نَحنُ نَدرسُ عن البِداياتِ ونَتأمَّلُ في سِفْر التَّكوين. لِذا، أُشَجِّعُكُم على أن تَفتَحوا على الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْر التَّكوين. لقد تَأمَّلنا في الأصحاحَيْنِ الأوَّلِ والثَّاني مِن سِفْر التَّكوين، ودَرَسْنا نُصوصَ هذَيْنِ الأصحاحَيْن، وانتقلنا مِن هَذه النُّصوص إلى دِراسَةِ أمورٍ أخرى في الكتابِ المقدَّسِ في مُحاولةٍ مِنَّا لزيادةِ فَهمِنا. وهذه هي الحالةُ هُنا في الأصحاحِ الثَّالِثِ مِن سِفْر التَّكوين. والأصحاحُ الثَّالثُ مِن سِفْر التَّكوين هو أصحاحٌ مَألوفٌ لَنا. فهو أصحاحٌ يَتحدَّثُ عن الحَيَّةِ في الجَنَّة، وعنِ التَّجربةِ، وعنِ الثَّمَرَةِ المُحَرَّمَةِ، وعن امرأةٍ تَعَرَّضَتْ للخِداع، وعن رَجُلٍ تَبِعَ المرأةَ مُتَعَدِّيًا بذلكَ على كلمةِ اللهِ وَوَصِيَّتِه. لِذا فإنَّهُ أصحاحٌ يَتحدَّثُ عنِ اللَّعنةِ والثَّمَنِ الَّذي دُفِعَ بسببِ ذلكَ العِصيان. لِذا فإنَّ الأصحاحَ الثَّالثَ مِن سِفْر التَّكوين هو أصحاحٌ مَألوفٌ للأغلبيَّةِ مِنَّا بمُستوياتٍ مُتفاوِتَة. في البداية، أريدُ أن أقولَ جُملةً بسيطَةً سَنَستَنِدُ إليها في دِراسَتِنا كُلِّها وَهِيَ الجُملة التَّالية: الأصحاحُ الثَّالثُ مِن سِفْر التَّكوين هو سِجِلٌّ تَاريخيٌّ صَحيحٌ لما حَدَثَ حَقًّا في الجَنَّة. وقد تَتَسَاءَلون عن سَبَبِ قَولي هذا! السَّببُ في أنِّي أقولُ ذلك هو أنَّ أغلبيَّةَ الأشخاصِ الَّذينَ يُعَلِّقونَ على الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْر التَّكوين يُصَوِّرونَهُ على أنَّهُ شَيءٌ آخر، ولا يُصَوِّرونَهُ على أنَّهُ سَرْدٌ تَاريخيٌّ لِحَدَثٍ حَقيقيّ. ولكنَّهُ حَدَثٌ تَاريخيٌّ حَقيقيٌّ كَما تقولُ كلمةُ الله.
والآن، قبلَ أن نَبتدئَ في دراسةِ هذا الأصحاح، يجب علينا أن نَعلمَ أنَّنا سنَحتاجُ إلى تَهيئةِ أنفسِنا لَهُ. فهذا الأصحاحُ قد يكونُ أَهَمَّ أصحاحٍ في الكتابِ المقدَّس. ولا شَكَّ في أنَّهُ إن لم تَفهموا هذا الأصحاحَ فإنَّكُم لن تَفهموا بَقيَّةَ الكتابِ المقدَّس. فَلا يُمكنكم أن تَفهموا حَلَّ المُشكلةِ مَا لم تَفهموا المُشكلةَ نَفسَها. ولا يُمكنكم أن تَفهموا العِلاجَ مَا لم تَفهَموا التَّشخيص. ولن تَفهموا العِلاجَ الَّذي قَدَّمَهُ اللهُ لهذا العالَمِ مَا لم تَفهموا المَرضَ الَّذي يَعيشُ فيهِ هذا العَالَمُ ويَعمَل. وكما قُلتُ، قَد يكونُ هذا الأصحاحُ أَهَمَّ أصحاحٍ في الكتابِ المقدَّسِ لأنَّهُ يَشرحُ كلَّ شيءٍ عن كَوْنِنا، وعنِ الحياةِ في ذلكَ الكَونِ، وعَنَّا جَميعًا نَحنُ الَّذينَ نَعيشُ فيه. وهو يَشرحُ كُلَّ شيءٍ عنْ سَبَبِ كَوْنِ الأشياءِ على الصُّورةِ الَّتي هِيَ عليها، وعَن سَببِ كَونِنا على الصُّورةِ الَّتي نَحنُ عليها، وعَمَّا يَفعلُهُ اللهُ في التَّاريخ، وعن سَببِ قِيامِهِ بذلكَ مِن خلالِ الخَلاص. فَالأصحاحُ الثَّالثُ مِن سِفْر التَّكوين يَشرحُ المُعضلةَ البَشريَّة. وكُلُّ المشاكلِ المَوجودةِ في الكَون تَنبُعُ مِنَ الأحداثِ المَذكورةِ في هذهِ القصَّةِ التَّاريخيَّة. وسوفَ أقولُ ذلك مَرَّةً أخرى: كُلُّ المشاكلِ الموجودةِ في الكَون! فالمشاكلُ الجسديَّةُ، والمشاكلُ الرُّوحيَّةُ، والمشاكلُ الأخلاقيَّةُ، والمشاكلُ الاجتماعيَّةُ، والمشاكلُ الاقتصاديَّةُ، والمشاكلُ السِّياسيَّةُ، وكُلُّ المشاكلِ الموجودةِ في الكَون تَنبُعُ مِنَ الأحداثِ المَذكورةِ في هذهِ القصَّةِ التَّاريخيَّة.
لِذا فإنَّ هذا الأصحاحَ هُوَ أساسُ أيَّة نَظرةٍ عالميَّةِ صَحيحةٍ ودَقيقة. ومِن دُونِ هذا الأساس، كُلُّ وَأيُّ نَظرةٍ عالميَّةِ ستكونُ مَغلوطَةً تَمامًا. فإن لم تَفهمْ أصلَ الخطيَّة وتأثيرَها استِنادًا إلى ما ذُكِرَ في الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْر التَّكوين، فإنَّ فَهمَك للعالَمِ سيكونُ مَغلوطًا. وَحينئذٍ، سوفَ تُسيءُ فَهمَ كُلِّ شَيء. وسوفَ تُسيءُ تَقييمَ كُلِّ شَيء. وسوفَ تُسيءُ قِراءَةَ كُلِّ شَيء. وسَوفَ تُسيءُ تَشخيصَ كُلِّ شَيءٍ فيصيرُ كُلُّ شَيءٍ غَيرَ قَابلٍ البَتَّة للعِلاج.
وكما تَرَوْنَ، إذا رَجعتُم إلى نِهايةِ الأصحاحِ الأوَّلِ فإنَّهُ يَقولُ: "وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ..." [وكانَ قَد صَنَعَ كُلَّ شَيءٍ صُنِعَ يَومًا. لِذا فقد رَأى كُلَّ الكَونِ المَخلوقِ] "...فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا". فعندما أَكمَلَ اللهُ الخَليقةَ الأصليَّةَ، كانَ كُلُّ شَيءٍ حَسَنًا جدًّا. ولكِنْ بِصَراحَة يا أحبَّائي: إنَّ كُلَّ شَيءٍ في عَالَمِنا الآنَ سَيِّءٌ جدًّا. فهو بَعيدٌ كُلَّ البُعدِ عَنِ الحُسْن. وَقد كانَ وَما يَزالُ بَعيدًا كُلَّ البُعدِ عَنِ الحُسْنِ طَوالَ التَّاريخِ البَشريّ. فعندما أَكْمَلَ اللهُ خَليقَتَهُ الكَامِلَةَ، كانَت حَسَنَةٌ جدًّا لأنَّهُ لم يَكُن هناكَ تَشويش، ولم يَكُن هناكَ اضطراب، ولم يَكُن هناكَ خِلاف، ولم يَكُن هناك صِراع، ولم يَكُن هناك ألم، ولم يَكُن هناك شِقاق، ولم يَكُن هناك مَرَض، ولم يَكُن هناك تَقَهْقُر، ولم يَكُن هناك مَوت. أمَّا الآن، فَإنَّنا جميعًا نَعيشُ حَياتَنا بأسْرِها في خِضَمِّ كُلِّ تلكَ الأشياء. فالحَياةُ صَارَت تَتَّسِمُ بالفَوضَى، والاضطرابِ، والنِّزاعِ، والصِّراعِ، والألمِ، والشِّقاقِ، والمَرَضِ، والتَّقهقُرِ، والمَوت.
فإذا نَظرنا إلى العَالَمِ المَادِّيِّ مِن حَولِنا نَرى أنَّهُ فَاسِدٌ ويَميلُ إلى الفَوضى، والاضطرابِ، والتَّفَكُّكِ، وَالمَوت. وَهَذا هُوَ قَانونُ الفَوضَى؛ وهو القانون الثَّاني في الدِّيناميكا الحَراريَّة الَّذي يَقولُ إنَّ المادَّة تَستمرُّ في التَّحرُّكِ نَحوَ الفَوضَى. فالعالَمُ المَاديُّ يَتفكَّك. وَهذا أمرٌ يُخيفُ النَّاسَ عندما يَنظرونَ مَثلاً إلى العالمِ الواقعِ بينَ الكواكِبِ، أو إلى العالَمِ السَّماوِيِّ، أو إلى عَالَمِ الأجرامِ السَّماوِيَّة، ويَخافونَ مِن أنَّ قِطَعًا ضَخمةً تَسقطُ دائمًا مِن الفضاءِ وأنَّها قَد تَرتَطِمُ في نُقطةٍ مَا معَ هذا الكَوكبِ في اصطِدامٍ يَقضي عَلينا تَمامًا. ونحنُ نُراقِبُ عَالَمَ الأُمَمِ أو تَاريخَ الحَضاراتِ ونَرى أنَّ هُناكَ دَوراتٍ مُتعاقِبَةً مِنَ الصُّعودِ والانحِطاطِ، والصُّعودِ والانحِطاطِ، والصُّعودِ والانحِطاط. وَنَحنُ نَنظُرُ إلى عَالَمِ الحَيَوانِ ونَرى هَذهِ العَمليَّةِ الَّتي لا تَتوقَّفُ مِنَ الصِّراعِ والمَوت. ونَحنُ نَنظُرُ إلى عَالَمِ البَشَرِ ونَرى أنَّ كُلَّ عَلاقَةٍ بَشريَّةٍ هِيَ صِراع.
فالحياةُ البَشريَّةُ هِيَ صِراع. فمُنذُ أن تَنشأَ الحَياةُ في الرَّحِمِ فإنَّها تَبتدِئُ في العَيشِ والمَوتِ في الوقتِ نَفسِه. وهي تَبتَدِئُ في النُّمُوِّ والاضمِحلالِ في الوقتِ نَفسِه. وفي العَالَمِ الرُّوحيِّ والأخلاقِيِّ، كُلُّ شَخصٍ يَجِدُ أنَّهُ مِنَ الأسهَل أن يَفعلَ الخَطأ. هَل لاحَظتُم ذلك؟ فَمِنَ الأسهل جدًّا أن تَفعلَ الخَطأ. والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ مِنَ المُستحيلِ تَقريبًا أن تَفعلَ الأشياءَ الصَّحيحَة. وَحَتَّى عندما تَفعلُ الصَّوابَ إنسانِيًّا فإنَّكَ تَفعلُ ذلكَ عَادَةً لكي تَشعُرَ بمشاعِر أفضل تُجاهَ نَفسِك. وَلا شَكَّ في أنَّ هَذا الدَّافِعَ غَير سَليم. لِذا، مِنَ الأسهلِ جدًّا أن تَفعلَ الشَّرَّ على أن تَفعلَ الخَير. وَمِنَ الأسهلِ جدًّا أن تَنجَرِفَ مَعَ تَيَّارِ الانحِطاطِ الأخلاقِيِّ على أن تَركَبَ المَوجَةَ وتَبقَى فَوقَها. فالكَراهِيَةُ والجَريمَةُ والحَربُ والضَّلالُ والشَّرُّ هي أمورٌ تَأتي وَحَسْب مَعَ الحَياة.
لِذا، يَنبغي لنا أن نَطرحَ السُّؤالَ التَّالي: إنْ كُنَّا قَد وَصَلنا إلى نِهايةِ الأصحاحِ الأوَّلِ مِن سِفْرِ التَّكوين وكان كلُّ شيءٍ حَسَنًا جدًّا، ثُمَّ نَظرنا إلى الأشياءِ، لا بُدَّ أن نَسألَ: مَا الخَطأُ في هذهِ الصُّورة؟ مَا الخطأُ هُنا؟ فالأمورُ لم تَكُن هَكذا في البِداية. وَحَتَّى عندما تَقرأُ مَا ذُكِرَ في الأصحاحِ الثَّاني فإنَّكَ لا تَرى سِوى أنَّهُ حَدَثَ امتدادٌ لعملِ الخَلْقِ الإلهيِّ في اليومِ السَّادس. لِذا فإنَّ الأصحاحَ الثَّاني يَتَوَسَّعُ وَحَسْب في التَّحدُّثِ عَن خَلْقِ الرَّجُلِ والمَرأةِ المَذكور ابتداءً مِنَ العَدد 24 إلى نِهايةِ الأصحاحِ الأوَّل. لِذا، يُمكِنُكَ أن تَضَعَ العدد 31 في نِهايةِ الأصحاحِ الثَّاني. فلم يَحدُث أيُّ تَغييرٍ مِن جِهَة خَليقةِ الله. فقد رَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ [بِما في ذلكَ الرَّجُل، والمَرأة، والجَنَّة الَّتي وَضَعَهُما فيها، وكُلّ مَا هُوَ مَذكورٌ في الأصحاحِ الثاني] فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا.
ولكِنَّنا نَنظُرُ إلى العالَمِ اليومَ فنَرى أنَّهُ ليسَ حَسَنًا جدًّا. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ أنصارَ نَظريَّةِ النُّشوءِ والتَّطَوُّرِ يُحَيِّرونَني. فَهُم لا يَعرِفونَ أيَّ شَيءٍ عَن ذلكَ لأنَّهُم يَعيشونَ في وَهْمٍ ذَاتِيٍّ يَقولُ إنَّ الإنسانَ يَتَحَسَّن ويَتَقَدَّم. ففِكرةُ النُّشوءِ والارتقاءِ تَقولُ إنَّ الإنسانَ يَبتدِئُ مِن شَكلٍ بَسيطٍ، ثُمَّ يَمُرُّ بِطَفْراتٍ تَجعلُهُ يَتَقَدَّمُ ويَصيرُ أكثرَ تَعقيدًا. أيْ أنَّهُ يَبتدئُ مِن مُستوىً مُنخفضٍ جدًّا ووَضيعٍ جدًّا مِنَ الذَّكاءِ، ثُمَّ يَمُرُّ بِطَفْراتٍ تَجعَلُهُ أكثرَ ذَكاءً. وَهُوَ يَبتدِئُ مِن مُستوىً مُنخفضٍ على الصَّعيدِ الأخلاقِيِّ ثُمَّ يَنتقلُ إلى مُستوىً أعلى وأعلى أخلاقِيًّا. ولكِنَّ الحَياةَ نَفسَها وَالإنسانَ نَفسَهُ يَنقُضانِ نَظريَّةَ النُّشوءِ والتَّطوُّر لأنَّ الحَقيقةَ هِيَ أنَّ الإنسانَ لا يُحْرِزُ تَقَدُّمًا، بَل يَتَقهقَر. فَهُوَ يُراكِمُ الآثامَ بسُرعةٍ أكبر. وَبوجودِ التَّقَدُّمِ التَّكنولوجِيِّ فإنَّهُ يُراكِمُ الشُّرورَ بسُرعةٍ أكبر مِن أيِّ وَقتٍ مَضَى.
فالإنسانُ لم يَبتدِئ مِن أسفلِ السُّلَّمِ الأخلاقِيِّ ثُمَّ رَاحَ يَصعَدُ تَدريجيًّا مِن خِلالِ الارتقاءِ النَّفسِيِّ دَرَجَةً تِلوَ الأخرى. فَهذا التَّحليلُ ليسَ صَحيحًا، بَلِ الحَقيقةُ هِيَ أنَّكَ إذا دَرستَ التَّاريخَ البَشريَّ ستُلاحِظُ أنَّهُ لم يَحدُث أيُّ تَغييرٍ جَوهَرِيّ. فالبَشَرُ لم يَتَحَسَّنُوا أخلاقِيًّا عَمَّا كَانُوا عليهِ في المَاضي، بَل أعتقدُ أنَّهُم صَارُوا مِن جَوانِبَ عَديدةٍ أسوأ مِمَّا كَانُوا عليهِ في المَاضي. ويُمكِنُكَ أن تَتَتَبَّعَ أنماطَ الشَّرِّ طَوالَ التَّاريخِ البَشريِّ. فالتَّقَدُّمُ الَّذي حَدَثَ على الصَّعيدِ التِّكنولوجِيِّ والعِلمِيِّ على مَرِّ العُصورِ مَكَّنَ الإنسانَ مِنَ التَّمادي أكثر وَأكثر في فَسادِه.
ولكِنْ مَا الخَطأُ الَّذي حَدَث؟ فإنْ كانَ الإنسانُ قدِ ابتدأَ مِنَ القِمَّة (كَما يُخبرُنا الأصحاحان الأوَّل والثَّاني مِن سِفْر التَّكوين)، وإن كانَ كُلُّ شَيءٍ حَسَنًا جدًّا، وَإن كانَ الإنسانُ قد خُلِقَ على صُورةِ الله، وَإن كانَ قَدِ ابتدأَ مِنَ القِمَّةِ ولكِنَّهُ انْحَدَرَ إلى الهَاويةِ المُظلمةِ وانحَطَّ إلى الحَضيضِ مُنذُ ذلكَ الحِين، مَا الخَطْبُ؟ وَما الَّذي حَدَثَ هُنا؟ فَهذا لا يَنسَجِمُ مَعَ الخَليقَةِ الأصليَّة. ولا يَبدو أنَّ هَذا الانحطاطَ سَيتوقَّف. فَهُوَ يُشبِهُ إنسانًا سَقَطَ مِنَ السَّماءِ مِن دُونِ مِظَلَّةٍ، وَأنَّهُ مُتَّجِهُ بِسُرعةِ البَرقِ إلى جَهَنَّمِ دُونَ وُجودِ شَيءٍ يُمكِنُ أن يُوقِفَهُ. وَحَياتُهُ مُلَطَّخَةٌ بِصورةٍ رَئيسيَّةٍ بالشَّرِّ والفَسادِ مِن كُلِّ جَانِبٍ، وفي كُلِّ عَلاقة.
إنَّ مَا حَدَثَ مُدَوَّنٌ لَنا في الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْر التَّكوين. اسمَحُوا لي أن أقرأَ على مَسامِعِكُم الآياتِ السَّبْع الأولى: "وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟» فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: «مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ، وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا». فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا!..." [بِعبارةٍ أخرى، مَا هُوَ المَوت؟ لا يُوجَد شَيءٌ اسمُهُ مَوت] "...بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ». فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ. فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ".
هَكذا يَبتَدِئُ الأصحاحُ الثَّالِث. وبالمُناسَبة، قَد يَهُمُّكُم أن تَعرِفُوا أنَّ الكلمة "خَطِيَّة" لا تَظهَرُ في الأصحاحِ الثَّالث. ولكِنْ هُنا دَخَلَتِ الخَطيَّةُ إلى عَالَمِنا. فَقد دَخَلَتْ هُنا. فعندما جَرَّبَتِ الحَيَّةُ آدَمَ وَحَوَّاءَ في الجَنَّةِ، عَصَيَا اللهَ. وَحينئذٍ، تَغَيَّرَ كُلُّ شَيءٍ مِن كَونِهِ حَسَنًا جدًّا إلى سَيِّءٍ جدًّا. وَنَجِدُ في رِسالةِ رُومية والأصحاحِ الخَامِسِ جُملةً سَنَرجِعُ إليها في الأسابيعِ القادِمَةِ عندما نَدرُسُ هَذا المَوضوع. ولكِنْ في رِسالةِ رُومية 5: 12، استَمِعُوا إلى مَا يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ [أيْ: آدَم] دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ". فَهَذا هُوَ تَعليقُ العهدِ الجديدِ على الحَدَثِ الَّذي قَرأتُهُ للتَّوّ على مَسامِعِكُم. فمِن خلالِ إنسانٍ وَاحِدٍ [أيْ: آدَم] دَخَلَتِ الخَطيَّةُ إلى العَالَمِ، وبالخَطِيَّةِ المَوتُ الَّذي هُوَ أسوأُ نَوعٍ مِن أنواعِ الفَساد. لِذا فقدِ اجتازَ المَوتُ إلى جَميعِ النَّاسِ إذْ أخطأَ الجَميع. فعندما أخطأَ آدَمُ، كُنَّا جَميعًا هُناكَ. فَقد كُنَّا جَميعًا في صُلْبِهِ. وَقَد كُنَّا جَميعًا في ذُرِّيَّتِهِ. فقد جِئنا جميعًا مِن آدمَ وحَوَّاء. لِذا فقد وَرَثْنا مَا يُسَمِّيهَ اللاَّهُوتِيُّونَ "الخَطيَّةَ الأصليَّة". فعندما أخطأَ آدَمُ، سَقَطْنا جَميعًا لأنَّنا جِئْنا جَميعًا مِن آدَم.
وفي نِهايةِ الأصحاحِ الثَّاني، سَتُلاحِظونَ أنَّ آدَمَ وَزوجَتَهُ كَانَا عُرْيانَيْنِ، وَهُما لا يَخْجَلان. فلم يَكُن هُناكَ أيُّ شَيءٍ يُمكِنُ أنْ يَخجَلا مِنهُ لأنَّهُ لم تَكُن هناكَ خطيَّة، ولم تَكُن هناكَ أفكارٌ شِرِّيرة. لِذا، لم يَكُن يُوجَدُ شَيءٌ يَخَجلا مِنهُ. ولكِنْ عندما تَصِلُونَ إلى نِهايةِ القِصَّةِ الَّتي قَرأتُها على مَسامِعِكُم، وتَحديدًا في العَددِ السَّابع، تَقرأونَ مَا يَلي: "فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ".
فَفجأةً، شَعَرا بالخَجَل! لماذا؟ لأنَّ تِلكَ كانَت أوَّل مَرَّة في حَياتِهِما يَفتَكِرانِ فيها أفكارًا شِرِّيرة. فَلم تَخطُر ببالِهما فِكرة شِرِّيرة مِن قَبل. وَمِنَ الواضِحِ أنَّ هَذهِ الفِكرةَ الشِّرِّيرةَ كَانَت مُرتبطةً بالجِنس. فَفجأةً شَعَرا بِخَجَلٍ لم يَكُن مَوجودًا مِن قَبل. وَهَذا أكبرُ مُؤشِّرٍ مِن جِهَتِهِما على أنَّهُما اقتَرَفَا خَطِيَّة. أمَّا المُؤشِّرُ مِن جِهَةِ اللهِ فَيَظهَرُ مِن خِلالِ قَولِهِ في العَدد 16 للمرأة: "تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ"، ثُمَّ مِن خِلالِ قَولِهِ لآدَم: "لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ".
والآن، عندما لَعَنَهُما اللهُ، نَرى شَيئًا مُدهشًا. فتلكَ اللَّعَناتُ هي لَعَناتٌ جَسديَّة. فهناكَ لَعنةٌ تَتَمَثَّلُ في أوجاعِ الولادةِ وفي وُجودِ خِلافاتٍ زَوجِيَّة. وهُناكَ لَعنةٌ على آدم تَتَمَثَّلُ في أنَّهُ لن يَتمكَّنَ بَعدَ الآن مِن حَصْدِ خَيراتِ عَدْن، بل إنَّهُ سَيُضطَرُّ إلى حَرْثِ الأرضِ، وإلى تَنقيبِها مِنَ الشَّوكِ والحَسَك، وسيُضطَرُّ إلى أكْلِ خُبْزِهِ بعَرَقِ جَبينِه، وَفي النِّهاية سيَموت. ولكِنَّ هذهِ الآياتِ لا تَتحدَّث البَتَّة عنِ التَّغييرِ الأخلاقِيِّ الَّذي حَدَث. فَالنَّصُّ لا يَقولُ الكَثير. ولكِنَّ النَّتيجةَ تَتَّضِحُ سَريعًا جدًّا. فأوَّلاً، لقد شَعَرَ آدمُ وحَوَّاءُ بالخَجَل. وهَذا الخَجَلُ نَابِعٌ مِن شُعورِهِما بالذَّنب. والشُّعورُ بالذَّنبِ ناجِمٌ عنِ الخطيَّة. فقد افتَكَرا أفكارًا شِرِّيرةً وشَعَرا بِخَجَلٍ شَديدٍ بسببِ ذلكَ حَتَّى إنَّهُما خَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ. وقد أَنْجَبَا ابنَيْنِ في الأصحاحِ الرَّابع فَقَتَلَ أحَدُهما الآخر. والبَقِيَّةُ هِيَ بِكُلِّ تَأكيدٍ تَاريخ.
لقد حَدَثَ السُّقوطُ في نُقطةٍ مُحَدَّدَةٍ بينَ اليومِ السَّادسِ مِنَ الخَلْقِ [عندما كانَ كُلُّ شيءٍ حَسَنًا جدًّا] والوقتِ الَّذي أَنْجَبَ فيهِ آدمُ وحَوَّاءُ قَايين لأنَّ قَايينَ وُلِدَ خَاطِئًا. لِذا، لا بُدَّ أنَّ السُّقوطَ حَدَثَ قبلَ وِلادَتِه؛ ولكِنَّنا لا نَعلَمُ مَتى تَحديدًا. وَنَحنُ لا نَعلَمُ كَمِ الفترةُ الَّتي استَمتَعا فيها بِجَنَّةِ عَدْن في مَجدِها. ولكِنْ ما إنْ سَقَطا حَتَّى تَغَيَّرا. فقد تَغَيَّرا وَوَرَّثَا السُّقوطَ والخطيَّةَ إلى كُلِّ إنسانٍ عَاشَ يَومًا لأنَّ البَشرَ جَميعًا وُلِدُوا مِن نَسْلِ آدمَ وَحَوَّاء. فعندما أخطأَ آدم، جَلَبَ المَوتَ على نَفسِهِ وعلى كُلِّ شَخصٍ آخر. ونحنُ جميعًا وُلِدْنا لكي نَموت. وَقد وَرَثْنا جميعًا قُوَّةً أُسَمِّيها: "قُوَّة المَوت"... "قُوَّة المَوت". وكما قُلتُ، مُنذُ اللَّحظةِ الَّتي يُحْبَلُ فيها بالجَنينِ فإنَّهُ يَبتدِئُ في النُّموِّ والمَوتِ في الوقتِ نَفسِه. ونحنُ نَخوضُ هَذا الصِّراعَ طَوالَ الحَياةِ إذْ إنَّنا نُحاولُ أن نَمنَعَ قُوَّةَ المَوتِ مِنَ الانتصارِ أطولَ وَقتٍ مُمكِن.
وقد وَرَثْنا لا فقط الموتَ، بَل وَرَثْنا أيضًا الخطيَّةَ لأنَّنا جَميعًا في آدَم. وَهَذا هُوَ أوَّلُ شَيءٍ أريدُ مِنكُم أن تَفهموه. فهذهِ هي الخَطيَّةُ الأصليَّة. وهُناكَ جَانِبٌ آخرُ مِنها وَهُوَ الخَطِيَّة المَحسوبَة. وسوفَ نَتحدَّثُ عنها لاحقًا. وكما تَرَوْنَ، في زَمَنِنا هَذا، إن لم تَفهَمُوا ذلك، لَن تَتمكَّنُوا مِن تَفسيرِ المُعضِلَةِ البَشريَّة. وَلا يُمكنكُم أن تُفَسِّروا أنَّ هَذا تَرَكَ أَثرًا لا فقط في حَياةِ الإنسانِ الأخلاقيَّةِ وعلى كُلِّ جَانِبٍ مِن جَوانبِ العَلاقاتِ، بَل تَرَكَ أَثَرًا أيضًا في الأرض؛ أيْ في الكَونِ المَادِّيِّ أوِ الكَونِ المَلموس. فنحنُ نَقرأُ في الأصحاحِ الثَّامنِ مِن رِسالةِ رُومية أنَّ الخَليقةَ كُلَّها تَئِنُّ تَحتَ وَطْأةِ هذهِ اللَّعنَة. فَالسَّببُ في وُجودِ التَّحَلُّلِ، والمَوتِ، وكُلِّ مَا يَحدُثُ في الكَونِ بأسْرِه هُوَ مَا ذُكِرَ في الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْر التَّكوين. لِذا، سوفَ نَنظُرُ إلى الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْرِ التَّكوين ونَرى كُلَّ الأشياءِ الَّتي يُمكِنُنا أن نَراها لمُساعدَتِنا على فَهمِ هَذا الحَدَثِ المُدهِش.
وهُناكَ مُشكلةٌ كَبيرةٌ تَعتَرِضُ أنصارَ التَّطوُّرِ والارتقاءِ، وأنصارَ التَّطوُّرِ النَّفسيِّ، وأنصارَ التَّطوُّرِ الاجتماعِيِّ لأنَّهُ إنْ كَانَ الإنسانُ يَزدادُ مِن جِهَةِ القُدرة، وَإنْ كَانَ يَزدادُ مِن جِهَةِ نُبْلِ الأخلاقِ، وَإنْ كَانَ يَتَغَيَّرُ ويَصيرُ أكثر رُقِيًّا، وَإنْ كَانَ قَد وَصَلَ الآنَ إلى نُقطةٍ صَارَ فيها شخصًا جَيِّدًا، وشَخصًا أفضل، لماذا لا يَتَغَيَّرُ المُجتمَع؟ ولماذا يَنْحَدِرُ أخلاقِيًّا؟ يَقولُ عُلماءُ النَّفسِ الَّذينَ يُؤمِنونَ بالتَّطَوُّر إنَّهُ لا بُدَّ مِن وُجودِ عِلَّةٍ مَا في البيئة. وَهَذا يُؤدِّي إلى الفِكْرِ التَّالي: أنا لستُ سَيِّئًا، ولكِنْ لأنَّكَ سَيِّئٌ فإنَّكَ تَجعَلُني سَيِّئًا. لِذا، في عَمليَّةِ الارتقاءِ، أعتقدُ أنَّ هُناكَ أشخاصًا يَرْتَقونَ وأشخاصًا يَنْحَدِرون. وَهَذا أمرٌ انتِقائِيٌّ وَحَسْب.
ويَرفُضُ عُلماءُ النَّفسِ الاعترافَ بوجودِ الخَطيَّة لأنَّهم يُريدونَ أن يُمَجِّدُوا الإنسانَ، ويُريدونَ أن يُلغُوا وُجودَ الله. وَلأنَّهُم يَرفُضونَ الخطيَّة، لا يُمكِنُهم أن يُقَدِّمُوا تَفسيرًا لِسببِ كَونِ الإنسانِ هَكذا. فَهُمْ يُسيئونَ تَشخيصَهُ تَمامًا ولا يَستطيعونَ البتَّةَ أن يُقدِّموا أيَّ عَوْن. وماذا نَفعلُ نَحنُ البَشَر؟ نَحنُ نُحاولُ أن نَبتَكِرَ عُقوباتٍ أقسَى مِن خِلالِ وَضْعٍ مَا يُسَمَّى بِقانونِ الجُرْمِ الثَّالِثِ الَّذي يَنُصُّ على أنَّكَ إذا ارتَكَبْتَ ثَلاث جُنَح مُتَوالِيَة فإنَّهُم يَحكُمونَ عليكَ بالسِّجْنِ ويُلقونَ المِفتاحَ بَعيدًا. وَقَد عُدْنا إلى تَطبيقِ حُكْمِ الإعدام. ولكِنْ لا يُوجَد شَيءٌ يَستطيعُ أن يُنهي انتشارَ الظُّلْمِ، ولا يُوجَد شَيءٌ يَستطيعُ أن يُنهي استِفحالَ الفَساد. فلا يُمكِنُكَ أن تَفعلَ ذلكَ مِن خِلالِ جَلَسَاتِ المَشورَة. ولا يُمكِنُكَ أن تَفعلَ ذلكَ مِن خِلالِ جَلَساتِ العِلاجِ النَّفسِيِّ. وَلا يُمكِنُكَ أن تَفعلَ ذلكَ مِن خِلالِ العَقاقيرِ الطِّبيَّة. لا يُمكِنُكَ أن تَفعلَ ذلكَ لأنَّ المُشكلةَ هِيَ الخطيَّة. فالمُشكلةُ هِيَ أنَّنا جَميعًا وَرَثْنا طَبيعَةً فَاسِدَة.
وقد كَتَبَ "كارل مينينجر" (Karl Menninger)، مُؤسِّس "عيادة مينينجر" (Menninger Clinic) ما يَلي: "في كُلِّ مَراثي وَتَوبيخاتِ الرَّائِينَ والأنبياءِ لَدينا، لا يَرى الإنسانُ أيَّ ذِكْرٍ للخطيَّة مَعَ أنَّها كانت كلمةً مُستخدمةً دائمًا مِن قِبَلِ الأنبياء. وقد كانت في يَومٍ مَا كلمةً لا تَغيبُ عَن بَالِ أيِّ شَخص؛ ولكِنَّها الآنَ باتَتْ كلمةً تُسْمَعُ نَادرًا أو لا تُسمَعُ البتَّة. وهل هذا يعني أنَّ الخَطيَّةَ لا صِلَةَ لها بمشاكلنا؟ وَهَل هذا يَعني أنَّ النَّاسَ لم يَعودُوا مُذنِبينَ بأيِّ شَيء؟ أليسُوا مُذنِبينَ بأيَّة خطيَّةٍ يَنبغي أن يَتوبوا عنها، ويَنبغي إصلاحُها والتَّكفيرُ عنها؟ أَم هلِ الأمرُ يَقتَصِرُ على أنَّ هُناكَ أشخاصًا حَمْقَى أو مَرضَى أو مُجرِمينَ، أو في طَوْرِ الشِّفاءِ، أو لا يَدري مَاذا يَفعل؟ هُناكَ أُمورُ مَغلوطَةٌ تَحدُث. ونحنُ نَعلَمُ ذلك. فهناكَ زَوانٌ زُرِعَ في وَسَطِ الحِنطَة في اللَّيل. ولكِنْ أَلاَ يُوجَدُ شَخصٌ مَسؤولٌ؟ أَلاَ يُوجَدُ شَخصٌ يُحاسَبُ عَلى تِلكَ الأعمال؟ فَهُناكَ قَلَقٌ واكتئابٌ نُقِرُّ بهِ جَميعًا، بَلْ وَحَتَّى مَشاعِر ذَنْب؛ ولكِن أَلَمْ يَقتَرِف أيُّ شخصٍ أيَّة خَطيَّة؟ أينَ ذَهَبتِ الخطيَّة حَقًّا؟ وَماذا نَجَمَ عَنها؟" [نِهايةُ الاقتباس] وبالمُناسَبة، هَذا المَقطَعُ مُقتَبَسٌ مِن كِتابٍ كَتَبَهُ بعُنوان: "مَاذا نَجَمَ عَنِ الخَطيَّة؟" (Whatever Became of Sin?)
وَلا شَكَّ في أنَّهُ لا يُوجَدُ اهتمامٌ على الصَّعيدِ العَامِّ في التَّحدُّثِ عنِ الخطيَّة اليوم. وما أعنيه هُوَ أنَّ التَّحدُّثَ عَن ذلكَ بَاتَ أَمْرًا مَهجورًا. الطَّبيعة الخاطِئَة؟ فَهَل تَجرُؤُ على القَولِ إنَّ النَّاسَ فَاسِدونَ مُنذُ الوِلادَة؟ وَهل تَجرُؤُ على القَولِ إنَّهُم وَرَثُوا الطَّبيعةَ الخَاطئةَ مِن أَبَوَيْهِم لأنَّهُم جَميعًا وَرَثُوا طَبيعَةَ آدَم؟ وَهَل تَجرُؤُ على القولِ إنَّهُم كَانُوا هُناكَ وَإنَّهُم أخطأُوا وَهُمْ في صُلْبِ آدَمَ، وَإنَّ كُلَّ شَيءٍ صَدَرَ عَن ذلكَ الرَّجُلِ الوَاقِعِ تَحتَ اللَّعنَةِ وتِلكَ المَرأةِ الوَاقعةِ تحتَ اللَّعنَةِ يَحمِلُ تلكَ اللَّعنَة؟ فهذا كَلامٌ غَيرُ مَقبول. فإنْ قُلتَ إنَّ النَّاسَ جَميعًا يُولَدونَ بِمُيولٍ شِرِّيرةٍ، وَإنَّهُم يُولَدونَ جَميعًا بِرغبةٍ في التَّعَدِّي على نَاموسِ اللهِ وفي خَلْعِ اللهِ عَن عَرشِهِ والجُلوسِ مَكانَهُ، وَإنْ قُلتَ إنَّهُم لا يَستطيعونَ أن يَفعلوا أيَّ صَلاحٍ، وَإن قُلتَ إنَّهُم فَاسِدونَ في صَميمِهم؛ أيْ إنَّ كُلَّ شَيءٍ يَختَصُّ بِهم، وكُلَّ شَيءٍ يُفَكِّرونَ فيه، وَإنَّ كُلَّ شَيءٍ يَقولونَهُ، وكُلَّ شَيءٍ يَفعلونَهُ هُوَ شَرٌّ دَائِمًا، وَإنْ قُلتَ إنَّ قُلوبَهُم مُخادِعَةٌ وشِرِّيرةٌ جدًّا، بِصراحَة يا أحبَّائي، هَذا كَلامٌ لا يُلاقي قُبولاً في المُنتدياتِ العَامَّة.
