، وأقوى دافعٍ إلى بُلوغ أرفع مستوى في الشخصيَّة المسيحيَّة، وأفضل طريق لحياةٍ مُفعمة بالفرح.

رابعًا، التَّطلُّع نحو السَّماء هو أفضل وسيلة لحفظِنا مِن التَّجربة والخطيَّة. فهو أفضل وسيلة لحفظِنا مِن التَّجربة والخطيَّة. لماذا؟ لأنَّ الذِهن السَّماويَّ لا يَنجرف إلى عُمق الشَّرّ. والذِّهن السَّماويّ لا يَنجرف إلى البُطْل. والذِّهن السَّماويّ لا يَقع ضَحيَّة الدَّوافع الشَّهوانِيَّة. والذِّهن السَّماويّ هو ذِهن سماويٌّ وليس أرضِيًّا. وعندما تُرَكِّز عواطفك على الأشياء الَّتي فوق (كما جاء في الأصحاح الثَّالث مِن رسالة كولوسي) فإنَّك (كما يقول بولس) تُميتُ أعمال الجسد. فأنت تُميتُها. فما يُحاولُ الشَّيطان أن يَفعله مِن خلال التَّجربة والخطيَّة هو أن يَنصِبَ فَخًّا للإيقاع بنا مِن خلال جَعل أذهانِنا مُرَكَّزةً على الأرض. ولكِن إنْ أَريتَني مؤمنًا يُثَبِّت ذِهنَه على السَّماء، ويَتوق إلى البِرِّ الكامل وحضور الله، سأُريك مؤمنًا لا يقع بسهولة ضَحيَّةً للشَّيطان.

خامسًا، التَّطلُّع نحو السَّماء يُحافظ على حَماستك للخدمة الروحيَّة. التَّطلُّع نحو السَّماء يُفيد في الحفاظ على حماستك أو طاقتك للخدمة الروحيَّة. اسمعوني: إذا كنت تَركض ببطء في السِّباق المسيحيّ، وإذا كنت تعمل بتثاقُلٍ في حقل الخدمة المسيحيَّة، وإن لم تكن أمينًا في إعطاء الرَّبِّ ما هو له، فإنَّ السَّبب في ذلك هو أنَّك لا تُقَدِّر مُكافأتَه الَّتي وَعدك بها. هل تفهمون ذلك؟ لأنَّك لو كُنت تَمتلك تقديرًا سَليمًا للمُكافأة السَّماويَّة لالتزمتَ بالخدمة الروحيَّة. فالحماسة تأتي مِن رُؤيتك للمُكافأة السَّماويَّة. فإن كُنت تَفهمُ حقيقة المُكافأة السماويَّة، ينبغي أن تَلتزِم بالخدمة الروحيَّة.

سادسًا، مِن منافع التَّطلُّع نحو السَّماء أيضًا هو أنَّ ذلك يُمَجِّدُ اللهَ أمام الجميع. فهو يُمَجِّدُ اللهَ أمام الجميع. وما الَّذي أعنيه بذلك؟ ببساطة: عندما يكون قَلبُك مُثَبَّتًا على السَّماء ستُظهِر مَحبَّتك لله، وستُظهِر أنَّك تُمَجِّد لله. فأمانتُك في الخدمة تُعطي الأشخاصَ الَّذينَ يَرَوْنَكَ نَظرةً ساميةً إلى الله، وتَجعلهم يُدركون أنَّه ليس إلهًا كثير المَطالِب، بل إنَّه مُستحقٌّ تمامًا. فأنت تعيش في نطاقٍ سَماويٍّ، وأنت تُكْرِمُ الله المُرتفع. ولكنَّك تعيش في الطِّيْنِ الدُّنيويِّ ووَسَخ العالَم، وتُهين الله حين تقول إنَّ هذا العالم أكثر أهميَّة لديك مِنه. أمَّا إن كنت تعيش حياتك وتتطلَّع إلى السَّماء فإنَّك تُكْرِمُ اللهَ أمام جميع الَّذينَ يَرَوْن حياتَك. وأنت تُشير إلى الإله الرَّائع الَّذي تَخدمه وإلى أنَّه جَديرٌ جدًّا بأفضل ما لديك.

وأخيرًا، مِن فوائد التَّطلُّع نحو السَّماء هو أنَّهُ يُعَبِّرُ عنِ امتِنانِنا لله. فهو يُعَبِّرُ عنِ امتِنانِنا لله. وقد تقول: "ما الَّذي تعنيه بأنَّهُ يُعَبِّرُ عنِ امتِنانِنا لله؟" إنَّ قلبه مُرَكَّزٌ دائمًا علينا. فما الَّذي يَمنع مِن أن تكون قلوبنا مُرَكَّزة دائمًا عليه؟ أليس كذلك؟ فقلبُه مُرَكَّزٌ دائمًا علينا. فما الَّذي يَمنع مِن أن تكون قلوبنا مُرَكَّزة دائمًا عليه؟ وبالمناسبة، لا يوجد شيء في هذا العالَم يَستحقُّ أن نُرَكِّز قلوبنا عليه. أليس كذلك؟

لائحة فحص الذَّات: ما هي فوائد التَّطلُّع نحو السَّماء؟ أوَّلاً، إنَّه الدَّليل على الخلاص الحقيقيّ. انظر إلى حياتك. انظر إلى حياتك. هل تتطلَّع دائمًا نحو السَّماء؟ هل يَتوقُ قلبك إلى الأشياء المختصَّة بالله، وإلى الشَّركة مع الله، وإلى الأمور المختصَّة بالأبديَّة؟ هذا هو الدَّليل على أنَّك مُؤمِن. أمَّا إن لم يكن كذلك، فإنَّ الدَّليل غير موجود. ثانيًا، إذا كنت تَتطلَّع نحو السَّماء، فإنَّ ذلك هو الدَّافع إلى بُلوغ أرفع مستوى في الشخصيَّة المسيحيَّة. فعندما تكون في شركة دائمة مع الله الحيِّ، وعندما يكون لديك رجاء في السَّماء الأبديَّة، فإنَّ ذلك يُطَهِّر حياتك، ويُنقِّي قلبك. فهل الحال هكذا في حياتك؟ وهل تُرَكِّز كثيرًا على السَّماء حتَّى إنَّ حياتك طاهرة؟ وذلك أيضًا هو أفضل طريق لحياةٍ مُفعمة بالفرح. فهل تختبر الفرح في حياتك؟ أو عندما تفحص حياتك، هل تشعر أنَّك مُكتئب، ومُحبَط، وعنيد، وتعيش في العَذاب طَوال حياتك؟ إنَّ السَّبب في ذلك هو أنَّك فقدتَ فرحك لأنَّك تُركِّز كُلَّ فكرك على هذا العالم الزَّائل. رابعًا، لقد قلنا إنَّ التَّطلُّع نحو السَّماء هو أفضل وسيلة لحفظِنا مِن التَّجربة والخطيَّة. فإن كنت تجد نفسك تقع باستمرار في مكائد الشَّيطان فإنَّ السَّبب في ذلك هو أنَّك مُنهمك بالأشياء الَّتي هنا أكثر مِن أمجاد الله. خامسًا، لقد قلنا إنَّ التَّطلُّع نحو السَّماء يُحافظ على حَماسة الخدمة الروحيَّة. فإن كنت تعاني من قِلَّة أمانتك، ومِن قِلَّة تكريسك، ومِن عدم بذل كُلِّ جهدٍ لديك في خدمة المسيح، فإنَّ السَّبب في ذلك هو أنَّك لا تُقَدِّر حقًّا المُكافأة الَّتي وَعدك بها. فأنت لا تُبالي إن كان الله قد وعدك بمكافأة أبديَّة. فهذا ليس مُهمًّا لديك بقدر ما تَهتمُّ بالأمور التَّافهة الَّتي تفعلها هنا. سادسًا، التَّطلُّع نحو السَّماء يعني أنَّك تُمَجِّدُ اللهَ أمام الجميع. فإن كنت تعيش حياةً كهذه، سيقول النَّاس الَّذينَ يراقبونك: "مِن المؤكَّد أنَّهُ يخدم إلهًا رائعًا" أو "مِن المؤكَّد أنَّها تَخدم إلهًا رائعًا حَتَّى إنَّه يبذل حياته (أو إنَّها تبذل حياتها) لأجله". وأخيرًا، كيف لا نُرَكِّز قلوبنا على الله في حين أنَّ قلب الله مُرَكَّز دائمًا علينا؟ فالتطلُّع نحو السَّماء يُعَبِّرُ عنِ امتِنانِنا لله.

وقد قال المُرنِّم: "أَشْبَعُ إِذَا اسْتَيْقَظْتُ بِشَبَهِكَ". إِذَا اسْتَيْقَظْتُ بِشَبَهِكَ. فهل ستشعر بالشِّبَع بما هو دُون ذلك؟ إن كنت تشبع بذلك فإنَّك لا تفهم معنى أن تعيش حياةً تَتطلَّع فيها نحو السَّماء. فما الَّذي سيُشبعك. ما الَّذي سيُشبعك حقًّا؟ أنَّ أيَّ شيء أقلّ مِن التشبُّه المسيح لا يَفي بالغَرَض. دعونا نَحني رُؤوسنا حَتَّى نُصَلِّي:

يا أبانا المُبارَك، نشكرك على هذه الأيَّام الرَّائعة الَّتي درسنا فيها هذه الفكرة المذهلة. ونشكرك حتَّى على هذا المساء وعلى ما فعلته في قلوبنا. ونشكرك على رجاء السَّماء. أيُّها الرَّبُّ الإله، ساعدنا على أن نُرَكِّز أذهاننا وقلوبنا على الأمور الصَّحيحة. وساعدنا على أن نتطلَّع باستمرار نحو السَّماء، وأن نُظْهِرَ الدَّليل على خلاصِنا، وأن يكون لدينا الدَّافع إلى بُلوغ أرفع مستوى في الشخصيَّة المسيحيَّة، وأن نَتْبَعَ أفضل طريقٍ لحياةٍ مُفعمةٍ بالفرح، وأنْ نُحفَظَ مِنَ الخطيَّة، وأنْ نُحافظ على الحَماسة والطَّاقة في خدمتنا، وأن نُكْرِمَكَ، وأن نُعَبِّر عن امتِنانِنا لكَ على مشاعرك ومحبَّتك الدائمة لنا. ويا أبانا، ساعدنا جميعًا، نحن الحاضرين هنا، على أن نَفحص قلوبنا كي نعيش حياة الطَّاعة على رجاء السَّماء، وكي نكون مُنهمكين دائمًا في تَرَقُّب الأشياء الَّتي أعددتها لنا. باسم يسوع. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize