Grace to You Resources
Grace to You - Resource

في هذا المساء، أَوَدُّ أن أتحدَّثَ عنِ البَابَا والبَابويَّة لأنَّ هذا الموضوعَ يُطرَح في الأخبار كثيرًا جدًّا. وهذهِ لن تَكونَ في الحَقيقة عِظَةً، بل إنَّني سأُحاولُ أنْ أَصحَبَكُم في جَولَة تُساعِدُكُم على فَهمِ ذلك. وأُريدُ أن أتحدَّثَ عنِ البَابا نَفسِهِ، ثُمَّ أنْ أتحدَّثَ عنِ البابويَّة عَامَّةً. وأريدُ أنْ أقولَ لكم في البداية ما هي الأمورُ الَّتي على المِحَكِّ لأنَّ كَلامي سَيَجرَحُ مَشاعِرَ بعض الأشخاصِ الكاثوليك. وَمِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ سَيَجرَحُ مَشاعِرَ الأشخاصِ الَّذينَ يُؤمِنونَ بأنَّ الكاثوليكَ هُم إخوة وأخوات لَنا في المسيح. وسوفَ يَرى البعضُ ما سأقول بأنَّهُ غير لَطيف وغير مُحِبّ؛ ولكِنْ ما مِن شيءٍ أكثر مَحَبَّة مِنَ الحَقّ. فأنْ تَترُكَ شخصًا يَهلِك في نِظامٍ زائف ليسَت مَحَبَّة على الإطلاق. أمَّا أنْ تُنقِذَ أشخاصًا مِنْ نِظامٍ دينيٍّ زَائفٍ يَدينُهُم، فإنَّهُ عَمَلُ المحبَّة الوَحيد الَّذي تَفعَلُهُ لأجلِهم.

وهُناكَ أُمورٌ كثيرةٌ على المِحَكِّ هُنا. فقبلَ سنواتٍ ليست طَويلة، اجتمعَ بعضُ الإنجيليِّينَ البروتستنت معًا: "تشك كولسون" (Chuck Colson) وآخرون، وَ "بيل برايت" (Bill Bright) وآخرون، والتَقَوْا بَعض الأشخاصِ مِنَ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة، وَصَاغُوا وَثيقةً بعُنوان "الإنجيليُّونَ والكاثوليك مَعًا" (Evangelicals and Catholics Together). وفي تلكَ الوثيقة، احَتَفَلوا بإيمانٍ مُشترَك وإرساليَّة مُشترَكة. وقد قالوا إنَّنا بحاجة إلى أنْ نَقبَلَ بعضُنا بعضًا، وأنْ نَضْطَلِعَ بمأموريَّةِ الإنجيلِ هذهِ معًا. وأَقَلُّ ما يُقالُ في ذلكَ هو أنَّهُ كانَ صَادِمًا لكثيرينَ، بل لِجَميعِ الأشخاصِ الَّذينَ يَعتَنِقونَ إنجيلاً كِتابيًّا واضحًا. وقد صَدَرَتْ حَالاً رُدودُ فِعلٍ مُعارِضَة لذلك وَلِكُلِّ أنواعِ الأشياءِ النَّاجِمَة عن تَوقيعِ وَثيقةِ "الإنجيليُّونَ والكاثوليك مَعًا". ورُبَّما كانَ أَبرَزُ تلكَ الأشياء، مِن وَاقِعِ خِبرتي على أَقَلِّ تَقدير، هو تلكَ الجَلسة الخاصَّة الَّتي عُقِدَت بولاية فلوريدا حيثُ التقيتُ مَجموعةً مِنْ كِبارِ القادَةِ المسيحيِّينَ نَحوَ سَبعِ ساعاتٍ. وكانَ مِنْ بينَ الحاضِرينَ في الجانبِ الآخر "جيه.آي. باكر" (J.I.Packer)، وَ "تشارلز كولسون" (Charles Colson)، وَهُما مِنْ أبرَزِ الحاضِرين، وَ "بيل برايت" مِنَ "الحَملة الجامعيَّة" (Campus Crusade). وقد كُنتُ أنا وَ "آر.سي. سبرول" (R.C. Sproul)، وَ "مايكل هورتون" (Michael Horton) نُمَثِّلُ الجانبَ الكِتابيَّ واللَّاهوتَ المُصْلَح. وقد استمرَّينا سَبعَ ساعاتٍ نُناقِشُ هذا الموضوع "ما هو الإنجيل؟" وَ "هلِ الكاثوليك مُخَلَّصونَ أَمْ غيرُ مُخَلَّصين؟" وهذا مُهِمٌّ حَقًّا. وقد تَفَرَّعَ النِّقاشُ إلى السُّؤال: هلِ الأنجليكان مُخَلَّصونَ أَم غيرُ مُخَلَّصين؟ وهل كُلُّ شخصٍ في العَالَمِ المسيحيِّ مُخَلَّص تِلقائيًّا؟ وَهَلْ هُمْ مُخَلَّصونَ لأنَّهُم اعتَمَدوا؟ أَم أنَّهم مُخَلَّصونَ لأنَّهُم يُؤمِنونَ بيسوع؟ وقد كانَ نِقاشًا مُحْتَدِمًا جِدًّا في نِقاطٍ كثيرة. وما هي الأمورُ الَّتي على المِحَكِّ؟ سوفَ أقولُ لكم ما هي الأمورُ الَّتي على المِحَكّ. ما كانَ على المِحَكِّ هو ما إذا كانَ ينبغي لنا أنْ نَكرِزَ بالإنجيلِ للرُّومِ الكاثوليك. فقد كانَ هذا الأمرُ على المِحَكِّ. فهناكَ مِليارُ شخصٍ مِنهُم في العالَم. فَهَلْ هُمْ حَقْلٌ إرساليٌّ، أَم أنَّهُمْ عَامِلونَ مَعَنا لأجلِ المسيح؟ فهذا يُغَيِّرُ كُلَّ شيء. كُلَّ شيء.

وفي الجانبِ الآخر، قالَ واحدٌ مِنَ القادةِ الإنجيليِّينَ: "أعتقد أنَّهُ مِنَ الرَّائعِ جِدًّا أنْ نَتَمَكَّنَ الآنَ مِن رُؤيةِ أنَّ الكاثوليكَ مَسيحيُّون لأنَّ هذا يَعني أنَّ الملايينَ والملايينَ مِنَ النَّاسِ مَسيحيُّون". فَكَأنَّ قَرارًا مِنْ هؤلاءِ بأنَّ الكاثوليكَ مَسيحيُّونَ يَجعَلُهُم كذلك. وقد صُعِقْتُ. بل إنَّني كُنتُ على وَشْكِ الوُقوعِ مِنْ مِقعَدي أرضًا. فما هذا الاجتماع! فقد قَرَّرْنا أنَّ مَلايينَ النَّاسِ مَفْدِيِّينَ مِنْ دونِ حَتَّى أنْ نُغادِرَ الغُرفة! ولكِنَّ هذا هُوَ الأمرُ الَّذي على المِحَكِّ بهذا الخُصوص. فَهَلِ الرُّومُ الكاثوليك حَقْل إرساليّ، أَم أنَّهُ يجب علينا أنْ نَقبَلَهُم بوصفِهِم إخوةً مُؤمِنينَ وأَخواتٍ مُؤمنات في يسوعَ المسيح؟

إنَّ الرَّأيَ الإنجيليَّ السَّائدَ اليوم يُنادي بأنْ نَقبَلَهُم. فهذا هو ما يَستمرُّ النَّاطِقونَ (الَّذينَ عَيَّنوا أنفُسَهُم بأنفُسِهِم ناطِقينَ) باسمِ الكنيسةِ الإنجيليَّة في قَولِهِ في وسائلِ الإعلام؛ بالرَّغمِ مِنْ أنَّ بعضًا مِن هؤلاءِ كَارِزينَ؛ بل إنَّ الأغلبيَّةَ مِنهُم كارِزونَ في أَعيُنِ أنفُسِهم. فَهُمْ يَقولونَ إنَّ هؤلاءِ الأشخاصَ هُمْ إخوَتُنا وأخواتُنا في المسيح، وإنَّ البابا هو أخونا في المسيح، وإنَّ البابا في الحقيقة هو القائدُ الرُّوحيُّ والأخلاقيُّ الأعظَم خِلالَ المِئَة سَنَة الماضية في العالَم. وهلِ البابا في السَّماء؟ بالطَّبع، إنَّ البابا في السَّماء. فقد كانَ صَالِحًا، وقد تَألَّمَ، وَهَلُمَّ جَرَّا.

ولكِنَّ إعادَةَ تَصنيفِ البابا وإعادَةَ تَصنيفِ الرُّومِ الكاثوليك بأنَّهُم مُؤمِنونَ ليسَتْ بهذه البَساطة. فهو أمرٌ لَهُ تَداعِياتٌ هائلة. فهو لَهُ تَداعِياتٌ تُلغي حَرفيًّا قُرونًا مِنَ الجُهدِ الإرساليِّ. وَهُوَ لَهُ تَداعياتٌ هائلة تُلغي قُرونًا، إنْ لم يَكُن آلافَ السِّنين، مِنَ الاستشهاد. ففي الحَربِ الطَّويلةِ لأجلِ الحَقِّ، فإنَّ أَلَدَّ عَدُوٍّ مُخادِعٍ ولا يَلين هُوَ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة. فهي مَسيحيَّة مُرتدَّة، وفاسِدَة، وهَرطوقيَّة، وزائفة. وهي واجِهَة لِمَملكةِ الشَّيطان. ولَطَالَما فَهِمَتْ كنيسةُ الرَّبِّ يسوعَ المسيحَ هذا الأمر. وَحَتَّى في العُصورِ المُظلمةِ (مِن سنة 400 إلى سنة 1500)، أيْ قَبلَ الإصلاحِ، فإنَّ المَسيحيِّينَ الحقيقيِّينَ فَرَزوا أنفُسَهُم عن ذلكَ النِّظام، وَعُوقِبوا بوحشيَّة وَأُعدِموا بسببَ رَفضِهم لذلكَ النِّظام.

وأنا لا أَهدِفُ في هذا المساءِ إلى مُناقشةِ كُلِّ الأمورِ المُختصَّةِ بالكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة إذْ إنَّنا سنَفعلُ ذلكَ في الخَريف. فسوفَ نَفعلُ ذلك. فسوفَ نَنظُرُ إليها مِن زَوايا عديدة. ولكِنَّ أولئكَ المؤمنينَ طَوالَ تلكَ القُرون، إلى جانبِ المؤمنينَ الحقيقيِّينَ الَّذينَ يَمْلِكونَ رُوحَ تَمييز اليوم يَفهمونَ أنَّ هذا النِّظامَ زَائِفٌ. فَكَهنوتُهُ زائِفٌ. ومَصدَرُ إعلانِهِ زائفٌ لأنَّهُ مُستمدٌّ مِنَ التَّقليدِ والسُّلطةِ البابويَّة. وَهُوَ نِظامٌ يُمارِسُ سُلطةً غير مَشروعةٍ مُنِحَتْ لَهُ مِنْ قِبَلِ هذهِ السُّلطة البابويَّة وهذهِ الإدارة البَابويَّة. فهو نِظامٌ مُمْعِنٌ في الوثنيَّة مِن خلالِ عِبادةِ القِدِّيسينَ وتَعظيمِ المَلائكة. وهو نِظامٌ يُعَظِّمُ بِصورة مُريعة مَريم أكثر مِنَ المسيحِ، وحَتَّى أكثرَ مِنَ الله. وهو يُمَارِسُ سِرًّا مُقَدَّسًا مُشَوَّهَا في القُدَّاسِ إذْ إنَّهُم يُقَدِّمونَ يسوعَ ذَبيحةً المَرَّةَ تِلوَ المَرَّة.

وهو يُقَدِّمُ غُفرانًا زائفًا مِن خلالِ الاعتراف. وَهُوَ يَدعو إلى مُمارسةِ مَعموديَّةِ الأطفالِ الَّتي لا نَفعَ مِنْها، بالإضافةِ إلى طُقوسٍ أخرى. وَبِدافِعِ حُبِّ المَالِ، فقدِ ابتَكروا عَقيدةَ المَطْهَر. وبالمُناسبة، فإنَّ المَطهَرَ هُوَ ما يَجعَلُ النِّظامَ كُلَّهُ نَاجِحًا. فإنْ نَزَعتُم عَقيدةَ المَطهَر، سَيَكونُ مِنَ الصَّعبِ عليهم أنْ يُرَوِّجوا للكاثوليكيَّة. فالنَّاسُ يَبقونَ هُناكَ بسببِ خِدعةِ المَطهَر. فالمَطهَرُ هُوَ شَبَكَةُ الأمان. فعندما تَموتُ فإنَّكَ لا تَذهبُ إلى جَهَنَّم، بل تَذهبُ إلى هُناكَ وَتُرَتِّبُ أُمورَكَ فَتَمضي أخيرًا إلى السَّماءِ إنْ كُنتَ كَاثوليكيًّا صَالِحًا. أمَّا إنْ نَزَعتُم شَبَكَةَ الأمانِ تلك، فإنَّ الكاثوليكيَّة لن تَعودَ جَذَّابةً لأنَّهُ في النِّظامِ الكاثوليكيِّ، لا يُمكِنُكَ البَتَّة أنْ تَعلمَ أنَّكَ مُخَلَّص، ولا يُمكِنُكَ البَتَّة أنْ تَعلمَ أنَّكَ ستَمضي إلى السَّماء، بل إنَّكَ تَستمرُّ في المُحاولةِ والمُحاولة. وكما قالَ أحَدُ الكَهَنة على بَرنامَجٍ تِلِفزيونيٍّ ذاتَ ليلة: "نحنُ جميعًا مُنطلِقونَ في رحلة طويلة نَحْوَ الكَمال". حسنًا، إنْ كُنتُم مُنطلِقونَ في رِحلة طَويلة نحوَ الكَمال، فإنَّها رِحلة مُحْبِطَة جِدًّا.

فالنَّاسُ في ذلكَ النِّظامِ يَشعُرونَ بِالذَّنب والخوفِ لأنَّهُم لا يَعلمونَ إنْ كانوا سيذهبونَ إلى الملكوتِ أَم لا. فَهُناكَ دائمًا خَطَرُ الخطيَّةِ المُميتَة الَّتي قد تَطرَحُكَ خارجًا مَرَّةً أخرى. والشَّيءُ الوحيدُ الَّذي يَجعَلُ النِّظامَ ناجحًا هو عَقيدةُ المَطهَر. فَلولا عَقيدةُ المَطهَرِ، لَمَا كانت هناكَ شَبَكَةُ أمانٍ تَحميني، وَلَما كانت هُناكَ فُرصة أخرى لي لِدُخولِ السَّماء. فهي فُرصة ثانية، وَفُرصة أخرى بعدَ الموت. ولكنِّي لا أُوْمِنُ بذلك. لِذا فقدِ ابتَكَروا عَقيدَةَ المَطهَر. فالنِّظامُ كُلُّهُ لم يَكُن لِيَنجَحَ مِنْ دُونِها.

وهُناكَ الأذى الَّذي نَجَمَ عَنْ صُكوكِ الغُفرانِ (أيْ عَنْ بَيعِ الغُفرانِ مُقابِلَ المال)، وَعَنْ إنجيلِ الأعمالِ الزَّائِف (أيْ أنَّكَ تَشتركُ في خَلاصِكَ مِن خلالِ أعمالِكَ الصَّالحة)، وَعَنْ رِجْسِ الأصنامِ والذَّخائِر، وعنِ الصَّلاةِ لأجلِ الأموات، وعَنِ التَّبَتُّلِ الإجباريِّ، وَهَلُمَّ جَرَّا. ولكِنَّ الطَّامَّةَ الكُبرى في هذا النِّظامُ هي البَابويَّة المُدهِشَة المُذهِلَة. فالبابا هو الشَّخصُ الَّذي يأتي في قِمَّةِ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة والذي يَكفي أنْ نَقولَ، في كلمة، إنَّهُ انتَزَعَ الرِّئاسةَ مِنَ المسيحِ على كَنيسَتِه. وقد فَهِمَ المُصلِحونَ دائمًا هذا الأمر. فقد فَهِمُوا ذلكَ، ووَقَفوا وَقْفَةً شُجاعَةً، وأَعلنوا ذلكَ، وَتَعَرَّضُوا لِخَطَرِ الموتِ بسببِ ذلك. وقد أَثبَتَ "مارتن لوثر" (Martin Luther)، الَّذي عاشَ مِن سنة 1483 إلى سنة 1546، أَثبَتَ مِن خلالِ الإعلانِ الوَارِدِ في سِفْرِ دانيال وإنجيل يوحنَّا، ورسائل بُولُس وبُطرس ويهوذا، بِحَسَبِ قَوْلِ المُؤرِّخُ "دوبينييه" (D’Aubigne)، أنَّ حُكْمَ ضِدِّ المسيحِ المُتَنَبَّأ عنهُ والمَوصوف في الكتابِ المقدَّس ليسَ سِوى البابويَّة. وَجَميعُ النَّاسِ قالوا: "آمين". "لقد اعتَرَى خَوفٌ مُقَدَّسٌ نُفوسَهُم. فقد رَأوا ضِدَّ المَسيحِ جَالِسًا على العَرشِ البَابويِّ. وهذه الفكرة الجديدة الَّتي تَعَزَّزَتْ مِنْ خلالِ الأوصافِ النَّبويَّةِ الَّتي أَطلَقَها لوثر في وَسْطِ مُعَاصِريه وَجَّهَتْ أعنَفَ ضَربة إلى رُوما".

وبناءً على دراسةِ "مارتن لوثر" للكِتابِ المُقدَّس، أَعلنَ أخيرًا: "لقد وَصَلْنا إلى قَناعَةٍ بأنَّ البَابويَّة هي كُرسيُّ نَسْلِ ضِدِّ المسيحِ الحَقيقيِّ والواقعيِّ. وأنا لا أَدينُ للبابا بأيِّ طَاعة سِوى تلكَ الَّتي أَدينُ بها لِضِدِّ المسيح". وقد قالَ لوثر: "أنا مُقتَنِعٌ بأنَّهُ لو كانَ القِدِّيسُ بُطرُسُ نَفسُهُ في هذا الوقتِ سَيَكرِزُ بِكُلِّ عَناصِرِ الكِتابِ المُقدَّسِ، ويُنكِرُ سُلْطَةَ البابا وسُلطانَهُ وسُمُوَّهُ، ويقولُ إنَّ البابا ليسَ رأسَ كُلّ العَالَمِ المسيحيِّ، فإنَّهُم سَيَشنُقونَهُ". وحَتَّى لو أنَّ المسيحَ نَفسَهُ عادَ إلى الأرضِ وَكَرَزَ، لا شَكَّ في أنَّ البابا سَيَصْلِبهُ مَرَّةً أخرى.

وقد قالَ "جون كالفن" (John Calvin) الَّذي عاشَ مِن سنة 1509 إلى 1564: "قد يَظُنُّ أُناسٌ أنَّنا قُساةٌ جدًّا وَعَيَّابونَ حينَ نَقولُ إنَّ بابا رُوما هو ضِدُّ المسيح، ولكِنَّ الأشخاصَ الَّذينَ يَعتنقونَ هذا الرَّأيَ لا يُطلِقونَ التُّهمةَ نَفسَها على بُولُس الَّذي نَتَكَلَّمُ بكلامِهِ ونَقبَلُ ما يَقول. وأودُّ أنْ أقولَ باختصار إنَّ كلماتِ بولُس في رسالة تسالونيكي الثَّانية والأصحاحِ الثَّاني لا تَحتَمِلُ أيَّ تَفسيرٍ آخر سِوى أنَّها تَنْطَبِقُ على البابويَّة". فقد رَأَوْا في ضِدِّ المسيحِ البابويَّة والبابا. لماذا؟ هل لأنَّهم حَصَلُوا على استنارةٍ خاصَّةٍ بأنَّ ضِدَّ المسيحِ الأخير سيكونُ حَقًّا البابا؟ لا، بل لأنَّه جَسَّدَ كُلَّ شيءٍ قالَهُ الكتابُ المقدَّسُ عن ضِدِّ المسيح.

وقد حاوَلَ "جون نوكس" (John Knox) الَّذي عاشَ مِن سنة 1505 إلى سنة 1572، وَهُوَ المَشيخيُّ الإسكتلنديُّ العظيم، حاولَ أنْ يُقاوِمَ طُغْيانَ البابا الَّذي مارَسَهُ شَخصيًّا على مَدى دُهور طويلة على الكنيسة. وقد قالَ إنَّ البابويَّة هي ضِدُّ المسيح، وإنَّ البابا هو ابنُ الهلاكِ الَّذي تَحَدَّثَ عنهُ بولُس. وقد قالَ "توماس كرينمر" (Thomas Cranmer)، وَهُوَ واحدٌ مِن أعظمِ الشُّهداءِ في إنجلترا، وقد ماتَ في سنة 1556، قال: "تَصديقًا لِما تَقَدَّمَ بأنَّ رُوما هي كُرسيُّ ضِدِّ المسيح، وأنَّ البابا هو ضِدُّ المسيحِ نَفسُهُ، يُمكنُني أنْ أُبَرهِنَ ذلكَ مِنْ خِلالِ آياتٍ كِتابيَّة كثيرة". وقد كُتِبَ "إقرار إيمان وستمنستر" (The Westminster Confession) في سنة 1647. ويَقولُ "إقرار إيمان وستمنستر"، وهو إقرارُ إيمانِ المُصْلِحين: "ليسَ هُناكَ أيُّ رأسٍ آخر للكنيسة سِوى الرَّبّ يسوع المسيح. ولا يمكن لبابا روما بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال، أنْ يكونَ رَأسًا لها، بل إنَّهُ ضِدُّ المسيحِ، وإِنْسَانُ الخَطِيَّةِ، ابْنُ الْهَلاَكِ، الْمُقَاوِمُ وَالْمُرْتَفِعُ في الكنيسةِ عَلَى المسيحِ وَكُلِّ مَا يُدْعَى إِلهًا".

وَمَرَّةً أخرى أقول إنَّ البابا ليسَ ضِدَّ المسيحِ الأخير، بل إنَّهُ في زَمانِهِ وفي هذا الدَّهرِ التَّجسيدُ الكامِلُ لِضِدِّ المسيح. وهُناكَ، كما يَقولُ يُوحنَّا، أَضْدادٌ كثيرونَ للمسيح في العالَم قبلَ أنْ يأتي ضِدُّ المسيحِ الأخير. وقد قالَ "كوتون ماذر" (Cotton Mather)، وَهُوَ مُصْلِحٌ أمريكيٌّ ماتَ في سنة 1728: " أقوالُ اللهِ الَّتي سَبَقَ وَأَنْبَأَتْ عن ظُهورِ ضِدٍّ للمسيح في الكنيسةِ المسيحيَّة. وفي بابا رُوما، اجْتَمَعَتْ كُلُّ صِفاتِ ضِدِّ المسيحِ ذاكَ بصورةٍ عجيبةٍ حَتَّى إنَّهُ إنْ قَرَأَ أيُّ شَخصٍ الكتابَ المقدَّسَ دُونَ أنْ يَراها، مِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ أَعمى تَمامًا". وقد قالَ "سبيرجن" (Spurgeon): "مِنْ مَهامِّ وَواجباتِ كُلِّ مُؤمِنٍ أنْ يُصَلِّي طَلَبًا للحِمايةِ مِنْ ضِدِّ المسيحِ هذا. وبخصوصِ مَنْ يَكونُ ضِدُّ المسيح، لا يَنبغي لأيِّ رَجُلٍ عاقِلٍ أنْ يَطرَحَ هذا السُّؤال. فإنْ لم يَكُنِ البابا في كنيسة رُوما، لا يوجد شيء في العالم يُمكِن أنْ يُطلَقَ عليهِ هذا الاسم". ومَرَّةً أخرى أقول إنَّ يوحنَّا قالَ إنَّهُ سيأتي أَضدادٌ كثيرونَ للمسيح. وهذا هو أكبرُ تَجسيدٍ لَهُ في نَظَرِ هؤلاءِ القادَةِ العُظماءِ، هؤلاءِ القادة المُصلِحينَ العُظماء على مَرِّ العُصور.

ويَمضي "سبيرجن" قائلاً: "إنَّ البابويَّة مُناقضة لإنجيلِ المسيح، وهي ضِدُّ المسيح. ويجب علينا أنْ نُصَلِّي لأجلِ الحماية منها. فيجب أنْ تكونَ الصَّلاةُ اليوميَّةُ لِكُلِّ مؤمن هي أنْ يُطْرَحَ ضِدُّ المَسيحِ كَحَجَرِ رَحَى في البحر لأجلِ المسيح لأنَّهُ يُؤذي المسيح، ولأنَّهُ يَسلِبُ المَسيحَ مَجدَهُ، ولأنَّهُ يَضَعُ فَعاليَّةَ الأسرارِ المُقدَّسَةِ مَكانَ كَفَّارَتِهِ، ويَرفَعُ قِطعةً مِنَ الخُبزِ مَكانَ المُخَلِّص، وبِضعَ قَطَراتٍ مِنَ الماءِ مَكانَ الرُّوحِ القُدُس، وَيَضَعُ إنسانًا خاطئًا مِثلَنا نائبًا عنِ المسيحِ على الأرض. ولكِنْ إنْ صَلَّينا لأجلِ ذلك لأنَّ هذا يُناقِضُهُ، سوفَ نُحِبُّ الأشخاصَ بالرَّغمِ مِنْ بُغضِنا لأخطائِهم. وسوفَ نُحِبُّ نُفوسَهُم بالرَّغمِ مِن كُرهِنا وَبُغضِنا لِعقيدَتِهم. لِذا فإنَّ نَفَسَ صَلواتِنا سيَصيرُ مُعَطَّرًا لأنَّنا نُوَجِّهُ وُجوهَنا نَحوَ المسيحِ حينَ نُصَلِّي".

لقد كانتِ السَّنواتُ مِن 1553 إلى 1558 خَمسَ سَنواتٍ مُرَوِّعة في إنجلترا في عَهدِ "ميري الدَّمويَّة" (Bloody Mary). وهذا كُلُّهُ ابتدأ بعدَ سَبعِ سَنواتٍ مِن موت لوثر. فقد جاءت "ميري" إلى إنجلترا واسترَدَّتْ سُلطةَ البابا في إنجلترا. وفي الحال، تَمَّتْ إزالةُ كُلِّ الكُتُبِ المُقدَّسةِ مِنَ الكنائِس، وتوقَّفَ طَبعُ كُلِّ الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ تَمامًا وصارَ ذلكَ مَحظورًا وجَريمةً عُقوبَتُها الإعدام. وقد فَرَّ 800 خادِمٍ إنجليزيّ إلى جِنيف. وقد أُعدِمَ 300 شخصٍ بروتستنتيٍّ حَرْقًا. وكانَ أوَّلُ شَهيدٍ لِميري هو "جون روجرز" (John Rogers)، وَهُوَ خادِمٌ في لَندن تَرجَمَ النُّسخة الرَّائعة مِنَ الكِتابِ المُقدَّسِ المَعروفة باسم "تَرجمة تِنديل وماثيو" (Tyndale-Matthews Bible). وقد حَمَلْتُ واحدةً مِن هذه النُّسَخِ الأولى بينَ يَدَيَّ. وهُناكَ أيضًا "ريدلي" وَ "لاتيمر" (Ridley and Latimer)، الشَّهيدان الشَّهيران اللَّذانِ أُعْدِما حَرْقًا في أكسفورد. وهناكَ "وليام تِنديل" (William Tyndale)، وليام تِنديل المُبارَك الَّذي عُوقِبَ سَنواتٍ عديدة قبلَ أنْ يَستَشهِدَ لأنَّهُ اقتَرَفَ جَريمَةَ تَرْجَمَةِ الكتابِ المقدَّسِ إلى اللُّغَة الإنجليزيَّة. وهذا كُلُّهُ جَرى تحتَ قيادةِ (ولأجلِ إرضاءِ) النِّظامِ الرُّومانيِّ والبَابا.

وقد كَتَبَ "لوثر" في "بُنود إيمان شمالكالد" (The Smalcald Articles): "كُلُّ الأشياءِ الَّتي فَعَلَها وقامَ بها البَابا مِنْ مُنطَلَقِ سُلطَتِهِ الزَّائفة والمُؤذية والتَّجديفيَّة والمُتَصَلِّفة كانت وما تَزالُ أفعالاً وأعمالاً شَيطانيَّة بِكُلِّ مَعنى الكلمة تَهدِمُ الكنيسةَ المسيحيَّة المُقدَّسة بِأسرِها، وتَهدِمُ أوَّلَ وأهمَّ بَنْدٍ يَختصُّ بالفِداءِ الَّذي تَمَّ مِنْ خِلالِ يسوعَ المسيح". فلوثر لم يَكُن يُوارِبُ في كَلامِه. وقد قالَ أيضًا: "إنَّ البَابا هو نَفسُ ضِدِّ المسيحِ الَّذي رَفَعَ نَفسَهُ عاليًا وقَاوَمَ المسيحَ لأنَّهُ لَنْ يَسمَحَ للمسيحيِّينَ أنْ يَخلصُوا". كذلك، قالَ لوثر: "إنَّهُ ليسَ سِوى الشَّيطان عَينِهِ لأنَّهُ يُعانِدُ ويُقاوِمُ اللهَ في أنَّهُ يَنشُرُ ويُذيعُ ضَلالاتِهِ البابويَّة بخصوصِ القُدَّاسِ، والمَطْهَرِ، وحياةِ الرَّهْبَنَة، وأعمالِ البِرِّ الذَّاتيِّ، والعبادة الزَّائفة للهِ مُمَثَّلَةً في البابويَّة ذاتِها، ويَدينُ ويَقتُلُ ويُعَذِّبُ كُلَّ المسيحيِّينَ الَّذينَ لا يَحترمونَ ويُبَجِّلونَ هذه النَّجاساتِ البابويَّة فوقَ كُلِّ شيءٍ آخر. لِذا، كما أنَّنا لا نَستطيعُ أنْ نَعبُدَ الشَّيطانَ نَفسَهُ بوصفِهِ رَبًّا وإلهًا، فإنَّنا لا نَحتَمِلُ رَسولَهُ البابا. فالكَذِبُ والقَتلُ وإهلاكُ الجَسَدِ والنَّفسِ إلى الأبد هي أُمورٌ تُؤلِّفُ جَوهَرَ حُكْمِهِ البَابويِّ حَقًّا".

وعَودة إلى "سبيرجن" الَّذي كَتَبَ: "مِنْ بينِ كُلِّ الأحلامِ الَّتي غَرَّرَتْ بالبَشَر، وعلى الأرجَح مِنْ بينِ كُلِّ التَّجاديفِ الَّتي نُطِقَ بها يومًا، لم يَظهَر تَجديفٌ أكثر غَرابَةً وَضَرَرًا مِنْ فِكرةِ أنَّ أُسقُف رُوما يَستطيعُ أنْ يكونَ رأسَ كَنيسةِ يسوعَ المسيح. لا! فهؤلاءِ البابَواتِ يَموتون. وكيفَ يُعقَلُ أنْ تَبقى الكنيسةُ حَيَّةً إنْ ماتَ رأسُها؟ فالرَّأسُ الحَقيقيُّ يَبقى حَيًّا دائمًا، والكنيسَةُ تَبقى حَيَّةً فيه". وقد قالَ سبيرجن: "الإنسانُ..." [وهذه كلمات مُدهشة جِدًّا] "الإنسانُ الَّذي يَخدَعُ النَّاسَ الآخرينَ بهذا القَدرِ يَخدَعُ نَفسَهُ أيضًا. فالمُخادِعُ يَخدَعُ الآخرينَ أوَّلاً، ثُمَّ يَخدَعُ نَفسَهُ لاحقًا. ولا يَجدُرُ بي أنْ أَتساءَلَ عَمَّا يُؤمِنُ بهِ البابا حَقًّا حينَ يَدَّعي أنَّهُ مَعصومٌ وأنَّهُ ينبغي أنْ يُلَقَّبَ بِـ ’صاحِب القَداسَة‘". فلا بُدَّ أنَّ الأمرَ استغرَقَهُ وقتًا طويلاً إلى أنْ وَصَلَ إلى هذا المُستوى الرَّفيعِ مِن خِداعِ النَّفس. ولكِنَّني لا أُجانِبُ الصَّوابَ إنْ قُلتُ إنَّهُ قد بَلَغَ هذا الحَدَّ الآن. وكُلُّ شخصٍ يُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ يُجاريهِ في هذهِ الفِكرةِ المَجنونة. فعندما يُؤمِنُ الجميعُ بشيءٍ زائفٍ بشأنِك، لا بُدَّ أنَّكَ، على أَقَلِّ تَقدير، تُؤمِنُ بِهِ شخصيًّا، أوْ تَظُنُّ، على أَقَلِّ تَقدير، أنَّهُ صَحيح.

"فَلأنَّ الفَرِّيسيِّين كانوا يُلَقَّبونَ دائمًا بالمُعَلِّمينَ المُثَقَّفينَ، والآباءِ، والكَتَبَة القِدِّيسين، والمُعَلِّمينَ الأتقياء والوَرِعين، والمُعَلِّمينَ المُقَدَّسين، فقد صَدَّقوا تلكَ المُجاملات المُداهِنَة. وقد كانوا يَستخدِمونَ عِبارات مُنَمَّقة في تلكَ الأيَّام، وكانَ لَقَب ’دُكتور في اللَّاهوت‘ شائعًا جِدًّا؛ تَمامًا كما هي الحالُ اليوم. وقد ساعَدَ حَشْدُ حَمَلَةِ الدُّكتوراه والمُعَلِّمين في دَعْمِ بَعضِهِم بعضًا مِن خلالِ تَكرارِ ألقابِهِم الرَّفيعة إلى أنْ صَدَّقوا أنَّ تلكَ الألقابَ تَعني شيئَا. ولكِنْ، يا أصدقائي، [كما قالَ سبيرجن] مِنَ الصَّعبِ جِدًّا أنْ تَحصُلَ على المَدْحِ وتَتَوَقَّعَهُ، وأنْ تَحتَفِظ في الوقتِ نَفسِهِ بِبَصيرَتِكَ لأنَّ أعيُنَ البَشَرِ تَضعُف تدريجيًّا بسببِ دُخانِ البَخورِ الَّذي يَتصاعَدُ أمامَهُم. وعندما يَنْحَسِرُ بَصَرُهُم بسببِ خِداعِ النَّفسِ، فإنَّ كِبرياءَهُم العَظيمة تُخفي الصَّليبَ وتَجعَلُهُم غيرَ قادرينَ على الإيمانِ بالحَقّ".

وقد قالَ سبيرجن: "إنَّ المسيحَ لم يَفْدِ كَنيسَتَهُ بِدَمِهِ كي يأتي البابا ويَسلِبهُ المَجدَ. وَهُوَ لم يأتِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرض، وَلم يَسكُب قَلبَهُ كُلَّهُ ليَشتري شَعبَهُ حَتَّى يأتي خَاطِئٌ مِسكينٌ، مُجَرَّدُ إنسانٍ، ويُرْفَعَ عاليًا لِيَلقى التَّكريمَ مِنَ الأُمَمِ ويَدعو نَفسَهُ خَليفَةَ اللهِ على الأرض. فالمسيحُ هو دائمًا وأبدًا رأسُ كَنيسَتِه". فقد كانَ سبيرجن يَعلمُ ما عَرَفَهُ المُصلِحون، وما يَعرِفُهُ أيُّ تِلميذٍ حقيقيٍّ للكِتابِ المُقدَّس، وَهُوَ أنَّ البابا يَتَبَوَّأُ أَعلى مَنصِبٍ في نِظامٍ غيرِ مَشروع، ولا سِيَّما وَتَحديدًا أَعلى رُتْبَةٍ في كَهنوتٍ غير مَشروع. وقد كَتَبَ سبيرجن ما يَلي: "عندما يَتَقَدَّمُ شخصٌ إلى الأمام وَهُوَ يَرْتَدي كُلَّ أَصنافِ الثِّيابِ الغَريبة ويقول إنَّهُ كَاهِنٌ، فإنَّ ابنَ اللهِ الأكثر مَسْكَنَةً سيقول: "ابتَعِد ولا تَتَدَخَّل في مَقامِي. فأنا كَاهِنٌ. أنا لا أَدري مَنْ تَكون، ولكِنْ مِنَ المؤكَّدِ أنَّكَ كاهِنٌ لِلْبَعْل". فالذِّكْرُ الوَحيدُ للكلمة "مَلابِس" في الكتابِ المقدَّسِ يَقتَرِنُ بَهيكَلِ البَعْل.

"فالكَهنوتُ هُوَ لِكُلِّ القِدِّيسين. فَهُمْ يَدعوكُم أحيانًا عِلمانِيِّين، ولكِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَقولُ لِجَميعِ القِدِّيسينَ ’أنتُم إكليروس [kleros] الله‘؛ أيْ: ’أنتُم كَهَنة الله‘. فَكُلُّ وَلَدٍ مِن أولادِ اللهِ هو كَاهِنٌ أو كَاهِنَة. فلا يوجد تَمييزٌ بينَ الكَهَنة في الكتابِ المقدَّس. ابتعِدوا عنهم... [كما يَقولُ سبيرجن] ابتعدوا عنهم إلى الأبد. فَكِتابُ الصَّلاةِ يَقول: ’ثُمَّ إنَّ الكاهِنَ يَقول‘. وكَمْ هُوَ مُؤسِفٌ أنَّ تلكَ الكلمة بَقِيَتْ هُناك. فالكلمة ’كاهِن‘ في ذاتِها تَعْبَقُ برائحةِ كِبريتِ رُوما حَتَّى إنَّها ما دامت مَوجودة فإنَّ كنيسةَ إنجلترا سَتَستمرُّ في إطلاقِ رائحةٍ نَتِنَة. ادْعُ نَفسَكَ كاهِنًا، يا سَيِّدي. فأنا أَتَعَجَّبُ مِنْ أنَّ النَّاسَ لا يَخجلونَ مِنْ أنْ يَحمِلوا هذا اللَّقَب. فعندما أَستَذكِرُ ما فَعَلَهُ الكَهَنة في كُلِّ العُصور، والصُّوَرَ المُرتبطة بما فَعَلَهُ الكَهَنَةُ المُقترِنينَ بكنيسةِ رُوما، فإنَّني أُكَرِّرُ ما أقولُهُ دائمًا. فأنا أُفَضِّلُ أنْ يُشيرَ إلَيَّ أحدُ الأشخاصِ في الشَّارِع ويَدعوني شَيطانًا على أنْ يَدعوني كَاهِنًا لأنَّهُ بِقَدْرِ ما أنَّ الشَّيطانَ شِرِّير فإنَّهُ لا يَستطيعُ أنْ يُنافِسَ الجَرائِمَ والأعمالَ القاسيةَ والوحشيَّةَ الَّتي اقتُرِفَتْ تحتَ غِطاءِ الكَهَنوتِ الخاصِّ.

"اللَّهُمَّ ابْعِدْنا عن ذلك. ولكِنَّ كَهنوتَ قِدِّيسي اللهِ، كَهنوتَ القَداسةِ الَّذي يُقَدِّمُ الصَّلاةَ والتَّسبيحَ للهِ، فإنَّهُ شَيءٌ نَمْلِكُهُ لأنَّكَ جَعَلْتَنا كَهَنة". فهذا هُوَ مَقامُ القِدِّيسين. لِذا فإنَّ إمبراطوريَّةَ رُوما، في أعيُنِ رِجالِ اللهِ هؤلاء عَبْرَ التَّاريخ، هُي الخَطُّ الأماميُّ للشَّيطان. وفي نَظَرِ سبيرجن فإنَّ رُوما هي عَدُوٌّ فَتَّاك في المَقامِ الأوَّل، وَحَقْلَ كِرازَة. وقد قالَ سبيرجن إنَّهُ لا يجوزُ لنا أنْ نَعقِدَ أيَّ هُدْنَةٍ أو مُعاهَدَةٍ معَ رُوما. وقد قالَ ما يَلي: "الحَربُ! الحَرْبُ الَّتي لا هَوادَةَ فيها مَعَها. فلا يُمكِن أنْ يكونَ هُناكَ سلام. فلا يُمكِنُها أنْ تَكونَ في سَلامٍ مَعَنا. ولا يُمكِنُنا أنْ نَكونَ في سَلامٍ مَعَها. فهي تَكرَهُ الكنيسة الحَقيقيَّة. ولا يَسَعُنا إلَّا أنْ نَقولَ إنَّ الكَراهِيَةَ مُتبادَلة. فنحنُ لَنْ نَضَعُ الأيدي على كَهَنَتِها. ونحنُ لن نَلمَسَ شَعرةً مِنْ رُؤوسِهم. لِيَفعلوا ما شاءوا، ولكِنَّنا سَنَمْحو عَقيدَتَهُم عَنْ وَجْهِ الأرضِ لأنَّها عَقيدهة شَياطين. "لِذا، لِيَهلَك، يا الله، وَلْيَصِر ذلكَ الشَّيءُ الشِّرِّيرُ كَشَحْمِ الحُملان فَيَتلاشى كالدُّخان. أجل، لِيَتلاشى كالدُّخان".

ويُمكِنُكُم أنْ تَسمَعوهُ يَعِظُ بذلك في خَيمةِ الاجتماعِ في لُندُن. وَهُوَ يَمضي قائلاً: "يجب علينا أنْ نَخوضَ مَعارِكَ الرَّبِّ ضِدَّ هذا الخَطأِ الفَادِح، أيًّا كانَ الشَّكلُ الَّذي يَأخُذُه. ويجب علينا أيضًا أنْ نُحارِبَ كُلَّ خطأٍ يُدَنِّسُ الكنيسة. اقُتلوهُ تَمامًا. ولا تَسمَحوا لأحدٍ أنْ يَنجو. خُوضُوا مَعارِكَ الرَّبِّ. وحَتَّى لو كانَ الخَطَأُ خَطأً في الكنيسةِ الإنجيليَّة، يجب علينا أنْ نَقضي عليه". ونحنُ نَقِفُ على أَكتافِ هؤلاء. فما هُوَ مَوقِفُنا مِنْ هذه القضيَّة الرَّاهِنَة، أيْ قَضيَّةِ الهُدنة مَعَ رُوما؟ فهل سَنَخونُ الشُّهداء؟ وهل سَنَخونُ تاريخَ إيمانِنا؟ وهل سَنَخونُ أولئكَ الَّذينَ عاشُوا وماتوا لتوصيلِ هذا الحَقِّ إلينا؟ وهل سَنَخونُ أتباعَ "تِنديل" (Tyndale) وَ "لوثر" (Luther) و "كالفِن" (Calvin) وكُلَّ البَقيَّة؟ وهل نَحنُ عَديمو الحِسِّ إلى هذا الحَدِّ؟ وهل نَحنُ عُميانٌ إلى هذا الحَدِّ؟ وهل نَحنُ جَاهِلونَ إلى هذا الحَدِّ؟ وهل نحنُ عَديمو الأمانَةِ إلى هذا الحَدِّ؟ وهل نَحنُ جُبناء إلى هذا الحَدِّ حَتَّى إنَّنا لن نُحارِب؟

إنَّ الجَهلَ في أمورِ العقيدةِ في الكنيسةِ الإنجيليَّةِ صَادِمٌ وَلا يُضاهيهِ سِوى جُبْنِها (على مَا أَخشَى). وقدِ اتَّضَحَ ذلكَ بِكُلِّ تأكيدٍ للجَميع مِنْ خِلالِ رُدودِ الفِعلِ الأخيرةِ على مَوتِ البابا وَتَعيينِ خَليفَتِه. فَالتَّرويجُ للكاثوليكيَّة الَّذي رَأيناهُ في وسائلِ الإعلامِ في الشَّهرَيْنِ الأخيرَيْنِ ليسَ لَهُ مَثيل في التَّاريخ. فهذهِ أكبرُ حَملة تَرويجيَّة للنِّظامِ الكاثوليكيِّ الرُّومانيِّ في تاريخِ ذلكَ النِّظام. فوسائلُ الإعلامِ العالَميَّة تَغاضَتْ عنِ التَّحَرُّشِ المُقَزِّزِ بالأطفالِ وقضايا سُوءِ المُعامَلةِ كَيْ تَحتفي بِمَظاهِرِ وَمُلابَساتِ هذا النِّظامِ الزَّائف كما لو كانَ مَجيدًا حَقًّا. وهذا مَثَلٌ كلاسيكيّ على القصَّةِ القديمةِ عن مَلابسِ الإمبراطورِ الجديدة. فَمِنَ النَّاحيةِ الرُّوحيَّةِ فإنَّها عُريانة. وَها نَحْنُ نَعيشُ في هذا الوقتِ الَّذي تَحصُلُ فيهِ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة مِن خلالِ وَسيلةٍ شَيطانيَّةٍ (لأنَّهُ يُهَيمِنُ على كِلَيهِما) على أكبرِ فُرصةٍ لها لِلتَّرويجِ أمامَ العالَمِ كُلِّهِ لِخِداعِها الأكبَر. فهي تَعرِضُ أمامَ العالَمِ تَضليلَها الفَظيعِ بِصُورة لم تَحدُث مِن قَبل. وَها هُمْ مُمَثِّلو الكنائسِ البروتستنتيَّة والإنجيليَّة يَقبلونَها وَيَقبلونَ هَرطَقاتِها القَبيحَة.

أمَّا وسائلُ الإعلامِ، فَهَلْ لاحَظْتُم كيفَ تَتَجَنَّبُ تَوجيهَ أيِّ نَقْدٍ؟ وهل لاحَظتُم كيفَ أنَّهُم لا يَذكُرونَ البَتَّة فَضائحَ الكَهَنة؟ فنحنُ نَسمَعُ أُناسًا يَقولون: "إنَّ الكاثوليكيَّة طائفة أُخرى وَحَسْب". ولكِنَّ الكاثوليكيَّة ليست طائفة أُخرى وَحَسْب، بل هي دِيانة أخرى. وأنا لا أَعتقدُ أنَّ النَّاسَ يَعرِفونَ الفَرقَ بينَ الطَّائفةِ والدِّيانة. فهل تَغَيَّرَتْ رُوما؟ لا. ولكِنَّ رُوما تُغَيِّرُ شَكلَها. فَرُوما حِرباء. فَأيًّا كانتِ الصُّورةُ الَّتي ينبغي أنْ تَتَشَكَّلَ عليها في أيِّ أُمَّة في أيِّ وقتٍ مِنَ الأوقاتِ فإنَّها تَتَشَكَّلُ بها أيًّا كانَ الثَّمَن. وهذه هي دائمًا طريقةُ عَمَلِ الشَّيطان. فهو يَتحرَّك، ويُغَيِّر شَكلَهُ ليَصيرَ بأيِّ شَكلٍ يَخدَعُ بِهِ النَّاس. ولكِنَّنا نَرى هُنا أنَّ الكنيسة البروتستنتيَّة الإنجيليَّة تَتَخَلَّى عنِ العقيدةِ الصَّحيحة، وَتُهينُ اسمَ المسيحَ بصورة عَلنيَّة وواضحة تمامًا لكي يَراها العالَمُ كُلُّهُ. وقد كانَ العالَمُ يُراقِبُ مَوتَ البابا يُوحنَّا بولُس الثَّاني في مَشهدٍ لا مَثيلَ لَهُ مِنَ العِبادَةِ المُقدَّمَةِ لإنسان.

والسُّؤالُ الَّذي يُطرَحُ هُوَ: هلِ البابا في السَّماء؟ وأنتُم تَسمعونَ كُلَّ هؤلاءِ الأشخاصِ يَقولونَ: "أجل، أجل، أجل". والنَّاسُ يَسألونَني: "هلِ البابا في السَّماء؟" وجوابي هو: "هلِ البابا كاثوليكيّ؟" أليسَ هذا هُوَ الجَواب الصَّحيح؟ أعتقد أنَّهُ كذلك. فأنا أعتقدُ أنَّ البابا كاثوليكيّ. وهل يُؤمِنُ باللَّاهوتِ الكاثوليكيّ؟ أجل. فهو الوَصِيُّ على اللَّاهوتِ الكاثوليكيّ. وأنتَ تَدخُلُ السَّماءَ بالأعمالِ، وبواسطةِ مَريَم، وبالتَّوبة، والمَعموديَّة، والاعتراف، وصلاةِ المَسبَحَة الوَرديَّة. لا، إنَّ هذا إنجيل آخر. فهذا ليسَ الإنجيل الصَّحيح. قبلَ أُسبوعَين، قَدَّمنا عِظَتَيْن. فقد تَحَدَّثنا عن طبيعةِ الإيمانِ المُخَلِّص وَذَكَّرناكُم بأنَّ الخَلاصَ بالإيمانِ فقط. ليسَ مِن خلالِ الكاثوليكيَّة، وليسَ مِنْ خِلالِ مَزيجٍ مِنَ النِّعمةِ والإيمانِ والأعمال، بل إنَّنا نَعلمُ ماذا يُعَلِّمُ العهدُ الجديد.

فنحنُ نَقرأُ في رسالة رُومية 3: 20: "لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ". ونَقرأُ في رسالة رُومية 3: 26 أنَّ اللهَ "يُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ". بالإيمانِ وَحدَهُ، وبالمَسيحِ وَحدَهُ. ونَقرأُ في رسالة رُومية 3: 28: "إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ". ونَقرأُ في رسالة رُومية والأصحاح الرَّابع أنَّ إبراهيمَ لم يَتبَرَّر بالأعمال: "لأَنَّهُ إِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ تَبَرَّرَ بِالأَعْمَالِ فَلَهُ فَخْرٌ". ولكِنْ ما الَّذي يُعَلِّمُهُ الكتابُ المقدَّسُ؟ أنَّهُ "آمَنَ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا". "أَمَّا الَّذِي يَعْمَلُ فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ. وَأَمَّا الَّذِي لاَ يَعْمَلُ، وَلكِنْ يُؤْمِنُ بِالَّذِي يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ، فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرًّا".

ونَقرأُ في رسالة رُومية والأصحاحِ الرَّابع: "فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالنَّامُوسِ كَانَ الْوَعْدُ لإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ" (في العَدَدَيْن 13 و 14)، بَلْ بِبِرِّ الإِيمَانِ. ونَقرأُ في رسالة رُومية 9: 30-32: "إِنَّ الأُمَمَ الَّذِينَ لَمْ يَسْعَوْا فِي أَثَرِ الْبِرِّ أَدْرَكُوا الْبِرَّ، الْبِرَّ الَّذِي بِالإِيمَانِ". ونَقرأُ في رسالة رُومية 10: 4: "لأَنَّ غَايَةَ النَّامُوسِ هِيَ: الْمَسِيحُ لِلْبِرِّ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ". ونَقرأُ في رسالة رُومية 11: 5 و 6: "قَدْ حَصَلَتْ بَقِيَّةٌ حَسَبَ اخْتِيَارِ النِّعْمَةِ. فَإِنْ كَانَ بِالنِّعْمَةِ فَلَيْسَ بَعْدُ بِالأَعْمَالِ، وَإِلاَّ فَلَيْسَتِ النِّعْمَةُ بَعْدُ نِعْمَةً". ونَقرأُ في رسالة غَلاطيَّة 2: 16: "إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِنَتَبَرَّرَ بِإِيمَانِ يَسُوعَ لاَ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا".

ونَقرأُ في رسالة غَلاطيَّة 3: 10: "لأَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْمَالِ النَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ». لأَنَّ «الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا»". ونَقرأُ في رسالة أفسُس 2: 8 و 9: "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ". ويُقَدِّمُ بولسُ في رسالةِ فيلبِّي والأصحاحِ الثَّالِث شَهادَتَهُ فيقول: "وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ اللهِ بِالإِيمَانِ". ونَقرأُ في رسالة تيطُس والأصحاحِ الثَّالث أنَّ اللهَ خَلَّصَنا "لاَ بِأَعْمَال فِي بِرّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ...حَتَّى إِذَا تَبَرَّرْنَا بِنِعْمَتِهِ، نَصِيرُ وَرَثَةً حَسَبَ رَجَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّة".

وأنتُم تَعرِفونَ كُلَّ هذهِ الآيات. فالخلاصُ هُوَ بالنِّعمة وَحدَها، وبالمسيحِ وَحدَهُ، ومِنْ خلالِ نَعمةِ اللهِ وَحدِها. فعندما تَثِقُ بيسوعَ المسيح فإنَّ اللهَ يُعلِنُكَ بارًّا لا لأنَّكَ كذلك، بل لأنَّهُ يَحسِبُ بِرَّ المَسيحِ لَكَ، ولأنَّهُ يحسِبُ خَطيئَتَكَ عليه. فالمسيحُ يَحمِلُ خطيئَتَكَ، وأنتَ تَحصُلُ على بِرِّه. وهذا هو مَجدُ عَقيدةِ التَّمجيدِ العظيمة. ولكِنَّ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة لا تُؤمِنُ بذلك. وقد صَاغَ مَجْمَعُ ترنت (The Council of Trent) المُنعَقِد في السَّنوات مِن 1545 إلى 1563 العَديدَ مِنَ الجُمَل. استَمِعوا إلى بَعضٍ مِنها:

"فَلِلَّذينَ يُحسِنونَ العَمَلَ إلى المُنتَهى ويَجعلونَ رَجاءَهُم في الله، يَجِب أَنْ تُعْرَضَ الحَياةُ الأبديَّةُ...". وهذا لا يُشبِهُ أيَّ شَيءٍ قَرأتُهُ. "فَلِلَّذينَ يُحسِنونَ العَمَلَ إلى المُنتَهى ويَجعلونَ رَجاءَهُم في الله، يَجِب أَنْ تُعْرَضَ الحَياةُ الأبديَّةُ..." [ثُمَّ استمِعوا إلى ما يَلي:] "...ثَواباً لأعمالِهِمِ الصَّالِحَةِ واستحقاقاتِهِم الَّتي وَعَدَ اللهُ نَفسُهُ بِمُكافأَتِها. ... وبهذه الأعمالِ المَعمولَة في اللهِ فإنَّهُمْ قد تَمَّمَوا جَميعَ مُقتضياتِ نَاموسِ اللهِ، في شَتَّى أَحوالِ هذهِ الحياة، وصَاروا مُستَحِقِّينَ حَقًّا أنْ يَنالوا الحياةَ الأبديَّة". فالحياةُ الأبديَّةُ في النِّظامِ الكاثوليكيِّ هي شيءٌ تَحصُلُ عليهِ بأعمالِك. فأنتَ تَصيرُ جَديرًا بالحياةَ الأبديَّةَ وَتَحصُل عليها بسببِ استحقاقِك. وهذا تَناقُضٌ مُطلَقٌ وكامِل. وهذا إنجيلٌ آخر.

وهناكَ مِئاتُ القوانينِ التي أَصدَرَها مَجْمَعُ ترنت. وسوفَ أُشارِكُ بَعضًا مِنها وَحَسْب. وقد شَارَكتُكُم بعضًا مِنها قبلَ أُسبوعَين، ولكِنْ إليكُم مَزيدًا مِنها. اسمعوا. فهذا هو ما يَقولُهُ مَجْمَعُ ترنت. وهذه هي العقيدة الكاثوليكيَّة: "إذا قالَ أَحَدٌ إنَّ الخاطئَ يُبَرَّر بالإيمانِ وَحدِهِ، عَانِيًا بِذلكَ أنَّ لا شَيءَ غَيرَ الإيمانِ ضَروريٌّ للحُصولِ على النِّعمة، وأنه ليسَ بحاجةٍ البَتَّة إلى التَّأَهُّبِ والاستعدادِ بحركةٍ مِن إرادَتِه: فليَكُن مَلعونًا". وَهُمْ يُصْدِرونَ اللَّعنةَ على أيِّ شَخصٍ يَقولُ إنَّ الخلاصَ هُوَ بالنِّعمةِ وَحدِها. وقد كانت هذه اللَّعْناتُ مُوَجَّهة مُباشَرةً إلى المُصْلِحين.

استمعوا إلى قانونٍ آخر: "إذا قالَ أحَدٌ إنَّ الإيمانَ الَّذي يُبَرِّر ليس سِوى الثِّقة في الرَّحمةِ الإلهية، الَّتي تَمحو الخطايا بسببِ المسيحِ، أوْ إنَّنا نُبَرَّر بهذه الثِّقَةِ وَحدِها: فليَكُن مَلعونًا". وَهُمْ يَستمرُّونَ في قولِ ذلكَ مِرارًا وتَكرارًا. استمِعوا إلى قانونٍ آخر: "إذا قالَ أحَدٌ إنَّ البِرَّ الَّذي نِيْلَ لا يَدوم، ولا يَنمو أمامَ اللهِ بالأعمالِ الصَّالِحَةِ، وإنَّ هذهِ الأعمالَ ما هي سِوى ثَمَرة البِرِّ الحاصِلِ وعَلامَتهُ وليست سَببًا لِنُمُوِّهِ: فليكُن مَلعونًا". بعبارة أخرى، فقد فَهِمَ المُصْلِحونَ أيضًا مِنَ الكِتابَ المُقدَّسَ ، كما هي حَالُ جَميعِ المؤمنينَ الحقيقيِّينَ، أنَّ الأعمالَ هي ثَمَرُ التَّبريرِ وليسَت سَبَبًا لَهُ. ولكِنْ إنْ كُنتَ تقولُ ذلكَ فإنَّكَ تَحتَ اللَّعنةِ مِنَ الكنيسةِ الكاثوليكيَّةِ الرُّومانيَّةِ ومَجْمَعِ ترنت.

استمعوا إلى قانونٍ أَخير: "إذا قالَ أحَدٌ إنَّ الأعمالَ الصَّالِحَةَ الَّتي يَعمَلُها الإنسانُ المُبَرَّرُ هي مَواهِبُ اللهِ، وليست مِنْ ثَمَّ استحقاقاتٍ صَالحة لإنسانٍ مُبَرَّر، أو إنَّ المُبَرَّرَ بالأعمالِ الصَّالِحَةِ الَّتي يَعمَلُها بِنعمةِ اللهِ واستحقاقاتِ يَسوعَ المسيح (الَّذي هو عُضْوٌ مِنْ أَعضائِهِ الحَيَّة) لا يَستحِقُّ في الحقيقة نُمُوَّ النعمة والحياةَ الأبدية، وَإنْ مَاتَ في حالِ النِّعمَةِ، الدُّخولَ إلى الحياةِ الأبديَّة، وزيادةَ المجدِ: فليَكُن مَلعونًا". والفِكرةُ هي أنْ تَستمرَّ في القيامِ بِمَزيدٍ مِنَ الأعمالِ، ومَزيدٍ مِنَ الأعمالِ، ومَزيدٍ مِنَ الأعمال. فأنتَ تَزيدُ النِّعمة. أوْ إنَّ اللهَ يَزيدُ النِّعمةَ، وأنتَ تَزيدُ الأعمالَ. وأنتُما تُحَقِّقانِ معًا مُعَدَّلاً أعلى فأعلى مِنَ التَّقديسِ (الَّذي يُسَمُّونَهُ تَبريرًا) إلى أنْ تَدخُلَ في نِهايةِ المَطافِ إلى الحياةِ الأبديَّة. فهذا هو ما يَقولُهُ هذا القانون. "الدُّخول إلى الحياةِ الأبديَّة". فإنْ لم تَكُن تُؤمِنُ أنَّكَ تَنالُ حَياتَكَ الأبديَّةَ بأعمالِكَ، فإنَّكَ تَحتَ اللَّعنة.

هل كانَ يُوحَنَّا بولُس الثَّاني يُؤمِن بذلك؟ بِكُلِّ تأكيد كانَ يُؤمِن بذلك. لماذا؟ لأنَّ الكنيسةَ مَعصومَة. واللَّاهوتُ الكاثوليكيُّ لا يُمكِنُ تَعديلُهُ لأنَّهُ مَعصومٌ. وَهُوَ الوَصِيُّ الأمينُ على ذلكَ النِّظام. ويجب علينا أنْ نَحزَنَ على ذلكَ الرَّجُل لأنَّهُ رَبِحَ العالَمَ كُلَّهُ وَخَسِر نَفسَهُ. فأكثرُ رَجُلٍ مَحبوبٍ ويَحظى بالإعجابِ مِنْ قِبَلِ الكاثوليكِ في العالَم قد أَعماهُ إلَهُ هذا الدَّهر وَلَمْ يَرَ يَومًا نُورَ الإنجيلِ الحقيقيّ. وأنا حَزينٌ على الأشخاصِ الكثيرينَ الَّذينَ خُدِعُوا مِنْ قِبَلِ هذا البابا ودِيانَتِه. وكَمْ يَنكَسِرُ قلبي حينَ أَرى أُناسًا كثيرينَ في ذلكَ النِّظام يَعجَزونَ عنِ التَّمييزِ بينَ الحَقِّ والبَاطِل، وَعَنِ التَّمييزِ بينَ المسيحيَّةِ الحقيقيَّةِ والزَّائفة. وَقَلبي يَحزَنُ حَقًّا حينَ أَسمعُ مِنَ الإنجيليِّينَ البروتستنت أنَّ هذا الرَّجُلَ كانَ مَسيحيًّا حَقيقيًّا، وأنَّهُ كانَ يَقودُ آخرينَ إلى المسيحيَّةِ الحقيقيَّة.

لقد كانَ فَسادُ رُوما الدِّينيُّ (وما يَزَالُ) مَعروضًا على مَرأى مِنَ العالَمِ كُلِّه. والحقيقةُ هي أنَّ مَظاهِرَ البَهْرَجَةِ وَالأُبَّهَةِ تَفوقُ الوَصفَ إذْ إنَّ النَّاسَ يَقِفونَ في صُفوفٍ طَويلةٍ ساعاتٍ طَويلة كي يَعبُدوا رَجُلاً مَيْتًا يَحْمِلُ بِيَدِهِ سُبْحَةً وَإلى جَنبِهِ صَليب. وقد قالَ شخصٌ على التِّلفزيون، وَهُوَ أُسقُفٌ كاثوليكيّ: "لقد صَلَّينا لأجلِهِ. والآن، سوفَ نُصَلِّي لَهُ". وهذا تَرديدٌ باطِلٌ للصَّلواتِ؛ وَهُوَ أمرٌ يُبغِضُهُ اللهُ. فقد بَقِيَ نَحوَ سِتٍّ وعشرينَ سنة في ذلكَ المَنصِب، ولكنَّهُ لم يَعرِف يومًا الحَقَّ. وأَعوانُهُ الأقَلُّ مِنْهُ رُتْبَةً يَتَنَكَّرونَ في أثوابِهِم الأَرجُوانِيَّة والقِرمِزيَّة في هَيئةِ مَلائِكَةِ نُورٍ مَعَهُ. إنَّهُ بَهاءُ وَبَهرَجَةُ هذه الدِّيانةِ الفاسدةِ الَّتي صَارَتْ غَنِيَّةً جدًّا على حِسابِ النَّاسِ، وَمِنْ خِلالِ إفْقارِ النَّاسِ، والَّتي خَدَعَتِ العالَمَ السَّاذَج. فَهُمْ يَكرِزونَ بإنجيلٍ آخر. فكيفَ نَعْجَزُ عَن رُؤيةِ ذلك؟ وما أَقْبَحَ أنْ يُدعَى أيُّ رَجُلٍ "قَداسَةَ البَابا" وَأنْ يَقبَلَ ذلك؛ لا سِيَّما أنَّ يَسوعَ دَعا اللهَ "الآبَ القُدُّوسَ" في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 17 في صَلاتِهِ بِوَصفِهِ رَئيسَ الكَهَنَة. فقد قالَ يسوعُ: "وَلاَ تَدْعُوا لَكُمْ أَبًا عَلَى الأَرْضِ" لأنَّهُ لا يُوجَدُ إنسانٌ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ عَنهُ إنَّهُ مَصدَرُ الحياةِ الرُّوحيَّة. "لا تَدعُوا لَكُمْ أَبًا". وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّ الكَهَنَةَ جَميعًا يُدْعَوْنَ "الأبْ فُلان". وأحيانًا، هُناكَ مَنْ يَدعوني أَبًا؛ وهي إساءة ليست بالقَليلة في نَظري. وهُوَ يُدعَى "قَداسَة البَابا". فهو يَستغِلُّ اللَّقَبَ المُخَصَّصَ للهِ. وَهُوَ يُلَقَّبُ بِرأسِ الكنيسة. لِذا فإنَّهُ يُسيءُ استعمالَ لَقَبٍ مُخَصَّصٍ للمسيح. وَهُوَ يُدعى "نائبَ المسيح". والكلمة "نائب" تَقتَرِنُ بالكلمة "وَكيل"؛ أيِ الشَّخص الَّذي يَحِلُّ مَحَلَّ المسيح. وَقد سَرَقَ ذلكَ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. إذًا فقد وَضَعَ نَفسَهُ مَكانَ اللهِ، وَوَضَعَ نَفسَهُ مَكانَ المسيح، وَوَضَعَ نَفسَهُ مَكانَ الرُّوحِ القُدُس. وهذا يَعني أنَّكَ تَجاوَزْتَ حُدودَك!

وأنا لا أعتقدُ أنَّ يَسوعَ أوِ اللهَ أوِ الرُّوحَ القُدُسَ يُمكِنُ أنْ يَذهبَ إلى اجتماعٍ معَ مُسلِمينَ، وأنْ يَقولَ إنَّهُم يَشتركونَ مَعنا برباطٍ رُوحيٍّ مُشتَرَك، وأنْ يُقَبِّلَ القُرآن. وهذا يُذَكِّرُني بما جاءَ في إنجيل لوقا والأصحاح 16 حيثُ نَقرأُ عَنْ رَجُلٍ غَنِيٍّ كَانَ يَلْبَسُ الأَرْجُوانَ وَالْبَزَّ وَهُوَ يَتَنَعَّمُ كُلَّ يَوْمٍ مُتَرَفِّهًا. وقد مَاتَ وَوَجَدَ نَفسَهُ في الجَحيمِ وَهُوَ في العَذابِ فَراحَ يَلتَمِسُ مِنْ أجلِ إرسالِ شَخصٍ يُحَذِّرُ إخوَتَهُ. وأعتقدُ أنَّ البابا في ذلكَ المَوقِفِ نَفسِهِ. ولكِنْ ما الَّذي كان يُؤمِنُ بِهِ البابا في الحقيقة؟ وما الَّذي كانَ يَقولُهُ في الحقيقة هذا البابا يُوحَنَّا بولُس الثَّاني الَّذي دُفِنَ مُؤخَّرًا؟ نحنُ نَعلمُ أنَّهُ كانَ يُؤمِنُ بأنَّ الخلاصَ ليسَ بالمسيحِ وَحدَهُ. وهذا يَعني أنَّهُ كانَ يُؤمِنُ بإنجيلٍ آخَرَ يَدين. ولكِنْ اسمَحُوا لي أنْ أَطرحَ السُّؤالَ: ما الَّذي كانَ يُؤمِنُ بِهِ بخصوصِ مَريم؟ "بالمَسيحِ وَحدَهُ". فنحنُ نَسمَعُ ذلكَ وَنُرَنِّمُ ذلك. بعدَ مَوتِ أُمِّهِ عندما كانَ في سِنِّ الثَّامنة ... وأنا أَتَحَدَّثُ هُنا عن "كيرول فويتيلا" (Karol Wojtyla)؛ فهكذا يُلفَظُ اسمُهُ؛ أيِ البابا الَّذي مَاتَ ... بعدَ مَوتِ أُمِّهِ عندما كانَ في سِنِّ الثَّامِنة، كَرَّسَ نَفسَهُ تَكريسًا عَميقًا لِمَريم. وعندما صارَ البابا في سنة 1978، كَرَّسَ نَفسَهُ مَرَّةً أخرى وكُلَّ مَنْ حَوْلَهُ لِمَريَم. وقد سَافَرَ حولَ العالَمِ وزَارَ العَديدَ مِنْ مَزاراتِ مَريَم حولَ العالم لكي يُبَجِّلَها بالطَّريقةِ الَّتي يَدعوهُ إليها اللَّاهوتُ الكاثوليكيّ. وهذا تَبجيلٌ أَعظَم أو أَسمَى مِن ذاكَ التَّبجيلُ الَّذي تَنالُهُ المَلائِكَة.

ولأنَّهُ كانَ نَموذَجًا يُحْتَذى في الانهماكِ والتَّوقيرِ لِمَريم، فقد حَفَزَ آلافَ، بل رُبَّما مَلايينَ، الرُّومِ الكاثوليك على جَعْلِ مَريمَ بُؤرَةَ حَياتِهم وبُؤرَةَ صَلواتِهم. وقد كانَ يَملِكُ قَلَنْسَوَةً مُثَلَّثَةَ الشَّكلِ، وشِعارَ نَبالَةٍ رُسِمَ عليهِ في الوسط الحَرفُ "إم" (M)؛ وَهُوَ الحَرفُ الأوَّلُ مِنِ اسمِ "مَريم". وعندما ماتَ حُفِرَ على تَابوتِهِ الحَرفُ "إم" (M) بالحَجمِ الكبير. وقد كانَ شِعارُهُ الشَّخصيُّ الَّذي كانَ مُطَرَّزًا على كُلِّ أثوابِهِ البابويَّة باللُّغةِ اللَّاتينيَّة: "توتَس توس إيغو سُوم، مَارِيَّا" (Totus tuus ego sum, Maria) أيْ: "كُلِّي لَكِ يَا مَريَم". "توتَس توس إيغو سُوم". وبالمُناسبة، كانت هذه هي الكلماتُ الافتتاحيَّة في وَصِيَّتِهِ الأخيرة وشَهادَتِه. وفي تلكَ الوصيَّة والشَّهادَة بعدَ أنْ كَرَّسَ نَفسَهُ لِمَريم، قال: "أنا أَستَودِعُ هذه اللَّحظة" [أيْ لَحظَةَ مَوتِهِ] "بينَ يَدَيِّ أُمِّ رَبِّي، توتَس توس. وفي اليَدَينِ الأبديَّتينِ نَفسَيهِما، أَستَودِعُ كُلَّ شيءٍ وكُلَّ شخصٍ تَلامَسْتُ مَعَهُ مِنْ خِلالِ حَياتي وَمِهنَتي. ففي هَتينِ اليَدين، أَستودِعُ قبلَ كُلِّ شيء الكنيسةَ، وأيضًا أُمَّتي وَالبَشريَّةَ جَمْعاء". فقد استودَعَ حَياتَهُ بأسرِها، والكنيسةَ، والعالَمَ كُلَّهُ بينَ يَدَيِّ مَريم. وهذا سُخْفٌ. وهذهِ مَسْخَرَة. وهو يَقول: "يجب على كُلٍّ مِنَّا أنْ يَتذكَّرَ حَتميَّةَ الموتِ. وأنا أيضًا آخُذُ هذا بعينِ الاعتبارِ دائمًا، وأَستودِعُ تلكَ اللَّحظةَ الحاسِمَةَ بينَ يَدَيِّ أُمِّ المسيحِ والكنيسة، بينَ يَدَيِّ أُمِّ رَجائي". إنَّ هذه وَثَنِيَّة. وقد كانَ مِنْ شَأنِ هذا أنْ يُثيرَ اشمِئزازَ مَريم لو عَلِمَتْ بِهِ؛ ولكنَّها لا تَعلَم. فهي لم تَسمَع قَطّ صَلاةً مِن أيِّ شخص ... قَطّ. لا هِيَ وَلا أيُّ قِدِّيسٍ آخَر.

وفي مُلاحَظاتٍ كُتِبَتْ في وَصِيَّتِه، اقتبسَ يُوحَنَّا بولسُ الثَّاني كلماتِ كاردينالٍ بُولَنديٍّ سَابق: "عندما تَتَحَقَّقُ النُّصْرَةُ فإنَّها نُصْرَة تَتَحَقَّقُ مِن خلالِ مَريم". وإنْ تَتَبَّعتُم عَنْ كَثَبْ عِظاتِ هذا الرَّجُل، يُمكِنُكم أنْ تَرَوْا التَّكريسَ الشَّديدَ لمريم في رسالةٍ إلى العَامَّة في شهر أيَّار/مايو سنة 1997. فقد قالَ يوحنَّا بولُس (وأنا أَقتبسُ كَلامَهُ): "إنَّ تاريخَ الوَرَعِ المَسيحيِّ يُعَلِّمُ أنَّ مَريمَ هي الطَّريقُ الَّذي يَقودُ إلى المسيح". وعندما أَخفَقَتْ عَمليَّةُ الاغتيالِ (إنْ كُنتُم تَذكرونَ) في سنة 1981 على ما أعتقِد، عَزا الفَضلَ إلى مَريم في إنقاذِ حَياتِه. وفي الذِّكرى السَّنويَّةِ لحادثةِ الاغتيالِ تلكَ في سنة 1992 وسَنَة 1994، قَامَ بزيارةٍ خاصَّةٍ إلى مَزارِ سَيِّدَتِنا في مَدينةِ "فاطِيما" (في البُرتُغال) لكي يُقَدِّمَ صَلواتِ الشُّكرِ الطَّقسيَّة لِمَريم.

وقد كَتَبَ كِتابًا بِعُنوان "كِتابُ يوحنَّا بولسُ الثَّاني عن مَريم" (John Paul II of Mary). وفي الصَّفحةِ الدَّاخليَّةِ مِنَ الكتاب نَقرأُ أنَّ الكِتابَ مُهْدَى إلى النَّاسِ الَّذين "يَسْعَوْنَ إلى عَلاقةٍ أعمَق بيسوعَ وأُمِّهِ". وَيُدْرِجُ جَدولُ مُحتوياتِ الكِتاب كُلَّ الألقابِ الَّتي يُطلِقُها البابا على مَريم مِثلَ: باب السَّماء، وَوَسيطَة كُلّ النِّعَم، ومِرآة الكَمال، وأُمّ الكَنيسة، وأُمّ الرَّحمة، وعَمود الإيمان، و كرسي الحِكمة. واسمَحوا لي وَحَسْب أنْ أقرأَ لكم بعضَ الأشياءِ الَّتي يَذكُرُها الكِتاب، وأنا أَقتَبِسُ هُنا: "إنَّ مَريمَ تُشارِكُنا حَالَتَنا البَشريَّةَ، ولكِنْ في انفتاحٍ كامِلٍ على نِعْمَةِ الله. فهي لم تَعرِف خَطِيَّة، ولكنَّها قَادرة أنْ تَتَعاطَفَ معَ كُلِّ ضَعفٍ". فهي لم تَعرِف خطيَّة! لِماذا إذًا تَقولُ في تَسبيحَتِها إنَّ اللهَ مُخَلِّصُها؟

وهو يَقول: "إنَّها تَفهَمُ الإنسانَ الخاطئَ وتُحِبُّهُ بِمَحَبَّةِ الأُمّ. لهذا السَّببِ تَحديدًا، فإنَّها تُسانِدُ الحَقَّ وتُشارِكُ الكَنيسَةَ حِمْلَها في تَذكيرِ الجَميعِ دائمًا بِمَطالِبِ الأخلاق". وَهُوَ يَقول: "فبالنِّسبةِ إلى كُلِّ مَسيحيٍّ، وبالنِّسبةِ إلى كُلِّ إنسانٍ، فإنَّ مَريمَ هي الَّتي آمَنَتْ أوَّلاً. وبإيمانِها تَحديدًا، بوصفِها زَوجَةً وأُمًّا، فإنَّها تَتَمَنَّى أنْ تَعملَ في حياةِ كُلِّ الَّذينَ يَأتَمنونَها على حَياتِهِم بوصفِهِم أبناءَها. ومِنَ المَعروفِ تَمامًا أنَّهُ كُلَّما استمرَّ أولادُها وواظَبوا على هذا السُّلوك، زَادَ قُربُ مَريم مِنهُم وقيادَتُها لَهُم كي يَختَبِروا غِنى المَسيحِ الَّذي لا يُستَقصَى". وَمَرَّةً أُخرى، نَرى هُنا كُلَّ هذهِ المُحاولاتِ والجُهودِ في حياتِكَ مِنْ أجلِ الوُصولِ إلى المسيحِ؛ ولكنَّكَ تَعجَزُ عن ذلك. فأنتَ تُحاولُ أنْ تَدنو مِنَ المَسيحِ ولكِنْ مِنَ الصَّعبِ أنْ تَدنو مِنَ المسيحِ. والمَسيحُ شَخصٌ قَاسٍ. ولكنَّهُ لا يَستطيعُ أنْ يَرفُضَ طَلَبًا لأُمِّهِ. لِذا فإنَّكَ تَذهبُ إلى أُمِّهِ، وهي تَعرِضُ عليهِ طِلبَتَكَ فَتَحصُل أنتَ عليها. فهذا هو كُلُّ ما في الأمر.

وَهُوَ يَقولُ أيضًا: "وإنَّنا لَنَقرأُ في الوثائقِ الرسميَّةِ الَّتي أَصدرَتها الكنيسة، أنَّ مَجْدَ النِّعمَةِ المُشار إليه في رسالة أفسُس 1: 6 قد تَجَلَّى في وَالِدَةِ الإلَهِ لِكَونها افتُدِيَتْ بِشَكلٍ فَائِقٍ واستثنائيٍّ. وإذْ يَرفَعُ المَسيحيُّونَ أَعيُنَهم في إيمانٍ إلى مَريم، عَبْرَ مَسيرتِهِم على الأرض، يُصَوِّبونَ جُهدَهُم للنُّمُوِّ في القَداسَة. وَمريَمُ، ابنةُ صِهْيَون المُثْلَى، تُساعِدُ أَبناءَها جَميعًا، حَيثُما كانوا، وأيًّا كانت طَريقَةُ عَيشِهِم، على أنْ يَجِدوا في المسيحِ الطَّريقَ الَّتي تَقودُ إلى بيتِ الآب". إذًا، بيتُ الآبِ هو مَكانٌ يَصعُبُ حَقًّا العُثورُ عليه! والمسيحُ يَعرِفُ الطَّريق، ولكنَّكَ لا تَستطيعُ أنْ تَجذِبَ انتباهَ المَسيح. لِذا فإنَّكَ تَتضرَّعُ إلى أُمِّهِ. وهو لا يَستطيعُ أنْ يَرفُضَ طَلَبًا لها. وهكذا يَتِمُّ الأمر!

وَهُوَ يَقولُ أيضًا: "لا أحدَ يَستطيعُ أنْ يَأتي بنا، كما تَفعل مَريم، إلى البُعدِ الإلهيِّ والبَشريِّ لِسِرِّ الإنجيل". واسمَحوا لي أنْ أتوقَّفَ هُنا وأقول إنَّهُ لا شَأنَ لِمَريم بِخلاصِ أيِّ شخص. وقد كَتَبَ هذا البابا: "يُمكِنُنا أنْ نَلتجئَ إلى العَذراءِ المُطَوَّبَةِ بِثِقَة، وأنْ نَتضرَّعَ إليها طَلبًا للعَون مِنْ مُنطَلَقِ إدراكِنا للدَّورِ الفَريدِ الَّذي ائتَمَنَها عليهِ اللهُ؛ أيْ دَورِها في أنْ يَكونَ لَها دَوْرٌ في الفِداء؛ وَهُوَ دَورٌ تُمارِسُهُ مِن خلالِ حياتِها بطريقةٍ خاصَّة عندَ أقدامِ الصَّليب". وهذا البابا الجديد "بِنِدكتُس السَّادس عَشَر" (Bendedict XVI) الَّذي اسمُهُ الحَقيقيُّ هو "راتزنجر" (Ratzinger) قالَ في بَيانِهِ الأوَّلِ بِصِفَتِهِ البابا: "أنا أَستودِعُ الكنيسةَ وَنَفسي بينَ يَدَيِّ مَريم". فَكِلاهُما يَجعَلُ مَريمَ مَسؤولةً عن كُلِّ شيء. وإنْ ذَهبتُم إلى الكنائسِ الكاثوليكيَّة حولَ العالم (وقد زُرتُها في كُلِّ مَكانٍ في العالَم) ستَجدونَ أنَّ الرُّسوماتِ والأيقوناتِ، ثُمَّ في الأعلى "مَريم". فَنادِرًا ما تَجدونَ تَمجيدًا للهَ (أوْ صُورةِ اللهِ) أوْ تَمجيدًا للمَسيح، بل في أغلبِ الأحيانِ تَمجيدًا لِمَريم.

وماذا عن مَسألةِ الخلاص؟ كيفَ كانَ البابا يوحنَّا بولس الثَّاني يَنظر إلى الخلاصِ بِوَصفِهِ كاثوليكيًّا مُثَقَّفًا؟ لقد كانَ يُؤمِنُ إلى حَدٍّ ما بالخلاصِ الشُّموليّ. حسنًا؟ لقد كانَ يُؤمِنُ إلى حَدٍّ ما بالخلاصِ الشُّموليّ. صَحيحٌ أنَّهُ لم يَقُل صَراحَةً إنَّهُ يُؤمِنُ بأنَّ كُلَّ شخصٍ في العالَم سَيَذهبُ إلى السَّماء، ولكنَّهُ استخدَمَ عبارةَ "الخلاصِ الشُّموليِّ" مِئات المَرَّاتِ في كِتاباتِه. وقد عَبَّرَ غالبًا عن عَدَمِ يَقينِهِ مِنْ أنَّ الإنسانَ قد يَذهبُ إلى جَهَنَّم. وفي خِطابٍ أَلقاهُ أمامَ العَامَّة في شهر تَمُّوز/يوليو سنة 1999، قالَ البابا ما يَلي: "إنَّ هذه الصُّوَر عنْ جَهَنَّم كما هي مُقَدَّمة إلينا في الأسفارِ المُقدَّسة ينبغي أنْ تُفَسَّرَ تَفسيرًا صحيحًا. فهي تُعَبِّرُ عنِ الإحباطِ والفَراغِ الكامِلِ للحياةِ مِن دونِ الله". فهو يَقولُ إنَّ جَهَنَّمَ تُشيرُ إلى الحياةِ الحاضِرَةِ وإنَّها طَريقة تَصِفُ وَحَسْب أنْ تَعيشَ حَياتَكَ الآنَ مِنْ دونِ الله". "إنَّها ليست مَكانًا..." [فهذا هو ما يَقولُهُ في كِتابِه، أو هذا هو ما يَقولُهُ في خِطابِه] "...إنَّها ليست مَكانًا، بل إنَّ جَهَنَّمَ تُشيرُ إلى حالةِ أولئكَ الَّذينَ فَصَلوا أنفُسَهُم طَوعًا وتَمامًا عنِ اللهِ الَّذي هُوَ مَصدَرُ كُلِّ الحياةِ والفَرَح". إذًا، جَهَنَّم هي حياتُكَ الآن مِن دونِ الله.

"والدَّينونة الأبديَّة تَبقى احتمالاً قائمًا، ولكنَّنا لا نَقدِرُ مِنْ دُونِ إعلانٍ إلهيٍّ خاصٍّ أنْ نَعرِفَ ما إذا كانَ البَشَرُ، أوْ إنْ كانَ بَعضٌ منهم، سيتأثَّرونَ حَقًّا بذلك". فنحنُ لا نَدري مَنْ سيذهبُ إلى هناك! فهذه احتماليَّة، ولكنَّنا لا نَدري مَنْ سيذهبُ إلى هناك! ثُمَّ إنَّهُ قالَ ما يَلي: "لا يَنبغي أنْ نَسمَحَ لفكرةِ جَهَنَّم أنْ تَدفَعَنا إلى القلقِ أوِ اليَأس". أليسَ هذا لُطْفا مِنه؟ فهذا لُطفٌ شَديدٌ مِنه! وكما تَعلمونَ، فإنَّ الشَّيطانَ يُريدُ أنْ يُخَفِّفَ مِنْ رُعْبِ جَهَنَّم. أليسَ كذلك؟ فَهُوَ يُريدُ أنْ يُلغي رُعبَها! وفي مَنْشُورِهِ البَابويِّ الَّذي بعُنوان: "أُمُّ الفادي" (Redemptoris Mater)، قالَ البابا إنَّ الرِّسالة إلى أهلِ أفسُس: "تُعْلِنُ قَصدَ اللهِ الآبِ مُنذُ الأزل ومُخَطَّطَهُ لأجلِ خَلاصِ الإنسانِ في المسيح كَمُخَطَّطٍ عَامٍّ يَشمَلُ البَشَرَ أَجمَعين. وكما أنَّهُم جميعًا داخِلون مُنذُ البَدْءِ في عَمَلِ اللهِ الخَالِق، فَهُمْ مُنذُ الأزَلِ أيضًا، مَوضوع المُخَطَّطِ الإلهيٍّ في الخلاص". إنَّ هذا الكلامَ يَبدو خَلاصًا شُموليًّا في نَظري.

وفي خِطابٍ قَدَّمَهُ في سنة 1995، قال: "المسيحُ جَادَ بِنَفسِهِ فِدىً لِجَميعِ الناس. وبالرَّغمِ مِن ذلك، فبالنِّسبة إلى أولئكَ الَّذين لم يَسمعوا رسالةَ الإنجيل (كما كَتَبْتُ في رسالة الفادي البابويَّة) فإنَّ الخلاصَ مُتاحٌ". وَهُوَ يَتَحَدَّثُ هُنا عن أشخاصٍ لم يَسمَعوا مِنْ قَبل بالإنجيل. "فإنَّ الخلاصَ مُتاحٌ بِطُرُقٍ خَفِيَّة إذْ إنَّ النِّعمةَ الإلهيَّةَ تُعطَى لَهُم بِفَضْلِ ذَبيحةِ المسيحِ الفِدائيَّة مِنْ دونِ عُضويَّةٍ شَكليَّة في الكنيسة. فهي عَلاقة خَفِيَّة. وهي سِرٌّ خاصٌّ بهؤلاءِ الَّذين يَقبلونَ النِّعمة لأنَّهم لا يَعرفونَ الكنيسةَ، بل إنَّهم قد يَرفُضونَها خارجيًّا أحيانًا".

عَجَبًا! إذًا، أنتَ لا تَعرِفُ الكنيسة، ولا تَعرِفُ الإنجيل، ولكنَّكَ بطريقةٍ خَفِيَّةٍ مَا تَخلُص. وهناكَ إنجيليُّونَ كَتَبوا كُتُبًا قالوا فيها الشَّيءَ نَفسَهُ. وقد كَتَبَ البابا: "باستطاعةِ أَتباعِ الدِّياناتِ الأخرى أنْ يَحصُلوا على نِعمةِ اللهِ وأنْ يَخلصُوا بالمسيح بِمَعزِلٍ عنِ الوسائطِ الاعتياديَّة الَّتي أَسَّسَها". وَهُوَ يَقولُ في نفسِ تلكَ الوثيقة الَّتي تَحمِلُ العُنوان "رِسالة الفادي": "الفداء الَّذي يَجلِبُ خَلاصًا للجميع". وهو يَقول: " الرُّوحُ القُدُسُ يُقَدِّمُ لِكُلِّ شخصٍ إمكانيَّةَ الاشتراكِ في السِّرِّ الفِصْحِيِّ بطريقةٍ لا يَعرِفُها إلَّا الله. إنَّ الخَلاصَ الَّذي هُوَ دومًا هِبَة الرُّوح يَقتضي إسْهامَ الإنسانِ في خَلاصِهِ الخَاصِّ، كَما في خَلاصِ الآخرين". إذًا، فَهُوَ يَقولُ إنَّ الخلاصَ هُوَ بالأعمال إذْ إنَّكَ تَتعاوَنُ مَعَ اللهِ؛ ولكِنْ مِنْ دونِ حاجَةٍ إلى أنْ تَعرِفَ الإنجيلَ أو أنْ تَعرِف عنِ المسيح.

لِذا فإنَّهُ يُنكِرُ حَصريَّةَ الخلاصِ مِن خلالِ المسيح، ويُؤكِّدُ شُموليَّةَ الخلاصِ بِمَعنى أنَّ النَّاسَ يُمكن أنْ يَنالوا الخلاصَ مِنْ خلالِ عَمَلِ الصَّلاحِ بأيِّ طريقةٍ يَعرفونَ أنْ يَعمَلوا الصَّلاحَ بها. وهُناكَ شَيءٌ آخَر يَقولُهُ، وَهُوَ مُدهشٌ: "إنَّ شُموليَّةَ الخَلاصِ لا تَعني أنَّهُ لا يُمنَحُ إلاَّ لِلَّذينَ يُؤمنونَ بالمسيحِ إيمانًا صَريحًا. وحيثُ إنَّ الخَلاصَ مُقَدَّمٌ للجميع، فعليه أن يكون مُقَدَّمًا فِعليًّا للجميع. إنَّما مِنَ البَيِّنِ، اليومَ كما في الأمس، أنَّ العديدَ مِنَ البَشَر لا يَملِكونَ إمكانيَّةَ مَعرفَةِ وَحْيِ الإنجيلِ أوْ قَبولِه، ولا حَتَّى دُخول الكنيسة. وحيثُ إنَّ المسيحَ قد مَاتَ عنِ الجميع، وحيثُ إنَّ الدَّعوةَ العُليا لِكُلِّ إنسانٍ مِنَّا تأتي مِنَ اللهِ وإنَّها، بالتَّالي، دَعوة شُموليَّة، يجب علينا أنْ نَعلمَ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُقَدِّمُ للجميعِ إمكانيَّة الاشتراكِ في سِرِّ الفِصْحِ هذا بطريقةٍ ليست مَعروفةً سِوى للهِ وَحدِه".

وَواحِدٌ مِنْ أكثَرِ كُتُبِهِ شُهرةً هو كِتابٌ بِعُنوان: "عُبُورُ عَتَبَةِ الرَّجاء" (Crossing the Threshold of Hope)؛ وهو بَيانٌ قويٌّ وَمَسكونِيٌّ حَقًّا. وهو يَقولُ فيهِ ما يَلي: "إنَّ المُسلِمينَ يَعبدونَ اللهَ الواحِدَ الحَقيقيَّ. والهِندوسيَّة هي وسيلة أُخرى للاحتماءِ باللهِ الواحدِ الحقيقيِّ. والبُوذيُّونَ يَطلُبونَ مَعونَةَ اللهِ مِن أجلِ الحُصولِ على الاستنارةِ الحقيقيَّة". وقد قالَ إنَّ هُناكَ أُمورًا كثيرة مُقدَّسة وصَحيحة في كُلِّ الدِّياناتِ الزَّائفة، وَحَتَّى إنَّ الأَرواحِيَّةَ يُمكِنُ أنْ تُهَيِّئَ قَلبَ المَرءِ لقبولِ حَقِّ المَسيح. وقد قالَ بصورة رئيسيَّة إنَّ اللهَ يُساعِدُ كُلَّ إنسانٍ على تَشكيلِ خَلاصِهِ الخاصِّ بِهِ مِنْ خِلالِ فِعْلِ الخَير. وقد قالَ إنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَعملُ في كُلِّ دِيانَة. وهذه هي الرِّسالةُ الَّتي يُحِبُّ الجَميعُ أنْ يَسمَعوها. أليسَ كذلك؟ ابْقَ حَيثُ أنتَ، وابذُل كُلَّ جُهدٍ مُمكِن.

وقد تقول: وكيفَ يُمكِنُه أنْ يَستَخلِصَ هذه النَّتيجةَ مِنَ الكتابِ المقدَّس؟ إنَّها ليست مِنَ الكتابِ المقدَّس. فإنْ أردتُم أنْ تَعرِفوا ما يُؤمِنُ بهِ بخصوصِ الكتابَ المقدَّس، سأُعطيكُم فِكرة بسيطة عن ذلك. فيوحنَّا بولسُ الثَّاني (شَأنُهُ في ذلكَ شأن كُلِّ الرُّومِ الكاثوليك مُنذُ انعقادِ مَجْمَعِ ترنت) يُنكِرُ تمامًا أنَّ الكتابَ المقدَّسَ هو السُّلطَة المُطلَقة في كُلِّ شؤونِ الإيمانِ والسُّلوكِ والعَقيدة. وقد جاءَ في قراراتِ المَجمعِ الفاتيكاني الثَّاني أنَّ "الكنيسةَ الكاثوليكيَّةَ الرُّومانيَّةَ لا تَنْهَلُ اليَقينَ فيما يَختصُّ بِمُحتوياتِ الوَحْيِ كُلِّها مِنَ الكتابِ المُقَدَّسِ وَحدَهُ، بَل إنَّهُ يجب علينا أنْ نَقبَلَ كُلًّا مِنَ الكتابِ المُقدَّسِ والتَّقليد وَنُجِلَّهُمَا بِعاطفةٍ واحدةٍ مِنَ التَّكريسِ والتَّوقير". وما يَنجُمُ عن ذلك هو أنَّكَ تُنكِرُ ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ، وتُحَرِّفُ وتُشَوِّهُ ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ، وتَختَرِعُ ديانةً أُخرى قائمةً على التَّقليد.

فالكنيسةُ الكاثوليكيَّةُ تَقولُ إنَّ التَّقليدٍ مُساوٍ للكِتابِ المُقَدَّسِ. والكنيسةُ الكاثوليكيَّةُ هي الَّتي تُقَرِّرُ ما هو التَّقليد. وَهُوَ يَقولُ أيضًا بِخُصوصِ الكنيسة إنَّ البابَوات يُقَرِّرونَ المَعنى الحقيقيِّ للكِتابِ المُقدَّس، وَإنَّهُم وَحدُهُم مَن يَعلَمونَ المَعنى الحقيقيَّ للكِتابِ المُقدَّسِ، وإنَّ المَعنى الَّذي يُقَرِّرونَ أنَّهُ المَعنى الصَّحيح يَكونُ مَعصومًا. لِذا، هُناكَ رَجُلٌ يَزعُمُ أنَّهُ رأس الكنيسة، ونائبُ المسيح. وَهُوَ يَنسِبُ إلى نَفسِهِ سُلطةً تَنتمي إلى اللهِ دُوْنَ سِواه. وَهُوَ يُعطي نَفسَهُ حُرِّيَّةَ تَفسيرِ الكتابِ المقدَّسِ بأيِّ طَريقةٍ يَشاء ويَدَّعي أنَّ هذا التَّفسيرَ مَعصومٌ! وفي أثناءِ هذه العمليَّة، بالطَّبع، فإنَّهُ يَتَخَلَّى عنِ المَعنى البَديهيِّ للكِتابِ المُقدَّسِ الَّذي يُعَلِّمُ أنَّ المسيحَ وَحدَهُ هو الطَّريقُ إلى الخلاصِ بالإيمانِ فقط.

ويَكفي حَديثًا عَنهُ. واسمَحوا لي أنْ أُلَخِّصَ كَلامي مِنْ خِلالِ النَّظَرِ إلى البابويَّة نَفسِها لأنَّهُ يُمَثِّلُها. فهو ليسَ خَطِرًا جدًّا كَما كانَ بعضُ البابواتِ الآخرين، وليسَ فاسِدًا أخلاقيًّا كما كانَ بعضُ البابواتِ الآخرين. فَهُوَ شَخصٌ أكثَر نُبْلاً (مِنَ الجانبِ البَشَرِيِّ) مِنْ أشخاصٍ كثيرين. ولكِن اسمَحوا لي أنْ أتحدَّثَ عن ما تُؤكِّدُهُ البابويَّةُ عن ذاتِها. ولَدَيَّ مَرجِعٌ لذلك وَهُوَ "مَبادئُ العقيدةِ الكاثوليكيَّة" (The Fundamentals of Catholic Dogma) مِن إعداد "لودويغ أوت" (Ludwig Ott)؛ وَهُوَ كِتابٌ كُتِبَ في سنة 1952 وَتُرجِمَ إلى الإنجليزيَّة في سنة 1955. وَهُوَ مَرجِعٌ رَئيسيٌّ في فَهمي لِلَّاهوتِ الكاثوليكيِّ على مَدى سَنوات طويلة. وإليكُم بعض الجُمَل الَّتي تَذكُرُها العقيدة الكاثوليكيَّة مِنْ مَرجِعِها الرَّئيسيِّ: "يَمتَلِك البابا صَلاحيَّة قَضائيَّة كاملة وعُليا على الكنيسة كُلِّها، لا فقط في شؤونِ الإيمانِ والأخلاق، بل أيضًا في النِّظامِ الكنسيِّ وَإدارةِ الكنيسة".

وقد أَعلنَ المَجلسُ الفاتيكانيُّ في تَفسيرِهِ لهذه الجُملة: "مَنْ يَقولُ إنَّ لِلْحَبْرِ الرُّومانِيِّ مَهَمَّةَ المُراقبةِ والتَّوجيهِ فقط، لا سُلطانًا كامِلاً أَعظمَ للولاية على الكنيسة جَمعاء، لا فيما يَتعلَّقُ بالإيمانِ والأخلاقِ فقط، ولكِنْ أيضًا فيما يَتعلَّقُ بالنظامِ وسياسةِ الكنيسةِ المُنتشرة في العالم كُلِّه، أو إنَّ لَهُ الجزءَ الأَهَمَّ لا كَمالَ هذا السُّلطانِ الأعظم كُلِّه، أو إنَّ هذا السُّلطانَ ليس عاديًّا ومُباشِرًا على جميعِ الكنائس وعلى كُلِّ واحدٍ منها، كما على جميعِ الرُّعاةِ والمؤمنينَ وعلى كُلِّ واحدٍ منهم، فليَكُن مَلعونًا".

فإنْ شَكَّكْتَ في سُلطَتِهِ بأيَّة طريقة، تَكونُ مَلعونًا. فهي خطيَّة مُميتَة. فهو مُحَصَّنٌ مِنْ أيِّ هُجوم. وَيَمضي المَجْمَعُ قائلًا إنَّ السُّلطَانَ الحَقيقيَّ، والسُّلطانَ الكَوْنِيَّ، والسُّلطانَ الفائِقَ، والسُّلطانَ الكامِلَ هُوَ سُلْطانٌ يَمْلِكُهُ أيُّ بابا لأنَّهُ "يَسودُ باستقلالٍ في أيِّ شأنٍ مِن دونِ مُوافقةٍ مِن أيِّ شخصٍ آخر، وأنَّهُ هُوَ نَفسُهُ لا يُحكَمُ فيهِ مِن أحد لأنَّهُ لا يوجد قَاضٍ أعلى مِنهُ على الأرض". فهو مَلِكُ الأرض. لِذا فإنَّ الفاتيكانَ دَولة مُستقلَّة بِذاتِها لأنَّهُ لا يُمكِن أنْ يَخضَع لأيِّ مَلِك. فهو مَلِكُ العالَم. كذلكَ فإنَّ العقيدةَ الكاثوليكيَّة تقول إنَّ البابا مَعصومٌ عندما يَتكلَّمُ مِنَ الكُرسيِّ البابويِّ. والعِبارة "الكُرسيّ البَابويّ" تُشيرُ إلى مَنصِبِهِ. فعندما يَتكلَّمُ بوصفِهِ البابا، فإنَّهُ مَعصومٌ. والعقيدةُ الكاثوليكيَّة تقول: "اللهُ في السَّماءِ سَيُؤكِّدُ قَرارَ البابا بِصِفَتِهِ الحَبرَ الأعظمَ للإيمان. فَهُوَ مَعصومٌ مِنَ الخطأ".

وبالمُناسبة، فإنَّ عِصمةَ البابا هي شَيءٌ تَمَّ التَّصويتُ عليهِ في سنة 1870. وهذا عَجيب! فقد تَمَّ التَّصويتُ على ذلكَ بأصواتٍ مُنقَسِمَة. إنَّهُ أمرٌ مُدهش! وقد اضطُرُّوا إلى إجراءِ التَّصويتِ مَرَّاتٍ عديدة إلى أنْ أَقَرُّوا ذلكَ. فهو لم يَكُن تَصويتًا بالإجماع. وقد اعتَذَرَ يُوحَنَّا بولُسُ الثَّاني عنِ الإخفاقاتِ التَّاريخيَّةِ للكاثوليك بطريقة مُبهَمَة جِدًّا لأنَّهُ عندما وُوْجِهَ ببعضِ القضايا الَّتي حَدَثَتْ في الماضي، وبعضِ الأمورِ المُحرِجَة مِثلَ الاهتداءِ القَصْرِيِّ، ومُعاداةِ السَّامِيَّة، وبعضِ الأمورِ الفَظيعةِ الَّتي اقتُرِفَتْ، اعتَذَرَ بطريقة مُبهَمَة. ويجب أنْ تَفهموا ما يَلي: كيفَ تَعتَذِر إنْ كُنتَ مَعصومًا؟ فكيفَ يُمكِنُ لكنيسةٍ مَعصومة أنْ تَعتَذِر؟ ولكِن استمعوا إلى مُعتَقَداتِهم. فَهُم لا يُؤمنونَ بأنَّ الكنيسةَ تَتألَّفُ مِنَ العِلمانِيِّين. فالكنيسةُ لا تتألَّفُ مِنَ العِلمانِيِّين. فالعِلمانِيُّونَ هُم أولادُ وبَناتُ الكنيسة، ولكنَّ الكنيسة هي المَحكَمة الرُّومانيَّة؛ أيْ إدارة البابا والكاردينالات والأساقفة والكَهَنة. وعندما يَعتَذِرُ يُوحَنَّا بولس عن إخفاقاتِ الكاثوليك، فإنَّهُ لا يَعني الكنيسة المعصومة الَّتي تَتألَّفُ مِنَ البابا والإدارة البابويَّة. فَهُمْ ليسوا مُذنِبينَ لأنَّهُ ينبغي دائمًا أنْ يُنظَرَ إليهم بوصفِهِم طَاهِرين. فالخطايا ارتُكِبَتْ مِنْ قِبَل أولادِ وبَناتِ الكنيسة الَّذينَ يُؤلِّفونَ العِلمانِيِّين. وهذا سُخْفٌ حَقًّا في ضَوءِ الانحرافِ الجِنسيِّ للكَهَنة الَّذي حاولَ حَتَّى "بِنِدكتُس السَّادس عَشر" (Benedict XVI) أنْ يُخفيهِ تحتَ السِّجَّادَةِ مِن خلالِ تَعليقٍ سَخيفٍ عن نِسبةِ الكَهَنَة المُنحَرِفين (ولكِنَّهُ لم يَستخدِم هذه الكلمة). ولكِنَّ نِسبةَ الكَهَنَة الَّذينَ يَعتدونَ جِنسيًّا على الأطفال لا تَختَلِف عن نِسبةِ الأشخاصِ العادِيِّين.

وهذا كُلُّهُ يُكْنَسُ تحتَ السِّجَّادَة بأسرعِ وقتٍ مُمكِن في مُحاولةٍ لحمايةِ وَهْمِ القَداسَة. والحقيقةُ هي أنَّهُ مِنَ الصَّعبِ أنْ نَعلَمَ مَا إذا كانَ الادِعاءً بالعِصمةِ أكثرَ سُخفًا أوْ أكثرَ شَرًّا. فَهُوَ شَرٌّ لأنَّهُ يَنسِبُ إلى إنسانٍ صِفاتٍ لا تُطلَق إلَّا على الله. وَهُوَ سُخْفٌ لأنَّ البابوات أخطأوا كثيرًا جِدًّا ولأنَّ النِّظامَ كُلَّهُ مُخطئ جِدًّا. ويُمكِنُنا أنْ نَستنتجَ أنَّهم مَعصومونَ في حَقيقةِ أنَّهُم على خَطأ. واسمحوا لي أنْ أَختِمَ بِثَلاثِ أفكار:

أوَّلاً: البابويَّة ليست كِتابيَّة. فهي ليست كِتابيَّة. فلا يوجد دَليلٌ صَغيرٌ واحد في الكتابِ المقدَّسِ على البابويَّة، ولا يوجد أيُّ دَليلٍ على وُجودِ الكاردينالاتِ أوِ الأساقفةِ والكَهَنَةِ والرَّاهبات. فهو كُلُّهُ ابتِداعٌ بَشَريٌّ وشَيطانيٌّ لِإيهامِ النَّاسِ بالرُّوحيَّة والسُّمُوّ. وهذا كُلُّهُ نِظامٌ ابتَدَعَهُ أشخاصٌ أَشرار قادَهُم الشَّيطانُ إلى ابتِداعٍ ديانة زائفة تُعادي الحَقَّ. والسَّببُ في ذلكَ هو السُّلطة، والمَكانَة، والمَال.

وهل يُحاولونَ أنْ يُدَعِّموا البابويَّة مِنَ الكتابِ المقدَّس؟ أجل. استمعوا إلى ما يَلي. ومَرَّة أخرى، فإنَّني أقتَبِسُ مِنْ لاهوتِهم المذكور في كِتاب "لودويغ أوت" (Ludwig Ott) بعُنوان: "مَبادئُ العقيدةِ الكاثوليكيَّة" (The Fundamentals of Catholic Dogma): "لقد عَيَّنَ المَسيحُ الرَّسولَ بولُس ليكونَ أوَّلَ جَميعِ الرُّسُل، وليكونَ الرَّأسَ المَنظورَ للكنيسةِ بأسرِها مِنْ خِلالِ تَعيينِهِ مُباشرةً وشخصيًّا أَوَّليَّةَ الوِلاية". وما يَفعلونَهُ هو أنَّهُم يَعودونَ إلى الوراء ويقولونَ إنَّ بُطرسَ كانَ أوَّلَ حَبْرٍ عَيَّنَهُ المسيح. "ويَقولُ مَجمَعُ الفاتيكان: "إنْ قالَ أحدٌ..." [وهذا صَدَرَ في سنة 1823] "إنْ قالَ أحدٌ إنَّ الرَّسولَ المُطَوَّبَ بُطرس لَمْ يُقِمْهُ المسيحُ رَبُّنا رَئيسًا على جَميعِ الرُّسُل ورَأسًا مَنظورًا للكنيسةِ المُجاهِدَة، أو إنَّ هذا الرَّسولَ عَينَهُ لم يَتَسَلَّم مُباشَرَةً وفَورًا مِنْ رَبِّنا يسوعَ المسيحِ سِوى أَوَّلِيَّة شَرَفِيَّة، لا أَوَّلِيَّةِ وِلايَة حَقيقيَّة وبالمَعنى الصَّحيح، فليَكُن مَلعونًا". فإنْ أَنكَرتَ بَابويَّة بُطرُس، تَكونُ مَلعونًا. تَكونُ مَلعونًا. لِذا، إنْ قُلتَ إنَّ البابا ليسَ خَليفَةَ بُطرس، تَكونُ أيضًا مَلعونًا (بِحَسَبِ قَوْلِ "أوت" (ott).

وهُناكَ اختبارٌ كِتابِيٌّ آخَر يُخفِقُ فيهِ النِّظامُ الكاثوليكيُّ الرُّومانِيُّ إخفاقًا شَديدًا. فلا يوجد تِلميذٌ واحدٌ للعهدِ الجديد يُنكِر أنَّ بُطرسَ مُهِمٌّ. فهو مُهِمٌّ، رَسولٌ مُهِمٌّ، وقائدٌ، وناطِقٌ باسمِ التَّلاميذِ الاثني عَشَر. وَهُوَ يأتي في رأسِ اللَّوائحِ الأربعِ الَّتي تَذكُرُ أَسماءَ الرُّسُلِ الاثني عَشَر. فهو دائمًا في رأسِ اللَّائحة. فقد كانَ نَاطِقًا رَسميًّا بِلِسانِهم. ولكنِّي لا يُمكِنُ أنْ أُسَمِّيهِ "قَداسَة البَابا" أو أيَّ شَيءٍ مِن هذا القَبيل. فقد كانَ ضَعيفًا، وأنانيًّا، وخاطئًا، وجبانًا، وغيرَ أمين. صحيحٌ أنَّهُ رُبَّما ذَهَبَ إلى رُوما، وأنَّهُ رُبَّما ماتَ في رُوما، ولكِنْ لا يوجد دَليل على ذلك. فَهُم يقولونَ إنَّهُ ذَهبَ إلى رُوما، وإنَّهُ كانَ رَاعي الكنيسة في روما، وإنَّهُ ماتَ في رُوما، ودُفِنَ في رُوما. ويُفتَرَضُ أنَّ كنيسةَ القِدِّيس بُطرس بُنِيَت في المكانِ الَّذي دُفِنَ فيه. ولكِنْ لا يوجد أيُّ دليلٍ على ذلكَ. ولكِنَّنا نَعلَمُ شيئًا واحدًا على وَجْهِ اليَقين وهو أنَّهُ لم يَرْعَ يومًا كنيسةً في رُوما (إنْ كانَ قد ذَهَبَ أصلاً إلى هُناكَ). وكيفَ نَعلمُ ذلك؟ لقد كَتَبَ بولسُ رسالَتَهُ إلى أهلِ رُومية في سنة 56 ميلاديَّة دُوْنَ الإشارةِ إلى بُطرس. ولو كانَ بُطرسُ موجودًا في روما، فإنَّهُ كانت هناكَ كنيسة أصلاً. ولو كانَ بُطرسُ هو راعي الكنيسة هناكَ في رُوما، لماذا لا يُشيرُ بولسُ إلى بُطرس؟ فَهُوَ يُحَيِّي أشخاصًا كثيرينَ في الأصحاحِ السَّادِس عَشَر. فهو يَستمرُّ في تَوجيهِ التَّحيَّةِ إليهم الواحِدَ تِلوَ الآخر، تِلو الآخر، تِلو الآخر. وقد كانَ خَطَأً جَسيمًا أنْ لا يُوَجِّهَ التَّحيَّةَ إلى بُطرُس.

وعندما سُجِنَ بولُس لاحقًا في روما في سنة 60-62 ميلاديَّة، كَتَبَ أربعَ رسائل، وَذَكَرَ في تلكَ الرَّسائل كُلَّ الَّذينَ زَاروه. ولكنَّهُ لم يَذكُر مَرَّةً بُطرس. وفي رسالَتِه الأخيرة (أيْ رسالَتِهِ الثَّانية إلى تيموثاوس) الَّتي كَتَبَها في سنة 64 ميلاديَّة تقريبًا، فإنَّهُ يُوَجِّهُ التَّحيَّةَ إلى عَشرةِ أشخاصٍ في رُوما؛ ولكنَّهُ لا يَذكُرُ بُطرس. لا يَذْكُرُ بُطرُس. وبالمُناسَبة، فإنَّ بُطرسَ لم يُدْعَ يومًا إلى الكِرازةِ إلى الأُمَم بأيِّ حَال. وفي رسالةِ بُولُس إلى أهلِ غَلاطيَّة 2: 7-8، ولَعَلَّكُم تَرغبونَ في النَّظرِ إلى هذا المَقطعِ قليلاً. رسالة غلاطيَّة 2: 7-8: "إِذْ رَأَوْا أَنِّي اؤْتُمِنْتُ [والمُتَكَلِّمُ هُنا هو بُولُس] عَلَى إِنْجِيلِ الْغُرْلَةِ [أيِ الأُمَم] كَمَا بُطْرُسُ عَلَى إِنْجِيلِ الْخِتَانِ". فَبُطرُس لم يُدْعَ يومًا ليكونَ راعيًا لكنيسةٍ أُمَمِيَّة أو لتوصيلِ الإنجيلِ للأُمَم. لم يُدْعَ يَومًا. ونحنُ نَقرأُ في رِسالةِ غلاطيَّة 2: 11-14 أنَّهُ عندما جاءَ بُطرُسُ إلى أنطاكِيَّة، اضْطُرَّ بولسُ إلى مُقاوَمَتِهِ مُواجَهَةً لأنَّهُ كانَ مَلُومًا بسببِ رِيائِهِ الشَّديدِ المُريع. وَهُوَ الَّذي أَنكَرَ الرَّبَّ (كَما تَعلمون). وَهُوَ الَّذي عَصَى الرَّبَّ. وَهُوَ الَّذي كانَ جَبانًا.

وبالمُناسبة، فإنَّ رأسَ الكنيسةِ في أورُشَليم ... فَرُبَّما تَظُنُّونَ أنَّ بُطرُسَ كانَ على الأقَلِّ رأسَ الكنيسةِ في أورُشليم، ولكنَّهُ لم يَكُن كذلك. فبحسبِ ما جاءَ في رسالة غلاطيَّة والأصحاحِ الثَّاني، وسِفرِ أعمالِ الرُّسُل والأصحاح 15، فإنَّ رأسَ الكنيسةِ في أورُشليم كانَ يَعقوب. فقد كانَ يَعقوب، وليسَ بُطرُس على الإطلاق. ولا توجد أيُّ إشارة على الإطلاق إلى أنَّ بُطرسَ كانَ لَهُ أيُّ شأنٍ بمدينة رُوما. وفي رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح الأوَّل، يُخاطِبُ الرَّسولُ بولس التَّحَزُّبات الَّتي ظَهَرَتْ في كنيسةِ كورنثوس. فهو يقول إنَّ "كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يَقُولُ: «أَنَا لِبُولُسَ»، وَ «أَنَا لأَبُلُّوسَ»، وَ «أَنَا لِصَفَا» [أيْ: بُطرُس]، وَ «أَنَا لِلْمَسِيح»". فَهُوَ لا يَستَثني بُطرس. وَهُوَ لا يُعَظِّمُ بُطرُسَ على الإطلاق. والحقيقة هي أنَّهُ يُبَيِّنُ بوضوحٍ تامٍّ أنَّهُ مَا مِن أحدٍ مِن هؤلاءِ الأشخاصٍ مُهِمٌّ بصورة خاصَّة. فَهُمْ ليسوا الأشخاصَ الَّذينَ يَستحقُّونَ المَدْحَ على عَمَلِ الله. افتحوا على الأصحاحِ الثَّالث: "فَمَنْ هُوَ أَبُلُّوسُ؟ وَمَنْ هُوَ بُولُسُ؟ بَلْ خَادِمَانِ آمَنْتُمْ بِوَاسِطَتِهِمَا...أَنَا غَرَسْتُ وَأَبُلُّوسُ سَقَى، لكِنَّ اللهَ كَانَ يُنْمِي". وهي طريقة مُتواضِعَة جِدًّا في النَّظرِ إلى نَفسِك. فهو لا يُعَظِّمُ أيَّ شخص. كذلكَ، فإنَّ بولسَ ذَهبَ إلى رُوما كي يَكرِز. وفي رسالة رومية 15: 20، يَقول: "وَلكِنْ كُنْتُ مُحْتَرِصًا أَنْ أُبَشِّرَ هكَذَا: لَيْسَ حَيْثُ سُمِّيَ الْمَسِيحُ". فلو كانَ بُطرسُ في رُوما، وكانَ قد زَرَعَ كنيسة، لَما كانَ ذلكَ صَحيحًا. فهو لم يَذهب إلى أيِّ مَكانٍ كانَ يوجدُ فيهِ خادِمٌ آخر. فلو كانَ بُطرسُ أُسقُفَ رُوما، لِماذا أرادَ بولسُ أنْ يَذهبَ إلى هُناك كي يُقَوِّي ويُرَسِّخَ تلكَ الكنيسة؟

وفي رسالة بُطرس الأولى ... لِنَسمَع ذلكَ مِن بُطرُس نَفسِه. رسالة بُطرس الأولى والأصحاح الأوَّل: "بُطْرُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ". فهذا هو كُلُّ ما في الأمر. فَهُوَ رَسولُ يَسوعَ المسيح. فهو يُقَدِّمُ نَفسَهُ بتلكَ الصِّفَةِ فقط، لا الرَّسولُ الوَحيدُ، ولا رأسُ الكَنيسة. وفي رسالة بُطرس الأولى والأصحاح 5: "أَطْلُبُ إِلَى الشُّيُوخِ الَّذِينَ بَيْنَكُمْ، أَنَا الشَّيْخَ رَفِيقَهُمْ". بِصِفَتي شَيخًا رَفيقًا لَكُم. فأنا واحِدٌ مِنكُم وَحَسْب. فأنا مُجَرَّدُ شَرِيكٍ في الْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُعْلَنَ. "ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ نُظَّارًا، لاَ عَنِ اضْطِرَارٍ بَلْ بِالاخْتِيَارِ [بحسبِ مَشيئةِ اللهِ]، وَلاَ لِرِبْحٍ قَبِيحٍ بَلْ بِنَشَاطٍ. وَلاَ كَمَنْ..." [وَلاحِظُوا هُنا ما يَقول في العدد الثَّالث] "وَلا كَمَنْ يَسُودُ عَلَى الأَنْصِبَةِ". وهذه ضَربة مُباشِرة إلى البابويَّة. فنحنُ مُجَرَّدُ شُيوخٍ رُفقاء. لا تَتَسَلَّطُوا على القَطيع. فبُطرُسُ نَفسُهُ عَلَّمَ، في الحقيقة، ضِدَّ الكَهنوتِ الَّذي تأتي البابويَّةُ فيهِ، بِكُلِّ تأكيدٍ، في الرُّتبَة العُليا. وهُوَ يَقولُ في رسالة بُطرس الأولى 2: 5: "كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا". وَهَذا هُوَ ما يُعْرفُ لدينا بِكَهنوتِ المُؤمِنين. وفي العدد 9: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ". فلا يوجد كَهنوتٌ خاصٌّ، بل كَهنوتُ المؤمنينَ جميعًا.

وبالمُناسَبة، فإنَّ بُطرسَ يَختفي تمامًا بعدَ أعمال الرُّسُل والأصحاح 15. تَمامًا. ولكِنْ بالرَّغمِ مِن هذا كُلِّه، فإنَّ الكنيسةَ الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة تُؤكِّد أنَّ بُطرسَ كانَ أوَّلَ بَابا، وأنَّهُ رَأسُ كُلِّ الكنيسة، وأنَّهُ مُؤسِّسُ الخِلافةِ البابويَّة. فَمِنْ أينَ جاءوا بذلك؟ لقد جاءوا بذلكَ مِنْ ثلاثةِ مَقاطِع أُسيءَ تَفسيرُها تَمامًا وهي: إنجيل مَتَّى والأصحاح 16، وهي آية تَعرفونها: فقد قالَ يَسوع: "أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنـِــي كَنِيسَتِي". "أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنـِــي كَنِيسَتِي". وَهُوَ تَلاعُبٌ بالكلمات. فهو لا يَقولُ: "أنتَ بُطرُس، وعليكَ أَبني كنيسَتي". أنتَ بُطرُس ... "بيتروس" (Petros) ... "بيتروس" أيْ: "حَجَر صَغير". وعلى هذه الـ "بِترا" (Petra) أيِ: "الصَّخرة الكبيرة"، أَبني كنيسَتي. وما هي هذه الصَّخرة الكبيرة؟ إنَّها صَخرةُ حَقيقةِ المسيح. "فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ [في العدد 16] وَقَالَ: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!» فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «طُوبَـى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ [حَجَرٌ صَغيرٌ]، وَ [لَكِن] عَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ [أيْ على شَخصي أنا] أَبْنـِــي كَنِيسَتِي".

كيفَ يُمْكِنُهم أنْ يُسيئوا تَفسيرَ هذا النَّصِّ؟ فاللُّغَة واضحة جدًّا. ثُمَّ نَقرأُ في العدد 19؛ وَهُوَ عَدَدٌ يُحِبُّونَهُ: "وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاوَاتِ". ويا للعَجَب! فقد يَبدو هذا سُلطانًا! فأنتَ تَفتَح وتُغلِق. فَالشَّخصُ الَّذي يَتحكَّمُ في البابِ هو المَسؤول. وأنتَ ستُقَرِّر مَن سيَدخُل وَمَنْ سيَبقى خارِجًا. أَلا يَقولُ ذلكَ لبُطرس؟ أجل لأنَّهُ كانَ يَصِحُّ على بُطرُس. ولكنَّهُ لم يَقصِر ذلكَ على بُطرس وَحدَهُ. فإنْ نَظرتُم إلى الأصحاح 18 (وَهُوَ المَقطعُ الَّذي يَتحدَّثُ عنِ التَّأديب)، فإنَّهُ يَقولُ لأيِّ مُؤمِنٍ ابتداءً بالعَدد 15: "وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، فَخُذْ مَعَكَ أَيْضًا وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ، لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ [جَميعًا]: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاءِ". فَبُطرسُ لم يُعْطَ أيَّ سُلطانٍ لا يَملِكُهُ كُلُّ مُؤمِن. فهو الشَّيءُ نَفسُه.

إذًا، ما هو هذا السُّلطان؟ إنَّهُ السُّلطانُ الَّذي يُعطيكَ الحَقَّ في أنْ تَقولَ لشخصٍ ما: "لقد غُفِرَتْ خَطاياكَ" أو "إنَّ خَطاياكَ لم تُغفَر" على أيِّ أساس؟ على أساسِ إيمانِهِ وَتَوبَتِهِ. فإنْ كانَ لَديكَ السُّلطانَ في أنْ تَقولَ لشخصٍ ما: "يُمكِنُكَ أنْ تَدخُلَ الملكوتَ وَفْقًا لِتَجاوُبِكَ معَ الإنجيل"، يُمكِنُكَ إذًا أنْ تَقولَ لَهُ: "أنتَ مَحلولٌ مِنْ خطاياكَ لأنَّكَ آمَنْتَ بالمسيح". ويُمكِنُكَ أنْ تَقولَ لشخصٍ آخر: "أنتَ مَربوطٌ بخطاياكَ لأنَّكَ تَرفُضُ المَسيح". ويُمكِنُكَ أنتَ أنْ تَقولَ ذلكَ، ويُمكنُني أنا أن أقولَ ذلك، ويُمكِنُ لِبُطرس أنْ يَقولَ ذلك، ويُمكنُ لأيِّ شخصٍ أن يَقولَ ذلك. فنحنُ نَملِكُ ذلكَ السُّلطانَ بحسبِ تَجاوُبِ النَّاسِ. والبابا مُخطئٌ في أنْ يَقولَ إنَّنا لا نَعرِفُ السِّرَّ المُختصَّ بِمَنْ سيذهبُ إلى السَّماءِ وَمَنْ سيذهبُ إلى جَهَنَّم. بَلى، نحنُ نَعرِف. ونحنُ نَملِكُ السُّلطانَ في أنْ نَقولَ: "أنتَ داخِلَ الملكوت" وَ "أنتَ خارِجَ المَلكوت"، أو: "لقد غُفِرَتْ خَطاياكَ" أو: "إنَّ خَطاياكَ لم تُغفَر" وَفْقًا لِتَجاوُبِ الشَّخصِ معَ المسيح.

وَهُم يَستخدِمونَ أيضًا آيةً أُخرى وهي لوقا 22: 31. لوقا 22: 31 إذْ يَقولُ يَسوع: "سِمْعَانُ، سِمْعَانُ، هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ! وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ. وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ". فَهُمْ يَقولونَ إنَّ هذهِ الكلماتِ هي بِمَثابَةِ إعلانٍ عن سُلطَتِهِ البابويَّة العُليا. ولكِنَّهُم هُنا يُشَوِّهونَ المَعنى الصَّحيح. فَهُوَ يَقولُ لَهُ: "سوفَ أَسمحُ للشَّيطانِ أنْ يُغَربِلَكُم، ولكِنَّ إيمانَكَ لن يَفنى. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّكَ سَتُنكِرُني: "قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ دِيكٌ" (كما جاءَ في العدد 34). ولكِنِّي سَأرُدُّكَ ثانيةً. ثَبِّتْ إخوَتَكَ. لِذا فإنَّهم يقولونَ إنَّ هذه هي المأموريَّة الكبيرة في أنْ يكونَ البابا هو المُثَبِّت الأعظم والأَعلى. ومَرَّةً أُخرى نقولُ إنَّهُم يُفَسِّرونَ ذلكَ النَّصَّ تَفسيرًا مُشَوَّهًا.

