إنَّ التحدُّثَ عن كُلْفَةِ التَّلمذةِ في مُجتمعِنا قد لا يَكونُ الشَّيءَ الأكثر إلحاحًا مِن وُجهةِ نَظَرِ المُستمعِ الآن، ولكنَّهُ حَديثٌ قد يَصيرُ أكثرَ إلحاحًا في الأيَّامِ المُقبِلَة. ولو كُنَّا نَعيشُ في أوروبَّا الشَّرقيَّة في هذا المساء لَكُنَّا نَتحدَّثُ عن مَوضوعٍ عَزيزٍ جدًّا على قُلوبِ المُستمِعين. والحقيقةُ هي إنِّي أجرؤُ على القولِ إنَّهم يَعرفونَ تمامًا كُلْفَةَ التَّلمذة حَتَّى إنَّهُ رُبَّما لا حاجة إلى التحدُّثِ عنه أصلاً إلَّا مِن أجلِ تَشجيعِهم. وبصراحَة، إنَّ الأسلوبَ الَّذي سأتَّبِعُهُ في هذه الرِّسالة لا حاجَةَ لَهُ على الإطلاق لأنَّهُ إنْ كُنتَ تَعيشُ في بَلَدٍ يَدفَعُ فيهِ الإنسانُ ثَمَنًا باهِظًا إنْ نَطَقَ باسمِ يسوعَ المسيحِ، لن يكونَ هُناكَ شَخصٌ يَفعلُ ذلك ما لم يَكُن مُستعدًّا لدفعِ ذلكَ الثَّمَن. فلا يوجد مُؤمِنونَ سَطحيُّونَ غيرُ مُكَرَّسين. فما الَّذي يَدفَعُهم إلى دَفعِ الثَّمَن؟ وبالرَّغمِ مِن ذلك، فقد تَبَنَّيْنا في مُجتمعِنا هنا هذا اللَّاهوتَ العَجيبَ الَّذي يَقولُ إنَّهُ يُمكِنُكَ أن تكونَ تِلميذًا مِن دونِ أن تَقلَقَ بخصوصِ التَّكريس. والحقيقة هي أنَّهُ يُمكنُكَ أن تكونَ مؤمِنًا مِن دونِ أن تكونَ تِلميذًا. والأشخاصُ الَّذينَ يُعَلِّمونَ ذلكَ يَقولون: "أجل، لا شَكَّ في أنَّ يَسوعَ يَقْرِنُ في العهدِ الجديدِ الكُلفَةَ الباهِظَةَ بالتَّلمذة، ولكِن لا حاجةَ إلى القَلقِ بهذا الشَّأن لأنَّ ذلكَ الكَلامَ يَختصُّ بالمؤمنينَ المُتقدِّمين. أمَّا المؤمِنونَ المُبتَدِئونَ فلا حاجةَ إلى أن يَدفعوا أيَّ ثَمَنٍ على الإطلاق".
ولكي أُريكُم مَدى انتشارِ هذا الرَّأي، فإنَّ واحدةً مِن أشهَرِ الصُّحُفِ المُحافِظَةِ وأكثرها قِراءةً في أمريكا هي صَحيفة تُدعى "سَيْفُ الرَّبِّ" (The Sword of the Lord). وفي صَحيفةِ سَيْفِ الرَّبِّ، في عَدَدِها الصَّادِر في الثَّامِن مِن شهر كانون الثَّاني/يناير سنة 1988، أيْ في هذه السَّنة، كَتَبَ المُحَرِّرُ ما يَلي مُشيرًا إلى ما جاءَ في إنجيل لوقا 9: 57-62. واسمَحوا لي أن أقرأَ ما جاءَ في تلكَ الآيات. ففي لوقا 9، يَتحدَّثُ الرَّبُّ عنِ التَّلمذة. وابتداءً مِنَ العدد 57، نَقرأُ ما يَلي: "وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ فِي الطَّرِيقِ قَالَ لَهُ وَاحِدٌ: «يَا سَيِّدُ، أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ، وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ». وَقَالَ لآخَرَ :«اتْبَعْنِي». فَقَالَ: «يَا سَيِّدُ، ائْذَنْ لِي أَنْ أَمْضِيَ أَوَّلاً وَأَدْفِنَ أَبِي». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ فَاذْهَبْ وَنَادِ بِمَلَكُوتِ اللهِ». وَقَالَ آخَرُ أَيْضًا: «أَتْبَعُكَ يَا سَيِّدُ، وَلكِنِ ائْذَنْ لِي أَوَّلاً أَنْ أُوَدِّعَ الَّذِينَ فِي بَيْتِي». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْمِحْرَاثِ وَيَنْظُرُ إِلَى الْوَرَاءِ يَصْلُحُ لِمَلَكُوتِ اللهِ»".
وقد قالَ كاتِبُ صَحيفَةِ "سَيْفِ الرَّبِّ" ما يَلي: "إنَّ هذا المَقطَعَ لا يَمِتُّ بأيِّ صِلَة للخلاص. فهذه الدَّعواتُ هي ليست دَعواتٍ إلى الخلاص، بل هي دَعواتٌ إلى التَّلمذة. وماك آرثر، حَالُهُ حالُ كثيرينَ، يَخلِطُ بينَ التَّلمذةِ والخلاص، ويَستخدِم آيات تَتحدَّث عنِ التَّلمذةِ في مُحاولةٍ لإثباتِ أنَّهُ يجبُ على الخاطِئِ أن يَتخلَّى عن كُلِّ ما لَهُ وكُلِّ ما لَديهِ كي يَقبلَ المَسيح. وهذا، ببساطة، غيرُ صَحيح. فلا توجد آية واحدة في الكتابِ المقدَّسِ تَطلُبُ مِنَ الخاطئِ أن يَتخلَّى عن كُلِّ ما لَديهِ كي يَخلُص". مَن هو التِّلميذ؟ هل هو شَخصٌ يَختلِفُ عنِ المَسيحيّ؟ مِنَ الواضح تمامًا في الكتابِ المقدَّسِ أنَّ يَسوعَ يَدعو النَّاسَ إلى اتِّباعِه. ولكِنَّ ذلكَ الكاتِبَ يَقولُ إنَّ هذا الأمرَ لا صِلَةَ لَهُ البَتَّة بالخلاص. لا صِلَةَ لَهُ؟ فكُلُّ دَعواتِ يَسوعَ إلى التَّلمذة، هل هي شيءٌ مُختلفٌ عنِ الخَلاص؟ وكما تَرَوْنَ فإنَّ الكلمة "تِلميذ" جُزءٌ مِنْ إيمانِنا المسيحيِّ حَتَّى إنَّنا لا نَجِدُ لها أيَّ مَعنى يُذْكَر خارجَ المسيحيَّة. فأنتُم لا تَسمعونَ تلكَ الكلمة خارجَ المسيحيَّة. ولكنَّها تُستَخدَمُ 262 مَرَّةً في العهدِ الجديد. فالكلمة هي "ماثيتيس" (mathetes)، الَّتي يُشيرُ جَذرُها إلى أن تَكونَ مُتَعَلِّمًا، ولكنَّها تُشيرُ إلى ما هو أكثر مِن ذلك. فالمَعاجِمُ تُخبرُنا أنَّها تُشيرُ إلى: "شخصٍ يُشارِك عَلاقةً وَطيدةً وَحميمَة معَ شخصٍ آخر". وإليكُم هذا الاقتباس: "التِّلميذُ شخصٌ يَسمَعُ دَعوةَ يَسوعَ ويَتبَعُهُ. ويجب عليهِ أن يَفعلَ مَشيئةَ اللهِ، وَحَتَّى أنْ يُلْزِمَ نَفسَهُ دُونَ أيِّ تحَفُّظٍ باتِّباعِ شَخصِ يَسوعَ، وأن يَمضي حَتَّى الموتِ وَبَذْلِ حَياتِهِ بِدافِعِ مَحَبَّتِهِ لَهُ". فهذا هو ما يَقولُهُ "ليون دوفور" (Leon Dufour) في دِراسَتِهِ الرَّائعةِ للُغَةِ العهدِ الجديد.
فالتَّلمذةُ لا تَعني فقط أن تَكونَ مُتَعَلِّمًا، بل أن تَكونَ تابِعًا مُقَرَّبًا، وأن تَتمتَّعَ بعلاقةٍ وَطيدةٍ، وأن تَتبَعَ حَتَّى الموتَ بِدافِعِ مَحَبَّتِك. فلا شَكَّ في حَقيقةِ أنَّ الرِّسالةَ الوحيدةَ الَّتي نَادى بها يَسوعُ يَومًا هي رسالةُ تَلمذَة. فالدَّعوةُ الَّتي قَدَّمَها يَسوعُ كانت دَعوةً لاتِّباعِه، ودَعوةً للخُضوع، ودَعوةً للطَّاعة. فهي لم تَكُن يَومًا التِماسًا لاتِّخاذِ قَرارٍ في لَحظةٍ مُعَيَّنةٍ مِن أجلِ الحُصولِ على الغُفرانِ والسَّلامِ والسَّماء، ثُمَّ أن تَمضي وتَعيشَ كَما يَحلو لَك. فدعواتُ يَسوعَ للضَّالِّينَ كانت دائمًا دَعوات مُباشِرة إلى تَكريسٍ باهِظِ الثَّمن. استمعوا إلى ما جاءَ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 13، وإلى المَثَلِ المَعروفِ في العدد 44: "أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ كَنْزًا مُخْفىً فِي حَقْل، وَجَدَهُ إِنْسَانٌ فَأَخْفَاهُ. وَمِنْ فَرَحِهِ مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَى ذلِكَ الْحَقْلَ. أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا تَاجِرًا يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً، فَلَمَّا وَجَدَ لُــؤْلُــؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَاهَا". والآن، نَحنُ نَعرِفُ هَذينِ المَثَلَيْن. فهناكَ شخصٌ وَجَدَ كَنْزًا مُخْفىً في حَقْل، فباعَ كُلَّ ما كانَ لَهُ واشتَراه. وهُناكَ شخصٌ آخر وَجَدَ لُؤلؤةً فباعَ كُلَّ ما كانَ لَهُ واشتَراها. وهذا يعني أنَّهُ عندما يَتقابَلُ الإنسانُ معَ إنجيلِ يَسوعَ المَسيحِ المُخَلِّصِ فإنَّهُ يَتخلَّى على كُلِّ ما هُوَ لَهُ، ويُديرُ ظَهرَهُ للحَياةِ بأسرِها كي يَقبَلَ المسيح.
ولكِنْ ما الَّذي يَفعلُهُ الأشخاصُ الَّذينَ يُريدونَ أن يُقنعونا بأنَّ هذه ليست دَعوة إلى الخَلاص حينَ يَقرأونَ هذا المَقطَع؟ إليكُم ما يَفعلونَهُ. إنَّهُم يَقولونَ إنَّ ما يُعَلِّمُهُ المَثَلُ لا صِلَةَ لَهُ بالخلاص. فالشَّخصُ الَّذي وَجَدَ كَنزًا، والشَّخصُ الَّذي وَجَدَ لُؤلؤةً هو المَسيح. والكَنْزُ هو الكنيسة. واللُّؤلؤةُ هي الكنيسة. وهذا مَثَلٌ عنِ المسيحِ الَّذي يَشتري الكنيسةَ، ويُضَحِّي بكُلِّ ما لديهِ كي يَشتري الكنيسة. واسمَحوا لي أن أقولَ لكم شَيئًا: أوَّلاً، الحَقلُ هُنا...إنَّهُم يَقولونَ إنَّ الحَقلَ هو العالَم. لِذا فإنَّ الشَّيءَ المَدفونَ في العالَمِ هو الكنيسة. ولماذا نَقولُ إنَّ الحَقلَ هو العالَم؟ وَهُم يَقولون: "في المَثَلِ الآخرِ عنِ الحِنْطَةِ والزَّوان، الحَقلُ هو العالَم". حَقًّا؟ ولكنَّهُ مَثَلٌ آخر! ففي مَثَلِ أنواعِ التُّربة، الحَقلُ هو القلب. لِذا، لا يُمكِنُنا بالضَّرورة أن نُفَسِّرَ هذا المَثَلَ بأنْ نَنْتَقى اعتِباطًا مَثلاً آخرَ يَبدو أنَّهُ يُوافِقُ التَّفسيرَ الَّذي يُعجِبُنا.
كذلك، لم يَكُن يَسوعُ يَحرُثُ وَحَسْب في العالَم فعَثَرَ صُدْفَةً على الكنيسةِ بحالةٍ سَليمة. وهو لم يَجولُ طَوالَ حَياتِهِ في العالَمِ بَحثًا عنِ الكنيسةِ الثَّمينة جدًّا. فالكنيسةُ، قبلَ أن يَفديها الرَّبُّ، لم تَكُن ثَمينةً ولا قَيِّمَةً. فهي لم تَكُن كَنْزًا ولم تَكُن جَميلة. والمسيحُ لم يَشتري الكنيسةَ لأنَّهُ اكتشفَ قيمَتَها الهائلة. كما أنَّ المسيحَ قالَ هذهِ الأمثالَ للتَّلاميذِ كي يُعلِنَ أسرارَ المَلكوتِ، لا ليَشرَحَ الكَفَّارَةَ مِن وُجهَةِ نَظَرِ الله. ولكِنَّ هذا هو الشَّطَطُ الَّذي سيَصِلُ إليهِ المُفَسِّرُ عندما يُريدُ أن يُلغي إنجيلاً يُطالِبُ الإنسانَ بالتَّخلِّي عن كُلِّ شيءٍ مِنْ أجلِ قَبولِ المسيح. وهُناكَ كَلماتٌ قَويَّة جدًّا في إنجيل مَرقُس 10: 21. وإليكُم ما جاءَ فيها: "فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوعُ [أيْ إلى الحاكِمِ الشَّابِّ]...، وَقَالَ لَهُ: «يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ: اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ". إنَّها نَفسُ الرِّسالة: هل تُريدُ الحياةَ الأبديَّة؟ تَخَلَّ عن كُلِّ ما لَديكَ وخُذِ الكَنزَ.
وهذه ليستِ الدَّعوة القويَّة الوحيدة ليسوعَ إلى التَّلمذة. ففي إنجيل مَتَّى والأصحاحِ العاشِر، نَجِدُ مَقطعًا مَعروفًا جدًّا لدينا. وسوفَ نَرجِعُ إليهِ لاحقًا. إنجيل مَتَّى 10: 32: "فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِـي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، وَلكِنْ مَنْ يُنْكِرُنـِــي قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا. فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ. مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِــي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِــي، وَمَنْ لاَ يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُنـِــي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِـي. مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِــي يَجِدُهَا". إنَّها دَعوة قويَّة إلى التَّكريسِ الكامِل.
وفي إنجيل لوقا والأصحاح 14، نَسمَعُ صَدى نَفسِ المُستوى مِنَ التَّكريس إذْ نَقرأُ في العدد 25: "وَكَانَ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ سَائِرِينَ مَعَهُ، فَالْتَفَتَ وَقَالَ لَهُمْ [وَهُوَ يُحَدِّثُ الجُموعَ]: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا". والآن، قد يَقرأُ شخصٌ هذهِ الكلماتِ ويقول: "حسنًا! هذا الكَلامُ...هذا الكَلامُ قَاسٍ جدا. ولا يُمكِنُ أن يُشيرَ إلى الخَلاص. لِذا، يجب على التِّلميذِ أن يَكونَ مُؤمِنًا مِنَ المُستوى المُتقدِّم. فيجب على هؤلاءِ أن يكونوا مُؤمِنينَ أصلاً". إذًا، أخبروني لماذا يُقدِّمُ هذه الرِّسالةَ إلى الجُموع؟ لماذا يُقدِّمُها إلى الجُموع؟ مِنَ الواضح تمامًا أنَّهُ يَتحدَّثُ إلى أشخاصٍ غيرِ مُؤمِنين. ومِنَ الواضحِ جدًّا أنَّهُ يَتحدَّثُ إلى أشخاصٍ لا يَعرفونَهُ. وفي إنجيل يُوحنَّا 8: 31، قالَ يَسوع: "إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلاَمِيذِي". ويَقولُ يَسوعُ في إنجيل يوحنَّا 15: 8: "تَلاميذي الحَقيقيُّونَ يأتونَ بِثَمر". وكُلُّ نَصٍّ مِن هذهِ النُّصوصِ (مَتَّى 13، ومَتَّى 10، ولوقا 14، ويوحنَّا 8، ويوحنَّا 15) كُلُّها نُصوصٌ يَدعو فيها يَسوعُ أُناسًا إلى الخَلاص. وبالرَّغمِ مِن ذلك، هُناكَ أُناسٌ كثيرونَ يُنكِرونَ أنَّ هُناكَ أيَّ دَعوة كَهَذِهِ يَنطوي عليها الخَلاص. فَهُمْ يَقولون: "آمِن فَقَط وَاحُصل على العَطيَّة". "آمِن فقط واحصُل على العَطيَّة".
ومَرَّةً أخرى، أعودُ إلى ما قَرأتُهُ في كِتابٍ بعُنوان: "الجِياعُ يَرِثون" (The Hungry Inherit) إذْ يَكتُبُ المُؤلِّف: "مِنَ المُؤسِفِ جدًّا أنَّ دُخولَ الإنسانِ إلى مَلكوتِ اللهِ لا يَتوقَّف على تَلمَذَتِه. فلو كانَ الأمرُ كذلك، سيكونُ عددُ مَنْ يَدخُلونَ ذلكَ المَلكوت قَليلاً جدًّا" [نِهايةُ الاقتباس]. أوه! أليسَ هذا هو تَمامًا ما قالَهُ يَسوع؟ "مَا أَضْيَقَ الْبَابَ... [وماذا؟] وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ!" ولكِنْ لأنَّ هؤلاءِ المُعَلِّمينَ يُريدونَ أن يَفترِضوا أنَّ هُناكَ أعدادًا أكبرَ ستَخلُص فإنَّهُم يقولونَ إنَّ الإنسانَ يَستطيعُ أن يَكونَ مُؤمِنًا مُخَلَّصًا مِن دونِ أن يكونَ تِلميذًا مُطيعًا. لِذا فإنَّهُم يُنادونَ بوجودِ مُستوَيَيْنِ مِنَ الحياةِ الرُّوحيَّة. المُستوى التَّمهيديُّ هو مُستوى عَدَمِ التَّكريسِ، والعِصيانِ، وحَتَّى المُؤمِنِ الَّذي لا يُؤمِن والَّذي اتَّخَذَ قَرارًا آنِيًّا بِقَبولِ الخلاصِ ولكنَّهُ لا يَرغبُ في اتِّباعِ المسيح. وَهُمْ يُسَمُّونَ ذلكَ الشَّخصَ غَالِبًا: "مَسيحيٌّ جَسديٌّ". وَهُمْ يَأمَلونَ في أنَّ ذلكَ الشَّخصَ سيَنتقِلُ ذاتَ يَومٍ إلى المُستوى المُتقدِّم. والمُستوى المُتقدِّم هو التِّلميذ. وفي هذا المُستوى، تَجِدونَ الأشخاصَ المُطيعينَ والمُكَرَّسينَ الَّذينَ يُحِبُّونَ الرَّبَّ ويَعبُدونَهُ، والَّذينَ يُديرونَ ظَهرَهُم لحياتِهم السَّابقة ويَتوقونَ إلى عَيشِ الحياةِ الجديدة. وَهُم ليسوا كامِلين، ولكِنَّ شَوقَ قُلوبِهم وثَمَرَ حَياتِهم يُظهِرُ عَمَلَ اللهِ.
فالأشخاصُ الَّذينَ يَنتمونَ إلى المُستوى التَّمهيديِّ [كما يَدَّعي هؤلاء] هُم أُناسٌ مُخَلَّصونَ. ولكِنَّ الطَّريقةَ الوحيدةَ الَّتي يُمكِنُهم مِن خلالِها أن يَعلَموا أنَّهُم مُخَلَّصونَ هي أن يَتذكَّروا القَرارَ الَّذي اتَّخذوهُ في الماضي. فهذا هو كُلُّ اليَقينِ الَّذي تَحتاجُ إليهِ [بِحَسَبِ قَولِهم]. فإن أردتَ أن تَكونَ مُتيقِّنًا، ابحَث وَحَسْب في ماضيكَ، وتَذكَّر اللَّحظةَ الَّتي آمَنْتَ فيها. ولا شَكَّ في أنَّكَ إذا تَمادَيْتَ كَثيرًا في عَدَمِ إيمانِكَ وعِصيانِكَ فإنَّكَ لستَ بحاجة إلى التَّيقُّنِ مِن شَيءٍ لا تُبالي بِهِ أصلاً. لِذا فإنَّها نُقطة عَقيمة. ولكِنَّهُم يَقولونَ لنا إنَّهُ يَكفي أن يُؤمِنَ المَرءَ وَحَسْب، وأن يَقبَلَ العَطيَّةَ مِن دونِ أن يَتوبَ، ومِن دونِ أن يَعتَرِفَ بيسوعَ رَبًّا، ومِن دونِ أن يُسَلِّمَ حَياتَهُ لَهُ. وَهُم يَقولونَ إنَّ هؤلاءِ المُؤمِنينَ لن يَنالوا المُكافأةَ. فبسببِ هذا الفَرْقِ بينَ الفَريقَيْن، هُناكَ فَرقٌ بينَ المُؤمِنِ والتِّلميذ. ولكِنْ هُناكَ ما هو أكثر مِن ذلك. فهذا النَّوعُ مِنَ التَّفكيرِ يُغَيِّرُ تَمامًا خِدمةَ المَسيحِ بِأسرِها لأنَّنا نَرى فَجأةً أنَّهُ عِوَضًا عن يَدعو يَسوعُ خُطاةً إلى الخَلاصِ فإنَّهُ يَدعو مُؤمِني المُستوى التَّمهيديِّ إلى الانتقالِ إلى المُستوى المُتقدِّم. والشَّخصُ الَّذي قيلَ عنهُ بوضوحٍ تامٍّ إنَّهُ جاءَ ليَطلُبَ ويُخَلِّصَ الخُطاةَ، وإنَّهُ لم يأتِ ليَدعو أبرارًا بل خُطاةً إلى التَّوبةِ، هو ليسَ كارِزًا حَقًّا، بل هو واعِظٌ يَدعو النَّاسَ إلى حَياةٍ أكثرَ عُمْقًا. وهذا يُغَيِّرُ تَمامًا خِدمةَ رَبِّنا مِن كارِزٍ إلى شخصٍ يَدعو المُؤمِنينَ الَّذينَ يَعيشونَ في الخطيَّة، ويُنكرونَ اللهَ والمَسيحَ، ويَعصونَ، وليسوا مُكَرَّسينَ، يَدعوهُم إلى إصلاحِ حَالِهم. ولكِن هل هذهِ هي خِدمةُ يَسوع؟ لا أعتقدُ ذلك. والحقيقةُ هي أنِّي مُتيقِّنٌ مِن أنَّها ليست كذلك.
فأنا أُوْمِنُ بأنَّ كُلَّ مُؤمِنٍ مَسيحيٍّ هو تِلميذ، وبأنَّ كُلَّ مُؤمِنٍ مَسيحيٍّ هو تابِعٌ للمسيح. صَحيحٌ أنَّ بعضًا مِنَّا يَتبعونَهُ بأمانَةٍ أكثر مِن غَيرِهم، ولكِنَّ كُلَّ مُؤمِنٍ حَقيقيٍّ قد كَرَّسَ نَفسَهُ (أو كَرَّسَتْ نَفسَها) لاتِّباعِ يسوعَ المسيح. وأنا أُوْمِنُ، كما رأينا مِن قَبْل، بأنَّكَ قد تَكونُ تابِعًا ليسوعَ مِن دونِ أن تَكونَ مُؤمِنًا مَسيحيًّا حَقيقيًّا. فقد تَتْبَعُهُ مِن دونِ أن يَتغيَّر قَلبُكَ وتَقول: "يا رَبّ، يا رَبّ". ولكنَّهُ سيقولُ لَك: "إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكَ قَطّ!" ونَحنُ نَقرأُ في إنجيل يُوحنَّا 6: 66: "مِنْ هذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ، وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ". وهؤلاءِ يُشبِهونَ أولئكَ الَّذينَ أرادوا أن يَتبَعوا يَسوعَ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الثَّامِنِ، ولكِنْ مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُم لم يُبدوا الاستعدادَ لتكريسِ أنفُسِهم مَهما كَلَّفَ الأمر. فقد كانوا الأشخاصَ الَّذينَ قَرأنا عنهُم سابقًا، والذين قالوا: "دَعني أذهبُ وأفعَلُ كذا" أو "دَعني أذهبُ وأفعلُ كذا" أو "دَعني أذهبُ وأفعلُ كذا". فقالَ لِكُلِّ واحدٍ مِنهُم: "أنتَ لا تَستَحِقُّ أن تَكونَ تِلميذًا لي". لِذا، هُناكَ فئةٌ مِنَ التَّلاميذِ [إنْ جازَ التَّعبير] الَّذينَ لم يكونوا حَقيقيِّينَ، ولكِنْ لا يوجد مُؤمنونَ ليسوا تَلاميذًا. فالإيمانُ يَعني ببساطة أنَّنا قد دَخلنا في عَلاقةٍ بيسوعَ المسيحِ حيثُ إنَّنا نَتْبَعُهُ. صَحيحٌ أنَّنا لا نَتْبَعُهُ مِئَة بالمِئة. وأرجو أن تَفهموا أنَّنا لا نَتْبَعُهُ بإرادَتِنا المَحْضَة وجَسَدِنا، بل نَتْبَعُهُ لأنَّ اللهَ غَيَّرَنا، بِمُقتَضَى نِعْمَتِهِ وسِيادَتِهِ، وَجَعَلَنا تَابِعين.
فالكلمة "تِلميذ" لم تُطلَق قَطّ في الكتابِ المقدَّسِ على مُؤمِنينَ مِنَ المُستوى المُتقدِّم. والحقيقةُ هي أنَّ الكِرازَةَ نَفسَها تَعني: "إعدادُ تَلاميذ". وهذا واضحٌ تمامًا في إنجيل مَتَّى. فهل تَذكُرونَ الوَصيَّةَ العُظمَى؟ فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 28: 19: "فَاذْهَبُوا [وافَعلوا ماذا؟] وَتَلْمِذُوا". "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَم". وكيفَ تُتَلمِذوهُم؟ "وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ". فهذه هي الكِرازَة. فيجب أن تَجعلوهُم يُسَمُّونَ عَلَنًا اسمَ يَسوعَ المسيح، وأنْ يَعْتَمِدوا عَلَنًا إقرارًا بإيمانِهم، ثُمَّ أنْ يَعْقِدوا العَزْمَ على أن يَعيشوا حَياةَ الطَّاعَة. فهذا هو مَعنى إعدادُ تَلاميذ. فنحنُ مَدعُوُّونَ إلى إعدادِ تَلاميذ. وواحِدةٌ مِنَ الرِّواياتِ الأُخرى للمأموريَّةِ العُظمَى هي ما جاءت في إنجيل مَرقُس 16: 15 إذْ قال: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا". فمَتَّى يَقولُ: "تَلمِذوا". ومَرقُس يَقولُ: "اكرِزوا بالإنجيل" لأنَّ الاثنينِ واحدٌ ويُعَبِّرانِ عنِ الشَّيءِ نَفسِه. "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ". ونَقرأُ في إنجيل لوقا: "وَقَالَ لَهُمْ: «هكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ". وهذا يُضيفُ كَلماتٍ أخرى إلى تلكَ المأموريَّةِ العُظمَى: "وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَم".
فَمَتَّى يَقولُ: "تَلْمِذوا". ومَرقُس يَقولُ: "اكرِزوا بالإنجيل". ولوقا يَقولُ: "اكرِزوا بالتَّوبةِ لأجلِ المَغفِرَة، وَتَكَلَّموا عن مَوتِ المسيحِ وقِيامَتِه". وهي كُلُّها واحِدٌ وتَعني الشَّيءَ نَفسَهُ. لِذا فإنَّ المأموريَّةَ العُظمى تَعني أن تَكرِزَ بموتِ المسيحِ وقيامَتِه، وأن تَكرِزَ بالتَّوبةِ لغُفرانِ الخطايا، وأن تَدعو إلى الإيمانِ لإعدادِ تَلاميذ. وهذا يُلَخِّصُ الأمرَ بِجُملَتِه. فإرساليَّةُ الكنيسةِ هي أن تُعِدَّ تَلاميذًا، وأن تَأتي بالنَّاسِ إلى عَلاقَةٍ وَطيدةٍ باللهِ مِن خلالِ الإيمانِ بيسوعَ المسيح. فالتَّلاميذُ أشخاصٌ يُؤمِنونَ بالإنجيل، وأُناسٌ يَترُكونَ خَطاياهُم كي يَقبَلوا غُفرانَ اللهِ، وأُناسٌ تَغَيَّرَتْ حَياتُهم فَحَفَزَهُم ذلكَ على إطاعَةِ ما أَوصَاهُمُ الرَّبُّ بِهِ. فالكلمة "تِلميذ" تُستخدَمُ ككلمة مُرادِفة للكلمة "مُؤمِن". استَمِعوا جَيِّدًا إلى نُصوصٍ مِنَ السِّجِلِّ الرَّائعِ والبَديعِ للكنيسةِ الأولى وَهُوَ سِفْرُ أعمالِ الرُّسُل إذْ نَقرأُ في العددِ الأوَّلِ مِنَ الأصحاحِ السَّادس: "وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ إِذْ تَكَاثَرَ التَّلاَمِيذُ، حَدَثَ تَذَمُّرٌ مِنَ الْيُونَانِيِّينَ عَلَى الْعِبْرَانِيِّينَ أَنَّ أَرَامِلَهُمْ كُنَّ يُغْفَلُ عَنْهُنَّ فِي الْخِدْمَةِ الْيَوْمِيَّةِ. فَدَعَا الاثْنَا عَشَرَ جُمْهُورَ التَّلاَمِيذِ وَقَالُوا: لاَ يُرْضِي أَنْ نَتْرُكَ نَحْنُ كَلِمَةَ اللهِ وَنَخْدِمَ مَوَائِد".
والآن، نَقرأُ أنَّ التَّلاميذَ كانوا يَتكاثَرونَ، وأنَّ الاثنَي عَشَرَ دَعَوْا جُمهورَ التَّلاميذ. ولا يُمكِنُ لهذا أن يَعني أيَّ شيءٍ سِوى المُؤمِنين. فمِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ لا يَعني أنَّهُم فَرَزوا جَميعَ المُؤمِنينَ المُتقدِّمينَ وعَقدوا اجتماعًا خاصًّا لَهُم. فنحنُ نَقرأُ في العددِ السَّابِع: "وَكَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ تَنْمُو، وَعَدَدُ التَّلاَمِيذِ يَتَكَاثَرُ جِدًّا". "اهتداءٌ"..."مُؤمنون"..."تَلاميذ" – إنَّها تَعني الشَّيءَ نَفسَهُ. وفي الأصحاحِ الحادي عَشَر مِن سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل، أعتقد في العدد 26، نَقرأُ ما يَلي: "وَلَمَّا وَجَدَهُ جَاءَ بِهِ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ. فَحَدَثَ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا فِي الْكَنِيسَةِ سَنَةً كَامِلَةً وَعَلَّمَا جَمْعًا غَفِيرًا". ثُمَّ استَمِعوا إلى ما جاءَ هُنا: "وَدُعِيَ التَّلاَمِيذُ «مَسِيحِيِّينَ» فِي أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلاً". وبَرنابا هو الشخصيَّة الرئيسيَّة هُنا. وكانَ التَّلاميذُ قد دُعُوْا "مَسيحيِّينَ" في أنطاكِيَة أوَّلاً. ولا بُدَّ أنَّ الكلمة "تِلميذ" تَعني "مُؤمِن" إن كانَتِ الكلمة "مَسيحيّ" تَعني: "مُؤمِن". فالكلمة "مُؤمِن" أو "تِلميذ" أو "مَسيحيّ" تَعني كُلُّها الشَّيءَ نَفسَهُ. ونَقرأُ في الأصحاح 14 والعَدد 20: "وَلكِنْ إِذْ أَحَاطَ بِهِ التَّلاَمِيذُ، قَامَ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ". ولا بُدَّ أنَّ هَذا الكَلامُ يَخُصُّ المُؤمِنينَ الَّذينَ أَحَاطُوا ببولسَ عندَ رَجْمِه. "وَفِي الْغَدِ خَرَجَ مَعَ بَرْنَابَا". ويُمكِنُكم أن تَروا الآنَ أنَّ المسيحيِّينَ يُدْعَوْنَ "تُلاميذ". ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاح 15 والعَدد 10: "فَالآنَ لِمَاذَا تُجَرِّبُونَ اللهَ بِوَضْعِ نِيرٍ عَلَى عُنُقِ التَّلاَمِيذِ لَمْ يَسْتَطِعْ آبَاؤُنَا وَلاَ نَحْنُ أَنْ نَحْمِلَهُ؟" كما يَقولُ بُطرُس.
إذًا، الكلمة "مُؤمِن" أو "تِلميذ" أو "مَسيحيّ" تَعني الشَّيءَ نَفسَهُ. فلماذا نَصنَعُ فَرقًا بينَها؟ لماذا يَفعلُ النَّاسُ ذلك؟ أقولُ مَرَّةً أخرى: لأنَّهُم يَخافونَ مِن أنَّهُ إنْ وَضَعْتُمْ شُروطًا للخلاصِ فإنَّكُم ستؤثِّرونَ سَلبيًّا في النِّعمَة. بعبارة أخرى، إنَّهُم يُريدونَ أن يكونَ الخَلاصُ بالنِّعمةِ المَحْضَة: "آمِن وَحَسْب". بالنِّعمةِ المَحضَة: "لا تَفعل شيئًا، بل آمِن وَحَسْب". وَهُم يَقولونَ: "إنْ أَضفتَ إلى ذلكَ أنَّهُ يجبُ على المرءِ أن يَترُكَ خَطيَّتَهُ، أو أن يَعترفَ بخطيَّتِهِ، أو أن يَتوبَ عن خَطيَّتِهِ، أو أن يَخضَعَ للمسيحِ، تكونُ قد أضفتَ كُلَّ هذهِ الأعمالِ البشريَّةِ إلى النِّعمة". ولكِنَّ هذا غير صَحيح. فكُلُّ ما قُلتَهُ هو أنَّهُ عندما يُخَلِّصُ اللهُ شخصًا بالنِّعمةِ فإنَّهُ يَفعلُ هذا كُلَّهُ. فكُلُّ ذلكَ مَشمولٌ بتلكَ النِّعمةِ المُخَلِّصَة. فهو جُزءٌ مِنها. ثُمَّ ثانيًا، أنا أُوْمِنُ بأنَّ النَّاسَ يَتمسَّكونَ بهذا الرَّأيِ لأنَّهُم يُريدونَ أن يَصيغُوا لاهوتًا يَتخلَّصُ مِنَ مَطالِبِ يَسوعَ الصَّعبَة. فَهُم يُريدونَ أن يُسَهِّلوا على الجَميعِ أن يَنالوا الخَلاصَ. والسَّببُ الثَّالثُ في أنَّ النَّاسَ يَتمسَّكونَ بهذا الرَّأيِ هو أنَّهُم يُريدونَ أن يُخَلِّصُوا أُناسًا مُعَيَّنينَ ضَالِّين. وما الَّذي أعنيه بذلك؟ ما أعنيه هو أنَّهُم يُحِبُّونَ أشخاصًا مُعَيَّنينَ اعتَرفوا بإيمانِهم بالمسيحِ ولكنَّهُم لم يُظهِروا يَومًا أنَّ حَياتَهُم قد تَغيَّرت. وَهُم يُريدونَ أن يَصيغوا لاهوتًا يَسمَحُ لهؤلاءِ أن يَدخُلوا السَّماء.
وقد قالَ لي راعي كنيسة مِن وراءِ السِّتارِ الحَديديِّ ذاتَ مَرَّة: "لا يوجد إيمانٌ هَيِّنٌ في كنائِسِنا. ولا يُوجدُ اعترافٌ ضَحْلٌ بالإيمان. فلا أحدَ يَقبَلُ يَسوعَ إلَّا إذا كانَ مُستعدًّا لِبَذْلِ حَياتِهِ لأنَّ هذا هو الثَّمَن في حالاتٍ كثيرة جدًّا. فكُلفَةُ الانتماءِ إلى المَسيحِ [كما قالَ] باهِظَة جدًّا حَتَّى إنَّهُ لا يوجدُ لدينا اهتداءٌ زائِف. فإن لم يكونوا مُستعدِّينَ لدفعِ الثَّمن [كما قالَ] فإنَّهُم لا يَرغبونَ في أنْ يُقرَنوا بيسوعَ المسيحِ بأيِّ طريقةٍ مِنَ الطُّرُق". وهذا يُوَضِّحُ العَديدَ مِنَ الأمور. فعندما دَعاهُم في تلكَ البيئةِ المُعادِيَة، أَخبرهم بوضوح عن كُلفةِ اتِّباعِه. والأشخاصُ الَّذينَ آمَنوا بِهِ بنصفِ قُلوبِهم ولم يَكونوا مُستعدِّينَ لتكريسِ ذواتِهم لَهُ لم يَتجاوَبوا. وقد صَدَّ الأشخاصَ المُتردِّدينَ في دَفْعِ الثَّمن، كما فَعَلَ معَ الشَّابِّ الغَنِيِّ. فقد أخبرَهُم عنِ الثَّمن فَمَضَوْا. فهؤلاءِ التَّلاميذُ المُرتَقَبونَ الَّذينَ قالوا: "دَعني أذهبُ وأفعلُ كذا" أو "دَعني أذهبُ وأفعلُ كذا" أو "دَعني أذهبُ وأفعلُ كذا" سَمِعوهُ يَقولُ لكُلٍّ واحِدٍ مِنهُم: "أنتَ لا تَستحقُّ أن تَكونَ تِلميذًا لي". فالإيمانُ تَحَوُّلٌ. وهو تَوبة. وهو يَعني أن تَتخلَّى عن خَطاياكَ وتَقبَل المَسيح.
وقد كَتَبَ "جون ستوت" (John Stott) في كِتابٍ صَغيرٍ مُفيدٍ لَهُ بعُنوان: "المَسيحيَّة الرَّئيسيَّة" (Basic Christianity): "السَّاحةُ المَسيحيَّةُ يَكسوها مَشهدُ الأبراجِ الخَرِبَة والمَهجورة بسببِ عدمِ اكتِمالِ بِنائِها، هذا الحُطامُ لجماعةِ الَّذينَ كانوا قد شَرَعوا في البِناءِ، لكنَّهُم لم يَتمكَّنوا مِن إنهائِه. فإنَّهُ لا يَزالُ هُناكَ الآلافُ مِمَّن يَتجاهَلونَ تَحذيرَ المَسيحِ حيثُ يَعقدونَ العَزمَ على اتِّباعِهِ قبلَ جُلوسِهِم أوَّلاً مِن أجلِ التَّأمُّلِ في الثَّمَنِ المُترتِّبِ على إقدامِهم على خُطوةٍ كهذه. أمَّا نَتيجةُ هذا كُلِّه فهو الظَّاهرةُ المأساويَّةُ الَّتي ابْتُلِيَ بها عالَمُنا المسيحيُّ المُعاصِر والتي تُعرَفُ باسمِ ’المَسيحيَّة الإسميَّة‘. وهكذا نَجِدُ داخِلَ البُلدانِ الَّتي انتشرت فيها الحَضارةُ المسيحيَّةُ أعدادًا غَفيرةً مِنَ النَّاسِ الَّذينَ كَسَوْا أنفُسَهُم بطبقةٍ رقيقةٍ مِنْ مَظهرِ المسيحيَّةِ الجَذَّابِ معَ كَونِهِ خادِعًا. لقد سَمحوا لأنفُسِهم بالانخراطِ فيها إلى حَدٍّ مَا؛ ما يَكفي لكَسبِهِم الاحترامَ المَنشود، لكِن مِن دونِ إزعاجِهم. فديانَتُهم هي مُجَرَّدُ وِسادة ضَخمة وطَريَّة. ومَسيحيَّتُهم هذه تَحميهُم مِنَ الأمورِ الصَّعبةِ والمُزعِجَةِ في الحياةِ. كما أنَّهُم يَحتفظونَ لأنفسهم بالقُدرةِ على تَغييرِ مَكانِها وشَكلِها حَتَّى تَبقى تُلائِمُهم وتُوافِقُهم. فلا عَجَبَ إذًا إنْ تَحَدَّثَ السَّاخِرونَ عنِ المُرائينَ داخِلَ الكنيسةِ ورَفضوا كُلَّ مَظاهِرِ التَّديُّنِ على اعتبارِ أنَّها هُروبٌ مِنَ الواقِع" [نِهايةُ الاقتباس].
وفي إنجيل لوقا والأصحاح 14، بَيَّنَ يَسوعُ مَا أَشارَ إليهِ الدُّكتور "ستوت" (Stott) حينَ قال: "وَمَنْ مِنْكُمْ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بُرْجًا لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَحْسِبُ النَّفَقَةَ، هَلْ عِنْدَهُ مَا يَلْزَمُ لِكَمَالِهِ؟ لِئَلاَّ يَضَعَ الأَسَاسَ وَلاَ يَقْدِرَ أَنْ يُكَمِّلَ، فَيَبْتَدِئَ جَمِيعُ النَّاظِرِينَ يَهْزَأُونَ بِهِ، قَائِلِينَ: هذَا الإِنْسَانُ ابْتَدَأَ يَبْنِي وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُكَمِّلَ. وَأَيُّ مَلِكٍ إِنْ ذَهَبَ لِمُقَاتَلَةِ مَلِكٍ آخَرَ فِي حَرْبٍ، لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَتَشَاوَرُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُلاَقِيَ بِعَشَرَةِ آلاَفٍ الَّذِي يَأْتِي عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفًا؟ وَإِلاَّ فَمَا دَامَ ذلِكَ بَعِيدًا، يُرْسِلُ سِفَارَةً وَيَسْأَلُ مَا هُوَ لِلصُّلْحِ. فَكَذلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لاَ يَتْرُكُ جَمِيعَ أَمْوَالِهِ، لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا". إنَّهُ كَلامٌ مُباشِرٌ جدًّا. فأنتَ لا تُريدُ أن تَكونَ مِثلَ الشَّخصِ الَّذي أرادَ أن يَبني بُرْجًا فَبَنى نِصْفَهُ ولم يَكُن عِنْدَهُ ما يَلزَمُ لِكَمالِه. وأنتَ لا تُريدُ أن تَكونَ مِثلَ القائدِ الَّذي مَضَى إلى الحَربِ ولم يَكُن مُستعدًّا لما سيُواجِهُه. بعبارة أخرى، هُناكَ ما يَدُلُّ على أنَّهُ ينبغي لكَ أن تُدرِكَ الكُلفةَ الكُليَّةَ لِبَذْلِ حَياتِكَ لأجلِ المَسيح.
فالمسيحيُّ ليسَ شخصًا يَشتري بُوليصَةَ تأمينٍ ضِدَّ مَخاطِرِ الحَريقِ بِمَعنى أنَّهُ يُوَقِّعُها لأجْلِ بَنْدٍ فيها يُبقيهِ خارِجَ جَهَنَّم. وقد كَتَبَ الطَّهورِيُّ "ويليام پيركنز" (William Perkins) الكلماتِ التَّالية: "المَسيحيُّ الحَقيقيُّ يَعْقِدُ العَزْمَ في ذِهنِه على أنَّهُ لو لم يَكُن هُناكَ ضَميرٌ يَتَّهِمُه، ولا شَيطانٌ يُرَوِّعُه، ولا قَاضٍ يَتَّهِمُهُ أو يَدينُهُ، ولا جَحيمٌ يَتعذَّبُ فيه، فإنَّهُ سَيَتَّضِعُ ويَجثو على رُكبتيهِ بسببِ خَطاياه لأنَّهُ أَسَاءَ إلى إلَهٍ مُحِبٍّ، ورَحيمٍ، وطَويلِ الرُّوح" [نِهايَةُ الاقتباس]. هذا هو الفَرق. فالخاطِئُ الَّذي يَتوبُ تَوبةً حَقيقيَّة يَحزَنُ جِدًّا لأنَّهُ أساءَ إلى اللهِ بخطيَّتِه. وهو لا يَبحثُ لاهِثًا عن بوليصةِ تأمين. فالتِّلميذُ الحَقيقيُّ يُحِبُّ. وَالتِّلميذُ الحَقيقيُّ يُطيعُ. ونحنُ لا نُحِبُّ تَمامًا، ولا نُطيعُ تَمامًا. وأحيانًا، قد نُحِبُّ مَحَبَّةً ناقصةً جدًّا، ونَعصِي؛ ولكِنَّ نَمَطَ حَياتِنا هو الطَّاعةُ والمحبَّةُ للرَّبّ. وحَتَّى عندما نُخفِقُ في إظهارِ الحُبِّ لَهُ، فإنَّنا نَشعُرُ بالذَّنب. وإنْ أخفَقنا في طاعَتِهِ فإنَّنا نَشعُرُ بالذَّنبِ لأنَّنا نَنتمي إليهِ حَقًّا. ونحنُ نَتمتَّع بتلكَ العلاقةِ الحَميمةِ الَّتي وَهَبنا اللهُ إيَّاها بِنِعمَتِه. واسمَحوا لي أن أقولَ مَرَّةً أخرى: أنا لا أُوْمِنُ بأنَّ هذه جُهود بَشريَّة، بل أُوْمِنُ بأنَّها ما يَفعَلُهُ اللهُ في قَلبِك. فاللهُ يُعطيكَ مَحَبَّةً لَهُ. وهو يُعطيكَ قَلبًا مُستعدًّا لإطاعَتِه. واللهُ هو مَنْ يَجعَلُكَ تَترُك الخطيَّة. فهي ليست أعمالاً بَشريَّةً تَسبِقُ الخَلاص، بل هي أُمورٌ مُتأصِّلَة في عَمَلِ اللهِ المُخَلِّص.
واسمَحوا لي أن أُعيدَكُم إلى حَيثُ كُنَّا مِن أجلِ استخلاصِ التَّعليمِ الجوهريِّ مِنْ ذلكَ المَقطَعِ المُدَوَّنِ في إنجيلِ مَتَّى والأصحاحِ العاشِر، وأن أُبَيِّنَ لكم الأشياءَ المُهِمَّةَ الَّتي يَنبغي أن تُلاحظوها في هذا الأمرِ المُختصِّ بالتَّلمذَة. تَذَكَّروا الآنَ أنَّ يَسوعَ يَقولُ في إنجيل مَتَّى والأصحاحِ العاشِر: "فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِـي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي". ويَقولُ يَسوعُ: "فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ" وضِدَّ ابْنَتِهِ. وَ "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِــي". وقد قالَ يَسوعُ: احْمِل صَليبَكَ واتبَعني" مُقَدِّمًا كُلَّ عَناصِرِ التَّلمذةِ هذه. وقد تَقول: "حسنًا! والآن، هل هذه دَعوة إلى الخَلاص؟ أَم أنَّها دَعوة إلى المُؤمِنينَ كي يَصيروا تَلاميذًا؟" كما قُلتُ لَكُم، مِنَ الواضحِ أنَّها دَعوة إلى الخلاصِ مِنْ خِلالِ الأدلَّةِ الدَّامِغَةِ الكثيرةِ الموجودةِ في العهدِ الجديد. ولكِنْ هُناكَ فِكرة واحدة بسيطة قد تَجعَلُ القضيَّةَ في هذه الآياتِ أكثر وُضوحًا. ففي الأصحاحِ العاشِرِ والعَددِ الأوَّل، وقد ابتدأتُ بالقراءةِ مِنَ العدد 32، ولكِنَّنا نَقرأُ في العددِ الأول: "ثُمَّ دَعَا [يَسوعُ] مَنْ؟ "تَلاَمِيذَهُ الاثْنَيْ عَشَرَ". ويا أحبَّائي، لقد كانوا أصلاً ماذا؟ تَلاميذًا. فهذه ليست دَعوة إلى التَّلمذة. فقد كانَ في الأصلِ يُخاطِبُ هؤلاءِ الاثني عَشَرَ بِوَصْفِهِم تَلاميذًا. وقد كانوا يُدْعَوْنَ أصلاً تَلاميذًا. صَحيحٌ أنَّ الأصحاحَ العاشِرَ مِنْ إنجيلِ مَتَّى مُوَجَّهُ إليهم، ولكنَّهُمْ كانوا في الأصلِ تَلاميذًا. وَهُوَ يُعَرِّفُ وَحَسْب مَعنى التَّلمَذة.
وفي المَقطَعِ المُوازي لذلك في إنجيل مَرقُس، يَقولُ مَرقُس إنَّ يَسوعَ كانَ يُكَلِّمُ لا فقط التَّلاميذَ (وَهُوَ الأمرُ الَّذي يُرَكِّزُ عليهِ مَتَّى)، بل كانَ يُكَلِّمُ أيضًا التَّلاميذَ والجُموع. وفي إنجيل لوقا والأصحاح 14 (الَّذي أَشَرنا إليهِ سابِقًا) يَستَثني لوقا التَّلاميذَ ويَقولُ إنَّ يَسوعَ كانَ يُخاطِبُ فقط الجُموعَ. وهذا يَعني، ببساطَة، أنَّ يسوعَ يُرْسِي مَعاييرَ التَّلمَذة. فهي دَعوة إلى الخَلاص وليسَت شَيئًا أقَلَّ مِن ذلك. وقد تَقولونَ: "ولماذا أَعطَى هذه المَعاييرَ للتَّلاميذ؟ لكي يَعرِفوا كيفَ يُقَدِّموها للجُموع، ولكي يَعرِفوا كيفَ يَكرِزون. فيسوعُ يَدعونا إلى التَّكريسِ الكامِل. وماذا يَعني ذلك؟ أوَّلاً...وسوفَ أُقَدِّمُ لكم ثلاثَ أفكار. أوَّلاً، إنَّ ذلكَ يَعني الاعترافَ بالمسيحِ أمامَ النَّاسِ. فنحنُ نَقرأ في العدد 32: "فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِـي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضًا بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، وَلكِنْ مَنْ يُنْكِرُنـِــي قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَات". فهو إقرارٌ...إقرارٌ أمامَ النَّاسِ.
ولكِنَّ الإقرارَ أمامَ النَّاسِ في ذاتِهِ وبِمُفردِه ليسَ كافيًا. فنحنُ نَقرأُ في إنجيلِ مَتَّى والأصحاحِ السَّابعِ أنَّ كَثيرينَ سيَقولون: "يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأنَا...وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟" وَهَلُمَّ جَرَّا. ولكنَّهُ سيقولُ لهم: "إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ!" فهُناكَ أشخاصٌ يَعترفونَ باسمِهِ ولكنَّهُم ليسوا مُؤمِنينَ حَقيقيِّين. ولكِنْ لا يوجدُ مُؤمِنونَ حَقيقيُّونَ لا يَعترفونَ باسمِهِ. وَهُوَ يَقولُ: "فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِـي قُدَّامَ النَّاسِ"، أيْ يُؤكِّدُ على المَلأِ عَلاقَتَهُ بالمسيح. "لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ" (كما جاءَ في رسالة رُومية 10: 9 و 10) "إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بيسوعَ..." مَاذا؟ "رَبًّا". "مَنْ يَعْتَرِفُ بي قُدَّامَ النَّاس". وهذهِ لَفظَة عامَّة تُشيرُ إلى الاعترافِ على المَلأ، والاعترافِ أمامَ النَّاسِ حيثُ يُوْجَدُ الجَميع. فَمِنْ هُنا تَبتدئُ هذه المسألةُ المُختصَّةُ بالتَّلمذة. فجَوهَرُ التَّلمذةِ، يا أحبَّائي، هو التَّكريسُ ليسوعَ المسيح. وهذا يَعني أنْ تكونَ مُستعدًّا للاقترانِ بِهِ عَلَنًا مَهما كانَ الثَّمَنُ باهِظًا. وهذا يَعني أن تكونَ مُستعدًّا لمواجَهَةِ عَالَمٍ مُعَادٍ في سَبيلِ الاعترافِ بيسوعَ رَبًّا وسَيِّدًا. ولكِنَّنا لا نَفعلُ ذلكَ دائمًا. وحَتَّى إنَّ تيموثاوسَ كانَ قَريبًا إلى حَدٍّ خَطيرٍ مِنَ الشُّعورِ بالخَجَلِ مِنَ المسيح. وقد أَنكَرَ بُطرُسُ المَسيحَ. ونحنُ نَقتَرِفُ أمورًا كهذه أحيانًا. ولكِنَّ لَحظةَ إخفاقٍ لا تُبْطِلُ مِصداقِيَّةَ التِّلميذ.
فنحنُ جَميعًا نَمُرُّ بأوقاتٍ نُخْفِقُ فيها، ولكِنَّ ذلكَ ليسَ ما نَسعى إليه. فنحنُ لا نَرغَبُ في الاحتفاظِ بعلاقتِنا بالمسيحِ سِرِّيَّة، بل نَرغَبُ في الاعترافِ بِها، وفي إعلانِها. وإنْ كُنَّا نُؤكِّدُ طَوْعًا وَلاءَنا للمسيح، نَكونُ الأشخاصَ الَّذينَ سيَعتَرِفُ بِنا هُوَ أيضًا. فإنْ كُنَّا مُستعِدِّينَ أن نَقولَ: "أنا أَنتمي إلى المَسيح"، فإنَّهُ سيكونُ مُستعدًّا للقول: "هذا الشَّخصُ يَنتمي إليَّ". مِن جِهة أخرى، فإنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يُنكِرونَ دائمًا الرَّبَّ مِن خلالِ الصَّمتِ، ومِن خلالِ الحياةِ غيرِ التَّقيَّة، ومِن خلالِ كَلامِهم، إنَّما يُنكرونَهُ. وَهُمْ ليسوا تَلاميذَ اللهِ على الإطلاق. لِذا فإنَّ الأمرَ كُلَّهُ يَبتدئُ بالاعترافِ العَلنيِّ. أمَّا إنْ كانَ هُناكَ أشخاصٌ يُنكرونَ المَسيحَ، ويقولونَ إنَّهم لا يُؤمِنونَ، وإنَّهُم لا يُبالونَ بإطاعَتِه، فإنَّهُم لا يَستوفونَ البَتَّة صِفاتِ التِّلميذِ الحقيقيّ. وأقولُ مَرَّةً أخرى إنَّ هذا ليسَ شيئًا نَفعلُهُ بأجسادِنا، بل هو شَيءٌ يُنْشِئُهُ اللهُ فينا مِن خِلالِ إعطائِنا قَلبَ تِلميذ. فهو يُعطينا قَلبًا لنُحِبَّهُ، وقَلبًا يَرغَبُ في الاعترافِ بِهِ، وقَلبًا يَرغَبُ في أن يُعلِنَ أنَّنا نَنتمي إليه.
ثانيًا، بعدَ ذلكَ مُباشَرَةً: التِّلميذُ لا يَكتفي فقط بالاعترافِ أمامَ النَّاسِ بربوبيَّةِ المسيح، بل إنَّهُ يُفَضِّلُ المَسيحَ على كُلِّ شيءٍ وشخصٍ آخر. والعَدد 34 يَبتدئُ بالتحدُّثِ عنِ العائلةِ وكيفَ أنَّ السَّيفَ قد يَهْوي بينَ الأبِ والأُمِّ والأُختِ والأخِ، وكيفَ أنَّ أهْلَ بَيتِكَ قد يَصيرونَ أعداءً لَك، وأنَّهُ لا يُمكِنُكَ أنْ تُحِبَّ أبًا أو أُمًّا أكثرَ مِنِّي وأن تَستَحِقَّني، وكيفَ أنَّهُ لا يُمكِنُكَ أن تَكونَ تِلميذي ما لم تَكُن مُستعدًّا، إنِ اقتضَى الأمرُ، أن تَقطَعَ تلكَ العَلاقات. وهذه لُغة قويَّة جدًّا. قويَّة جدًّا. وحَتَّى إنَّ لُغَةَ لوقا أَقوى مِنها. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل لوقا 14: 26: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا". ما الَّذي تَعنيه بذلك؟ هل تَعني أنَّهُ ينبغي لكَ حَرفيًّا أن تُبغِضَ عائِلَتَكَ؟ كَلَّا، كَلَّا! بل يجبُ عليكَ أن تُنْكِرَ عَلاقاتِكَ البشريَّةَ المألوفةَ الَّتي قد تُعيقُكَ أو تَمْنَعُكَ مِنَ اتِّباعِ المسيح. كما أنَّهُ يجبُ عليكَ أن تُنكِرَ نَفسَكَ، وأنْ تَحْسَبَ نَفسَكَ مَيْتًا (كما جاءَ في رُومية 6)، وأن تَخْلَعَ إنسانَكَ العَتيقَ (كما جاءَ في رسالة أفسُس 4: 22)، وَأنْ تَقْمَعَ جَسَدَكَ (كما جاءَ في رسالة كورِنثوس الأولى 9: 27). لِذا، إنْ كانت عائِلَتُكَ تُعيقُكَ، يجب عليكَ أن تُعامِلَهُم كما لو كانوا أَمواتًا.
وقد قالَ ذلكَ أَخُونا العَزيز "ميشكو هورفاتيك" (Misko Horvatek) في هذا المساء. فأفرادُ عائِلَتِهِ لم يُكَلِّموه مُنذُ ثلاثِ سَنوات. وقد كانَ هذا هو الثَّمَن. ولكنَّهُ يُفَضِّلُ المَسيحَ على جَميعِ الأشخاصِ الآخرين...على جَميعِ الأشخاصِ الآخرين. وقد كَلَّمْتُ سَيِّدَةً شَابَّةً قبلَ أسبوع. وهي مُهْتَدِيَة حَديثًا جدًّا إلى المسيح، ومِن عائلة يَهوديَّة، وتُعاني غُربةً رَهيبةً فَرَضَتها عليها عائلتُها بسببِ إيمانِها بالمُخَلِّص. وهذا هو ما يَتحدَّثُ عنهُ يَسوع. فإن كانت هُناكَ أيُّ عَلاقة بَشريَّة تَمنَعُكَ مِنْ أنْ تُسَمِّي اسمَ المَسيح، أو تَمنَعُكَ مِنَ الخُضوعِ لرُبوبيَّتِه، فإنَّكَ لا تَستحقُّ أن تَكونَ تِلميذًا لَهُ. ولماذا نَجِدُ أنَّ يَسوعَ صَارِمٌ جدًّا بهذا الخُصوص؟ لأنَّهُ يُريدُ أن يُبْعِدَ غيرَ المُكَرَّسين. هل تَفهمونَ هذا عن يَسوع؟ فهو يُريدُ أن يُنَفِّرَ التَّلاميذَ الزَّائِفين. فهو لا يُريدُ زَوانًا. وهو لا يُريدُ مُؤمِنينَ زائِفين. وهو لا يُريدُهم لأنَّهُ لا يُريدُ لَهُم أن يَكونوا مَخدوعينَ، ولا يُريدُ لكنيسَتِهِ أن تَتأثَّرَ بهم. لِذا فإنَّهُ يُنَفِّرُهُم مِن خِلالِ قُوَّةِ الدَّعوةِ إلى التَّكريس.
ثالثًا وأخيرًا، لا يَكفي أن يكونَ الرَّبُّ يَسوعُ المَسيحُ هوَ المُفَضَّل لدينا على أيِّ شيءٍ أو شخصٍ آخر، بل يجب أن يكونَ الرَّبَّ الَّذي نُبدي الاستعدادَ لِبِذْلِ حَياتِنا لأجلِه. فنحنُ نَقرأُ في العَدد 38: "وَمَنْ لاَ يَأخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُنـِــي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِـي. مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِــي يَجِدُهَا". وهل تَعلمونَ ما الَّذي أُوْمِنُ بِهِ، يا أحبَّائي؟ أنا أُوْمِنُ بأنَّنا إنْ وَجدنا (أنتُم وأنا) أنفُسَنا في مَوقِفٍ يَقتضي مِنَّا أن نُضَحِّي بحياتِنا لأجلِ يَسوعَ المسيح، يجب علينا أن نَكونَ فَرِحين. وأنا أَعلمُ أنَّكُم عندما تُفَكِّرونَ في ذلكَ فإنَّكُم تَقولون: "ما أصعبَ ذلك! لا أدري إنْ حَدَثَ هذا لي وكنتُ سأتمكَّنُ مِن فِعْلِ ذلك". أعتقد أنَّهُ بإمكانِكُم أن تَفعلوا ذلك لأنِّي لا أعتقدُ أنَّ اللهَ سيُعطيكُم النِّعمَةَ اللَّازِمَةَ لاحتمالِ ذلكَ إلَّا حينَ تَحتاجونَ إليها. وأعتقدُ أنَّكم ستَأتونَ وتَختبرونَ ما يَقولُ بُطرُسُ إنَّهُ النِّعمَة. فَروحُ النِّعمةِ والمَجد سَيَحِلُّ عليكُم فتَكونونَ مِثلَ بَقيَّةِ أولئكَ الشُّهداءِ الَّذينَ لا يَفوقوكُم في القُوَّةِ الروحيَّة، ولا يَفوقوكُم في المَعرفة، والَّذينَ واجَهوا الموتَ على مَرِّ تاريخِ الكنيسةِ بِفَرَحٍ وانتِصار لأنَّهُم أُعْطُوا نِعْمَةً لتلكَ السَّاعَة.
ولكنِّي سأقولُ لكم شَيئًا: لا يُعْقَلُ أنَّ جُمَلاً كهذِهِ يُمكِنُ أنْ تُقالَ لِتَشمَلَ الأسلوبَ الجَسديَّ للاهتداءِ كما هُوَ مُنتَشِرٌ على نِطاقٍ واسِعٍ في جِيلِنا. فيسوعُ يَقولُ إنَّهُ ينبغي لكَ أن تَكونَ مُستعدًّا لِحَمْلِ صَليبِكَ. وقد يَقولُ أحدُ الأشخاصِ: "آه، أجل، صَليبي! إنَّهُ سَيَّارتي المَصنوعة في سَنة 1959 والَّتي لا تَدور". أو: "إنَّهُ سَقْفي الَّذي يُسَرِّبُ المَاءَ"، أو: "إنَّها حَماتي". صَليبي! وقد سَمِعْتُ كُلَّ شَيءٍ يَخْطُرُ بالبال. ولكِنْ في القَرنِ الميلاديِّ الأوَّل، كانَ الصَّليبُ يَعني شَيئًا واحدًا فقط. فهو لا يُشيرُ إلى سَيَّارَتِكَ القَديمة، ولا إلى سَقفِكَ الَّذي يُسَرِّبُ الماءَ، ولا إلى حَماتِكَ، بل كانَ يُشيرُ إلى المَوت. فهو يَتحدَّثُ عنِ التَّخلِّي عن كُلِّ شيءٍ، بِما في ذلكَ حَياتكَ: "مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا". فإنْ كُنتَ تَمْتَلِكُ حَياتَكَ، وتَتمسَّكُ بحياتِكَ، ولا تَرضى أن تَتَخَلَّى عنها، وتُحافِظُ على سَلامَتِكَ الجسديَّة، ولا تَسمَحُ لأيِّ شَخصٍ أن يَقتربَ مِنكَ أو أن يَتَّهِمَكَ بأيِّ شيء، وتُنكِرُ المَسيحَ تحتَ الضَّغط، وتُنكِرُ المَسيحَ تَحتَ الاضطِهاد، وتَتمسَّكُ بحياتِكَ، فإنَّكَ لا تُظْهِرُ أنَّ حَياتَكَ قد تَغيَّرت لأنَّ الشَّخصَ الَّذي تَغَيَّرَتْ حَياتُهُ مِنْ خِلالِ قُوَّةِ اللهِ ونِعمَتِهِ المُغَيِّرَة كي يُحِبَّ المَسيحَ لا يُمكِنُ أن يَفعلَ ذلك. وأنتَ تَخسَرُ نَفسَكَ إنْ فَعلتَ ذلك لأنَّكَ لستَ تِلميذًا حَقيقيًّا.
أمَّا الشَّخصُ الَّذي يُظهِرُ استعدادَهُ لأن يَخسَرَ حَياتَهُ لأجلِ المَسيحِ فإنَّهُ يُقَدِّمُ الدَّليلَ على أنَّ حَياتَهُ قد تَغيَّرَت لأنَّ ذلكَ ليسَ أمرًا طَبيعيًّا، بل هُوَ أمرٌ خَارِقٌ للطَّبيعة. وفقط لأنَّ اللهَ قد غَيَّرَكَ، ووَضَعَ رُوحَهُ فيكَ، فإنَّكَ سَتَفعلُ ذلك أوْ تُبْدي الاستعدادَ لِفعلِ ذلك. فالتَّلاميذُ الحَقيقيُّونَ لا يَتراجَعونَ أمامَ الموت. وفي الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين، نَقرأُ في الأصحاحِ الحادي عَشَر والعَدد 38 عنْ رِجالٍ كانوا مُسْتَحِقِّينَ جِدًّا حَتَّى إنَّ العَالَمَ لَمْ يَكُنِ مُسْتَحِقًّا لَهُمْ. "تَائِهِينَ فِي بَرَارِيَّ وَجِبَال وَمَغَايِرَ وَشُقُوقِ الأَرْضِ. فَهؤُلاَءِ كُلُّهُمْ، مَشْهُودًا لَهُمْ بِالإِيمَانِ، لَمْ يَنَالُوا الْمَوْعِدَ، إِذْ سَبَقَ اللهُ فَنَظَرَ لَنَا شَيْئًا أَفْضَلَ، لِكَيْ لاَ يُكْمَلُوا بِدُونِنَا". فهؤلاءِ الأشخاصُ الأحبَّاءُ احْتَمَلوا، مَعَ أنَّهُم لم يَرَوْا الواقِعَ الَّذي نَراهُ. فقد كانوا مُجَرَّدَ أُناسٍ مِثلَنا. وقد اختَبروا كُلَّ تلكَ الأشياء. وقد "قَهَرُوا مَمَالِكَ، صَنَعُوا بِرًّا، نَالُوا مَوَاعِيدَ، سَدُّوا أَفْوَاهَ أُسُودٍ، أَطْفَأُوا قُوَّةَ النَّارِ، نَجَوْا مِنْ حَدِّ السَّيْفِ، تَقَوَّوْا مِنْ ضَعْفٍ، صَارُوا أَشِدَّاءَ فِي الْحَرْبِ، هَزَمُوا جُيُوشَ غُرَبَاءَ، أَخَذَتْ نِسَاءٌ أَمْوَاتَهُنَّ بِقِيَامَةٍ. وَآخَرُونَ عُذِّبُوا وَلَمْ يَقْبَلُوا النَّجَاةَ لِكَيْ يَنَالُوا قِيَامَةً أَفْضَلَ. وَآخَرُونَ تَجَرَّبُوا فِي هُزُءٍ وَجَلْدٍ، ثُمَّ فِي قُيُودٍ أَيْضًا وَحَبْسٍ. رُجِمُوا، نُشِرُوا، جُرِّبُوا، مَاتُوا قَتْلاً بِالسَّيْفِ، طَافُوا فِي جُلُودِ غَنَمٍ وَجُلُودِ مِعْزَى، مُعْتَازِينَ مَكْرُوبِينَ مُذَلِّينَ". وَهُمْ لم يَتراجَعوا يَومًا. لم يَتراجَعوا يَومًا.
لماذا؟ نَقرأُ بعدَ أَصحاحٍ واحِد: "أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا، وَإِنِ ارْتَدَّ لاَ تُسَرُّ بِهِ نَفْسِي. وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا مِنَ الارْتِدَادِ لِلْهَلاَكِ، بَلْ مِنَ الإِيمَانِ لاقْتِنَاءِ النَّفْس". فالمؤمنونَ الحقيقيُّونَ يَتمكَّنونَ مِنْ مُواجَهَةِ الموتِ بانتصار. فإنْ كُنتَ تَعرِفُ المسيحَ حَقًّا، يُمكِنُكَ أن تَفعلَ ذلك. وأنا أستطيع. صَحيحٌ أنَّنا قد لا نَشعُرُ الآنَ أنَّنا نَستطيع؛ وهذا تَعبيرٌ جَيِّدٌ عن تَواضُعِنا. ولكِنْ في سَاعَةِ الأزمَة، سَيُعطينا اللهُ ما نَحْنُ بحاجة إليه. وكما تَرَوْنَ، فإنَّ الخَلاصَ ليسَ اختِبارًا نُجريه، بل إنَّ الخَلاصَ هو تَكريسٌ مَدى الحَياة. والخلاصُ لا يَعني أن نَقولَ: "جَرِّب يَسوعَ وانظُر إنْ كانَ سيُعجِبُكَ"، بل إنَّ الخَلاصَ هو تَغييرٌ يَستمرُّ مَدى الحَياة. والأشخاصُ الَّذينَ يَقولونَ لنا إنَّهُ بِمَقدورِ الإنسانِ أن يَصيرَ مَسيحيًّا مِن دونِ أن يَصيرَ تِلميذًا يُسيئونَ جِدًّا إلى الكتابِ المقدَّس، ويُؤذونَ جِدًّا الأشخاصَ الآخرينَ الَّذينَ سَيَبْقَوْنَ يَعيشونَ حينئذٍ في وَهْمِ أنَّهُ يُمكِنُهم أن يَنالوا الخَلاصِ بِدونِ أن يَتبعَوا المَسيحَ ويُطيعوه، وأنَّهُ يُمكِنُهم أن يَنالوا الخَلاصَ بِدونِ أن يَتخلَّوْا عن كُلِّ ما لَهُم وما يَملِكونَ وَيَأمَلوا في أنَّهُم سيكونونَ [بِلا قَيْدٍ أوْ شَرْطٍ] للمَسيح. وذلكَ مأساويّ.
وأنا أقولُ، وقد قُلتُ ذلكَ في بِدايةِ هذه السِّلسلةِ القَصيرة: يجب علينا أن نُقَدِّمَ رسالةَ الإنجيلِ الصَّحيحة. صَحيحٌ أنَّنا قد نُخطئُ في بِضْعَةِ أُمور، ولكِنْ لا يَجوزُ أن نُخطِئَ في هذا الأمر...ليسَ في هذا الأمر. فالنُّفوسُ الأبديَّة على المِحَكِّ. وقد كانَ "جون بَنيان" (John Bunyan) قد جُلِبَ لِيَمثُلَ أمامَ القاضي ويُحاكَمَ بسببِ أنَّهُ تِلميذٌ للمسيح فقالَ لَهُ: "سَيِّدي، لقد وَفَّرَ ناموسُ المَسيحِ طَريقَتينِ للطَّاعَة: الأولى هي أنْ أفعلَ ما أُوْمِنُ في ضَميري بأنِّي مُلْزَمٌ بِالقيامِ بِهِ بِكُلِّ هِمَّة. وحينَ لا أتمكَّنُ مِنْ إطاعَتِهِ ذلكَ بِكُلِّ هِمَّة، فإنِّي على أُهْبَةِ الاستعدادِ أنْ أسْتَلقي وأُقاسي مع سَيَفعلوهُ بي" [نِهايةُ الاقتباس]. هذا هو رُوحُ التِّلميذ. وقد كَتَبَ أحدُ كُتَّابِ التَّرانيم: "لم يَكُن بمقدوري أن أُخلِّصَ نَفسي؛ فذاكَ عَمَلٌ قامَ بِهِ رَبِّي. ولكنِّي سأعملُ كأيِّ عَبْدٍ في سَبيلِ حُبِّي لابْنِ الله". وأرجو أن يكونَ هذا هو شَوقُ قَلبِكَ، وأن تَكونَ تِلميذًا يَتبَعُ المَسيح. فإنْ لم تَكُن كذلك، يَنبغي لكَ أن تَمْتَحِنَ نَفسَكَ لِتَرى إنْ كُنتَ حَقًّا في الإيمان.
This article is also available and sold as a booklet.