فَقد شَنَّ مُجتَمَعُنا حَربًا ليسَ فقط على الخطيَّة، بل إنَّهُم لا يُريدونَ أن نَقولَ عَن أيِّ شَيءٍ أنَّهُ خَطيَّة. فيُمكِنُنا أن نَقولَ إنَّهُ نَمَطُ حَياةً، ولكِنَّهُ ليسَ خَطِيَّة. لِذا فقد شَنَّ مُجتمَعُنا الحَربَ على الخطيَّةِ، وَشَنَّ حَرْبًا على الشُّعورِ بالذَّنب. فَهُم يَقولونَ إنَّ الشُّعورَ بالذَّنْبِ هُوَ إحدى خُزَعْبِلاتِ العُصورِ الوُسطَى، وإنَّهُ شَيءٌ بَاطِلٌ وغيرُ مُفيدٍ بِكُلِّ تأكيد. وواحِدٌ مِنَ الكُتُبِ الأكثر مَبيعًا قَبلَ عِشرينَ سَنَة هُوَ كِتابٌ أَلَّفَهُ "وين داير" (Wayne Dyer) أو الدُّكتور "وين داير" بعُنوان: "Your Erroneous Zones". وَهُوَ يَقولُ إنَّ أكثرَ شَيءٍ مَغلوط وَلا نَفْعَ مِنهُ قَد تَفعلُهُ في حَياتِكَ هُوَ أن تَشعُرَ بالذَّنب. وَقد قَال: "يَنبغي القَضاءُ على الشُّعورِ بالذَّنب، وَتَطهيرُهُ، واستِئصالُهُ إلى الأبد". فيَنبَغي لنا أن نَتخلَّصَ مِن شُعورِنا بالذَّنب. وَهُوَ يَقولُ لَكَ كيفَ تَفعل ذلك. فَهُوَ يَقول: "افعل شَيئًا تَعلم أنَّهُ سيَجعلُكَ تَشعُر بالذَّنب. اعزل نفسكَ أسبوعًا. فَإن أردتَ دائمًا أن تَفعلَ شَيئًا مَا على الرَّغمِ مِنَ اعتراضاتِ أفرادِ عائلتكَ الَّتي تَجعلُكَ تَشعُرُ بالذَّنبِ فإنَّ قِيامَكَ بذلك سَيُساعِدُكَ في التَّغلُّبِ على الشُّعورِ بالذَّنب". بعبارةٍ أخرى، إن كُنتَ تَشعرُ بالذَّنبِ بِسَببِ أمورٍ مُعَيَّنة، افعلها واستمرّ في فِعلِها إلى أن تَتوقَّفَ عَنِ الشُّعورِ بالذَّنب. وَهو يَقول: "قَاوِم الشُّعورَ بالذَّنب، تَصَدِّي لِزوجِكِ، تَصَدَّى لأبنائِكَ، تَصَدَّى لذلك الشُّعورِ بِعَدَمِ رِضاكَ عَن نَفسِك. افعل شَيئًا تَعلَمُ يَقينًا أنَّهُ سيَجعلُكَ تَشعُرُ بالذَّنب، ثُمَّ استَمِرّ في فِعلِهِ إلى أن تَتوقَّفَ عنِ الشُّعورِ بالذَّنب. ارفُض الاستماعَ إلى صَوتِ الضَّمير، والواجباتِ الَّتي تَفرِضُها عليكَ مَسؤوليَّاتِكَ العائليَّة، وما يَقولُهُ لكَ أحِبَّاؤُك. فأنتَ تَدينُ بذلكَ لنفسِك. خَدِّر ضَميرَك". لِذا، لم يَعُد أحدٌ يُبالي الآنَ بالشُّعورِ بالذَّنب.
عندما يَشعُرُ النَّاسُ بالذَّنبِ في يَومِنا هَذا فإنَّهُم يَشعُرونَ بالذَّنبِ فقط إنْ أَكَلُوا بَطاطِسَ مَقليَّة. فَهُمْ يَشعرونَ بالذَّنبِ لأنَّهُم استَمتَعُوا قَليلاً. وقد رأيتُ عُنوانًا في عَمودِ النَّصائِحِ لَفَتَ نَظَري. وَهُوَ يُلَخِّصُ المَشورَةَ الَّتي تُقَدَّمُ لأبناءِ جِيلِنا في كُلِّ مَكان. يَقولُ العُنوان: "الخَطأُ ليسَ خَطأكَ أنت". الخَطأُ ليسَ خَطأك أنت. أيْ: تَوَقَّف عَن لَوْمِ نَفسِك. ويَقولُ المُقال: "إنَّ سُلوكَكَ القَهْرِيَّ ليسَ خَطأكَ أنت. ارفُض قُبولَ اللَّوْم. والأهَمُّ مِن ذلك هُوَ أَلاَّ تَلومَ نَفسَكَ على مَا لا يُمكِنُكَ التَّحَكُّمُ فيه. فَلَومُكَ لنفسِكَ يَزيدُ مِن حِدَّةِ تَوَتُّرِكَ، ويُقَلِّلُ مِنَ احترامِكَ لنفسِك، ويَزيدُ قَلَقَكَ واكتئابَكَ وشُعورَكَ بالنَّقصِ والاتِّكالِ على الآخرين. لِذا، تَخَلَّ عَن مَشاعِرِ الذَّنْب". وتَقولُ كَاتِبَةُ المَقال الشَّهيرة "آن لاندرز" (Ann Landers): "واحِدٌ مِن أكثرِ الأشياءِ إيلامًا، وَتَمزيقًا للذَّات، واستِنفاذًا للطَّاقَةِ في حَياةِ الإنسانِ هُوَ الشُّعورُ بالذَّنب. فهو يُمكِنُ أن يُفْسِدَ يَومَكَ، أو أُسبوعَكَ، أو كُلَّ حَياتِك. فَهُوَ يَصيرُ شَيئًا غيرَ مُسِرٍّ عندما تَفعلُ شيئًا مُخادِعًا، أو مُؤذِيًا، أو مُبتَذَلاً، أو أنانِيًّا، أو فَاسِدًا. ولكِنْ لا عَليكَ لأنَّكَ فَعلتَ ذلكَ عَن جَهلٍ، أو حَماقَةٍ، أو كَسَلٍ، أو عَدَمِ اكتِراثٍ، أو بسببِ جَسَدِكَ الضَّعيفِ أو عَدمِ قُدرتِكَ على مُواجَهَةِ التَّحَدِّيات. فقد أخطأتَ والشُّعورُ بالذَّنبِ يَقتُلُك. وهذا سَيِّءٌ جدًّا، ولكِنِ اعلَم أنَّ شُعورَكَ بالذَّنبِ شيءٌ عَادِيٌّ. وتَذَكَّر أنَّ الشُّعورَ بالذَّنبِ مُلَوِّث. ونحَنُ لَسنا بحاجَةٍ إلى المَزيدِ مِنَ التَّلَوُّثِ في العَالَم".
فَلا حَاجَةَ إلى الشُّعورِ بالذَّنبِ بسببِ أيِّ شَيء! ويا لَهُ مِن أمرٍ خَطيرٍ لأنَّكَ تَحْرِمُ النَّاسَ مِن فُرصةِ التَّوبة. وَلكِنِّي أُحِبُّ قِصَّةَ ذلكَ الشَّخصِ الَّذي يَعيشُ في مَدينةِ نيويورك. ورُبَّما سَمِعتُموها مِن شَخصٍ، أو قَرأتُموها، أو سَمِعتُموها في نَشرةِ الأخبار. فقد سَرَقَ مَتْجَرًا. وقد أَخرَجَ صَاحِبُ المَتجَرِ سِلاحًا وَأطلَقَ النَّارَ عليهِ فَأُصيبَ بالشَّلَل. فقد أُصيبَ الجُزءُ الأسفلُ مِن جَسَدِهِ بالشَّللِ وَصَارَ يَستخدِمُ كُرسِيًّا مُتَحَرِّكًا. وعندما حَانَ وَقتُ المَحكَمَة، قَالَ مُحامي السَارِقِ الَّذي تَعَرَّضَ لإطلاقِ النَّارِ مِن صَاحِبِ المَتْجَرِ إنَّهُ قَبِلَ القَضِيَّةَ لأنَّ صَاحِبَ المَتجَرِ الَّذي أَطلَقَ النَّارَ عَلى السَّارِقِ لم يُدرِك أنَّ هذا الرَّجُلَ الَّذي اقترَفَ تِلكَ الجَريمَةَ هُوَ ضَحِيَّةَ المُجتَمَع، وَأنَّهُ اقتَرَفَ تِلكَ الجَريمَةَ بسببِ الأوضاعِ الاقتصادِيَّةِ المُزْرِيَة. وَقَد قَالَ المُحامي إنَّهُ وَقَعَ الآنَ أيضًا ضَحِيَّةَ إطلاقِ النَّارِ عليهِ مِن قِبَلِ صَاحِبِ مَتْجَرٍ خَالٍ مِنَ المَشاعِر. وقد قالَ إنَّهُ بسببِ عَدَمِ مُبالاةِ صَاحِبِ المَتْجَرِ بِبَلِيَّةِ اللِّصِّ وبِكَونِهِ ضَحِيَّةً، فإنَّ اللِّصَّ المِسكينَ سيَبقَى مَشلولاً ويَستخدِمُ الكُرسِيَّ المُتَحَرِّكَ بَقِيَّةَ حَياتِهِ، وَإنَّهُ يَستَحِقُّ تَعويضًا. وقد وَافَقَتْ هَيْئَةُ المُحَلَّفينَ على ذلك. وقد دَفَعَ صَاحِبُ المَتجَرِ تَعويضًا ضَخمًا. وَما يُدهِشُني دَائِمًا عندما أُفَكِّرُ في هذهِ القِصَّةِ هُوَ أنَّهُ في غُضونِ شَهْرَيْنِ، تَمَّ اعتقالُ اللِّصِّ نَفسِهِ بِسَببِ اقترافِهِ جَريمَةَ سَطْوٍ مُسَلَّح وَهُوَ في كُرْسِيِّهِ المُتَحَرِّك!
وفي حَادِثَةٍ أخرى، أَسَاءَتِ امرأةٌ مُعاملةَ طِفلَتِها فَماتَتِ الطِّفلة. ولكِنَّ المَحكَمَةَ أطلَقَت سَراحَها لأنَّها مُصابَةٌ بِمُتلازِمَة مَا قَبْل الطَّمْث. وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ جميعًا ذلكَ المُشرِف الَّذي قُتِلَ في مَدينة سان فرانسيسكو. فَفي المُحاكَمَة، تَذَرَّعَ المُحامي بأنَّ كَعْكَةَ التّوينكي هِيَ السَّبب، وَأنَّ القاتِلَ ليسَ مَسؤولاً عَن تلكَ الجَريمة. فقد كَانَ يَتصرَّفُ دُونَ وَعْيِ لأنَّهُ أَكَلَ قِطَعًا كَثيرةً مِن كَعكَةِ التّوينكي. وَهَكذا، صَارَ هُناكَ مَا يُعرَفُ بدِفاع التّوينكي.
وَهُناكَ الكَثيرُ مِن هَذا الهُراءِ في مُجتمَعِنا. فَهِيَ نَفسُ الأساليبِ القائمةِ على إبعادِ اللَّوْمِ عَنَّا. وعندما يَكونُ الأطفالُ غَير مُطيعين فإنَّهُم يَقولونَ إنَّهُم يُعانُونَ مِن فَرْطِ النَّشاطِ، أو أنَّهُم مُصابونَ بمُتلازِمَة نَقصِ الانتباه، أو أيَّة مُتلازِمَة أخرى يُمكِنُهم أن يبتَدِعوها لكي يَبيعوا للنَّاسِ العَقاقيرَ الَّتي يُريدونَ أن يَبيعوها لَهُم. وعندما يَقتَرِفُ أَحَدُ الأشخاصِ خَطيئةً أخلاقيَّةً فإنَّهُم يَقولونَ إنَّهُ مُدمِنٌ على الجِنسِ، وَإنَّهُ يَتعافَى مِنَ الإدمانِ على الجِنس. ولكِنْ يجب علينا أن نَتذكَّر أنَّهُ على غِرارِ المُدمِنينَ على الكُحولِ فإنَّكَ لا تَتعافَى البتَّة. لِذا فإنَّكَ تَستَمِرُّ طَوالَ حَياتِكَ في التَّعافِي. لِذا، لا تَشعُر بمشاعِر سَيِّئة إنْ زَلُّوا هُنا وهُناك. فَهُوَ إدْمانٌ وَحَسْب. فَكُلُّ شَيءٍ مَغلوطٍ في حَياةِ الإنسانِ يُوصَفُ بأنَّهُ مَرَض. ولكِنْ كَما تَعلمونَ فإنَّ أُسلوبَ التَّبريرِ هَذا هُوَ الطَّريقةُ الَّتي اختارَها العالَمُ للتَّغاضِي عنِ المُشكلةِ الحَقيقيَّة.
لِذا، أعتقدُ أنَّ المَسيحيِّينَ الَّذينَ يَفهمونَ الكتابَ المقدَّسَ ويُؤمِنونَ بِهِ هُمُ الوَحيدونَ الَّذي يَفهَمونَ مَا يَجري. فَجَميعُ هَؤلاءِ النَّاسِ يُحاولونَ أن يُعالِجُوا المُشكلة. فَكُلُّ السِّياسِيِّينَ، وكُلُّ دُعاةِ الأخلاقِ، وكُلُّ التَّرْبَوِيِّينَ، وكُلُّ أساتِذَةِ الجَامِعاتِ، وكُلُّ عُلماءِ الاجتماعِ، كُلُّ هؤلاءِ يُحاولونَ أن يُصلِحُوا المُجتَمَع؛ ولكِنَّ هؤلاءِ لا يَستطيعونَ أن يَفعلوا ذلكَ لأنَّهُم لا يَفْهَمونَ أيَّ شَيءٍ عَن حَقيقةِ مَا يَجري في القَلب. فَكُلُّ البشرِ... كُلُّ البَشَرِ [دُونَ استثناء] يَمْلِكونَ طَبيعَةً شِرِّيرةً ومُتمرِّدَةً وفَاسِدَة. فالذِّهْنُ فاسِد. والمَشاعِرُ فاسِدَة. والإرادَةُ فاسِدَة. والسُّلوكيَّاتُ فاسِدَة. وَالأصحاحُ الثَّالثُ مِن سِفْر التَّكوين مُهِمٌّ جدًّا لكي نَفهمَ ذلك.
وبالمُناسَبة، قَد يَهُمُّكُم أن تَعلَمُوا أنَّ هُناكَ أشياءً ليسَت مَذكورةً في الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْر التَّكوين. فالكلمة "خَطيَّة" ليسَت مَذكورة فيه. والكلمة "شيطان" ليست مَذكورة فيه. وسوفَ نَتحدَّثُ أكثر عن ذلك عندما نَدرُسُ النَّصَّ نَفسَهُ. ولكِنَّ بَقِيَّةَ النَّصِّ يُوَضِّح ذلك تَمامًا. فَلا تُوجَد هناكَ أيَّة جُملة تَقولُ إنَّ خَطايا آدم انتقلت إلى نَسلِه؛ ولكِنَّ هَذا واضِحٌ جدًّا لأنَّ الأصحاحَ التَّالي يُظْهِرُ نُشوبَ خِلافٍ وَوُقوعَ جَريمةِ قَتْلٍ بينَ ابْنَيّ آدمَ وحَوَّاء. ولكِنْ يَجب عَلينا أن نَفهمَ بَقيَّةَ الكتابِ المقدَّسِ لكي نُفَسِّرَ الأصحاحَ الثَّالثَ مِن سِفْر التَّكوين. لِذا، عندما نَدرُسُ الأصحاحَ الثَّالثَ مِن سِفْر التكوين سَنَنظُرُ إلى عَدَدٍ مِنَ الآياتِ الأخرى الَّتي ستُساعِدُنا على تَفسيره. فَمِنَ المُهِمِّ جدًّا أن تَكونَ لدينا عَقيدةٌ كِتابِيَّةٌ سَليمةٌ عَنِ الخطيَّة.
وكما أُحِبُّ أن أفعلَ غَالِبًا عندما أدرسُ العهدَ القديم، رَجَعْتُ إلى بِضعَة مَصادِر يَهوديَّة لأنِّي أريدُ أن أقرأَ عَن مَا يَقولُهُ العُلماءُ والمُعَلِّمونَ والشُّرَّاحُ اليَهودُ عنِ الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْر التَّكوين. ومِنَ المُدهِشِ أنَّ اليَهوديَّةَ كَانَت وَما تَزالُ تَرفُضُ فِكرةَ وُجودِ فَسَادٍ بِسَببِ الخَطيَّةِ وَرِثَهُ الإنسانُ عَن آدَم. فَهُم يَرفُضونَ ذلك. وَهُم يُؤمِنونَ بأنَّ آدمَ أخطأَ، وبأنَّهُ فَعلَ ذلكَ لأنَّهُ اختارَ أن يَفعلَ ذلك. وَهُم يُؤمِنونَ بأنَّ قَايينَ وَهابيلَ فَعَلاَ مَا فَعلاهُ لأنَّهُما اختارَا أن يَفعَلاَ ذلك. فَهَذا هُوَ مَا يُؤمِنونَ بِهِ: أنَّهُ لا يُوجَدُ فَسادٌ مُتوارَثٌ، وَأنَّ اللهَ لا يَحسِبُ خَطيَّةَ آدَمَ عَلينا. فَقد كانَ مَا فَعَلَهُ آدَمُ شَيئًا مُنفصِلاً، ويُمكِنُنا أن نَفعلَ الصَّوابَ أو أن نَفعلَ الخطأ. لِذا فإنَّهُم يُؤمِنونَ بأنَّ الإنسانَ يَخلُصُ بِبِرِّهِ لأنَّهُم لا يُؤمِنونَ بعقيدةِ الفَساد. وَهُمْ لا يُؤمِنونَ بعقيدةِ الخَطيَّةِ الأصليَّة. فَهُم يَقولونَ إنَّ خَطيَّةَ آدَمَ أَثَّرَتْ فقط في آدم، وَإنَّنا جَميعًا نَمْلِكُ حُريَّةَ الاختيار: فإمَّا أن نُطيعَ اللهَ، وَإمَّا أن نَعصِي الله. فَهِيَ نَفسُ الحُريَّةِ الَّتي أُعطِيَتْ لآدَمَ وَحَوَّاء. وَنَحنُ لا نَرِثُ أيَّ شَيءٍ مِنهُما. ولكِنَّ هَذا التَّعليمَ مُناقِضٌ لما يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّس.
فمَثلاً، بِحَسَبِ "إيزيدور إبستين" (Isidore Epstein) في كِتابٍ لَهُ بعُنوان: "اليَهوديَّة" (Judaism) مِن مَنشوراتِ "مَطبعة بيليكان" (Pelican Press) في سنة 1959، يَقولُ إيزيدور إبستين: "اليهوديَّةُ تُنكِرُ وُجودَ خَطيَّةٍ أصليَّة. أجل، فالفِكرةُ بأنَّ خَطيَّةَ آدَم جَلَبَتِ المَوتَ إلى كُلِّ الجِنسِ البَشريِّ ليست غَائِبَةً عَنِ التَّعليمِ اليَهوديِّ، ولكِنَّ الإشارَةَ هِيَ دائمًا إلى الموتِ الجسديِّ، ولا يَجوزُ أن نَخلِطَ بينَهُ وبينَ المَوتِ الرُّوحيِّ الَّذي لا يُمكِنُ لأيِّ شَخصٍ [بِحَسَبِ العَقيدةِ المَسيحيَّةِ] أن يَخلُصَ مِنهُ إلاَّ مِن خِلالِ الإيمانِ بالمُخَلِّصِ المُقام مِنَ المَوت". أَلا تَظُنُّونَ أنَّ هَذا الأمرَ مُدهشٌ! فَهُم يَفهمونَ رِسالةَ المَسيحيَّةِ ويُريدونَ أن يَبْتُروهَا مُنذُ البِدايَة. فَهُم يُريدونَ أن يُنكِرُوا الخَطيَّةَ الأصليَّةَ لكي يَتمكَّنُوا مِن إنكارِ أنَّ البشرَ في حَالَةٍ يَحتاجونَ فيها إلى أنْ يَكونَ يَسوعُ المَسيحُ مُخَلِّصًا لَهُم. وَيُخْتَمُ ذلكَ المَقطَعُ بالجُملةِ التَّالية: "لِذا، يَستطيعُ الإنسانُ أن يُحَقِّقَ فِداءَهُ مِن خِلالِ تَوبَتِه". فَهُوَ ليسَ بِحاجَةٍ إلى مُخَلِّص. لِذا فإنَّهُم لا يَعترِفونَ بالمُخَلِّصِ وَلا يَعتَرِفونَ بوجودِ خَطيَّةٍ أصليَّة. فَكُلُّ إنسانٍ يَختارُ مَا يَشاء. وَإنْ كانَ خِيارُكَ سَيِّئًا، يَكفي أن تَعتَذِرَ للهِ وَأنْ تُحْسِنَ الاختيارَ في المَرَّاتِ القَادِمَةِ بحيث تَزيدُ خِياراتُكَ الحَسَنَةُ على خِياراتِكَ السَّيِّئة فَتَذهبُ إلى السَّماء.
ويَقولُ المُفَسِّرُ اليَهودِيُّ "كاسوتو" (Cassuto) الَّذي أقرأُ لَهُ كَثيرًا: "الفِكرةُ الرَّئيسيَّةُ في الأصحاحِ الثَّالثِ مِن سِفْر التَّكوين لا تَرْمي إلى تَقديمِ تَفسيرٍ فَلسَفِيٍّ لأصلِ الشَّرِّ في العَالَم" [نِهايةُ الاقتباس]. لِذا فإنَّ مَا يَقولُهُ هُوَ مَا يُؤمِنُ بِهِ أغلبيَّةُ المُفَسِّرينَ اليَهود وَهُوَ أنَّ هَذا الأصحاحَ لا يَتَحَدَّثُ البتَّة عن أصْلِ الشَّرِّ في العَالم. فَنَحنُ نَقرأُ هُنا فقط عَن رَجُلٍ واحِدٍ وامرأةٍ واحِدَة. وقد أَقْدَما على الاختيارِ. وَكُلُّ شَخصٍ آخر هُوَ في المَوقِفِ نَفسِه.
ولكِنَّهُم على خَطأ. فالكِتابُ المُقَدَّسُ يُبَيِّنُ بوضوح أنَّ هَذِهِ هِيَ النُّقطةُ الَّتي ابتدأَ فيها الشَّرُّ. وَالعَهدُ الجَديدُ يُبَيِّنُ ذلكَ بوضوحٍ شَديد. ومَرَّةً أخرى، يَجِبُ عليكم أن تَعرفوا الآية رُومية 5: 12. فَهِيَ الآيَةُ الرَّئيسيَّة. فعندما أخطأَ آدَمُ، أخطأَ الجَميعُ في آدَم. وعندما حُكِمَ على آدَم بالمَوتِ، حُكِمَ علينا جَميعًا بالمَوت.
ويُخبرُنا العُلماءُ المَسيحيُّونَ أنَّ الخَطيَّة هِيَ وَهْم. ولكِنَّها ليست كذلك. ويُخبرُنا المُتَحَرِّرونَ أنَّ الخَطيَّةَ هِيَ شَيءٌ لا نِهائِيٌّ؛ أيْ أنَّ كَونَكَ إنسانٌ يَعني أن تُخطِئ. ويُخبرُنا الفَلاسِفَةُ الَّذينَ يُؤمِنونَ بثُنائِيَّةِ الكَونِ أنَّ الخَطيَّةَ هي الجَسَدَ بِصِفَتِهِ نَقيضَ الرُّوحِ الَّذي هُوَ طَاهِر. ولكِنَّ كُلَّ هذهِ الآراءِ مَغلوطَة. وَسَوفَ نَرى المَفهومَ الكِتابِيَّ للخطيَّة في دَرْسِنا.
واسمَحُوا لي أن أُقَدِّمَ لكُم تَعريفًا للخطيَّة في هذهِ النُّقطة. فالخَطيَّةُ هِيَ أيُّ عَدَمِ انسجامٍ شَخصيٍّ مَعَ صِّفاتِ اللهِ الأدبيَّةِ أو نَامُوسِ الله. لِذا فإنَّ الخَطيَّةَ هِيَ جُنوحٌ قَلبِيٌّ. فَهِيَ مَيْلٌ قَلبِيٌّ. فَهُوَ يُفَكِّرُ في الشَّرّ، ويَنطِقُ بالشَّرّ، ويَفعلُ الشَّرّ، ولا يَفعلُ الخَير. واسمَحُوا لي أن أُوَضِّحَ لَكُم هذهِ الجَوانبَ الأربعةَ لأنَّ هذهِ هي الطُّرُقُ الأربعُ الَّتي تُخطِئُ بِها: فأنتَ تُخطِئُ مِن خِلالِ التَّفكيرِ بالشَّرّ، ومِن خِلالِ النُّطْقِ بالشَّرّ، ومِن خِلالِ فِعْلِ الشَّرّ، ومِن خِلالِ عَدَمِ فِعْلِ الخَير. فأنتَ تُخطِئُ بالفِعلِ، وبالكَلامِ، وبالتَّفكيرِ، وتُخطِئُ عندما لا تَفعلُ، وَلا تَقولُ، وَلا تُفَكِّرُ في الأشياءِ الَّتي أَوصَاكَ اللهُ بِها. لِذا فإنَّهُ يُخطِئُ إمَّا عَن طَريقِ الإقْدامِ [كَما تَسمَعونَ عَادَة] أو عَن طَريقِ الإحْجام.
والآن، قَبلَ أن نَنظرَ إلى الآياتِ السَّبع، أريدُ أن نَنظُرَ نَظرةً عَامَّةً إلى مَوضوعِ الخطيَّة كَما هُوَ مُبَيَّنٌ في الكتابِ المقدَّس. ثُمَّ إنَّنا سنَعودُ ونَرى كيفَ نَشَأتْ. وقبلَ أن نَنظُرَ إلى القِصَّةِ المَذكورَةِ في سِفْر التَّكوين، أيْ كيفَ نَشأتِ الخَطيَّة، أريدُ مِنكُم أن تَفهَمُوا لاهُوتَ الخَطيَّة لأنَّ هَذا مُهِمٌّ لِفَهْمِنا. ثُمَّ عندما نَرجِعُ إلى سِفْر التَّكوين، سيكونُ بمقدورِنا أن نَرى بوضوحٍ كيفَ نَشَأَتِ الخطيَّةُ في الأصل. وأعتقدُ أنَّ أفضلَ طَريقةٍ للقيامِ بذلكَ هيَ مِن خِلالِ الإجابَةِ عن خَمسَةِ أسئِلَة. حَسَنًا؟ خَمسَة أسئلة. ولا أَظُنُّ أنِّي سأُجيبُ عَنها كُلَّها في هذا المَساء، ولكنِّي سأُجيبُ عَن سُؤالَيْنِ مِنها. وَهذِهِ أسئلةٌ شَائِعَةٌ وَحَسْب. ولكِنَّنا نُريدُ أنْ نَضَعَ الأساس. فأنا لا أَدري مَن هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يَستَمِعونَ إلينا، أو مَن هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ قَد يَستَمِعونَ إلى العِظاتِ المُسَجَّلَة، أو مَن هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ قَد يَستَمِعونَ إلى البَرنامَجِ الإذاعِيِّ. لِذا، أريدُ أن أتَيَقَّنَ مِن أنَّنا قد تَطَرَّقْنا إلى هذهِ النِّقاط.
السُّؤالُ الأوَّلُ هُوَ: مَا هِيَ الخَطيَّة؟ وقد قَدَّمْتُ لكُم للتَّوِّ تَعريفًا. مَا هي الخطيَّة؟ والآن، نَحنُ نَعلَمُ مَا الخَطيَّة. فهي أيُّ انتِهاكٍ أو تَعَدٍّ على شَخصِ اللهِ أو نَاموسِه؛ أيِ على طَبيعَةِ اللهِ الأدبِيَّةِ أو نَاموسِه. وتَلخيصًا لذلك فإنَّ الآية 1يوحنا 3: 4 – الآية 1يوحنا 3: 4 تَقول: "الْخَطِيَّةُ هِيَ التَّعَدِّي [على النَّاموس]". "الْخَطِيَّةُ هِيَ التَّعَدِّي [على النَّاموس]". هَذا هُوَ أَحَدُ تَعريفاتِ الخطيَّة. ويُمكِنُنا أن نَقولَ ذلكَ بطريقةٍ أُخرى: "كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ يَفْعَلُ التَّعَدِّيَ ["أنوميا" – "anomia"]": التَّعَدِّي.
بِعبارةٍ أخرى، الخَطِيَّةُ هِيَ تَجاهُلٌ لِناموسِ الله، وَتَعَدٍّ على نَاموسِ الله. هذهِ هي الخطيَّة. فَأيُّ تَعَدٍّ على نَاموسِ اللهِ هُوَ خَطيَّة. فَالخَطيَّةُ وَالتَّعَدِّي [بِحَسَبِ التَّركيبِ النَّحْوِيِّ اليُونانِيِّ للآية 1يوحنَّا 3: 4] هُما لَفْظَتانِ مُترادِفَتان. فَالخطيَّةُ تَعني أن تَعيشَ كَما لو أنَّ نَاموسَ اللهِ غَير مَوجود، وَأن تَعيشَ كَما يَحلُو لَك. وَنَجِدُ تَعريفًا آخرَ للخطيَّة في رسالة رُومية 14: 23 إذْ نَقرأ: "كُلُّ مَا لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ فَهُوَ خَطِيَّةٌ". فَأيُّ شَيءٍ تَفعلُهُ ولكِنَّكَ لا تَفعلُهُ مُن مُنطَلَقِ إيمانِكَ باللهِ هُوَ خطيَّة. ونَقرأُ في رِسالة يوحنَّا الأولى 5: 17: "كُلُّ إِثْمٍ هُوَ خَطِيَّةٌ".
لِذا فإنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُعَرِّفُ الخَطيَّةَ بطرائقَ عَديدة. فعندما تَفعلُ شيئًا يُعارِضُ ثِقَتَكَ وإيمانَكَ الحَقيقيِّ باللهِ فإنَّهُ خَطيَّة. وعندما تَعلَمُ أن تَفعلَ الصَّوابَ وَلا تَفعلهُ فإنَّ ذلكَ خطيَّة. وعندما تَعرفُ شَيئًا يُرضِي اللهَ أو شَيئًا أَوصَى بِهِ اللهُ وَلا تَفعلهُ فإنَّ ذلكَ خطيَّة. وَكُلُّ إثْمٍ هُوَ خَطيَّة. وكُلُّ خَطِيَّةٍ هِيَ تَعَدٍّ. وكُلُّ تلكَ الآياتِ تَقولُ الشَّيءَ نَفسَهُ وَهُوَ أنَّ الخَطيَّةَ هِيَ أيُّ تَعَدٍّ على صِفاتِ اللهِ الأدبيَّةِ أو نَاموسِهِ. بِعبارةٍ أخرى: الخطيَّةُ هي تَخَطِّي الحُدود الَّتي رَسَمَها الله. وَهَذا يُعطينا فَهمًا رَئيسيًّا للخطية. وعندما تَقرأونَ الكتاب المقدَّس ستَجِدونَ كُلَّ أنواعِ الكلمات، ولكنِّي لن أَذكُرَ لَكُم كُلَّ تلكَ الكلماتِ العِبريَّةِ وكُلَّ الكلماتِ اليونانيَّةِ الَّتي تُشيرُ إلى الخطيَّة. فهناكَ كلماتٌ كثيرةٌ جدًّا. ويَكفي أن نَعرفَ أنَّ الخطيَّةَ هِيَ أيُّ تَعَدٍّ على نَاموسِ الله.
والآن، أينَ تَمَّ الإعلانُ عَن نَاموسِ اللهِ؟ في الكتابِ المقدَّس. أليسَ كذلك؟ في الكتابِ المقدَّس. لِذا، هُناكَ مُعضلةٌ في مُجتمعِنا اليومَ يا أحبَّائي. فَنَحنُ لا نُؤمِنُ بأنَّ الإنسانَ خَاطِئٌ بالفِطرة، بَل نَظُنُّ أنَّهُ صَالِحٌ بالفِطرةِ وَأنَّ خَطْبًا مَا أَصابَهُ بسببِ بِيئَتِه. ولكِنْ إنْ كُنَّا نُقِرُّ بأنَّهُ يَفعلُ الشَّرَّ، كَيفَ نُعَرِّفُ ذلكَ الشَّرَّ؟ وَما هُوَ مِعيارُنا للشَّرّ؟ مَا هُوَ؟ في وَقتٍ مِنَ الأوقاتِ، كَانَ مِعيارُ الشَّرِّ لَدينا في أمريكا، وَكانَ مِعيارُ الأخلاقِ لدينا في أمريكا قَائِمًا على مَا يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. أليسَ كذلك؟ فقد كانَ الكِتابُ المُقَدَّسُ الأساسَ الَّذي تَأسَّسَتِ الأُمَّةُ عليه. فَهذا هُوَ الأساسُ الَّذي صِيْغَتْ على أسَاسِهِ قَوانينُنا. فَنَظرتُنا إلى الأخلاقِ، ونَظرتُنا إلى الجَريمةِ، ونَظرتُنا إلى العَدالَةِ جَاءَتْ كُلُّها مِنَ الكتابِ المقدَّس. وفي وَقتٍ مِنَ الأوقاتِ، كانَت هُناكَ سُلوكِيَّاتٌ مُعَيَّنَةٌ يُنظَرُ إليها على أنَّها ضِدّ القَانون. ولكِنَّ هَذا آخِذٌ في التَّغَيُّر. فَهُوَ يَتغيَّرُ بسُرعة. فَهُوَ يَتغيَّرُ على الصَّعيدِ الجِنسيِّ. وَهُوَ يَتَغَيَّرُ في عَالَمِ الجِنسيَّةِ المِثليَّة. وَقَد تَغَيَّرَ بِكُلِّ تَأكيدٍ في عَالَمِ الإجهاضِ، والقَتلِ الرَّحيمِ. لاحِظُوا وَحَسْب ما يَحدُثُ في الهَندسةِ الوِراثِيَّةِ وَما سيَحدُثُ في المُستقبلِ القَريبِ جدًّا إذْ إنَّهُم يَستطيعونَ الآنَ أن يَتَحَكَّمُوا في الجِيناتِ وَأن يُقَرِّرُوا مَن يُولَدُ وَمَن لاَ يُولَد، إلخ، إلخ.
وكُلَّما استَمرَّينا في الغَوصِ أكثر فأكثر في مُستنقَعِ الخطيَّة، والابتعادِ عَنِ المِعيارِ الصَّحيحِ الَّذي هُوَ كلمةُ الله، لَن نَعودَ قَادِرينَ على تَحديدِ المَعاييرِ الأخلاقيَّةِ إلاَّ مِن خِلالِ إجراءِ استِطلاع. أليسَ كذلك؟ مِن خِلالِ إجراءِ استِطلاع. فَهَذا هُوَ مَا تَفعلونَهُ. فالسِّياسِيُّونَ يَفعلونَ ذلك. فَهُم يُقَدِّمونَ مَا يَظُنُّونَ أنَّ الدَّوائِرَ الانتِخابِيَّةَ سَتُصَوِّت لَهُ. فَهُم يُريدونَ أن يُعادَ انتِخابُهُم. لِذا فإنَّهُم يَقولونَ: "أنا أُوْمِنُ بِكَذا" لأنَّهُم يَعرِفونَ مَا يُريدُهُ النَّاخِبونَ وَيُلَبُّونَ لَهُم رَغْباتِهم. وَبهذهِ الطَّريقةِ صِرْنا نُقَرِّرُ مَعاييرَنا الأخلاقِيَّة. ولكِن لاحِظُوا أنَّهُ كُلَّما غَرِقَ مُجتمعُنا أكثر فأكثر في الخطيَّة، وَابتعدَ بصُورةٍ دائمةٍ وكَاملةٍ عَن كلمةِ اللهِ، فإنَّهُ سيَعجَزُ أكثرَ فأكثر عَن تَعريفِ الأخلاق. وَلن يَعودَ هُناكَ شَخصٌ يَستطيعُ أن يَدخُلَ إلى أيَّةِ مَحكمةٍ وَأن يُدافِعَ عَن أيِّ مَبدأ. فَلا يُمكِنُكَ أن تَدخُلَ إلى مَحكمةٍ اليومَ وَأن تُطالبَ بأن يَكونَ مِعيارُ الكتابِ المقدَّسِ هُوَ مِعيار الأخلاق. فَكُلُّ مَا تَبَقَّى لدينا هُوَ التَّقاليد. ونَحنُ نَتَجاهَلُ التَّقاليدَ مِن خِلالِ استِطلاعاتِ الرَّأي، ونَتجاهَلُها مِن خِلالِ التَّصويت، ونَتجاهَلُها مِن خِلالِ التَّعديلات، ونَتجاهَلُها عندما يَرغبُ النَّاسُ في تَجاهُلِها. لِذا، لَن تَتَحَسَّنَ الحَالُ، بَل ستَصيرُ أَسوأ. فَقد تَمَّتْ إعادَةُ تَبويبِ السُّلوكِيَّات. ولم يَعُد لَدينا مِعيار.
فكيفَ نُخاطِبُ مُجتمعًا كهذا ونَقول للنَّاسِ إنَّهُم خُطاة؟ استِنادًا إلى مَاذا؟ استِنادًا إلى أيِّ مِعيارٍ أنا خَاطِئ؟ وَقد تَقول: "استِنادًا إلى مِعيارِ نَاموسِ الله، واستِنادًا إلى مِعيارِ الكتابِ المُقَدَّس". ولكِنَّ الكتابَ المقدَّسَ لم يَعُد مِعيارًا لَنا. لِذا، أعتقدُ أنَّهُ لا خِيارَ آخَرَ لدينا سِوى أن نَرفَعَ الكتابَ المقدَّسَ، ونَجعَلَهُ مِعيارًا لنا، ونَقولَ للخاطِئ: "إنَّهُ المِعيار. ولأنَّهُ كلمةُ اللهِ، يَنبغي لكَ أن تُقَرِّرَ مِن خِلالِ قِراءَتِهِ بِعنايةٍ وتَمحيصٍ إن كانَ كَلِمَةَ اللهِ أَمْ لا". وَهَذا هُوَ التَّحَدِّي الَّذي أَضَعَهُ أمامَكُم. قَد لاَ تُؤمِنُ بأنَّ الكتابَ المقدَّسَ هُوَ كلمةُ الله. ولكِنْ هَل قَرأتَهُ؟ وَهَل دَرَسْتَهُ؟ وَهَل أنتَ مُتَيَقِّنٌ حَقًّا مِن ذلك؟ لم يَسبِق لي أن سَمِعتُ أحدًا يَقولُ لي: "أجل، لقد دَرَستُ جَيِّدًا مِنَ الغِلافِ إلى الغِلافِ وَتَبَيَّنَ لي أنَّهُ ليسَ كلمة الله".
ولكِنِّي لا أَظُنُّ أنَّهُ يُمكِنُنا أن نَلتَجِئَ إلى أيِّ مِعيارٍ آخرَ لأنَّ هَذا الكِتابَ هُوَ المِعيار. ولكِنَّنا لم نَعُد نُريدُ مُجتمعًا يَستَنِدُ إلى المَعاييرِ الكِتابِيَّة. وَيَكفي أن تُشاهِدُوا التَّصعيدَ المُستمرَّ الَّذي يَجري فيما نُعيدُ تَعريفَ الأخلاقِ بِحَسَبِ الرَّأيِ العَامِّ، والتَّصويتِ العَامِّ، والاستِطلاع. ولكِنَّ إعادَةَ تَعريفِ الأخلاقِ مِن دُونِ مِعيارٍ يَترُكُ مُجتمعَنا في وَضْعٍ خَطِرٍ جدًّا لأنَّ الخطيَّةَ هِيَ التَّعَدِّي على نَاموسِ الله. والخَطِيَّةُ تَتَعَدَّى على طَبيعةِ اللهِ الأدَبِيَّة. ولا يُمكِنُنا أن نَعرِفَ ذلكَ إلاَّ مِن خِلالِ صَفَحاتِ الكتابِ المقدَّس. وإن لم تُؤمِنوا بأنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُحَدِّدُ الأخلاقَ، والبِرَّ، والفُجورَ، لَن يَكونَ لَديكُم مِعيارٌ، ولَن يَكونَ لَديكُم تَعريفٌ للخطيَّة. وَهذهِ هيَ المُشكلةُ الحَقيقيَّةٌ في مُجتمعِنا اليوم. ولكِن كيفَ نُخبِرُ مُجتمعَنا عن وُجودِ مُخَلِّصٍ سيُخَلِّصُهم مِنَ الخطيَّةِ في حينِ أنَّ تَعريفَهُم للخطيَّةِ لا وُجُودَ لَهُ؟
فَما الخَطِيَّةُ بالنِّسبةِ إليهم؟ يَنبغي أن تُخبروهُم أنَّها تَعَدٍّ على نَاموسِ الله. "أينَ ذُكِرَ ذلك؟" في الكتابِ المقدَّس. "ولكِنِّي لا أُوْمِنُ بِه". ولكِنَّهُ يَبقى كلمةَ اللهِ الَّتي يَستخدِمُها الرُّوحُ القُدُس. أليسَ كذلك؟ لِذا، فإنِّي لا أَتَراجَعُ، بَل أستَمِرُّ في الكِرازَةِ بالكِتابِ المُقَدَّسِ وَأسمَحُ لِرُوحِ اللهِ أن يَستخدِمَهُ لِتَبكيتِ القُلوب.
إذًا، مَا هِيَ الخطيَّة؟ الخطيَّةُ هِيَ تَعَدٍّ على نَاموسِ الله. وَهِيَ تَعَدٍّ على الطَّبيعةِ الأدبيَّةِ للهِ وَشَرائِعِهِ المُعلَنَةِ في صَفَحاتِ الكتابِ المقدَّس. هذهِ هي الخطيَّة. وهذا كُلُّ مَا يَنبغي أن نَقولَهُ عنها. هَذا هُوَ كُلُّ مَا يَنبغي أن نَقولَهُ عنها. لِذا، عندما تَدرُسونَ الكتابَ المقدَّسَ سَتَجِدونَ مَا الَّذي يُوصينا اللهُ بالقِيامِ بِهِ وعَدَمِ القِيامِ به، وسَتَجِدونَ العَناصِرَ الجَوهريَّةَ لطبيعةِ اللهِ. وفي أيَّةِ لَحظَةٍ نَتَعَدَّى فيها على تلكَ الأشياءِ فإنَّنا نُخطِئ.
والآن، لِنَتَخَطَّى التَّعريفَ قَليلاً ونَنظُر إلى طَبيعةِ الخطيَّةِ بإيجاز. طَبيعة الخطيَّة. أوَّلاً، الخَطيَّةُ تُنَجِّسُ الإنسان. وسوفَ أَذكُرُ لَكُم بِضعَ نِقاطٍ لكي تُفَكِّروا فيها. الخَطِيَّةُ تُنَجِّسُ الإنسان. فهذهِ الأشياءُ هِيَ سِماتٌ للخَطِيَّة. فَهِيَ ليسَت تَعريفًا لها، بَل إنَّها سِماتٌ لَها. فَهِيَ تُظْهِرُ نَفسَها بهذهِ الطَّريقة. صَحيحٌ أنَّها تَعَدٍّ. فَهِذهِ هِيَ طَبيعَتُها. ولكِن كيفَ تُظهِرُ نَفسَها؟ أولاً، إنَّها تُنَجِّسُ الإنسان. فَهِيَ تُلَوِّثُهُ. وَهِيَ تَفعلُ بالنَّفسِ مَا تَفعَلُهُ النُّدوبُ بِوَجْهٍ جَميل، وَما تَفعَلُهُ بُقعَةٌ بِثَوبٍ حَريريّ. وَهِيَ قُبْحٌ يُشَوِّهُ الجَمال. وَهِيَ قُبْحٌ يُعَرَّفُ في الكتابِ المقدَّسِ بألفاظٍ تَصويريَّة جدًّا. فَفي سِفْرِ المُلوكِ الأوَّل 8: 38، تَمَّ تَشبيهُ الخَطيَّةُ في قَلبِ الإنسانِ بِقُروحٍ قَبيحَةٍ مُلتهبةٍ نَجَمَتْ عَن وَباءٍ مُهلِك. وفي سِفْرِ زَكريَّا 3: 3، نَقرأُ أنَّ خَطِيَّةَ يَهُوشَع [رَئيس الكَهَنَة] تُشَبَّهُ بِملابِسَ قَذِرَة يَرتَديها إنسانٌ. فعندما تَذهبونَ إلى المَناطِقِ الَّتي يَعيشُ فيها المُشَرَّدونَ وتَمُرُّونَ بالأشخاصِ الَّذينَ يَرتَدونَ نَفسَ المَلابِسِ ويَنامونَ فيها في الشَّارعِ مُنذُ سَنواتٍ، فإنَّ تلكَ المَلابِسَ الرَّثَّةَ هِيَ صُورةٌ عَنِ الخطيَّة. فالخَطيَّةُ تُلَطِّخُ صُورةَ اللهِ والإنسان. والخطيَّةُ تُلَطِّخُ النَّفس. وَهِيَ تَحُطُّ مِن كَرامَةِ الإنسان.
وَهُناكَ جُملةٌ مُدهشةٌ في سِفْرِ زَكَرِيَّا إذْ إنَّ النَّبِيَّ زَكَرِيَّا يَتحدَّثُ عنِ الخطيَّة. وَهُناكَ بِكُلِّ تأكيدٍ آياتٌ كَثيرةٌ جدًّا في كُلِّ الكتابِ المقدَّسِ عَنِ الخَطيَّة. ولكِنْ في سِفْرِ زَكريَّا 11: 8، هُناكَ جُملةٌ مُدهشةٌ جدًّا يَقولُ فيها اللهُ إنَّهُ يُوجَدُ اشمِئزازٌ. فَهُوَ يَقولُ: "وَأَبَدْتُ الرُّعَاةَ الثَّلاَثَةَ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ، وَضَاقَتْ نَفْسِي بِهِمْ". فَهَذا هُوَ مَا يَقولُهُ في الحَقيقة: "وَضَاقَتْ نَفْسِي بِهِمْ، وَكَرِهَتْنِي أَيْضًا نَفْسُهُمْ". فالخطيَّةُ تَجعَلُكَ تَكرَهُ اللهَ وَتُبغِضُ الله. واللهُ يَقولُ: "لَقَد ضَاقَت نَفسي بِهِم. وَقد كَرِهَتهُم نَفسي. وَهُم كَرِهوني. وعندما يَرى الخَاطِئُ خَطيئَتَهُ فإنَّهُ يَرى أنَّها تُدَنِّسُهُ. فَهُوَ يَراها على حَقيقَتِها. ونَقرأُ في سِفْرِ حِزْقيال 20: 43: "وَهُنَاكَ تَذْكُرُونَ طُرُقَكُمْ وَكُلَّ أَعْمَالِكُمُ الَّتِي تَنَجَّسْتُمْ بِهَا، وَتَمْقُتُونَ أَنْفُسَكُمْ لِجَمِيعِ الشُّرُورِ الَّتِي فَعَلْتُمْ".
فعندما تَنظُر حَقًّا إلى نَفسِك وتَرى نَجاسَةَ الخطيَّةِ فإنَّكَ تَمْقُتُ نَفسَك. فَالخطيَّة تُلَوِّث، والخطيَّةُ تُنَجِّس، والخَطِيَّةُ تُفسِد. وَبُولُس يَقولُ عنها في رِسالتِهِ الثَّانية إلى أهلِ كورِنثوس 7: 1 إنَّها تُدَنِّسُ الْجَسَدَ وَالرُّوح. وَقد كَتَبَ "توماس غودوين" (Thomas Goodwin) الطَّهُورِيُّ: "الخطيَّة تُسَمَّى سُمًّا؛ وَهَذا يَعني أنَّ الخُطاةَ حَيَّات. والخَطِيَّةُ تُسَمَّى قَيْئًا؛ وَهَذا يَعني أنَّ الخُطاةَ كِلاب. والخَطِيَّةُ تُسَمَّى رَائِحَةً عَفِنَةً كَرائِحَةِ القُبور؛ وَهَذا يَعني أنَّ الخُطاةَ قُبورٌ عَفِنَة. والخَطِيَّةُ تُسَمَّى حَمْأةً؛ وَهَذا يَعني أنَّ الخُطاةَ خَنازير". فَالخطيَّةُ تُنَجِّسُ، وتُدَنِّسُ، وتَطبَعُ صُورةَ إبليسَ على نَفسِ الإنسان.
ثَانيًا: الخَطِيَّةُ هِيَ التَّمَرُّد. فَهِيَ لا تُدَنِّسُ وَحَسْب، بل إنَّها تَمَرُّدٌ. فَهِيَ لا تُؤدِّي فقط إلى التَّدنيسِ، والتَّنجيسِ، والتَّلويثِ، والإفسادِ، بَل تُؤدِّي أيضًا إلى حَياةٍ مُتَمَرِّدة. فَهِيَ بِطَبيعَتِها [بِحَسَبِ مَا جَاءَ في سِفْر اللاَّويِّين 26: 27] سُلوكٌ مَعَ اللهِ بالخِلاف. فَهِيَ تَجعلُ الإنسانَ يَسلُكُ دَائِمًا سُلوكًا مُخالِفًا للهِ، وفي تَمَرُّدٍ دَائِمٍ عَليه. فالخَاطِئُ يَزْدَري بِناموسِ اللهِ، وَيَزْدَري بِالصِّفاتِ الإلهيَّةِ، ويَتَعَدَى طَوعًا على مَشيئةِ اللهِ، ويَتَحَدَّى اللهَ، ويُبغِضُ اللهَ، ويَسخَرُ مِنَ الله. وَالكلمةُ العِبريَّةُ الَّتي تُتَرجَم "خَطِيَّة"، أو واحِدَةٌ مِنَ الكلماتِ العِبريَّةِ الَّتي تُتَرجَم "خَطِيَّة" هِيَ "باشا" (pasha) تُشيرُ إلى التَّمَرُّد. فَالخَطِيَّةُ في أساسِها تَمَرُّد. لِذا فإنَّها تُستخدَمُ لِوَصفِ لُوسيفر، وتُستخدَمُ لِوَصفِ حَوَّاء، وتُستخدَمُ لِوصفِ آدَم، وتُستخدَمُ لِوصْفِنا جَميعًا. ورُبَّما كانَ الوَصْفُ الصَّحيحُ لها هُوَ مَا جَاءَ في سِفْر إرْميا 44: 17 إذْ نَقرأُ: "بَلْ سَنَعْمَلُ كُلَّ أَمْرٍ خَرَجَ مِنْ فَمِنَا". هَذا هُوَ لِسانُ حَالِ الخطيَّة. اسمَع يا الله! سَوفَ نَفعلُ مَا نَشاء!
فالخَطِيَّةُ تَسعى إلى قَتْلِ اللهِ. فَالخطيَّةُ لا تُريدُ وَحَسْب أن تَخلَعَ اللهَ عَن عَرشِهِ، بَل تُريدُ أن تُزيلَهُ مِنَ الوُجودِ، وَأنْ تُطيحَ باللهِ وَتَضَعُ الإنسانَ مَكانَهُ. فإنْ فَعَلَ الخَاطِئُ مَا يَحلُو لَهُ، لا يَعودُ اللهُ هُوَ الله، بَل إنَّ الخَاطِئَ يَصيرُ هُوَ الإلَهُ الوَحيدُ في عَالَمِه. لِذا فإنَّ الخَطِيَّةَ تُنَجِّس، والخَطِيَّةُ هِيَ تَمَرُّدٌ صَريحٌ ودَائِمٌ على الله.
واسمَحُوا لي أن أَذكُرَ لَكُم سِمَةً أخرى. وسوفَ نَقولُ المَزيدَ عَن ذلكَ في المَرَّةِ القادِمَة. الخَطِيَّةُ هِيَ جُحُودٌ. وَما أعنيه هُوَ أنَّ كُلَّ شَيءٍ نَملِكُهُ وكُلَّ شَيءٍ لَدينا هُوَ مِنَ الله. فَنحنُ نَحيا ونَتحرَّكُ وَنُوجَدُ في الله (كَما جَاءَ في سِفْرِ أعمالِ الرُّسُل 17: 28). ونَقرأُ أيضًا: "فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِين". فَهُوَ يُعطينا كُلَّ شَيء. وفي رِسالةِ رُومية والأصحاحِ الأوَّل، يَقولُ بُولُس: "لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ... لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ" (في العَدد 21). فالخَطِيَّةُ هِيَ جُحُودٌ وَحَسْب.
فَكُلُّ الطَّعامِ الَّذي يَأكُلُهُ الخَاطِئُ هُوَ مِنَ الله. وكُلُّ الهَواءِ الَّذي يَتَنَفَّسُهُ الخَاطِئُ هُوَ مِنَ الله. وكُلُّ الفَرَحِ الَّذي يَشعُرُ بِهِ الخَاطِئُ هُوَ مِنَ الله. وكُلُّ الحُبِّ الَّذي يَشعُرُ بِهِ الخَاطِئُ في عَالَمِ الإنسانِ هُوَ مِنَ الله. وَكُلُّ الحَواسِّ لَديهِ هِيَ مِنَ الله. وكُلُّ مُتَعِ الحَياةِ الَّتي يَتَمَتَّعُ بها مِن خِلالِ تِلكَ الحَواسِّ هِيَ مِنَ الله. وكُلُّ جَمالٍ في الحَياةِ هُوَ مِنَ الله. وَاللهُ هُوَ الَّذي يُعطينا الحِكمَة. فَهُوَ يُعطي حِكمةً لكُلِّ عَقلٍ بَشريٍّ كي يُفَكِّر، ويَشعُر، ويَعمل، ويَلعب، ويَستريح لكي تَكونَ الحَياةُ مُمتلئةً وَنافِعَة. وَاللهُ هُوَ الَّذي يَجعَلُنا نُحِبُّ، ويَجعلُنا نَضحكُ، ويَجعلُنا نَبكي. واللهُ هُوَ الَّذي يُعطينا مَهاراتٍ وقُدُراتٍ خَاصَّةً لكي نَتَفَوَّقَ في جَوانبَ مُعَيَّنة، ولكي نَختَبِرَ قَدْرًا مِنَ احترامِ الذَّاتِ وتَقديرِ الذَّات. واللهُ هُوَ الَّذي يُعطينا القُدرةَ على أن يَعتني بَعضُنا بِبَعضٍ وأنْ نُقيمَ عَلاقاتٍ. واللهُ هُوَ الَّذي يَحفَظُنا بِعنايَتِهِ الإلهيَّةِ مِنَ الإصابَةِ بِكُلِّ مَرَضٍ وَيَحمينا مِنَ المَوتِ في كُلِّ حَادِثٍ. فاللهُ يُحيطُ الخُطاةَ حَرفيًّا بالرَّحمَة. ولكِنَّهُم يُسيئونَ استِخدامَ عَطاياه.
وَهَذا يُذَكِّرُنا بأبشالوم. فبعدَ أنْ قَبَّلَهُ أَبُوهُ دَاوُد وعَانَقَهُ، خَرَجَ خَارِجًا وَتآمَرَ على أبيه. لِذا فإنَّ الخَاطِئَ يَحصُلُ على كُلِّ القُبُلاتِ مِنَ اللهِ، وعلى كُلِّ مَا يُوَفِّرُهُ لَهُ اللهُ في العَالَمِ المَخلوقِ، ويَقبَلُ كُلَّ نِعَمِ اللهِ وَرَحمةِ اللهِ، ثُمَّ يَخونُ اللهَ بأنْ يَصيرَ صَديقًا لِعَدُوِّ اللهِ [أيْ: الشَّيطان]. لِذا فإنَّ الخَطِيَّةَ هِيَ جُحودٌ خَطير. وَهِيَ جُحودٌ يَجْلِبُ علينا اللَّعنَة. فَغَضَبُ اللهِ مُعلَنٌ مِنَ السَّماءِ على ذلكَ الجُحود. إذًا، الخَطِيَّةُ تُنَجِّس، والخَطِيَّةُ هِيَ تَمَرُّدٌ. والخَطِيَّةُ هِيَ جُحُودٌ. وسوفَ نَذكُرُ المَزيدَ ونُجيبُ عَنْ أسئلةٍ أخرى في المَرَّةِ القادِمَةِ قَبلَ أن نَبتَدِئَ بدرِاسَةِ النَّصّ.
يا أبانا، لقدِ ابتدأنا في هذا المساءِ دِراسَتَنا لِهذا المَوضوعِ الَّذي قد لا يَكونُ مُبْهِجًا؛ ولكِنَّهُ مُهِمٌّ جدًّا. فيجبُ علينا أن نَفهمَ قَلبَ الإنسانِ، ويجبُ علينا أن نَفهمَ قُلوبَنا، وأن نَفهمَ خَطيَّتَنا، وَاستِفحالَها، وقُوَّتَها الَّتي لا يُمكِنُ التَّصَدِّي لها بَشَرِيًّا. ويجبُ علينا أن نَفهمَ استِفحالَها وَخَطَرَها المُهلِك. ويجبُ علينا أن نَفهمَ الخطيَّةَ لأنَّها العُنصُرُ الحَاسِمُ في كَونِنا. فَهِيَ السَّبَبُ في كَوْنِ الأشياءِ على الصُّورَةِ الَّتي هِيَ عَليها. وَهِيَ السَّببُ في أنَّ الخَليقةَ لم تَعُد حَسَنَةً جدًّا، بَل سَيِّئة جدًّا. وَهِيَ السَّببُ في مَوتِ كُلِّ شَيء. يا أبانا، يَجِبُ علينا أن نَفهمَ الخطيَّةَ لأنَّها السَّببُ الرَّئيسيُّ في حَاجَتِنا إلى مُخَلِّصٍ، وفي إرسالِكَ للرَّبِّ يَسوعَ المَسيح. فَنَحنُ نَعلَمُ أنَّ الخَطِيَّةَ لا يُمكِنُ أن تُعالَجَ بَشريًّا؛ ولكِنَّكَ أرسلتَ يَسوعَ لكي يُخَلِّصَ شَعبَهُ مِن خَطاياهُم. وَأنتَ تُخَلِّصُ الخُطاةَ الَّذينَ يَتوبونَ ويَطلبونَ مِنكَ الغُفران. يا لَها مِن حَقيقةٍ رَائعةٍ أن نَعلمَ أنَّهُ على الرَّغمِ مِنْ بَشاعَةِ الخطيَّة، وتَنجيسِها لَنا، وإفسادِها لَنا، وَجَعْلِنا مُتُمَرِّدينَ عَليكَ، وَجَاحِدينَ لَكَ، فإنَّكَ مَا تَزالُ تَغفِرُها عندما يَأتي إليكَ الخَاطِئُ ويَطلُبُ الغُفرانَ (كَما سَمِعنا في شَهادَاتِ الأشخاصِ الَّذينَ تَعَمَّدُوا في هذا المَساء). وَنَحنُ نُريدُ أن نَفهمَ العالَمَ، ونُريدُ أن نَفهمَهُ بالطَّريقةِ الَّتي يَنبغي أن يُفهَمَ بها؛ أيْ بالطَّريقةِ الَّتي تَراهُ أنتَ بِها. ويُمكِنُنا أن نَفعلَ ذلكَ إنْ تَبِعْنا كلمَتَك. ونَحنُ نَعلَمُ مَا الخَطَأُ في عَالَمِنا، ونَعلَمُ مَا الخَطأُ في حَياةِ النَّاسِ. فَنَحنُ نَعلَمُ مَا هُوَ. إنَّهُ الخَطِيَّة. ولا يُوجَد أيُّ حَلٍّ بَشريٍّ؛ ولكِنْ يُوجَدُ حَلٌّ إلَهِيٌّ. لِذا، لَيتَكَ تَجلِبُ خُطاةً كَثيرينَ جدًّا إلى التَّوبةِ والخَلاص. استِخدِمْنا لهذهِ الغَايَة. نُصَلِّي هذا باسمِ ابنِكَ ومُخَلِّصِنا الحَبيب. آمين
This article is also available and sold as a booklet.