والآيةُ الأخرى الَّتي يَستخدِمونَها هي يوحنَّا 21. يوحنَّا 21. ويجب عليَّ أن أَستمرَّ في تَذكيرِ النَّاسِ بأنَّهم يَستخدمونَ الآياتِ الكِتابيَّة، ولكنَّهم ليسوا بحاجة إلى ذلك لأنَّهم يَخترعونَ العقائدَ وَحَسْب! فنحنُ نَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 21: 15: "فَبَعْدَ مَا تَغَدَّوْا قَالَ يَسُوعُ لِسِمْعَانَ بُطْرُسَ: «أَتُحِبُّنِي؟» قَالَ لَهُ: «نَعَمْ يَا رَبُّ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ». قَالَ لَهُ: «ارْعَ خِرَافِي» ... قَالَ لَهُ أَيْضًا ثَانِيَةً: «ارْعَ غَنَمِي» ... قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: «ارْعَ غَنَمِي»". وَهُمْ يَقولونَ إنَّهُ مِنْ خِلالِ هذه المأموريَّة الثُّلاثيَّة المُعطاة لِبُطرُس، فإنَّهُ جَعَلَ بُطرسَ رَئيسَ الرُّعاةِ. ولكِنْ لا! ففي رسالة بُطرس الأولى والأصحاحِ الخامس (وَهُوَ مَقطَعٌ قرأتُهُ لكم قبلَ قليل) فإنَّهُ يَقولُ: "أنا مُجَرَّدُ شَيخٍ رَفيقٍ تَحتَ رَئيسِ الرُّعاةِ". ولكِنَّهُم يَقولونَ إنَّهُ مِنْ بُطرُس فصاعِدًا، هناكَ سِلسِلَة لا تَنقَطِع مِنَ الخِلافة البابويَّة. وهذا غَريب! فأوَّلُ شخصٍ صَارَ "بابا" في الحقيقة في القرنِ السَّادسِ الميلاديّ. ثُمَّ إنَّهُم اضْطُرُّوا إلى العَودةِ إلى الوراءِ، وإلى اختيارِ أشخاصٍ يُمكِنُ أنْ يَملأوا بِهم الثّغرات إلى زَمَنِ بُطرس. ويا ليتَ الوقتُ يَسمَحُ بأنْ أُحَدِّثَكُم عن تاريخِ البابويَّة. فهي قصَّة واحدة بَغيضَة. ولكِنْ تَذَكَّروا وَحَسْب أنَّهُ لم يَكُن يوجد أيُّ شخصٍ في مَنصِبِ البابا رَسميًّا حَتَّى سنة 600 ميلاديَّة. وقبلَ ذلك، كانَ هناكَ أشخاصٌ مُتَسَلِّطونَ في الكنيسة ... الكنيسة المُؤسَّسِيَّة. فقد كانَ هُناكَ أشخاصٌ مُتَسَلِّطونَ في الكنيسةِ في رُوما والقُسطنطينيَّة وأماكِن أخرى، نَحوَ خَمسة مِن هؤلاءِ الأشخاص البارِزين. فقد كانت مَعركة مِن أجلِ السُّلْطَة.

وقد أرادَ أُسقُف رُوما (بسببِ أنَّ رُوما كانت مُهِمَّة) أرادَ أن يكونَ رأسَ كُلِّ شيء. وقد حَقَّقَ أخيرًا رَغبَتَهُ بعدَ تاريخٍ طويلٍ غير سَارّ. ولكِنْ كانت هناكَ فَتْراتٌ مِنَ الزَّمَن لم يَكُن يوجد فيها أُسقُف في رُوما قَطّ. فَمِن سنة 304 إلى 348، وَمِن سنة 638 إلى 640، وَمِن سنة 1085 إلى 1086، وَمِن سنة 1241 إلى 1243، وَمِن سنة 1267 إلى 1271، وَمِن سنة 1292 إلى 1294، وَمِن سنة 1314 إلى 1316، وَمِن سنة 1415 إلى 1417 لم يَكُن هُناكَ أيُّ أُسقُف. والنُّقطةُ الَّتي أُريدُ أنْ أُبَيِّنَها هي أنَّهُ لا توجد أيَّة خِلافَة هُنا. فَمِنَ المؤكَّدِ أنَّهُ لا توجد أيَّة خِلافة وَضَعَها اللهُ. فالبابويَّة كانت تُشتَرى وتُباعُ وَتُقايَض. وهي شيءٌ تَمَّ اختراعُهُ وَأُعيدَ اختراعُهُ ثانيةً. وفي أوقاتٍ مُعَيَّنة، كانَ هناكَ ثلاثة أشخاص يَدَّعي كُلٌّ مِنهُم أنَّهُ البابا في الوقتِ نَفسِهِ ويَتنازَعونَ على السُّلطة. وقد اشتَرى "الإسكندرُ السَّادِسُ" (Alexander VI) البابويَّة على سَبيلِ المِثال. وكانَ قدِ اشترى أصواتًا كَافِيَةً. وقد فازَ بأغلبيَّةِ الأصواتِ حينَ صَوَّتَ لنفسِه. وفي عَهدِهِ، كانَ الفاتيكان (بحسبِ قَولِ المُؤرِّخين) مَضرَبَ المَثَلِ في العَرْبَدَة. وَمِنَ الأمثلةِ على ذلك "وَليمةُ الكَسْتَناء" (the banquet of chestnuts) الَّتي حَضَرَتها خَمسونَ أو أكثر مِنَ العاهِراتِ اللَّاتي رُحْنَ يَتَلَوَّيْنَ وَيَزْحَفْنَ عَارياتٍ في وَسْطِ شُموعٍ مُشتَعِلَة لالتقاطِ حَبَّاتِ كَسْتَناء مَنثورَة على الأرض. ثُمَّ عَمِلْنَ في ما بعد على التَّرفيهِ عنِ الضُّيوفِ بطريقةٍ مُبْتَذَلَة.

ويَقولُ أحدُ المُؤرِّخين: "بمجيءِ الإسكندرِ السَّادِس، أَطْلَقَتِ البابويَّةُ العِنانَ بِكُلِّ قُوَّة لانحلالِها الأخلاقيِّ". فَمُسَلسَلُ المُمارساتِ الإباحيَّة في تاريخِ البابويَّة صَاعِقٌ ... صَاعِقٌ جِدًّا. فقد اشتُرِيَتِ البابويَّة، وبيعَت، واقتَتَلوا عليها، وقَتَلوا لأجلِها ... بابوات عَديدين. وهُناكَ لوائِح مُتناقضة بالبابواتِ تَحمِلُ أسماءً مُختلِفة وأرقامًا مُختلفَة. ولو لم يَكُن الأمرُ مأساويًّا جِدًّا لكانَ نُكْتَةً. والحقيقةُ هي أنَّهُ قبلَ أنْ يَصيرَ "غريغوريوس الكبير" (Gregory the Great) هُوَ البابا (مِن سنة 590 إلى 604)، لم يَكُن هناكَ أيُّ بابا بِصِفَة مَشروعة. ولكنَّهُم يَزعُمونَ أنَّهُ مِنْ بُطرُس فصاعِدًا، كانَت هُناكَ خِلافَة. وهُناكَ وثائق زائفة ومُزَوَّرة أُعِدَّتْ بِقَصْدِ إثباتِ ذلك. لِذا، يُمكِنُكُم حَرفيًّا أنْ تَنقُضوا البابويَّة لأنَّهُ لا توجد خِلافة رَسوليَّة. فالدَّعوى سَخيفة ... سَخيفة تَمامًا. فقد كانت مَعركة كبيرة وَحَسْب مِن أجلِ السُّلطة، ثُمَّ أَرادوا أنْ يُثَبِّتُوا تلكَ السُّلطة. فحالما تَرَكَّزَتْ حولَ الأُسقُفِ في رُوما وصارَ هُوَ البابا، أرادَ أنْ يُؤكِّدَ ويُعَظِّمَ سُلطانَهُ. لِذا فقدِ ابتَكَرَ فِكرةَ الخِلافة وابتدأَ يَملأُ الفَجواتِ التَّاريخيَّة بالعَودة إلى الوراء.

إذًا، البابويَّة ليست كِتابيَّة. ثانيًا، إنَّها ليست مُقَدَّسة. ويُمكِنُكُم أن تَقرأوا عنها بأنفُسِكُم. فيُمكنكم أن تَقرأوا تاريخَ البابويَّة. فهي مُريعة حَقًّا. وهي خاطئة جِدًّا. وبالرَّغمِ مِن ذلك، فإنَّ "الموسوعةَ الكاثوليكيَّةَ الجديدة" (The New Catholic Encylopedia) تَزْعُمُ أنَّ الشَّخصَ الَّذي يَحصُل على الأسرارَ المُقَدَّسَةَ (أيِ الباب)، وأولئكَ الَّذينَ يَنتخبونَ البابا ينبغي أنْ يَتَّصِفوا "بِصَلاحٍ فائقٍ وَدائمٍ في حياتِهِم؛ ولا سِيَّما بِالطَّهارة الكاملة". لِذا فإنَّ البابا كامِلٌ وينبغي أنْ يَتِمَّ انتخابُهُ مِنْ قِبَلِ رِجالٍ كَامِلين. وَمِنَ الواضِحِ أنَّ هذا مُستحيل. ولا أُجانِبُ الصَّوابَ إنْ قُلتُ إنَّ البابويَّة هي أكبرُ خُدعة في العَالَم. فهي أكبرُ خُدعة على الإطلاق. فالبابواتُ الَّذينَ كانوا يَزْنونَ ويُقَدِّمونَ الرَّشَاوَى ويَقتُلونَ (مَعَ أنَّ بعضًا منهم كانوا أشخاصًا صَالِحينَ بالمَفهومِ البَشريِّ) يُلَطِّخونَ صَفَحاتِ هذا التَّاريخِ ويَجعلونَ مِنَ المُستحيلِ أنْ نَرى مِنْ خِلالِهم عَمَلَ اللهِ أوْ أيَّ خِلافَة رَسوليَّة.

وحيثُ إنَّ وَقتي قدِ انتَهى، اسمَحوا لي أنْ أَقولَ لكم فِكرةً أخرى. فالبابويَّة ليست كِتابيَّة. وهي ليست مُقَدَّسة. وهي مُتَصَلِّفَة وَوَثنيَّة. فالبابا يَملِكُ الحَقَّ في إعلانِ حُكْمِ العَزْلِ على أيِّ سُلطة على الأرض. فهذا هو ما تَقولُهُ البابويَّة. وهذا يَعني أنَّ البابا هو مَلِكُ العالَم. فهو يَستطيعُ أنْ يَخلَعَ أيَّ مَلِكٍ. والموسوعةُ الكاثوليكيَّة تَقول: "نحنُ نُعلِنُ، ونحنُ نَقولُ، ونحنُ نُحَدِّدُ، ونحنُ نَعِدُ أنَّ كُلَّ كائنٍ ينبغي أنْ يَخضَعَ للحَبْرِ الرُّومانِيّ". فالبابا هو رَئيسُ القُضاةِ، حَتَّى في القوانينِ المَدنيَّة. وهو لا يُمكِن أن يكونَ تحتَ أيِّ التزامٍ تُجاهها. فَهُوَ فوقَ كُلِّ قانون. وَهُوَ فوقَ كُلِّ المُلوك. وفي تَكريسِ أساقفةِ الكنيسةِ الرُّومانيَّة، هناكَ قَسَمُ وَلاءٍ للبابا. فعندما تَتِمُّ رِسْامَةُ أُسقُفٍ، يجب عليهِ أنْ يُدْلِي بِقَسَمِ الوَلاء. وهذا هُوَ ما يَقولُهُ في هذا القَسَم: "أَتَعَهَّدُ أنْ أبذُلَ كُلَّ جُهدٍ لديَّ في مُحاربةِ ومُقاومةِ كُلِّ الهَراطقةِ، والمُنْشَقِّينَ، وأولئكَ الَّذينَ يَتَمَرَّدونَ على سَيِّدِنا البابا وَكُلِّ خُلفائِهِ. لِذا، لِيَكُنِ اللهُ في عَوْني، وكذلكَ أناجيلُ اللهِ المُقدَّسَةِ هذهِ".

لِذا فأنتَ تَتعهَّد بأنْ تُحارِبَ أيَّ شخصٍ يَتَمَرَّد على البابا. وأينَ التَّواضُعُ في هذا؟ فالكنيسةُ الرُّومانيَّةُ هي نِظامٌ ضَخْمٌ مِنَ العِبادةِ الكَنسيَّة، وعِبادةِ الأسرارِ المُقدَّسة، وعِبادة مَريم، وعِبادة القِدِّيسين، وعِبادة الأيقونات، وعِبادة الذَّخائِر، وعِبادة الكَهَنة، وعِبادة البابا. وقد كانَ "جيه.سي. رايل" (J.C. Ryle) مُحِقًّا حينَ قال إنَّها عِبادة وَثنيَّة ضَخمة مُنَظَّمَة. رَجُلٌ يَرتدي تاجًا ذَهبيًّا مُرَصَّعًا بثلاثِ طَبَقاتٍ مِنَ المُجَوهراتِ الَّتي يُقَدَّرُ ثَمَنُها بالملايين؟ وَثَوْبُ كاردينال ثَمَنُهُ عَشَراتِ الآلافِ مِنَ الدُّولارات؟ لقد قالَ بُطرس: ’لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلاَ ذَهَبٌ! ليسَ لي!‘ وقد قالَ بولُس: ’فِضَّةَ أَوْ ذَهَبَ أَوْ لِبَاسَ أَحَدٍ لَمْ أَشْتَهِ‘.

أمَّا البابا فَهُوَ مُحاطٌ بِكُلِّ مَظاهِرِ الأُبَّهَةِ المُتَصَلِّفَةِ المُذهِلة. وَمَسرَحُها هُوَ مُجَرَّدُ مَسرَحٍ يَعرِضُ فقط صُورَةً وَهميَّةً عنِ اللهِ، وصُورةً وَهميَّةً عنِ السُّمُوِّ، وصُورةً وَهميَّةً عنِ الرُّوحيَّة. فهو عَرْضٌ مُبَهْرَجٌ للثَّراء. وهو انغماسٌ سَافِرٌ في المَباني السَّخيفة والأثوابِ السَّخيفة، والتِّيجانِ والعُروشِ مِنْ أجلِ وَضعِ غِطاءٍ وَقِناعً على نِظامٍ خاطئٍ يُشبِهُ القُبورَ المُبَيَّضَةَ الَّتي أَشارَ إليها يَسوع".

فَلَم يَكُن هناكَ يومًا شَيئًا شَبيهًا بالتَّتويجِ البَابويِّ قبلَ القَرنِ العاشِرِ الميلاديِّ. والآن، صارَ العالَمُ مَفتونًا بذلكَ كما لو أنَّها ديانة حقيقيَّة. وقد قُلتُ هذا قبلَ بِضعة أسابيع (في أثناءِ دراسَتِنا لإنجيل لوقا). فَكُلَّما زادتِ الطُّقوسُ، وزادتِ الأسرارُ، وزادتِ الطُّقوسُ، زادَ الارتداد. والبابا يُناقِضُ مُباشَرَةً كُلَّ شيءٍ في الكتابِ المقدَّسِ ويُرَفِّعُ نَفسَهُ عاليًا كما لو كانَ أعظمَ شخصٍ على الأرض. ونحنُ، يا أصدقائي، لا نُخطئُ إنْ قُلنا إنَّ ضِدَّ المسيحِ الأخير سيكونُ أَحَدَ البابَوات. والآيةُ كولوسي 1: 18 تَتحدَّثُ عنِ المسيح: "وَهُوَ رَأسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ". فَمَنِ الَّذي يَتَبَوَّأُ المكانةَ الأولى في كُلِّ شيء؟ المَسيح. المَسيح. ولكنَّهُم ابتَكروا نِظامًا ذَكِيًّا. فكيفَ تَحفَظُ الخطأ؟ وكيفَ تُخَلِّدُ الخطأ؟ بأنْ تَجعلَ البِدعةَ شيئًا مَعصومًا، ورأسَ الهَراطِقَةِ شخصًا لا يُمكِنُ المَساسُ بِهِ، وصاحِبَ سُلطَة لا يُمكِنُ إصلاحُها، وَصاحِبَ سُلطة مُطلَقة. لِذا، مِنَ المُحتَمَلِ أنْ يكونَ ضِدُّ المسيحِ الأخير أحدَ البابوات لأنَّ ضِدَّ المسيحِ الأخير سيكونُ قائدًا عالميًّا مُهَيمِنًا. وَهُوَ لن يكونَ خاضِعًا لأيِّ قائدٍ عالَمِيٍّ آخر. وَهُوَ سَيُقَلِّدُ المسيح. فَهُوَ ضِدُّ المسيح، أوْ مَسيحٌ كَاذِب. وَهُوَ سيَمتلِكُ سُلطانًا دَوليًّا. وَهُوَ سيكونُ أُمَمِيًّا. ونِظامُهُ، كما يَبدو مِنْ خِلالِ سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 17، سَيُدارُ مِنْ رُوما.

وإنْ كانَ بمقدورِ البابا أنْ يَخدعَ الإنجيليِّينَ، يبدو لي أنَّ ضِدَّ المسيحِ لن يُواجِهَ مُشكلةً كبيرةً في خِداعِ العالَم. حسنًا، لِنَترُكِ الأمرَ عندَ هذا الحَدّ!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize