في هذا المَساء، سنتحدَّثُ مَرَّةً أخرى عنِ الموضوعِ الَّذي ابتدأناهُ في يومِ الرَّبِّ الماضي عن رُبوبيَّةِ المَسيح. وأرجو منكم أن تُبقوا كُتُبَكُم المُقدَّسة جاهزة لأنَّنا سنَرجِعُ إلى بَعْضِ آياتٍ مُختارَة في أثناءِ حَديثِنا (في سِلسِلَتِنا عن رُبوبيَّةِ المسيحِ) عن موضوعِ طَبيعةِ الإيمانِ المُخَلِّص - طَبيعةِ الإيمانِ المُخَلِّص. وأعتَرِف لكُم أنَّ لديَّ ما هو أكثر بكثير مِمَّا يُمكنُني أن أقولَهُ في لَيلة واحدة. فلو كانَ الخِيارُ بيدي لكُنتُ تَحَدَّثْتُ إلى السَّاعاتِ الأولى مِنَ الصَّباحِ عن هذا الموضوع. ولكِنْ لأنِّي أَعلمُ جَيِّدًا أنَّهُ في غُضونِ أشهُر، سيكونُ كِتابُ "الإنجيلِ بِحَسَبِ يَسوع" (The Gospel According to Jesus)، وهو الكِتابُ الَّذي سيَحوي هذهِ المادَّة، سيكونُ بينَ أيديكُم، سأُرجِئُ هذا الأمر حَتَّى ذلكَ الحين مِنْ أجلِ مُعالَجَةٍ شاملةٍ للموضوع، وسأكتَفي بالحديثِ عَمَّا يُمكِنُنا أن نَتحدَّثَ عنهُ في هذا المَساء.
أنا على يَقينٍ بأنَّ الأغلبيَّة مِنَّا يَعرفونَ جَيِّدًا تَرنيمةَ "شارلوت إيليوت" (Charlotte Eliot) القديمة "كَما أنا" (Just As I Am). فتلكَ التَّرنيمة استُخدِمَت أكثرَ مِن أيِّ تَرنيمة أخرى في العالَمِ المسيحيِّ لتوجيهِ الدَّعوةِ إلى الخلاصِ في الاجتماعاتِ الإنجيليَّة على مَدى سَنواتٍ وسَنوات. وقد كُتِبَتْ في سنة 1836. لِذا فإنَّها موجودة مُنذُ وقتٍ طويلٍ جدًّا. وقد رُنِّمَتْ وأُعيدَ تَرنيمُها. والحقيقةُ هي أنَّها رُبَّما تُرَنَّمُ على مَدارِ السَّاعَةِ كُلَّ يومٍ في مَكانٍ مَا في العالَم في أوساطِ النَّاطِقينَ باللُّغةِ الإنجليزيَّة. وقد استخدَمَ "بيلي غراهام" (Billy Graham)، على سَبيلِ المِثالِ، تلكَ التَّرنيمة في حَملاتِهِ الكِرازيَّة على مَدى أكثر مِن أربعينَ سنة بِهَدَفِ حَفْزِ النَّاسِ على التَّقَدُّمِ إلى الأمامِ عندَ تَوجيهِ دَعوةِ الخَلاصِ إليهِم بعدَ وَعْظِه. وأشهَرُ مَقطَعٍ في تلكَ التَّرنيمةِ الشَّهيرة ("كما أنا") هو المَقطَعُ الأوَّلُ الَّذي يَقول:
كَمَا أنا لا بِرَّ لِي
أَدنو مِنَ الفادي العَلِي
إذْ قُلْتَ نَحوي أَقْبِلَنْ
يا حَمَلَ اللهِ الوَديع
آتي...آتي.
إنَّ الأفكارَ الَّتي قَصَدَتْ هذهِ الكلماتُ أن تُعَبِّرَ عنها هي حقيقة كِتابيَّة. فهي ببساطة: دَعوة إلى الخُطاةِ كي يأتوا...كي يأتوا إلى المسيحِ الَّذي سَفَكَ دَمَهُ لأجلِهم. فيُمكِنُهم أن يأتوا كَما هُم. فهذا هو مَعنى "كما أنا". أيْ على أساسِ الإيمانِ فقط، يُمكِنُهم أن يأتوا. وَهُوَ سيُخَلِّصُهم "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ". وقد قالَ يَسوع: "وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا" (في إنجيل يُوحنَّا 6: 37). وقد عَنَتِ التَّرنيمةُ أن تَقولَ إنَّ الخاطئَ الَّذي يُريدُ أن يأتي يَستطيعُ أن يأتي كما هُوَ؛ أي بالإيمان، كي يَقبَلَ المَسيح.
وبالرَّغمِ مِن ذلك، مِنَ المُدهشِ أنَّ التَّشويهَ الَّذي لَحِقَ برسالةِ الإنجيلِ في أيَّامِنا قد أصابَ تلكَ الآيةَ والتَّرنيمةَ بِعَينِها بالتِواءٍ مَاكِر. فلُغَةُ الرِّسالةِ المُعاصِرةِ تَبدو (على نَحْوٍ مُبهَمٍ) شبيهةً بترنيمة "كَما أنا"، ولكنَّ الفَرقَ في المَعنى عَميقٌ جدًّا. فالخُطاةُ اليومَ، كَما تَرَوْنَ، يَسمعونَ لا فقط أنَّ المسيحَ سيَقبلهُم كما هُمْ، بل أيضًا أنَّهُ سيَدَعُهُم على تلكَ الحال. وهناكَ أشخاصٌ كثيرونَ يُؤمِنونَ خَطأً أنَّه بمقدورِهم أن يُقبِلوا إلى المسيحِ، وأن يَحصُلوا على إبراءٍ مِن خَطاياهُم (أيِ الغُفرانِ)، وأنْ يَنالوا هِبَةَ الخُلودِ (أيِ السَّماء)، وأن يَمضُوا بعدَ ذلكَ في طَريقِهم ويُتابعوا عَيشَ حياتِهم كَما يَحلو لَهُم، وحَتَّى أن يَختاروا (كما يَقولُ أحدُ مُعَلِّمي الكِتابِ المُقدَّسِ المَشهورين، وَهُوَ مُؤلِّفٌ ولاهوتيٌّ)، وأنا أقتَبِسُ كَلامَهُ: "أن يَطرَحوا اللهَ خارجًا ويَعيشوا بحسبِ الطَّبيعةِ القَديمة". وهذا، يا أحبَّائي، هو الإنجيلُ الَّذي نَسمَعُهُ اليوم: "تَعالَ وَحَسْب كما أنتَ، وامْضِ وَحَسْب كما أنت. فيسوعُ سيَقبَلُكَ وَحَسْب كما أنتَ. والحقيقةُ هي أنَّهُ سيَدَعُكَ تَبقى على تلكَ الحال".
في مُؤتَمَرٍ كِتابِيٍّ عُقِدَ قبلَ بِضعِ سَنوات، قَدَّمَ واعِظٌ مَشهورٌ رسالةً عنِ الخلاص. وقد قالَ إنَّ إخبارَ غيرِ المُخَلَّصينَ أنَّهُ ينبغي لهم أن يَخضَعوا للمسيح يُشبِهُ الكِرازةَ عنِ الخَلاصِ بالأعمال. وقد عَرَّفَ الخلاصَ بأنَّهُ "العَطِيَّة غير المَشروطةِ للحياةِ الأبديَّة والَّتي تُمنَحُ للأشخاصِ الَّذينَ يُؤمنونَ بالحقائقِ المُختَّصَةِ بالمسيح، سَواءٌ اختاروا أَم لم يَختاروا أن يُطيعوه". وقد رَكَّزَ في إحدى نِقاطِهِ الرئيسيَّة على أنَّ الخلاصَ قد يُغَيِّرُ أو قد لا يُغَيِّرُ سُلوكَ الشَّخص. "فالتَّغييرُ في الشَّخصيَّة..." [بِحَسَبِ قَولِهِ] "...هو أمرٌ مُسْتَحَبٌّ، ولكِن حَتَّى لو لم يَحدُث تَغيير في نَمَطِ الحَياة فإنَّ الشَّخصَ الَّذي يُؤمِنُ بالحقائقِ المُختصَّةِ بالإنجيل ويَقبَلُ المسيحَ يَستطيعُ أن يَستريحَ على يَقينيَّةِ الغُفرانِ والسَّماء". وقد صَارَ هذا التَّعليمُ مُنتشِرًا جدًّا في مُجتمعِنا وفي الكِرازةِ اليوم. فهناكَ جَماهيرٌ غَفيرة تأتي إلى المسيحِ على أساسِ ذلك. وَهُم يَظُنُّونَ أنَّهُ لا توجد كُلْفَة حقيقيَّة ينبغي أن يَدفعوها. وَهُم يتجاوبونَ بحماسةٍ عندما يُقَدَّمُ لَهُم الغُفران. وَهُم يَتجابونَ بحماسةٍ عندما يَسمعونَ عنِ السَّماءِ والنُّصرةِ على المَوت. ولكنَّهُم لا يُدركونَ فَظاعةَ ذَنْبِهم أمامَ الله، ولا يَرغبونَ في التَّحرُّرِ، ولا سِيَّما مِن عُبوديَّةِ الخطيَّة. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّهُم لا يَرغبونَ حَقًّا في إطاعةِ المسيح. وأنا مُقتنِعٌ أنَّ هؤلاءِ النَّاسَ مَخدوعونَ بإنجيلٍ فاسِد. فالإيمانُ الَّذي يَحصُلونَ عليهِ، والإيمانُ الَّذي يَتَّكِلونَ عليهِ هو مُجَرَّدُ رُضوخٍ فِكريٍّ، أو رُبَّما استيعابٌ عاطفيٌّ لفِكرةِ أنَّهُ يُوجدُ شَيءٌ أو شَخصٌ سيُعالِجُ مَشاكِلَهُم؛ ولكنَّهُ لا يُخَلِّص. وبالرَّغمِ مِن ذلك، هذا هو أكثرُ أشكالِ الكِرازةِ شُيوعًا. وكثيرونَ يَكرِزونَ بهذا النَّوعِ مِنَ الرِّسالةِ المُضَلِّلَة.
وأعتقد أنَّهُ يجب علينا أن نَطرحَ السُّؤال: هل هذا الأمرُ جديد؟ والجوابُ، بصراحة، هو أنَّهُ ليسَ جَديدًا البَتَّة. وواحدٌ مِنَ الفُصولِ الَّتي سيَتِمُّ تَضمينُها في الكِتابِ هو بعُنوان: "الإنجيلُ بِحَسَبِ تاريخِ الكنيسة". فإن تَتَبَّعتُم تاريخَ الكنيسة مِن زَمَنِ الآباءِ الَّذينَ عاشوا بعدَ الكنيسةِ الأولى إلى يَومِنا هذا، ستَجِدونَ أنَّ هذا النَّوعَ مِنَ الإنجيلِ الدَّاعي إلى الإيمانِ الهَيِّنِ يُنادَى بِهِ دائمًا. وقد كانَ النَّاسُ يُعَبِّرونَ عن رأيِهِم فيهِ طَوالَ تاريخِ الكنيسة مِن خلالِ إقرارِ وتأكيدِ الفَرقِ بينَ ذلكَ الإنجيلِ والإنجيلِ الحقيقيّ. فعلى سَبيلِ المِثال، لِنَنْتَقي نُورًا سَاطِعًا في تاريخِ الكنيسةِ وَهُوَ "مارتن لوثر". فقد خَرَجَ مارتن لوثر مِنَ الكنيسةِ الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة، وكافَحَ أكثرَ مِن أيِّ شخصٍ آخر لأجلِ الحَقِّ الَّذي يَقولُ إنَّهُ بمقدورِ المَرءِ أن يَخلُصَ بماذا؟ بالإيمانِ، لا بالأعمال. وَهُوَ لم يَتراجَع يَومًا عن إصرارِهِ بأنَّ الأعمالَ، بالرَّغمِ مِن ذلك، ضَروريَّة للبَرهنةِ على الإيمان.
فعلى سَبيلِ المِثال، في تَمهيدِ شَرْحِ مارتن لوثر لرسالة رُومية كَتَبَ ما يَلي: "ليسَ الإيمانُ شيئًا كالحُلْمِ، وليسَ وَهْمًا بَشريًّا، مَعَ أنَّ هذا هو ما يَفهَمُهُ أُناسٌ كثيرونَ مِن هذه الكلمة. ففي كُلِّ مَرَّة يَرَوْنَ فيها أنَّ الإيمانَ لا يَعْقُبُهُ أيُّ تَحَسُّنٍ على الصَّعيدِ الأخلاقيِّ أوِ الأعمالِ الصَّالحةِ، بالرَّغمِ مِن كَثْرَةِ مَا يُقالُ عنِ الإيمان، فإنَّهُم يَسقُطونَ في خَطَإِ اعتبارِ أنَّ الإيمانَ ليسَ بِكافٍ، بل يَلزَمُنا القيامُ ببعضِ الأعمالِ إن أردنا أن نَصيرَ مُستقيمينَ ونَنالَ الخلاص. أمَّا السَّببُ في ذلكَ فهو أنَّهُم عندما يَسمعونَ رِسالةَ الإنجيلِ فإنَّهُم لا يَفهمونَ فَحْواها. فَهُمْ يَستحضِرونَ في قُلوبِهم، انطِلاقًا مِن مَوارِدِهم الذاتيَّة، فِكرةً يُسَمُّونَها "التَّصديق" ويُعامِلونَها كما لو كانت إيمانًا حقيقيًّا. وكُلُّ هذا سِيَّان. فهو مُجَرَّدُ ابتِداعٍ بَشريٍّ، وفِكرة تَخلو مِن أيِّ اختبارٍ حقيقيٍّ في أعماقِ القلب. لِذا فإنَّها غيرُ فَعَّالة ولا يَعقُبُها حَياةٌ أفضَل" [نِهايةُ الاقتباس].
إنَّهُ ليسَ إيمانًا على الإطلاق، ولكنَّهُم يَدعونَهُ إيمانًا. ويَمضي لوثر في الكِتابة في أثناءِ شَرْحِهِ لرسالةِ رُومية فيقول: "إلَّا أنَّ الإيمانَ شَيءٌ يُجريهِ اللهُ فينا. وهو يُغَيِّرُنا فَنُولَدُ مِنَ الله. فالإيمانُ يُميتُ آدمَ القَديمَ فينا ويَجعلُنا أُناسًا مُختلِفينَ في قُلوبِنا وأذهانِنا وكُلِّ قُوانا. وهو تَغييرٌ يُرافِقُهُ حُضورُ الرُّوحِ القُدُس. وفي ما يَختَصُّ بالإيمان، كم هُوَ حَيٌّ وخَلاَّقٌ ونَشيطٌ ومُقتَدِرٌ. ولا يُمكِنُهُ أن يَفعلَ إلَّا كُلَّ ما هو خَير في كُلِّ حين. وهو لا يَنتظرُ البَتَّة للاستفسارِ عَمَّا إذا كانت تُوجدُ أعمالٌ صَالِحَةٌ ينبغي القيامُ بها ذلكَ لأنَّهُ قَبْلَ طَرْحِ هذا السُّؤال يَكونُ الإيمانُ قد قامَ بذلكَ العمل واستمرَّ في القيامِ به. وكُلُّ إنسانٍ لا يَنشَطُ بهذه الطريقة هو إنسانٌ عَديمُ الإيمان. فهو يَتَلَمَّسُ طَريقَهُ إلى الإيمانِ ويَبحثُ عن أعمالٍ صالحةٍ، ولكنَّهُ لا يَعرفُ أيَّ شيءٍ عنِ الإيمانِ ولا عنِ الأعمالِ الصَّالحة. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّهُ يَستمرُّ في التَّفَوُّهِ بالكلامِ الفَارِغِ عنِ الإيمانِ والأعمال. ولكِن مِنَ المُستحيلِ حَقًّا أن نَفصِلَ الأعمالَ عنِ الإيمانِ، تمامًا كاستِحالَةِ فَصْلِ الحَرارةِ والضَّوءِ عنِ النَّار" [نِهايةُ الاقتباس]. فهذا هو ما قالَهُ مارتن لوثر.
فهناكَ إيمانٌ زائِف، وإيمانٌ حَالِم، وَوَهْمٌ لا يُغَيِّرُ شَيئًا. ولكِنَّ هذا ليسَ إيمانًا مُخَلِّصًا. وإنْ تَتَبَّعتُم ذلكَ إلى وَقتِنا المُعاصِرِ، ستجدونَ أنَّ الكاتِبَ تِلوَ الكاتِبِ تِلوَ الكَاتِبِ يُؤكِّدونَ على ضَرورةِ الإيمانِ الحقيقيِّ الَّذي يُفْضِي إلى تَغييرٍ حَتمِيٍّ وكُلِّيٍّ في الحياة. وهناكَ اقتباساتٌ كثيرة جدًّا يُمكِنُ الاستِشهادُ بها لِتَدعيمِ الحُجَّةِ بأنَّ هذا الرَّأيَ كانَ وما يَزالُ عَقيدةَ الكنيسةِ على مَرِّ السِّنين مُنذُ العهدِ الجديد. ولكِن إن أرَدنا اقتباسًا مِنَ العَصرِ الحديث، سأَقتبِسُ شيئًا مِمَّا كَتَبَهُ "آرثر والكينغتون پِنك" (A.W. Pink) الذي قالَ، بالمُناسَبة، الكثيرَ عن هذا الموضوع. ولكِنَّهُ قالَ ما يَلي في سنة 1937. استَمِعوا إلى ما كَتَبَهُ: "إنَّ شُروطَ نَيْلِ خَلاصِ المسيح تُقَدَّمُ على نَحْوٍ مَغلوطٍ مِن قِبَلِ المُبَشِّرِ في يَومِنا هذا". وقد كَتَبَ هذا قبلَ خَمسينَ سَنة. فهي نَفسُ المُشكلة. "فما خَلا استثناءات نادرة جدًّا، يَقولُ المُبَشِّرُ لمُستمِعيه إنَّ الخلاصَ هو بالنِّعمة، وإنَّنا نَحصُل عليه كَعطيَّة مَجَّانيَّة، وإنَّ المسيحَ قد فَعَلَ كُلَّ شيءٍ لأجلِ الخاطِئ حَتَّى إنَّهُ لم يَبْقَ شَيءٌ يُمكِنُهُ أن يَفعلَهُ سِوى أنْ يُؤمِنَ ويَثِقَ بالاستحقاقاتِ اللَّامُتناهِيَة لِدَمِه. وقد انتشرَ هذا المَفهومُ انتشارًا واسعًا جدًّا الآنَ في أوساطِ أصحابِ الرَّأيِ القَويمِ وصارَ صَداهُ يَتردَّدُ كثيرًا في آذانِهم إلى أنْ تَرَسَّخَ وتَعَمَّقَ في أذهانِهم حَتَّى إنَّهُ لم يَعُد هُناكَ الآنَ مَنْ يَجرؤ على تَحَدِّي هذا المَفهومَ وَشَجْبِهِ على اعتبارِ أنَّهُ غير مُلائم، وأنَّهُ مُنْحازٌ إلى جانبٍ واحدٍ فقط ومُتَّسِمٌ بالخِداعِ والخَطإِ، مِن دونِ أن يُتَّهَمَ حَالاً بأنَّهُ هَرطوقِيٌّ، ومِن دونِ أن يُتَّهَمَ بأنَّهُ يَجلِبُ العَارَ على العملِ الَّذي أَكمَلَهُ المسيحُ مِنْ خِلالِ المُناداةِ بالخَلاصِ بالأعمال" [نِهايةُ الاقتباس]. فهي نَفسُ القَضيَّة تَمامًا.
فقد انتشرَتْ في تلكَ الأيَّامِ رِسالة قَدَّمَها مُبَشِّرونَ يَدعونَ إلى إيمانٍ لا يُحْدِثُ أيَّ تَغيير. وكُلُّ مَن كانَ يُعارِضُ ذلكَ كانَ يُتَّهَمُ بأنَّهُ يُنادي بالخلاصِ بالأعمال. ويَقولُ "پِنك" (Pink): "الخَلاصُ بالنِّعمة. وبالنِّعمةِ وَحدَها. إلَّا أنَّ النِّعمةَ الإلهيَّةَ لا تُمارَسُ على حِسابِ القَداسةِ لأنَّها لا تُساوِمُ أبدًا على الخطيَّة. صَحيحٌ أيضًا أنَّ الخَلاصَ هو عَطِيَّة مَجَّانيَّة، لكِن يَترتَّبُ على اليَدِ الَّتي تأخُذُهُ أن تَكونَ فارغةً، لا مِنْ صِنْفِ اليَدِ الَّتي لا تَزالُ تُحْكِمُ قَبضَتَها على العالَم. فهناكَ ما هو أكثر مِنَ التَّصديق لأجلِ الحُصولِ على الخلاص. فالقلبُ المُرَسَّخُ في التَّمَرُّدِ ضِدَّ اللهِ لا يَسَعُهُ أنْ يُؤمِنَ للخلاص، بل لا بُدَّ لَهُ أنْ يَنكَسِرَ أوَّلاً. ولا يوجد أحد سِوى هؤلاءِ العُميان روحيًّا يُعلِنُ أنَّ المسيحَ سَيُخَلِّصُ أيَّ شخصٍ يَزدري بسُلطانِهِ ويَرفُضُ نِيْرَهُ. وأولئكَ الوُعَّاظُ الَّذينَ يُخبرونَ الخُطاةَ أنَّ بإمكانِهم أن يَخلُصوا مِن دونِ الحاجةِ إلى التَّخَلِّي عن أصنامِهم، ومِن دونِ أن يَتوبوا، ومِن دونِ إخضاعِ نُفوسِهم لرُبوبيَّةِ المسيحِ هُم ليسوا أقَلَّ ضَلالاً أو خَطَرًا مِنَ الآخرينَ الَّذينَ يُصِرُّونَ على أنَّ الخلاصَ هُوَ بالأعمال، وعلى ضَرورةِ كَسْبِ السَّماءِ مِن خِلالِ مَجهوداتِنا الذاتيَّة" [نِهايةُ الاقتباس]. إنَّها نفسُ القضيَّة...نَفسُ القضيَّة. ويُمكنكُم أن تَرَوْها مِن خلالِ أقدمِ قوانين إيمان كَنسيَّة. ويُمكنكُم أن تَرَوْها مُفَصَّلَةً مِنْ قِبَلِ شخصٍ مِثلَ "ويليام غريفيث توماس" (W. Griffith Thomas) الَّذي كانَ واحدًا مِن مُؤسِّسي كُليَّة دالاس للَّاهوت إذْ إنَّهُ كانَ يُنادي بالإيمانِ الرُّبوبيِّ. وقد كانَ هذا الأمرُ دائمًا وأبدًا جَوهَرَ رِسالةِ الكنيسة.
ولكِن لماذا لم يُصغي النَّاسُ؟ لماذا لم يُصْغوا إلى الآباءِ الأوائلِ الَّذينَ نَادَوْا بإيمانٍ يُؤدِّي إلى تَغييرِ الحَياة؟ ولماذا لم يُصغوا إلى مارتن لوثر؟ ولماذا لم يُصغوا إلى "پِنك" (A. W. Pink) أو "ويليام غريفيث توماس" (W.H. Griffith Thomas)؟ ولماذا لا يُصغونَ اليوم؟ ولماذا لا يَسمعُ النَّاسُ شَيئًا حينَ نَقولُ إنَّ الإنجيلَ الَّذي لا يُؤكِّدُ على ضَرورةِ التَّوبةِ والاعترافِ والخُضوعِ للمسيحِ بِصِفَتِهِ رَبًّا هو ليسَ كامِلاً؟ أعتقدُ أنَّ الإجابةَ هي: لأنَّ الدَّعْواتِ إلى الإيمانِ الهَيِّنِ تَسْتَقْطِبُ نتائجَ خارجيَّة. هل فَهِمتُم ذلك؟ فأنا أعتقدُ أنَّها تَستَقطِبُ نَتائجَ خارجيَّة. فالنَّاسُ يَتجاوبون. فإنْ جَعلتُم رِسالةَ الإنجيلِ سَهلَةً فإنَّ النَّاسَ سيتَجاوبونَ، وسيَتقدَّمونَ إلى الأمام، وسيَمشونَ بَيْنَ الصُّفوفِ. ويُمكِنُكم أن تَعُدُّوا الأرقامَ وتقولوا إنَّ أشخاصًا كَذا وَكَذا عَدَدُهم نَالوا الخَلاصَ. وما نَراهُ اليومَ هو شَكلٌ مِن أشكالِ الكِرازةِ ابتَدَعَهُ وَنَشَرَهُ في الحقيقة "تشارلز فيني" (Charles G. Finney) الَّذي وَضَعَ نِظامَ الدَّعوةِ الَّذي نَراهُ اليومَ في نَفسِ الوقتِ الَّذي كانت فيهِ "إيليوت" تَكتُبُ تَرنيمةَ "كَما أنا" في مُنتصفِ الثَّلاثينيَّاتِ مِنَ القَرنِ التَّاسِع عَشَر.
كانَ "تشارلز فيني" مُحامِيًا في شَمالِ وِلايةِ نيويورك، ولم يَكُن قد تَلَقَّى أيَّ تَعليمٍ لاهوتِيٍّ مِن أيِّ نَوع، ولكِنَّهُ كانَ يَمْلِكُ ذِهنًا حاذِقًا ومَنطقيًّا. وقدِ اهتَدى إلى المَسيحِ في سنة 1821 وصارَ كارِزًا مَشهورًا وصَانِعَ نَهْضاتٍ. وكانَ يُؤمِنُ تمامًا بأنَّ الخَلاصَ يَحدُثُ نَتيجةَ اختيارٍ بَشريٍّ. وكانَ يُؤمِنُ بأنَّ الإنسانَ يَستطيعُ أن يَتَّخِذَ ذلكَ القَرارَ البَشريَّ لأنَّهُ ليسَ فاسِدًا بطبيعَتِه. صَحيحٌ أنَّهُ يَميلُ إلى حَدٍّ ما إلى الخَطيَّة، ولكِنَّها ليسَت قِوامَهُ الرَّئيسيَّ. لِذا فإنَّهُ يَستطيعُ مِن تِلقاءِ ذاتِهِ أن يَختارَ ما هُوَ صَواب. وهكذا فقد عَقَدَ "فيني" العَزمَ على أنَّهُ حيثُ إنَّ الإنسانَ يَستطيعُ أن يَفعلَ الصَّوابَ لأنَّهُ ليسَ فاسِدًا تَمامًا، فإنَّ ما يَنبغي عليكم أن تَفعلوهُ هو أن تُحَرِّكوا إرادَةَ الإنسان. فإنْ تَمَكَّنتُم مِن حَفْزِ إرادَةِ الإنسان، أو مِنْ تَحريضِ إرادةِ الإنسان، سيَتَّخِذُ القَرارَ الصَّحيح. ويُمكِنُكَم أن تَستخدِموا أيَّ وَسيلة مَشروعة أو حَتَّى غير مَشروعة بما في ذلكَ التَّحايُل والتَّلاعُب بالعَواطِف. وقد وَضَعَ ما صَارَ يُعْرَفُ باسم "مِقْعَد المُتَلَهِّفين" (anxious bench) وابتدأَ يَدعو النَّاسَ إلى التَّقَدُّمِ إلى الأمام. وكانت هذه فِكرة جديدة تمامًا. ففي الزَّمَنِ الَّذي سَبَقَ ذلك، أي في سَنواتِ النَّهضةِ العَظيمةِ الَّتي قامَ بها "جورج ويتفيلد" (George Whitfield) و "جوناثان إدواردز" (Johnathan Edwards)، لم يَفعلوا ذلكَ يَومًا. ولكِنَّ "فيني" ابتدأَ يَدعو النَّاسَ إلى التَّقَدُّمِ إلى الأمام إلى ما أَسْماهُ "مِقعَد المُتَلِهِّفين". وقد صَارَ هذا المِقعَدُ يُعرَفُ لاحِقًا مِنْ قِبَلِ الكنيسةِ المَيثوديَّة باسم "المَذبَح". وحينئذٍ، صارَ النَّاسُ هُمُ الغَايَة. فعندما كانَ الواعِظُ يَصِلُ إلى خِتامِ عِظَتِه، كانَ يَدعو النَّاسَ إلى التَّقَدُّمِ إلى الأمام لأنَّ النَّاسَ يُريدونَ أن يَرَوْا شَيئًا مَنظورًا لأنَّ عَمَلَ التَّجديدِ غيرِ المَنظور لا يُمكِنُ أن يُرَى.
وكانَ التَّجاوُبُ معَ خِدمَتِهِ وقُدرَتِهِ على الإقناعِ بالمَنطِق عَظيمًا. فقد كانَ النَّاسُ يَتقدَّمونَ إلى مِقْعَدِ المُتَلَهِّفين. وقد نَجَحَ ظَاهريًّا في جَلْبِهِم إلى هُناك. والحقيقةُ هي أنَّهُ نَجَحَ جدًّا حَتَّى إنَّ النَّاسَ كانوا مُتَرَدِّدينَ جدًّا في قَولِ أيِّ شيءٍ ضِدَّهُ خَوفًا مِن أن يَقولوا شَيئًا ضِدَّ رُوْحِ اللهِ القُدُّوس. ولكِنْ إذا نَظرتُم وراءَ الكَواليسِ ودَقَّقتُم النَّظَرَ في ما تَبَقَّى بعدَ أنْ فَرَغَ "فيني" مِن عَمَلِه، ستجدونَ أنَّ مُعاونيه أدركوا رُغْمًا عَنهُم أنَّ حَفْنَةً صَغيرةً مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ اهْتَدوا على يَدِهِ هي الَّتي بَقِيَتْ أمينَةً. وفي رِسالةٍ أُرسِلَتْ إلى "فيني" في الخامسِ والعِشرينَ مِن شهر كانون الأوَّل/ديسمبر سنة 1834 مِنْ قِبَل "جيمس بويل" (James Boyle) يَطرَحُ عليهِ فيها الأسئلةَ التَّالية: لِنَنظُر إلى الحُقولِ الَّتي تَعِبنا فيها أنتَ وآخرونَ وأنا شخصيًّا بِصِفَتِنا خُدَّامَ نَهْضَة. فما هي الآن حَالَتُهُم الأدبيَّة؟ وماذا كانت حَالَتُهم بَعْدَ ثلاثةِ أشهُر مِنْ تَرْكِنا لَهُم؟ لقد زُرْتُ المَرَّةَ تِلوَ الأخرى العديدَ مِن تلكَ الحُقولِ وَشَعَرْتُ بِحُزنٍ عَظيمٍ في رُوحي حينَ رأيتُ الحالةَ البائسةَ والفاتِرَةَ والجَسديَّةَ والمُشاكِسَةَ الَّتي وَقَعَتْ فيها الكنائسُ. وقد وَقَعَتْ فيها بعدَ وقتٍ قصيرٍ جدًّا مِن تَرْكِنا لَهُم". والحقيقةُ هي أنَّ كَثيرينَ مِمَّنْ قَيَّموا خِدمةَ "فيني" كانوا مُقتَنِعينَ بأنَّ الخُطاةَ الَّذينَ اختبروا نَهْضَةً عاطفيَّةً ولكِن ليسَت رُوحيَّةً صَاروا قُساةً وَمُشَكِّكين. فأيُّ دَعوةٍ إلى الإنجيلِ تَطلُبُ مِنَ النَّاسِ فقط في لَحظةِ قَرارٍ أن يُصَدِّقوا حَقائقَ الإنجيلِ وأن يَقبلوا يَسوعَ مُخَلِّصًا هي دَعوة ضَحْلَة جدًّا. والآن، اسمَحوا لي أن أقولَ ما يَلي. وأريدُ مِنكُم أن تَسمعوا ذلك. قد يَخْلُصُ شَخصٌ مِن دونِ أن يَفهمَ الحَقَّ الكامِلَ المُختصَّ بالتَّوبة. وقد يَخلُصُ شَخصٌ مِن دونِ أن يَفهَمَ الحقيقةَ الكاملةَ لرُبوبيَّةِ المسيح. وقد يَخلُص شخصٌ مِن دونِ أن يَفهمَ تَمامًا الدَّعوةَ إلى الطَّاعَةِ لأنَّ أحدًا لم يُخبرهُ عن ذلك. ولكِنِ اسمعوني: لا يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ نَالَ الخَلاصَ أَلَّا يَتوبَ، وَألَّا يَخضَعَ، وأَلَّا يُطيعَ. هذه هي القَضيَّة.
وقد جاءَني شَخصٌ مَساءَ يومِ الأحدِ الماضي وقال: "أتَدري! عندما قُدِّمَتْ إليَّ رِسالةُ الإنجيل، لم يُخبرني أحدٌ عن رُبوبيَّةِ المسيح. ولم يُخبرني أحدٌ عنِ التَّوبة. ولم يُخبرني أحدٌ أنَّ حياتي ينبغي أن تَكونَ خاضِعَةً إليهِ مِن خلالِ الطَّاعة". والسُّؤالُ الوحيدُ هو: هل تُبْتَ؟ هل تَرغبُ في الخُضوعِ للمسيح؟ هل قَلبُكَ يَرْنُو إلى إطاعَتِهِ؟ فإنْ كانَ الجَوابُ هُوَ "أجل"، إذًا اشكُر اللهَ لأنَّ خَلاصَكَ كانَ حَقيقيًّا معَ أنَّ الرِّسالةَ لم تَكُن كامِلَة. وفي مُقدِّمَةِ الكِتاب، كَتبتُ جُملةً أعتقدُ أنَّها مُهِمَّة. فقد يَظُنُّ أُناسٌ أنِّي أَشُكُّ في صِدْقِ أيِّ شخصٍ اهْتَدى إلى المسيحِ مِن دونِ أن يَفهمَ تمامًا رُبوبيَّتَهُ. ولكِنَّ هذا غير صحيح. فالحقيقةُ هي أنِّي مُتيقِّنٌ مِن أنَّهُ في حينِ أنَّ هُناكَ أُناسًا يَفهمونَ أكثرَ مِن أُناسٍ آخرين، فإنَّهُ لا يوجد شَخصٌ مُخَلَّصٌ يَفهمُ تَمامًا كُلَّ مَفاعيلِ رُبوبيَّةِ يَسوعَ في لَحظَةِ اهتِدائِه. ولكنِّي مُتيقِّنٌ بالقَدرِ نَفسِهِ أنَّهُ لا يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ أن يَخلُصَ إنْ كانَ غيرَ مُستعدٍّ لإطَاعَةِ المَسيحِ، أو إن كانَ يَتَعَمَّدُ التَّمرُّدَ على رُبوبيَّةِ المَسيح. وعَلامَةُ الخَلاصِ الحَقيقيِّ هي أنَّهُ يُنشِئُ دائمًا قَلبًا يَعرِفُ ويُدركُ مَسؤوليَّتَهُ في التَّجاوُبِ معَ الحَقيقةِ الدَّامِغَةِ لرُبوبيَّةِ المَسيح.
فلا يوجد سَبَب حَقًّا للمُناداةِ برسالةِ إنجيلٍ ضَحْلَة. ولا يوجد سَبَب يَدعوكَ إلى عَدَمِ تَحديثِ النَّاسِ عن رُبوبيَّةِ المَسيح. ولا يوجد سَبب يَدعوكَ إلى عَدَمِ إخبارِهم عن ضَرورةِ تَركِ خَطيَّتِهم والتَّوبة. ولا يوجد سَبَب يَدعوكَ إلى عَدمِ إخبارِهم عن ضَرورةِ إخضاعِ حَياتِهم للمسيح. ولا يوجد سَبب يَدعوكَ إلى عدمِ إخبارِهم عن ضَرورةِ التَّخَلِّي عن كُلِّ ما لَديهم لأجلِهِ. وقد تَقول: "حسنًا! إنْ فَعلتَ كُلَّ ذلك، قد لا يَقبلونَ الرِّسالة". إنْ حَدَثَ ذلكَ حَقًّا فإنَّهُ يَعني أنَّ رُوحَ اللهِ لم يَعمَل في قُلوبِهم. ولكِن ماذا ستَجني إن قَدَّمْتَ رِسالةً غيرَ كامِلَة وحَصَلتَ على تَجاوُب؟ قد لا تَحصُل على اهتداءٍ حَقيقيٍّ على الإطلاق. فإنْ كانَ الحَقُّ يُنَفِّرُ النَّاسَ، إذًا قُلِ الحَقَّ لَهُم وَليَنفِروا. فحينئذٍ سَتَقتنعونَ أنتَ وَهُمْ تَمامًا في أذهانِكُم أنَّهُم يَرفُضونَ ولا يَقبلونَ إيمانًا زائفًا يَجعَلُهم يَعيشونَ في فَهْمٍ بأنَّهُم نالوا الخَلاصَ في حينِ أنَّهُم لم يَنالوه.
افتَحوا قليلاً على إنجيل لُوقا والأصحاح 14: 25: "وَكَانَ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ سَائِرِينَ مَعَهُ، فَالْتَفَتَ وَقَالَ لَهُمْ...". والحَديثُ هُنا هو عن يَسوعَ وَهُوَ يُقَدِّمُ رِسالةَ الإنجيل: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا". والآن، ما رأيُكُم في هذهِ الدَّعوة؟ وما أعنيه هو: إن قالَ لَكَ أحدُ الأشخاصِ: "أريدُ مِنكَ أن تَخرُجَ بعدَ ظُهرِ اليوم. وأريدُ مِنكَ أن تُقَدِّمَ رِسالةَ الإنجيلِ إلى كُلِّ هؤلاءِ النَّاسِ في المُتَنَزَّه. وما أريدُ مِنكَ أن تَقولَهُ لَهُم هو الآتي: ’إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأتِي إلى المَسيحِ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ تِلْمِيذًا لَهُ‘". حينئذٍ ستُفَكِّرُ في أنَّ ذلكَ الشَّخصَ قد فَقَدَ صَوابَهُ. وقد تَقولُ لَهُ: "لا يُمكِنُكَ أن تَربَحَ النُّفوسَ بهذه الطَّريقة".
ثُمَّ إنَّهُ قَالَ في العدد 27: "وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا". بعبارة أخرى، أن يَكونَ مُستعدًّا للموت. "وَمَنْ مِنْكُمْ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بُرْجًا لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَحْسِبُ النَّفَقَةَ، هَلْ عِنْدَهُ مَا يَلْزَمُ لِكَمَالِهِ؟ لِئَلاَّ يَضَعَ الأَسَاسَ وَلاَ يَقْدِرَ أَنْ يُكَمِّلَ، فَيَبْتَدِئَ جَمِيعُ النَّاظِرِينَ يَهْزَأُونَ بِهِ، قَائِلِينَ: هذَا الإِنْسَانُ ابْتَدَأَ يَبْنِي وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُكَمِّلَ. وَأَيُّ مَلِكٍ إِنْ ذَهَبَ لِمُقَاتَلَةِ مَلِكٍ آخَرَ فِي حَرْبٍ، لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَتَشَاوَرُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُلاَقِيَ بِعَشَرَةِ آلاَفٍ الَّذِي يَأتِي عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفًا؟ وَإِلاَّ فَمَا دَامَ ذلِكَ بَعِيدًا، يُرْسِلُ سِفَارَةً وَيَسْأَلُ مَا هُوَ لِلصُّلْحِ. فَكَذلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لاَ يَتْرُكُ جَمِيعَ أَمْوَالِهِ، لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا". يا لَها مِن دَعوة مُتَطَلِّبَة جدًّا! أن تُبغِضَ عائِلَتَكَ، وتُبدي الاستعدادَ للتَّضحيةِ بحياتِكَ، وتُبدي الاستعدادَ للتَّخلِّي عن كُلِّ مُمتلكاتِكَ، وأن تَحْسِبَ النَّفَقَة. فأنا أُوْمِنُ بأنَّ الخَلاصَ هو بالإيمان، وأنَّهُ بالنِّعمةِ وَحدِها. ولكِن عندما يَعْمَلُ اللهُ بِنِعمَتِهِ على تَخليصِ شخصٍ حَقًّا، فإنَّ خَلاصَهُ يَضُمُّ هذهِ العَناصِر.
وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الخَلاصَ الحَقيقيَّ يَتطلَّبُ إيمانًا حَقيقيًّا. فلا يَكفي أن يَكونَ لَديكَ إيمانٌ خَياليٌّ، أو إيمانٌ حَالِمٌ، أو إيمانٌ وَهْمِيٌّ، بل ينبغي أن يكونَ إيمانًا مِنَ النَّوعِ الحَقيقيِّ. فهذه هي القضيَّة. صَحيحٌ أنَّ بولسَ قالَ لِسَجَّانِ فيلبِّي: "إنْ أردتَ أنْ تَخلُصَ، آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ المَسِيحِ فَتَخْلُص". فَكُلُّ مَنْ يُؤمِن بِهِ يَخلُص. ولكِنَّ السُّؤالَ هو: ما نَوعُ الإيمان؟ ما نَوعُ الإيمانِ الَّذي نَتحدَّثُ عنهُ؟ أوَّلاً، كي نُجيبَ عن ذلكَ السُّؤال، لا بُدَّ مِنَ القولِ إنَّ هُناكَ إيمانًا لا يُخَلِّص. فلنفتَح على إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ الثَّاني. ويُمكِنُنا أن نَستخدِمَ العَديدَ مِنَ الأمثلةِ التوضيحيَّةِ، ولكنِّي أريدُ مِنكُم أن تُتابِعوا جَيِّدًا ما أقول. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يُوحنَّا 2: 23: "وَلَمَّا كَانَ [يَسوعُ] فِي أُورُشَلِيمَ فِي عِيدِ الْفِصْحِ، آمَنَ كَثِيرُونَ بِاسْمِهِ". أَلا لاحَظتُم ذلكَ وَحَسْب؟ فقد آمَنَ كَثيرونَ باسْمِهِ؛ أيْ بِشَخصِهِ. فلا شَكَّ في أنَّهُم صَدَّقوا أنَّهُ النَّبِيُّ العَظيمُ. ومِنَ المُرَجَّحِ أنَّ كثيرينَ مِنهُم آمَنوا بأنَّهُ المَسِيَّا. فقد آمَنوا باسْمِهِ "إِذْ رَأَوْا الآيَاتِ الَّتِي صَنَعَ. لكِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَأتَمِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الْجَمِيعَ. وَلأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإِنْسَانِ، لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإِنْسَان". فقد كانَ يَعلمُ أنَّ إيمانَهُم ليسَ إيمانًا حَقيقيًّا. فقد آمَنوا، ولكنَّ إيمانَهُم لم يَكُن كافيًا، ولم يَكُن حَقيقيًّا. فهو لم يَكُن إيمانًا مُخَلِّصًا. وببساطة، لم يَكُن لَديهِ إيمانٌ في إيمانِهم. فهو لم يُصَدِّق تَصديقَهُم. فقد آمَنوا بأنَّهُ المَسِيَّا. ولكِنَّ هذا لا يَعني أنَّهُم سَلَّمُوا نُفوسَهُم لرُبوبيَّتِه. فإيمانُهم لم يَكُن يَعني أنَّهم كانوا مُستعِدِّينَ لتَرْكِ خَطيَّتِهم. فقد كانَ يَعرِفُ أنَّ إيمانَهُم ضَحْلٌ. وقد كانَ يَعلمُ أنَّهُ ليسَ العَمَلَ الحَقيقيَّ لِروحِ اللهِ. فعندما سَيتَحَدَّثُ عنِ الذَّبيحةِ، وعندما سَيتَحدَّثُ عنِ التَّوبةِ، وعندما سَيتَحدَّثُ عنِ الصَّليبِ سَيَمْضُون. ويسوعُ لم يَكُن لِيَقبَلَ قَرارًا يُتَّخَذُ في لَحظةٍ عاطفيَّة. وَهُوَ لم يَكُن لِيَقبَلَ إيمانًا نابِعًا مِن دوافِعَ أنانيَّة. افتَحوا على إنجيل يُوحَنَّا والأصحاحِ السَّادِس. فكُلُّ شخصٍ يُريدُ الحُصولَ على إبراءٍ مِنَ الخطيَّةِ وَعلى الوَعدِ بالخُلودِ في السَّماء. ولكِنَّ ذلكَ قد يَكونُ نابِعًا وَحَسْب مِن أنانيَّةٍ مَحْضَة. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 6: 14: "فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ الآيَةَ الَّتِي صَنَعَهَا يَسُوعُ قَالُوا: ’إِنَّ هذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ..." والحَديثُ هُنا، بِكُلِّ تأكيد، هو عن مُعجِزَةِ تَكثيرِ الخُبْزِ والسَّمَك. "إِنَّ هذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ النَّبِيُّ...". فَهُوَ النَّبِيُّ؛ أيِ الشَّخصُ المَوعود بِهِ في العهدِ القديم. إنَّهُ المَسِيَّا "الآتِي إِلَى الْعَالَم!‘ وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أَيْضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ". فهو لم يَشَأ أن يَكونَ لَهُ أيُّ شَأنٍ بهذا النَّوعِ مِنَ الإيمان. فقد آمَنوا بأنَّهُ المَسيَّا. وقد أرادوا أن يُقْحِموهُ في خُطَطِهم. ولكنَّهُ لم يَشَأ أنْ يَكونَ جُزءًا مِن ذلك.
وفي العَددِ السَّادِسِ والسِّتِّين مِن ذلكَ الأصحاح، أرجو أنْ تُلاحِظوا، بعدَ تَعليمِهِ القَويِّ جدًّا الَّذي قالَ فيه: "يجب عليكُم أن تَأكُلُوا جَسَدَي وأن تَشْرَبُوا دَمِي"؛ أيْ يَجِب عليكم أن تَقبَلوا مَوتي وذَبيحَتي، وتلكَ الأشياءِ الَّتي دَعاهُم إليها فيما يَختصُّ بتَكريسِهم، نَقرأُ: "مِنْ هذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ، وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ". وقد فَرَزَهُم عَنِ المُؤمِنينَ الحَقيقيِّينَ إذْ قَالَ لِلاثْنَيْ عَشَرَ: "أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟" فَأَجَابَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ بِلِسانِ المُؤمِنينَ الحَقيقيِّينَ: "يَا رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ، وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ". أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: "أجل! ولكِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ شَيْطَانٌ!" لِذا، حَتَّى في وَسْطِ أولئكَ الَّذينَ تَبِعوا يَسوعَ، كانَ هُناكَ أُناسٌ آمَنوا لَحظيًّا وأرادوا أن يُتَوِّجوهُ مَلِكًا. وكانَ هُناكَ أُناسٌ آمَنوا قَليلاً، ولكِنْ عندما اشْتَدَّ الكَلامُ قَليلاً، مَضَوْا. وهُناكَ يَهوذا الَّذي لم يَكُن قد آمَنَ حَقًّا إيمانًا مُخَلِّصًا، بل بَقِيَ مَعَهُ حَتَّى النِّهاية كي يَجْني كُلَّ مَا يُمْكِنُهُ أنْ يَجنيه مِن ذلك.
انظُروا إلى إنجيل يُوحنَّا 8: 30. ومَرَّةً أخرى، يَتحدَّثُ يَسوعُ إلى قادَةِ اليَهودِ إذْ نَقرأُ في العدد 30: "وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ بِهذَا آمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ". ويَبدو هذا جَيِّدًا. وقد يَبدو في نَظَرِ البعضِ بأنَّهُ خَلاصٌ؛ ولكِنَّ يَسُوعَ قالَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ: "إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلاَمِيذِي". وهذا كَلامٌ مُباشِرٌ جدًّا. وكانَ هذا المَقطَعُ الكِتابِيُّ أوَّلَ مُقَدِّمَة رائعة لي لِهذا الموضوع. فأنتَ تَكونُ تِلميذًا حقيقيًّا حينَ تَثْبُتُ في كَلامِهِ. انظُروا إلى الأصحاحِ 12 والعَدَد 42: "وَلكِنْ مَعَ ذلِكَ آمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنَ الرُّؤَسَاءِ أَيْضًا". ونَقرأُ مَرَّةً أخرى أنَّهُم آمَنوا. "غَيْرَ أَنَّهُمْ لِسَبَبِ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ". فَهُم لم يَعترِفوا بِهِ عَلَنا "لِئَلاَّ يَصِيرُوا خَارِجَ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ أَحَبُّوا مَجْدَ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ مَجْدِ اللهِ". فقد أرادوا استِحسانَ البَشَر. وقد كانُوا على استِعدادٍ أن يُؤمِنوا إلى حَدٍّ مَا.
ثُمَّ نَقرأُ في العدد 26 كلِماتٍ تُوَضِّحُ ذلك. فهي تَشْرَحُ مَكانَهُم: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي فَلْيَتْبَعْنِي". فَلْيَتْبَعْنِي. "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي فَلْيَتْبَعْنِي". وفي إنجيل يُوحَنَّا والأصحاح 15، يُشيرُ يَسوعُ مَرَّةً أخرى إلى غُصْنِ يَهوذا؛ أيْ إلى فِئَةِ المُؤمِنينَ إلى حِيْن، أو إلى فِئَةِ التَّلاميذِ المُؤقَّتين. "اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ. كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكَرْمَةِ، كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ. أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا. إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ". فهُناكَ أشخاصٌ يَمكُثونَ قَليلاً ثُمَّ يَخْتَفون.
ثُمَّ نَقرأُ أكثرَ آيةٍ كَاشِفَةٍ للحَقِّ في كُلِّ الآياتِ الَّتي تَتحدَّثُ عن هذا المَوضوعِ المُختصِّ بالإيمان، وَهي تَرِدُ في رِسالةِ يَعقوب والأصحاحِ الثَّاني. فلننظُر إليها نَظرةً سَريعةً جدًّا. رسالة يَعقوب 2: 14: "مَا الْمَنْفَعَةُ يَا إِخْوَتِي..." [وهذهِ جُملة مُهمَّة جدًّا] "...إِنْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ لَهُ إِيمَانًا وَلكِنْ لَيْسَ لَهُ أَعْمَالٌ". ما المَنفَعَةُ مِن ذلك؟ "هَلْ يَقْدِرُ الإِيمَانُ أَنْ..." [يَفعلَ ماذا؟] "...أنْ يُخَلِّصَهُ؟" وما الجَوابُ؟ لا، لا! لا يَستطيعُ أن يُخَلِّصَهُ. فهل يُمكِنُ لإيمانٍ كهذا أن يُخَلِّص؟ وما المَنفَعَةُ مِنْهُ؟ ألا يُمكِنُ للإيمانِ غيرِ المَصحوبِ بصِفاتٍ أخلاقيَّةٍ أن يُخَلِّص؟ ألا يُمكِنُ للإيمانِ غيرِ المَصحوبِ بسُلوكٍ بَارٍّ أن يُخَلِّص؟ قَطْعًا لا. والعَدَدُ التَّاسِع عَشَر يُؤكِّدُ ذلكَ حَقًّا: "أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفْعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ!" وهذه جُملة مُذهلة. "أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفْعَلُ. وَالشَّيَاطِينُ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ!" فَهُم مُتَقَدِّمونَ عليكَ. فَهُم يُؤمِنونَ ويَقشَعِرُّون. فأنتَ تُؤمِنُ وتَظُنُّ أنَّكَ مُخَلَّص. ولكنَّهُم مُتقدِّمونَ عليكَ. فالشَّياطينُ يَعرِفونَ كُلَّ اللَّاهوتَ الصَّحيحَ، ولكنَّهُم لا يَنْحَنونَ لرُبوبيَّةِ المَسيح. وَهُمْ لا يَنْحَنونَ لسِيادةِ اللهِ. فَقدِ اختاروا التَّمَرُّد. وَهُمْ يُبغِضونَ الخَيرَ ويُحِبُّونَ الشَّرَّ. ومِنْ جَهَة، فإنَّ الإيمانَ المَيِّتَ هُوَ أَدنَى مِن إيمانِ الشَّياطين. فَهُمْ، على أقَلِّ تَقديرٍ، يَقشَعِرُّون.
لِذا، يُمكِنُكم أنْ تَرَوا مِن خِلالِ هذهِ الآياتِ أنَّ هُناكَ إيمانًا لا يُخَلِّص. فهُناكَ إيمانٌ مُؤقَّتٌ، وجُزئيٌّ، وغيرُ كَافٍ. وَهُوَ مُختَلِفٌ عنِ الإيمانِ الَّذي يُخَلِّص. ففي إنجيل يُوحَنَّا 3: 16 نَرى أنَّ الكلمة "يُؤمِن" في: "لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ"، نَرى أنَّ الكلمة "يُؤمِن" هي نَفسُ الكلمة الَّتي تُتَرْجَمُ في إنجيل يُوحَنَّا 2: 24 "يَأتَمِن...يَأتَمِن". فهي شَيءٌ أعمَق مِن مُجَرَّدِ تَصديقِ الحَقائق. فهي تَعني أن يُكَرِّسَ الإنسانُ حَياتَهُ، وأن يَترُكَ الخطيَّة، وأن يَخضَعَ للمسيح. ورُوحُ اللهِ يَعمَلُ كُلَّ هَذا لكي يُنشِئَ حَياةً جَديدة. وكما تَرَوْنَ فإنَّ الخَلاصَ والإيمانَ المُخَلِّصَ يَعنيان ما هو أكثَر مِنَ الرَّغبة في الحُصولِ على الغُفران، وأكثرَ مِنَ الرَّغبةِ في الذَّهابِ إلى السَّماءِ. فهو الاستعدادُ للتَّخلِّي عنِ الخطيَّة والخُضوعِ للمَسيح. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ، يا أحبَّائي، وهذا أمرٌ صَادِمٌ...وأنا أقولُ ذلكَ عَمْدًا...فهذا أمرٌ صَادِمٌ: هُناكَ مُعَلِّمو كِتابٍ مُقَدّسٍ ووُعَّاظٌ في الكنائسِ الإنجيليَّةِ المُحافِظَةِ لا يَسمحونَ بوجودِ أيِّ رابِطٍ بالضَّرورةِ بينَ الإيمانِ والأعمال. لِذا فإنَّهُم مُرْغَمونَ على قَبولِ كُلِّ إقرارٍ بالإيمان كما لو أنَّهُ حَقيقيّ لأنَّهُ إنْ لم تَكُن تُوجَدُ أيُّ صِلَة بالضَّرورة بينَ الإيمانِ والأعمال، فإنَّ أيَّ إقرارٍ هو صَحيح. ويَقولُ أحدُ الكُتَّابِ وَهُوَ "راي سانفورد" (Ray Sanford) في "دَليلِ الكِرازةِ الشَّخصيَّة" (The Handbook of Personal Evangelism): "الإيمانُ المَيِّتُ يَقدِرُ أن يُخَلِّص". الإيمانُ المَيِّتُ يَقدِرُ أن يُخَلِّص؟ هلِ الشَّياطينُ مُخَلَّصَة؟ فإيمانُهُم أفضَلُ مِنَ الإيمانِ المَيِّت. ويَقولُ "زين هودجيز" (Zane Hodges) في كِتابٍ لَهُ بِعُنوان: "الإنجيلُ تَحتَ الحِصار" (The Gospel Under Siege): "أيًّا كانَ مَعنى ما جاءَ في رِسالةِ يَعقوب 2: 14-26 فإنَّهُ لا يُمكِنُ أنْ يَعني أنَّ الأعمالَ الصَّالحةَ بُرهانٌ بالضَّرورة على لإيمانِ الحقيقيِّ". عَجَبًا! كيفَ يُعقَلُ أن تَقولَ ذلك؟ وهو يُحاولُ أن يَقودَنا إلى تَصديقِ أنَّ إيمانَهُم المَيِّت كانَ يَومًا حَيًّا، ولكنَّهُ مَاتَ. فهو يَقولُ إنَّهُ كانَ حَيًّا عندما اتَّخذوا قَرارَهُم الأوليَّ، ولكنَّهُ مَاتَ. وبالرِّغمِ مِن ذلكَ فإنَّ خَلاصَهُم الأبديَّ مَضمون. بعبارة أخرى، فإنَّهُ يَقولُ إنَّهُ لا يوجد شَيءٌ اسمُهُ "مُثابَرَة القِدِّيسين". فيُمكِنُكَ أن تُؤمِنَ في أيِّ لَحظة وأنْ تَتوقَّفَ عنِ الإيمانِ مِن جَديد.
وهُناكَ كُتَّابٌ آخرونَ يَقولونَ إنَّ هُناكَ إيمانًا مِنَ النَّوعِ العَقيمِ العَديمِ النَّفْع. وهو نَوعٌ مِنَ الإقرارِ العَقليِّ بالحَقّ. ولكنَّهُم يَرفُضونَ تَعريفَ الإيمانِ بطريقةٍ تُشيرُ إلى الخُضوعِ أو تَكريسِ الحَياة. لِذا فإنَّهم يَقولونَ إنَّ هُناكَ إيمانًا لا يُخَلِّص، ولكنَّهُم يَقولونَ إنَّهُ لا يُوجَدُ ما يُحَتِّم أن يَكونَ لديكَ إيمانٌ يَقودُ إلى التَّوبةِ أوِ التَّكريس. لِذا، ما بينَ الإيمانِ غيرِ المُكَرَّس والإيمانِ غيرِ الكَافي، هُناكَ شَقٌّ يُمكِنُكَ أن تَدخُلَ فيهِ وأن تَنالَ الخَلاصَ، كَما أَظُنّ! وحَتَّى إنَّ "تشارلز رايري" (Charles Ryrie) يَقول: "رِسالةُ الإيمانِ بالإضافة إلى تَكريسِ الحياةِ لا يُمكِن أن تَكونَ الإنجيل". ويَقولُ "هودجيز" مَرَّةً أخرى: "الإيمانُ المُخَلِّصُ هو مُجَرَّدُ تَجاوُبٍ معَ دَعوةٍ إلهيَّة". وهو يَقولُ أيضًا: "هُناكَ اعتقادٌ سائِدٌ في الأوساطِ المسيحيَّةِ بأنَّ إيمانَ المؤمِنِ الحقيقيِّ لا يُمكِنُ أن يَسقُط. ولكِنَّ هذا ليسَ شيئًا مُؤكَّدًا يُمكِنُ تَدعيمُهُ مِن خلالِ العهدِ الجديد. فلا يوجد شَيءٌ [بِحَسَبِ قَولِهِ] يُدَعِّمُ الرَّأيَ القائلَ إنَّ الثَّباتَ في الإيمان هو نَتيجة حَتميَّة للخَلاصِ الحَقيقيّ". وهذا كَلامٌ عَجيبٌ جدًّا وغَريب. لا يوجد شَيءٌ يُدَعِّمُ الرَّأيَ القائلَ إنَّ الثَّباتَ في الإيمان [أوِ الإيمانَ المُستمرّ] هو نَتيجة حَتميَّة للخَلاصِ الحَقيقيّ؟ أنا أُوْمِنُ بذلكَ طَوالَ حياتي. فأنا أُوْمِنُ بأنَّكَ إذا كُنتَ تَمتَلِكُ إيمانًا مُخَلِّصًا فإنَّ ذلكَ الإيمانَ سَيَبقى ثابِتًا.
وقد تَقول: حسنًا! وهل يُعَلِّمُ الكتابُ المقدَّسُ ذلك؟" أجل، بِكُلِّ تأكيد. فكيفَ يُعْقَلُ أن يَقولَ إنَّهُ لا يوجدُ في الكتابِ المقدَّسِ ما يُدَعِّمُ ذلك. فهذا كَلامٌ مَرفوضٌ لديَّ. اسمَعوني: على سَبيلِ المِثال، وأنا لا أدري حَتَّى مِن أينَ أبتدئ. فهناكَ آيات كَثيرة. "وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ [رسالة كورِنثوس الأولى 15: 1] بِالإِنْجِيلِ الَّذِي بَشَّرْتُكُمْ بِهِ، وَقَبِلْتُمُوهُ، وَتَقُومُونَ فِيهِ [استمعوا إلى هذه الكَلِمات]، وَبِهِ أَيْضًا تَخْلُصُونَ، إِنْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّ كَلاَمٍ بَشَّرْتُكُمْ بِهِ. إِلاَّ إِذَا كُنْتُمْ قَدْ آمَنْتُمْ عَبَثًا!" ما مَدى وُضوحُ ذلك؟ فأنتَ تَخلُص إنْ تَمَسَّكتَ بذلك. وماذا عن رسالة كولوسي 1: 21: "وَأَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً أَجْنَبِيِّينَ وَأَعْدَاءً فِي الْفِكْرِ، فِي الأَعْمَالِ الشِّرِّيرَةِ، قَدْ صَالَحَكُمُ الآنَ فِي جِسْمِ بَشَرِيَّتِهِ بِالْمَوْتِ، لِيُحْضِرَكُمْ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ وَلاَ شَكْوَى أَمَامَهُ..." [أيْ أنَّكُم نِلتُم الخَلاصَ]، العَدَد 23: "...إِنْ ثَبَتُّمْ عَلَى الإِيمَانِ، مُتَأَسِّسِينَ وَرَاسِخِينَ وَغَيْرَ مُنْتَقِلِينَ عَنْ رَجَاءِ الإِنْجِيل". بالمُقابِل، إن لم تَستمرُّوا بثَبات، وإن لم تَستمرُّوا في الإيمان، وإن انتَقلتُم بعيدًا عن رَجاءِ الإنجيل فإنَّكُم لم تَخلُصوا يَومًا. فالثَّباتُ جُزءٌ مِن عَمَلِ الخَلاصِ الإلهيِّ. فهو لا يَضْمَنُنا فقط مِن خلالِ مَشيئَتِهِ الإلهيَّة، بل يَحفَظُنا مِن خلالِ رُوحِهِ السَّاكِنِ فينا مِن خلالِ الإيمان.
انظروا إلى الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين. فلنَنظُر إلى بِضْعِ آياتٍ هُناك. افتَحوا كُتُبَكُم المُقدَّسة على الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ الثَّاني. وسوفَ نَنتَقلُ مِن آيةٍ إلى أخرى بسُرعة ونُلقي نَظرةً خاطِفةً على بِضْعِ آياتٍ في عُجالَة مِن أجلِ تَرسيخِ هذهِ الفِكرةِ في أذهانِكُم. عِبرانِيِّين 2: 1: "لِذلِكَ يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ إِلَى مَا سَمِعْنَا لِئَلاَّ نَفُوتَهُ، لأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ صَارَتْ ثَابِتَةً، وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً، فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟" بعبارة أخرى، فإنَّ المَعنى المَقصودَ هُنا هو: "انظُروا! مِنَ الأفضلِ لنا أن نَمتَلِكَ إيمانًا غيرَ مُتَزَعزِعٍ، وَإلَّا فإنَّنا لن نَنجو مِن دَينونةِ الله". لماذا؟ لأنَّنا إنْ حِدْنا عَمَّا آمَنَّا بِهِ يَومًا، فإنَّنا نَكونُ في طَريقِنا إلى الدَّينونة. وهذا دَليلٌ على أنَّنا لم نَكُن يَومًا مُخَلَّصين. ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّالثِ والعَدد 14 هذه الكلماتِ الواضحة جدًّا: "لأَنَّنَا..." [وأنا أُحِبُّ هذا العَدَد...العَدَد 14] "لأنَّنا قَدْ صِرْنَا شُرَكَاءَ الْمَسِيحِ، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ الثِّقَةِ ثَابِتَةً إِلَى..." [مَتى] "إلى النِّهَايَةِ". وفي العَدد 4: 14: "فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ قَدِ اجْتَازَ السَّمَاوَاتِ، يَسُوعُ ابْنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَار". وفي العَدد 6 والعَدد 11: "وَلكِنَّنَا نَشْتَهِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يُظْهِرُ هذَا الاجْتِهَادَ عَيْنَهُ لِيَقِينِ الرَّجَاءِ إِلَى النِّهَايَةِ، لِكَيْ لاَ تَكُونُوا مُتَبَاطِئِينَ بَلْ مُتَمَثِّلِينَ بِالَّذِينَ بِالإِيمَانِ وَالأَنَاةِ يَرِثُونَ الْمَوَاعِيد".
وفي الأصحاحِ العاشِرِ والعَدد 34، نَجِدُ مَرَّةً أخرى الفِكرةَ ذاتَها: "لأَنَّكُمْ رَثَيْتُمْ لِقُيُودِي أَيْضًا، وَقَبِلْتُمْ سَلْبَ أَمْوَالِكُمْ بِفَرَحٍ، عَالِمِينَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَنَّ لَكُمْ مَالاً أَفْضَلَ فِي السَّمَاوَاتِ وَبَاقِيًا. فَلاَ تَطْرَحُوا ثِقَتَكُمُ الَّتِي لَهَا مُجَازَاةٌ عَظِيمَةٌ. لأَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الصَّبْرِ، حَتَّى إِذَا صَنَعْتُمْ مَشِيئَةَ اللهِ تَنَالُونَ الْمَوْعِدَ" (في العدد 36). وفي تلكَ الأثناء: "لأَنَّهُ بَعْدَ قَلِيل جِدًّا (في العدد 37) «سَيَأتِي الآتِي وَلاَ يُبْطِئُ. أَمَّا الْبَارُّ [فماذا؟] فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا، وَإِنِ ارْتَدَّ لاَ تُسَرُّ بِهِ نَفْسِي». وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا مِنَ الارْتِدَادِ لِلْهَلاَكِ" [ثُمَّ اسمَعوا ما يَقول:] "بَلْ مِنَ الإِيمَانِ لاقْتِنَاءِ النَّفْسِ" (عِبرانِيِّين 10: 39). وفي عِبرانِيِّين 12: 14، نَجِدُ هذه الكلماتِ الواضحة جدًّا: "اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيعِ، وَالْقَدَاسَةَ..." [وهذهِ الكلمة تُشيرُ إلى الفَرْزِ، والصَّلاحِ، والفَضيلَة] "...الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ". فجميعُ الَّذينَ يَرَوْنَ اللهَ يَتقدَّسون
ثُمَّ نَقرأُ في رِسالةِ يَعقوب 1: 2 وما يَليه: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا. وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ". بعبارة أخرى، عندما تأتي التَّجارِب، سوفَ تُظْهِرُ مَعْدِنَكُم الحَقيقيّ، وتُبرِهنُ على شَخصيَّتِكُم. ونَقرأُ في العدد 12: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّجْرِبَةَ، لأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ..." [أيِ الحياةَ الأبديَّةَ] "...الَّذِي وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ لِلَّذِينَ..." في وقتٍ مَا في المَاضي آمَنوا بِهِ. هل هذا هو ما يَقولُهُ؟ لا، بل "لِلَّذينَ" ماذا؟ "يُحِبُّونَهُ". للِّذَّينَ يُحِبُّونَهُ. للِّذَّينَ يُحِبُّونَهُ. للِّذَّينَ يُطيعونَهُ. للِّذَّينَ يَثبُتونَ في الإيمان. فَهؤلاءِ هُمُ المؤمِنونَ الحَقيقيُّون. ونَقرأُ في الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس 2: 12: "إِنْ كُنَّا نَصْبِرُ فَسَنَمْلِكُ أَيْضًا مَعَهُ". فسوفَ نَملِكُ مَعَهُ إن كُنَّا نَصبِرُ إلى النِّهاية. فأمانَةُ اللهِ هي بَرَكَة للمؤمنينَ الأوفياءِ الثَّابِتين. ولكنِ انظُروا إلى النِّصفِ الثَّاني مِنَ العدد 12: "إِنْ كُنَّا نُنْكِرُهُ فَهُوَ أَيْضًا سَيُنْكِرُنَا". وكما تَرَوْن، إذا ثَبَتْنا، سَنَملِك. وإنْ أَنكرناهُ في أيِّ وقتٍ، فإنَّ إيمانَنا يَموت؛ بل إنَّهُ لم يَكُن مَوجودًا أصلاً. فقد كانَ إيمانًا باطِلاً، وإيمانًا حَالِمًا، وإيمانًا زائفًا. وَهُوَ سيُنكرُنا.
"إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِينًا". وما مَعنى ذلك؟ حسنًا! إنَّ فِكرةَ أمانَتِهِ هُنا تَختصُّ بالدَّينونة...تَختصُّ بالدَّينونة. فقد نكونُ غيرَ أُمناء، ولكِنَّهُ سيَبقى أمينًا لوعدِهِ بأن يَدينَ غيرَ الأُمناء. فهذا هو المَعنى المقصود. فإنْ صَبَرْنا فإنَّنا سَنَملِك. وإنْ أنكَرناهُ فإنَّهُ سيُنكرُنا. فقد نكونُ غيرَ أُمناء؛ أي أنَّنا قد لا نَحفَظ وَعْدَنا. ولكِنَّهُ سيَحفَظ وَعدَهُ. وقد نَقطَعُ وَعدًا للمسيحِ في وقتٍ مَا ولا نَفي بِهِ. ولكِن عندما يَقطَعُ اللهُ وَعدًا بمُعاقبةِ الخطيَّة فإنَّهُ سَيَفي بِهِ. سَيَفي بِه. لِذا، ما تَفعَلُهُ هذهِ الآياتُ هو أنَّها تُعطي البَرَكَةَ للمؤمِنِ الوَفيِّ الَّذي يَصبِر، وتُعلِنُ اللَّعنةَ على النَّفسِ غيرِ الوَفيَّة وغير المُؤمِنَة. ورُبَّما كانَ الأصحاحُ الثَّالِثُ مِن إنجيل يُوحَنَّا هو مَصْدَرُ هذه الفِكرة: "وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ". يا أحبَّائي، إنَّ الأمرَ يَتوقَّف على طَبيعةِ الإيمانِ المُخَلِّصِ لأنَّهُ عندما يُعطي اللهُ ذلكَ النَّوعَ مِنَ الإيمانِ فإنَّهُ يَحفظُه. وإنْ جاءَ وقتٌ تَوقَّفَ فيهِ الإنسانُ عنِ الإيمان، فإنَّ إيمانَهُ لم يَكُن يَومًا الإيمانَ الَّذي يُعطيهِ اللهُ.
والآن، دَعونا نَنظُر نَظرةً فاحِصَةً أكثر إلى هذا الإيمانِ المُخَلِّص قبلَ أنْ نَختِمَ كَلامَنا. فما هو؟ ما هو الإيمانُ المُخَلِّص؟ اسمَحوا لي أن أقولَ شيئًا لكم، وهي فِكرة أخرى عَامَّة. افهَموا هذه الفِكرةِ مِن فَضلِكُم لأنَّهُ عندما تَقولونَ للنَّاسِ إنَّ "الإيمانَ المُخَلِّصَ يَتطلَّبُ تَوبةً وتَكريسًا للمسيح، فإنَّهم سيقولون: "أنتُم تُضيفونَ أعمالاً. فهو لا يَقومُ على أيِّ شيءٍ سِوى الإيمان. فالتَّرنيمةُ تَقول: "آمِن وَحَسْب". أتَذكرونَ تلكَ التَّرنيمة: "آمِنْ وَحَسْب...آمِنْ وَحَسْب؟" فهذا هو كُلُّ ما في الأمر. وإنْ أضفتُم أيَّ شيء، فإنَّكُم تُضيفونَ أعمالاً". ولكِنَّ الحقيقةَ هي أبعدُ ما يَكونُ عنِ الدِّفاعِ عنِ الحَقِّ بأنَّ الأعمالَ البشريَّةَ لا مَكانَ لها في الخَلاص لأنَّ الدَّعوةَ إلى الإيمانِ الهَيِّنِ جَعَلَتِ الإيمانَ نَفسَهُ عَملاً بَشريًّا مَحْضًا. ولماذا أقولُ ذلك؟ لأنَّهُ هَشٌّ ومُؤقَّت. فهو قد يَصْبِر وقد لا يَصْبِر. وهذا لا يَسري على الإيمانِ الَّذي يَمْنَحُهُ اللهُ. هل تَرَوْنَ ذلك؟ لِذا فإنَّ ذاكَ الخَلاصَ هو خَلاصٌ بالأعمال لأنَّهُ قائمٌ على ما قد يَفعلُهُ الإنسانُ وما قد لا يَفعلُه وَفْقًا لِنَزْواتِه. ولكِن إن كُنتَ تُؤمِنُ بأنَّ الخلاصَ هو بنعمةِ اللهِ، وبأنَّ اللهَ هُوَ الَّذي يُعطي ذلكَ الإيمان، فإنَّ الإيمانَ الَّذي يَمنَحُهُ اللهُ ليسَ مُؤقَّتًا، بل هو ثابِت. وَهُوَ ليسَ خَاضِعًا لِنَزْواتِ الإنسان. فلا سَبَب يَدعونا إلى الاعتقادِ بأنَّ إنسانًا يَعيشُ حَياتَهُ المسيحيَّة يَقدِرُ أن يُلغي إيمانَهُ المُعطَى لَهُ مِنَ اللهِ، إلَّا إذا كانَ الإنسانُ قد أنشأَ ذلكَ الإيمان بنفسِه كي يَخلُص. فلو كانَ مِن عندِ اللهِ فهو إلهيّ. وإن كانَ مِن عندِ اللهِ فهو ثابِت. وأيَّةُ دَعوةٍ قائمةٍ على الإيمانِ الهَيِّن لا تُنقِذُ الإنجيلَ مِنَ الأعمال، بل إنَّها تَجْعَلُ الخَلاصَ خَلاصًا بالأعمال إذْ إنَّ الإنسانَ يُعطي إيمانَهُ ويأخُذُهُ كَما يَحسُنُ في عَينيه. ولكِنَّ هذا الإيمانَ ليسَ إيمانًا كِتابيًّا. فإنْ قُلتَ إنَّهُ بمقدورِ الإنسانِ أن يَحصُلَ على هذا الإيمانِ في لَحظةِ الخَلاصِ عَطِيَّةً مِنَ اللهِ، ولكِنَّهُ قد يَفقِدُهُ في أيِّ لَحظةٍ يَشاء هو كَلامٌ غير مَعقول. فهو يُنكِرُ عَمَلَ اللهِ. وَهُوَ يُنكِرُ أنَّ اللهَ هو الَّذي يُعطي ويَحفظُ النِّعمةَ الَّتي تَجعلُ الإيمانَ يَثبُت.
والآن، اسمَحوا لي أن أقولَ لَكُم نُقطَتَيْنِ تُبْقونَهُما في أذهانِكُم عن تَعريفِ الإيمانِ المُخَلِّص. وَهُوَ تَعريفٌ بَسيطٌ جدًّا: أوَّلاً، إنَّهُ عَطيَّة مِنَ الله. فهو عَطِيَّة مِنَ الله. ففي رسالة أفسُس والأصحاحِ الثَّاني، وأنتُم تَعرِفونَ هذا المَقطعَ جَيِّدًا، في الآيتين 8 و 9: "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ". فالإيمانُ عَطِيَّة مِنَ الله. والآن، ما هي عَطيَّةُ اللهِ هُنا؟ هُناكَ مَن يَقولُ إنَّها الإيمان، وهُناكَ مَن يَقولُ إنَّها ليستِ الإيمان. فَعَالِمُ اللُّغةِ اليونانيَّة "ب.ف. ويسكوت" (B.F. Wescott) يَقولُ إنَّ عَطِيَّةَ اللهِ هي "الطَّاقةُ المُخَلِّصَةُ للإيمان". وهُناكَ مَن يَقولونَ إنَّكَ لا تَستطيعُ أن تَقولَ ذلكَ في اللُّغةِ اليونانيَّة لأنَّ ما لَدينا هُنا هو ضَميرٌ مُحايِدٌ واسمٌ مُؤنَّث. فعلى سَبيلِ المِثال: "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَان". فالإيمان كلمة مؤنَّثة في اليونانيَّة. والكلمة "ذلِكَ" مُحايِدَة. لِذا، لا يُمكِنُكَ أن تَستخدِمَ ضَميرًا مُحايِدًا لتعريفِ اسمٍ مُؤنَّث. لِذا، يَجِدُ أُناسٌ أنَّهُم مُرتاحونَ أكثر للقولِ إنَّهُ مِنَ المؤكَّدِ أنَّ الكلمة "ذلكَ" تُشيرُ إلى كُلِّ عَمَلِ الخَلاص. حسنًا! هذا رائع! هل تَعلمونَ ما الشَّيءُ الَّذي يُعَدُّ جُزءًا مِن عملِ الخلاصِ بِمُجمَلِه؟ "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ". لِذا، إن أردتُم أن تقولوا إنَّها تُشيرُ إلى كُلِّ شيءٍ، فإنَّ النِّعمةَ والإيمانَ والخلاصَ وكُلَّ شَيءٍ هُوَ عَطِيَّةٌ مِنْ مَن؟ مِنَ الله. وأنا مُرتاحٌ لهذا الرَّأي. فهو يَضُمُّ كُلَّ شَيء. وفي كِلتا الحالَتينِ فإنَّ الإيمانَ مَشمول.
وقد قالَ يَسوعُ لبُطرس في إنجيل مَتَّى 16: 17: "طُوبَـى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَات". فما الَّذي قَصَدَهُ؟ لقد قالَ بُطرسُ: "أنتَ" مَن؟ "المَسيح". "أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!" وهذا اعتِرافٌ. إنَّهُ اعترافٌ مُخَلِّصٌ. ويَسوعُ يَقولُ لَهُ: "إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي هُوَ الَّذِي أعطاكَ ذلكَ الإيمان. وأبي هو الَّذي أعطاكَ ذلكَ الإعلان". فاللهُ الآبُ هو الَّذي يُمَكِّنُ أيَّ شخصٍ مِن أن يُؤمِن. فالإنسانُ المَحكومُ عليهِ بالموتِ في خَطاياه لا يَستطيعُ أن يُؤمِنَ مِن ذاتِه. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يُوحنَّا 6: 44: "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ..." (وهذه إشارة إلى الإيمان) "...إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي". ونَقرأُ في العدد 47: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ". وهاتانِ الآيتانِ تَعنيان معًا أنَّ الآبَ هُوَ الَّذي يُعطيكَ الإيمان. فالآبُ يَجتَذِبُكَ مِن خلالِ حَفْزِ إيمانِك. فهو عطيَّة مِنَ الله. إنَّهُ عطيَّة مِنَ اللهِ وليسَ أقلَّ مِن ذلك لأنَّ الطَّبيعةَ السَّاقطةَ لا تَستطيعُ أن تُوَلِّدَ إيمانًا بالله. فأحيانًا تَسمعُ أحدَهُم يَقولُ إنَّ الإيمانَ شيءٌ طَبيعيّ. لا، إنَّهُ ليسَ كذلك. فالإيمانُ الطَّبيعيُّ لا يَقدرُ أن يُخَلِّصَك. أمَّا الإيمانُ الخارِقُ للطَّبيعةِ فيَقدِر. فهو يأتي مِن عِندِ الله.
استَمِعوا إلى العدد 16 مِن أعمالِ الرُّسُل والأصحاحِ الثَّالث. فبُطرُسُ يَعِظُ قائلاً: "وَبِالإِيمَانِ بِاسْمِهِ شَدَّدَ اسْمُهُ هذَا [الإنسانَ الَّذي شُفِيَ] الَّذِي تَنْظُرُونَهُ وَتَعْرِفُونَهُ". ثُمَّ استَمِعوا إلى ما يَقول: "وَالإِيمَانُ الَّذِي بِوَاسِطَتِهِ..." [أيْ بواسِطَةِ يَسوعَ المَسيح] "...أَعْطَاهُ هذِهِ الصِّحَّةَ". فهل تَعلمونَ لماذا شُفِيَ ذلكَ الرَّجُل؟ لأنَّهُ آمَن. وهل تَعلمونَ مِن أينَ حَصَلَ على الإيمان؟ مِنْ مَن؟ مِنَ المَسيح. "وَالإِيمَانُ الَّذِي بِوَاسِطَتِهِ". والمَقصودُ بالكلمة "بواسِطَتِهِ" أيْ: بواسِطَةِ الرَّبِّ يَسوعَ المسيح. ونَقرأُ في رسالة فيلبِّي 1: 29: "لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ". استَمِعوا إلى هذه الآية مَرَّةً أخرى: "لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ...أَنْ تُؤْمِنُوا". أليسَت هذه الحقيقة رائعة؟ فالإيمانُ عَطيَّة مِنَ الله. فلا يُمكِنُكَ أن تُؤمِنَ مِن ذاتِك. فالإيمانُ يُعطَى بسُلطانٍ إلهيٍّ. ونَقرأُ في رسالة بُطرس الأولى...عَفوًا...في رسالة بُطرس الثَّانية 1: 1: "سِمْعَانُ بُطْرُسُ عَبْدُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَرَسُولُهُ، إِلَى الَّذِينَ نَالُوا مَعَنَا إِيمَانًا ثَمِينًا مُسَاوِيًا لَنَا". فقد كانَ بُطرسُ يَعلمُ أنَّ الإيمانَ عَطيَّة. "إِلَى الَّذِينَ نَالُوا مَعَنَا إِيمَانًا ثَمِينًا مُسَاوِيًا لَنَا". فهؤلاءِ هُمُ الَّذينَ يَكتُبُ إليهم. والإيمانُ هُوَ عَطيَّة مِنَ الله.
ثانيًا، إنَّهُ دائم. دائم. فلأنَّهُ عَطِيَّة إلهيَّة فإنَّهُ ليسَ مُؤقَّتًا ولا عاجِزًا، بل هو دائِم. إنَّهُ دائِم. فهو ليسَ شيئًا يُعطيهِ اللهُ ويأخُذُهُ. وَهُوَ ليسَ شيئًا يَحصُلُ عليهِ المرءُ ثُمَّ يَفقِدُهُ. لماذا؟ نَقرأُ في رسالة رُومية 1: 17: "أَمَّا الْبَارُّ..." [فَيَحيا بماذا؟] "...فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا". فهو يَستمرُّ في الحَياةِ بالإيمان. فاللهُ يَستمرُّ في مَنْحِهِ ذلكَ الإيمان المُثابِر. فالإيمانُ الحقيقيُّ لا يُمكِنُ أن يَموت. فهو عَطيَّة مِنَ الله. وَهُوَ دائمٌ. ونَقرأُ في رسالة غَلاطيَّة 3: 11 الشَّيءَ نَفسَهُ: "لأَنَّ الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا". ونَقرأُ في الرِّسالة إلى العِبرانِيِّين، أعتقد في الأصحاحِ العاشِر. أليسَ كذلك؟ والعَدد 38. وقد ذَكَرنا هذه الآية قَبلَ قَليل. أجل: "أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا، وَإِنِ ارْتَدَّ لاَ تُسَرُّ بِهِ نَفْسِي". فهو ليسَ واحِدًا مِن خَاصَّتي. وهل تَذكرونَ رسالة فيلبِّي 1: 6؟ "وَاثِقًا بِهذَا عَيْنِهِ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا [يَفعلُ ماذا؟] يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيح".
ثالثًا، الإيمانُ المُخَلِّصُ مُطيعٌ. إنَّهُ مُطيعٌ. فالإيمانُ الَّذي يُعطيهِ اللهُ يُثْمِرُ طَاعَةً. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الإيمانَ الَّذي يُعطيهِ اللهُ يَشمَلُ كُلًّا مِنَ الإرادَةِ والقُدرةِ على إطاعَةِ كَلِمَتِه. هذا صَحيح. "لأَنَّ اللهَ..." [بِحَسَب رسالة فيلبِّي 2: 13] "...هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ". أليست هذه الكلماتُ رائعةً؟ فعندما يُخَلِّصُكَ اللهُ فإنَّهُ يُعطيكَ إيمانًا ويَمُدُّكَ بالطَّاقةِ الَّتي تُعطيكَ القُدرةَ والإرادةَ على أن تُطيع. وهذا رائع!
وقد قالَ "ويليام إدوي فاين" (W.E. Vine) بخصوصِ الإيمان: "إنَّهُ قَناعَةٌ راسِخَةٌ. وهو تَسليمٌ شَخصيٌّ، وسُلوكٌ نابِعٌ مِن هذا التَّسليم". وهو يُعَلِّقُ على الكلمة "پيستوو" (pisteuo): "يُؤمِن". والحقيقةُ هي أنَّهُ يُقارِنُ بينَ الكلمة "پيثو" (peitho) والكلمة "پيستوو" (pisteuo) المُتشابِهتانِ جدًّا مِن ناحيةٍ الاشتقاق. فالفَرقُ في المَعنى هو أنَّ الكلمةَ الأولى تُشيرُ ضِمنيًّا إلى ما تُنتِجُهُ الكلمةُ الثَّانية وهو: الطَّاعة والإيمان. فهو يَقول: "عندما يُطيعُ إنسانٌ اللهَ فإنَّهُ يُقَدِّمُ البُرهانَ الوَحيدَ المُمكِن على أنَّهُ يُؤمِنُ في قَلبِهِ بالله". هل فَهِمتُم ذلك؟ "عندما يُطيعُ إنسانٌ اللهَ فإنَّهُ يُقَدِّمُ البُرهانَ الوَحيدَ المُمكِن على أنَّهُ يُؤمِنُ في قَلبِهِ بالله". وما أعنيه هو: أيُّ نَفعٍ في أن تَقِفَ هُناكَ وتَقول: "أنا أُوْمِنُ باللهِ...أنا أُوْمِنُ باللهِ...أنا أُوْمِنُ باللهِ، ولكنِّي لا أُبالي بما يَقولُه"؟ حَقًّا؟ وهو يَقولُ إنَّ الكلمة "پيثو" (peitho) في العهدِ الجديد تُوحي بنتيجة خارجيَّة فِعليَّة للقنَاعة الداخليَّة والنَّتيجة المُترتِّبَة عنِ الإيمان".
فالإيمانُ يُفْضي إلى الطَّاعَة، ولكنَّهُ لا يُفْضِي إلى الطَّاعةِ الكامِلَة. أليسَ كذلك؟ فإيمانُكَ لا يُفْضِي إلى إطاعَتِكَ تَمامًا. صَحيحٌ أنَّهُ يَتوقُ إلى الطَّاعةِ، وأنَّهُ يُطيعُ حَقًّا، ولكنَّهُ لا يُطيعُ تَمامًا. ففي رسالة رُومية والأصحاحِ السَّابع، يَقولُ بولُس: "إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ". فأنا أَخوضُ مَعركةً معَ جَسدي. "لأَنَّ الإِرَادَةَ..." وكَمْ أُحِبُّ هذهِ الكلماتِ في العدد 18 مِن رُومية 7: "لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي". فهي تُريدُ أن تُطيع. وهي تَتوقُ إلى أن تُطيع. وهي تَشْتَهي أن تُطيع. فالإيمانُ يَعني الطَّاعة. والحقيقةُ هي أنَّ الكلمة في ذاتِها...فيُمكنكم أن تَرجِعوا إلى المُعجَمِ العَظيمِ الَّذي وَضَعَهُ "كيتل" (Kittel)، وأنْ تَبحثوا تَحديدًا عنِ الكلمة "پيستوو" (pisteuo) الَّتي شَرَحَها "رودلف بولتمان" (Rudolf Bultmann)، وَهُوَ عالِمٌ مُتَحَرِّرٌ في ألمانيا. ولكِنَّهُ يُشيرُ في كُلِّ شَرْحِهِ لهذه الكلمة إلى أنَّ الإيمانَ يَعني الطَّاعة. فإنْ قُلتَ إنَّكَ تُؤمِنُ ولكِنَّكَ لا تُطيع، فإنَّكَ تَقولُ في الحقيقة إنَّكَ لا تُؤمِن لأنَّكَ لو كُنتَ مُؤمِنًا لَفَعلتَ ما تُؤمِنُ به. فأنتَ تَتصرَّف بحسبِ ما تُؤمِنُ به. أليسَ كذلك؟ فما تُؤمِنُ بأنَّهُ صَحيح هو الَّذي يَحكُمُ ما تَفعل. وإن قُلتَ إنَّكَ تُؤمِنُ بِدونِ أنْ تَفْعَل فإنَّكَ تُناقِضُ نَفسكَ تمامًا. وبولس يَقول في رسالة رُومية والأصحاحِ السَّادس: "فَشُكْراً للهِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ عَبِيدًا لِلْخَطِيَّةِ، وَلكِنَّكُمْ أَطَعْتُمْ مِنَ الْقَلْبِ صُورَةَ التَّعْلِيمِ الَّتِي تَسَلَّمْتُمُوهَا. وَإِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيَّةِ صِرْتُمْ [بِنِعمةِ اللهِ] عَبِيدًا لِلْبِرِّ". إنَّها الطَّاعَة. والحقيقةُ هي أنَّنا نَقرأُ في إنجيل يُوحَنَّا والأصحاحِ الثَّالثِ، أعتقد في نِهايةِ الأصحاح...في العَدد 36: "الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَالَّذِي لاَ [يُطيعُ] الابْنَ لَنْ يَرَى حَيَاةً". فالإيمانُ والطَّاعةُ يُستخدَمانِ بالتَّبادُل. فإنْ كُنتَ تُؤمِنُ فإنَّكَ تُطيعُ. وإنْ كُنْتَ لا تُؤمِنُ فإنَّكَ لا تُطيع.
انظُروا إلى رسالة تِيطُس. فلا بُدَّ أن أُريكُم رسالة تيطُس 1: 15 و 16 لأنَّهُ مَقطعٌ مُهمٌّ جدًّا. وسوفَ نَختِمُ بِهِ. رِسالة تِيطُس 1: 15: "كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ، وَأَمَّا لِلنَّجِسِينَ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ شَيْءٌ طَاهِرًا، بَلْ قَدْ تَنَجَّسَ ذِهْنُهُمْ أَيْضًا وَضَمِيرُهُمْ. يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَلكِنَّهُمْ بِالأَعْمَالِ يُنْكِرُونَهُ، إِذْ هُمْ رَجِسُونَ غَيْرُ طَائِعِينَ، وَمِنْ جِهَةِ كُلِّ عَمَل صَالِحٍ مَرْفُوضُونَ". هل تُريدونَ أن تَسمعوا شيئًا مُدهِشًا؟ يَقولُ "هودجيز" (Hodges) في كِتابِهِ: "إنَّ هؤلاءِ النَّاسَ هُمْ مُؤمِنونَ حَقيقيُّونَ ولكنَّهُم مَرضَى رُوحيًّا". مُؤمِنونَ حَقيقيُّونَ ولكنَّهُم مَرضَى رُوحيًّا؟ رَجِسُونَ؟ وَغَيْرُ طَائِعِينَ؟ وَنَجِسونَ؟ ومَقيتونَ؟ وعُصاةٌ؟ ومَرفوضونَ مِنْ جِهَةِ كُلِّ عَمَل صَالِح؟ لا! فبولُس يَقول: "انظُروا! إنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَعترفونَ بأنَّهُم يَعرِفونَ اللهَ ويَدَّعونَ ذلكَ بالرَّغمِ مِن أنَّهُم يُنكِرونَهُ مِن خلالِ ما يَفعلونَهُ هُم أُناسٌ بَغيضونَ، وغيرُ مُطيعينَ، ومَرفوضونَ لأنَّهُم ضَالُّون". فَهُم غيرُ مُؤمِنين. وذِهنُهُم وضَميرُهم قد تَنَجَّس. فالعِصيانُ يُبَرهِنُ على عَدَمِ الإيمان. والطَّاعَةُ تُبرهِنُ على الإيمان.
وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الإيمانَ والأمانَةَ لم يَكونا مَفهومَيْنِ مُختَلِفَيْنِ تمامًا في نَظَرِ مُؤمِني القَرنِ الأوَّل لأنَّ الكلمتينِ كانتا تُستخدمانِ بالتَّبادُل. فإذا نَظرتَ إلى فِهْرِسِ الكِتابِ المُقدَّسِ وبَحثتَ عنِ الأمانَةِ والإيمان، ستُلاحِظُ إنْ كانَ لديكَ أيُّ مَرجِعٍ يُونانِيٍّ أنَّهُ يَستخدِمُ نَفسَ الكلمة. فالإيمانُ والأمانَة يَسيرانِ جَنْبًا إلى جَنْبٍ لأنَّ ما تُؤمِنُ بِهِ يُمْلي عليكَ كيفَ تُطيع. فإنْ كانَ لَديكَ إيمان، ستكونُ أمينًا للإيمانِ الَّذي لَديكَ. ويَقرِنُ العالِمُ الكَبيرُ "لايتفوت" (Lightfoot) الكَلِمَتينِ معًا حينَ يَقول: "الأشخاصُ الَّذينَ يُؤمِنونَ باللهِ هُمْ أيضًا راسِخونَ وغيرُ مُتزعزِعينَ في قِيامِهِم بواجِبِهم. فالأُمناءُ أوِ المُؤمِنونَ هُمُ الأُمناءُ المُطيعون". لِذا فإنَّ الإيمانَ المُخَلِّصَ عَطِيَّة. وهو دائمٌ. وهو مُطيعٌ. وأخيرًا، هُناكَ عُنصُرٌ آخَر للإيمانِ المُخَلِّص. وسوفَ أَختِمُ بهذا: إنَّهُ مُتواضِع. إنَّهُ مُتواضِع. وكي تَرَوْا ذلكَ، يَكفي أن تَنظُروا وَحَسْب إلى التَّطويبات: "طُوبَـى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوح". ويَمضِي المَقطَعُ في التحدُّثِ عنِ المَسْكَنَةِ في الرُّوحِ، والانكِسارِ، والتَّوبةِ، والحُزنِ، والوَداعَةِ، والجُوعِ والعَطَشِ إلى البِرِّ. "طُوبَـى لِلرُّحَمَاءِ. طُوبَـى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ. طُوبَـى لِصَانِعِي السَّلاَمِ. طُوبَـى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ. وكما تَرَوْنَ...والآن لاحِظوا ما يَلي جَيِّدًا: الإيمانُ الحقيقيُّ يَبتدئُ بالتَّواضُع، وبالانكِسار، وبالحُزن، وبالتَّوبة، وبالمَسْكَنَةِ الرُّوحيَّة. وَهُوَ يَبلُغُ الذُّروةَ بالطَّاعَةِ والصَّبْر. فهو مُتواضِعٌ. إنَّهُ مُتواضِعٌ. فالإيمانُ المُخَلِّصُ يُشبِهُ إيمانَ الطِّفلِ الصَّغير: "إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا [كما قالَ يَسوعُ في إنجيل مَتَّى 18: 3] وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ". فهو مُتواضِعٌ، ومُطيعٌ، ودائمٌ. وَهُوَ عَطِيَّة مِنَ الله. فلستَ أنتَ مَنْ أنشأَ هذا الإيمان، بل إنَّ اللهَ هو الَّذي وَهَبَهُ لَك. وَهُوَ الَّذي يَحفَظُهُ. أمَّا الأشخاصُ الَّذينَ يَتَّكِلونَ على حادِثَة مُعَيَّنة، أو على خَلاصٍ قائمٍ على ذِكرى لشعورٍ عاطفيٍ في وقتٍ في الماضي مِن دونِ أن يُحِبُّوا المَسيحَ، ومِن دونِ أن يَرغبوا في أعماقِهم في إطاعَتِه، فإنَّهُم لا يَنتمونَ إليه.
ومَرَّة أُخرى، أُذَكِّرُكم بتلكَ الآية المُهمَّة جدًّا وهي رسالة بُطرس الأولى 2: 7: "فإنَّ هذا الحَجَرَ هُوَ ثَمينٌ في نَظَرِكُم أنتُم المُؤمِنينَ بِهِ". وسأقولُ لكم كيفَ يُمكِنُكم أن تُمَيِّزوا المُؤمِن: بالنِّسبةِ إلى ذلكَ الشَّخص، المَسيحُ ماذا؟ ثَمين. ثَمين. فلا حاجةَ إلى المُجادَلَةِ بخصوصِ ما إذا كانَ يَنبغي أو لا يَنبغي أن يُطيعَ المَسيح. فهو ثَمينٌ في نَظَرِه. وَهُوَ يَتوقُ إلى الخُضوعِ لَهُ. أمَّا الأشخاصُ الَّذينَ لا يُؤمِنونَ، أيًّا كانَ اختِبارُهُم السَّابِقُ، فإنَّهُم ليسوا مُخَلَّصين. لِذا فإنَّ بولسَ يَقولُ في رسالَتِهِ الثَّانيةِ إلى أهلِ كورِنثوس 13: 5: "جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَان؟" استَمِعوا إلى هذه الكلمات. يَقولُ "زين هودجيز" (Zane Hodges) في كِتابِهِ: "لم يَكُن بولسُ قَلِقًا يَومًا بشأنِ خَلاصِ رَعاياه". وأنا أقتَبِسُ كَلامَهُ: "لا يوجد مَوضِع واحِد في رسائِل بولُس يُعَبِّرُ فيهِ عن شَكِّهِ في أنَّ مُستَمِعيه مُؤمِنونَ حَقيقيُّون. فاحتماليَّةُ أنَّهُم لم يَختبروا التَّجديدَ هي أبعدُ فِكرة عن ذِهْنِ بولُس" [نِهايةُ الاقتباس]. إذًا، لماذا يَقولُ لهم في رسالة كورنثوس الثَّانية 13: 5: "جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَان؟" وبالمُناسبة، فإنَّها آيَة لا يُناقِشُها "هودجيز". ولكِنْ مِنَ المؤكَّدِ أنَّ بولسَ كانَ يُبالي بِكونِهِم مُؤمِنينَ حَقيقيِّين، وبألَّا يَكونَ إيمانُهم زائفًا. وبِصِفتي راعيًا لهذه الكنيسة، فإنِّي أُبالي بالرَّعيَّةِ الَّتي ائتَمَنَني اللهُ عليها. فأنا لا أعِظُ بهذه الرِسالةِ وبهذه السِّلسلةِ مِنَ العِظاتِ على مَسامِعِكُم كي أَصِلَ إلى مُستمِعينَ خارِجَ هذه الكنيسة، بل كي أُبَيِّنَ لكم أهميَّةَ أن تُمَيِّزوا حالَتَكُم الروحيَّة. وليتَ اللهَ يُعطيكُم إيمانًا حقيقيًّا مُخَلِّصًا يَمْتازُ بأنَّهُ عَطيَّة دائمة تَبتدئُ بالتَّواضُعِ والانكِسارِ على الخطيَّة، وتَبلُغُ الذُّروةَ بالطَّاعَةِ للبِرّ. فهذا هو الإيمانُ الحَقيقيُّ. وَهُوَ عَطيَّة لا يُعطيها أحدٌ سِوى الله. وإن كُنتَ تَرغَبُ فيها، صَلِّ واطلُب مِنهُ أن يُعطيها لَك. دَعونا نَحني رُؤوسَنا مَعًا:
يا أبانا، نَشكُرُكَ على وَقتِنا في هذا المَساء. ونَشكُرُكَ على كَلِمَتِكَ إلينا. ونَشكُرُكَ على كُلِّ ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ بوضوحٍ تَامٍّ عن هذه الأمور. ونحنُ لم نَتَعَمَّق بعد في الموضوع. اجعَلنا أُمناءَ، يا رَبُّ، وأعْطِنا أنْ نَبقى راسِخينَ في ذلكَ الإيمانِ الحَقيقيِّ، وأنْ نَصيغَ إنجيلِ المَسيحِ المُخَلِّصِ بطريقة مَرْضِيَّة أمامَكَ كي لا يَكونُ الرِّجالُ والنِّساءُ مَخدوعينَ، بل كي يَخلُصوا. ونُصَلِّي بِنِعمَتِكَ أن تُخَلِّصَ خُطاةً حَتَّى في هذا المَساء. باسْمِ يَسوع. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
