كَما تَعلمونَ جَيِّدًا، في هذا المَساء سوفَ نَبتدئُ الجُزءَ الثَّاني في السِّلسلةِ المُختصَّةِ بِوَثنيَّة عبادة مَريم. وفي البداية، أَوَدُّ أن أَذكُرَ لَكُم مَقطَعَيْنِ كِتابِيَّيْنِ كَنَوعٍ مِنَ المُقَدِّمَة الكِتابِيَّة لما سأقولُه. والمَقطعُ الكِتابيُّ الأوَّلُ هو مَقطَعٌ خَتَمْنا بِهِ المَرَّة السَّابقة، وَهُوَ مِنْ نُبوءةِ إرْميا. ففي نُبوءةِ إرْميا والأصحاحِ السَّابع، نَقرأُ أنَّ الأبناءَ في يَهوذا كانوا يَلْتَقِطُونَ حَطَبًا (في العدد 18 مِنْ سِفْر إرْميا والأصحاح السَّابع)، وَأنَّ الآبَاءَ كانُوا يُوقِدُونَ النَّارَ، وَأنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَعْجِنَّ الْعَجِينَ لِيَصْنَعْنَ كَعْكًا لِمَلِكَةِ السَّمَاوَات. وفي الأصحاح الرَّابعِ والأربَعين مِن سِفْر إرْميا، نَقرأُ عن هذه العِبادةِ الوثنيَّة مَرَّةً أخرى. فنحنُ نَقرأُ في سِفْر إرميا 44: 17 أنَّ اللهَ يُعاقِبُ يَهوذا أكثرَ لأنَّهُم كانوا يُقَدِّمونَ التَّقدماتِ لِمَلَكةِ السَّماواتِ ويَسْكُبونَ سَكائِبَ لَها. فهذهِ العِبادةُ ليست جديدة. فآباؤُنا فَعلوا ذلكَ، وَمُلوكُنا، ورُؤساؤُنا فَعلوا ذلكَ في مُدُنِ يَهوذا، وفي شَوارِعِ أورُشليم". فقد كانت عبادة واسِعَة الانتشارِ لهذه الإلَهَةِ الَّتي تُسَمَّى "مَلِكَة السَّماوات".
وقد تَلَقَّوْا تَحذيرًا بسببِ ذلكَ مِنَ النَّبِيِّ. وقد طُلِبَ مِنَ الشَّعبِ أنْ يَتوقَّفُوا عنِ القيامِ بذلك، ولكنَّهُم رَفضُوا أنْ يُصغُوا. وعندما نَزَلَ العِقابُ، أَذْعَنُوا أخيرًا وَتَوَقَّفوا عن عِبادَةِ مَلِكَةِ السَّماوات. ولكِنْ عندما نَزَلَتْ دَينونةُ اللهِ لم يُلْقُوا اللَّومَ على أنفُسِهِم وطريقَتِهِم في التَّعامُلِ مَعَ اللهِ، بل قالوا إنَّ السَّبَبُ في الشَّرِّ الَّذي أَصابَهُم هو أنَّهم توقَّفوا عن تقديمِ التَّقدماتِ لِمَلِكَةِ السَّماوات. فقد كانوا غَارِقينَ في عِبادةِ تلكَ الإلَهَة. وهذا يُذْكَرُ مَرَّةً أخرى في العدد 25 مِنْ سِفْرِ إرْميا والأصحاح 44 إذْ إنَّهُ يُشيرُ مَرَّةً أخرى إلى التَّبخيرِ لِمَلِكَةِ السَّماوات. وقد دَانَ اللهُ يَهوذا المُرتَدَّة بسببِ عبادَتِهم لهذه الإلَهَةِ الوثنيَّة الَّتي تُسَمَّى "مَلِكَة السَّماوات"، والتي سُمِّيَتْ بأسماء مُختلفة على مَرِّ التَّاريخ. وآخِرُ اسمٍ لهذه الإلَهَة (وَهُوَ أمرٌ مُحزِنٌ) هُوَ اسمٌ تَمَّتْ استعارَتُهُ مِنَ الأُمِّ الأرضيَّةِ لِرَبِّنا؛ أيْ مِنِ اسمِ "مَريَم" الَّتي تَحَوَّلت الآنَ (مِنْ قِبَلِ المَسيحيَّةِ المُرتَدَّةِ) إلى آخِرِ شَكلٍ مِن أشكالِ مَلِكَةِ السَّماوات.
وَهل مِنَ المُهِمِّ أن نَتحدَّثَ عن هذه المسألة؟ أجل. فنحنُ نَقرأُ في رسالة تيموثاوس الأولى والأصحاحِ الأوَّل نِداءً مُوَجَّهًا إلى أيِّ شخصٍ في الخِدمة؛ وَهيَ وَصِيَّة مُهِمّة. ففي الرِّسالةِ الأولى إلى تيموثاوس 1: 3، يَقولُ بولُس: "كَمَا طَلَبْتُ إِلَيْكَ أَنْ...تُوصِيَ قَوْمًا أَنْ لاَ يُعَلِّمُوا تَعْلِيمًا آخَرَ، وَلاَ يُصْغُوا إِلَى خُرَافَاتٍ وَأَنْسَابٍ لاَ حَدَّ لَهَا، تُسَبِّبُ مُبَاحَثَاتٍ دُونَ بُنْيَانِ اللهِ الَّذِي فِي الإِيمَان". فيجب عليكَ أنْ تُوصِي هؤلاءِ أنْ لا يُعَلِّموا تَعليمًا آخَرَ وخُرافاتٍ غريبة". وفي العددِ الخامِس: "وَأَمَّا غَايَةُ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ". وَمِنَ المُهِمِّ أن نقولَ في البداية إنَّنا لا نَقولُ هذا لأنَّنا غاضِبونَ أو لأنَّنا نَكرَهُ هؤلاءِ أو لأنَّنا مُمْتَعِضونَ مِنهُم، بل إنَّها مَحَبَّة مِن قَلبٍ طَاهِر. فإنْ لم تَكشِفُوا الخطأَ، وإنْ لم تَكشِفوا العقيدةَ الغريبة، والبِدَع المُهلِكَة، فإنَّ هذه ليست مَحبَّة، بل هي عَدَم مُبالاة. فالمحبَّةُ مِن قَلبٍ طاهرٍ، وَضَمِيرٍ صَالِحٍ، وَإِيمَانٍ بِلاَ رِيَاءٍ، تَقتضي مُواجَهَةً كهذه. وهذا هو ما يَدعُونا إلى التَّحَدُّثِ عن نَفسِ هذه البِدعة الوَثنيَّة المُتَمَثِّلة في عِبادةِ الإلَهَةِ القَديمةِ في أَحدَثِ شَكْلٍ لها إذْ إنَّ الإلَهَةَ الحَديثَةَ سَرَقَت اسمَ مَريم. وهذه إساءة مُريعة إليها. ولكِنْ لا يوجد شيء مُقَدَّس لدى الشَّيطانِ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال. وإنْ كُنَّا نَتحدَّثُ عن هذا الموضوعِ فإنَّ هذا ليسَ نَقصًا في المحبَّة، بل هو أصدَقُ وأطهَرُ شَكلٍ مِن أشكالِ المحبَّة لأنَّهُ نابِعٌ مِن ضَميرٍ صَالِحٍ وإيمانٍ بِلا رِياء.
والآن، في الجُزءِ الأوَّل، تَطَرَّقتُ في مُقَدِّمةٍ مُوجَزَةٍ إلى عِبادةِ مَريم مِنَ العقيدةِ الكاثوليكيَّة وما تَقولُهُ الكنيسةُ الكاثوليكيَّةُ الرُّومانيَّةُ مُبتدئًا مِنَ القرنِ الخامِسِ إلى القَرنِ الثَّامِن عَشر. وقد أَلقينا نَظرةً على كِتابٍ بِعُنوان "أمجادُ مَريم" (The Glories of Mary) كَتَبَهُ القِدِّيس "ألفونسوس دي ليغواري" (Alphonsus de Ligouri). وَهُوَ كِتابٌ كُتِبَ في الأصل في سنة 1745. وهو يَستعرِضُ فيهِ تاريخَ التَّكريسِ لمريم مُنذُ القَرنِ الخامِسِ الميلاديّ. وقد طُبِعَ هذا الكِتابُ مَرَّاتٍ عديدة وكثيرة. والنُّسخةُ الَّتي لَدَيَّ هي نُسخة صَدَرَت في سنة 1931، وهي تَرجمة عنِ الإيطاليَّة. فقد كُتِبَ الكِتابُ في الأصل باللُّغة الإيطاليَّة، وكانَ يَحمِلُ دائمًا الخَتْمَ الرَّسميَّ للكنيسةِ الكاثوليكيَّة. وأنا لديَّ نُسخة أخرى مِنهُ صَدَرَت في سنة 1981، وهي تَحمِلُ الخَتْمَ الرَّسميَّ لمُطرانيَّة الرُّوم الكاثوليك في نيويورك. والنَّتيجةُ الحَتميَّة الَّتي نَستخلِصُها مِن ذلكَ الكِتابِ بِمُجمَلِه (والمؤلَّف مِن 750 صفحة تَحوي مَوادَّ جُمِعَتْ على مَدى العُصور، ومَوادَّ إضافيَّة ظَهَرَت مُنذُ القرن الثَّامِن عَشَر وأَشَرْتُ إلى كثيرٍ مِنها) هي أنَّ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة قد دَنَّسَتْ مَريم. فهذا هو ما تُؤكِّدُهُ أقوالُهُم أنفُسُهُم. فَهُمْ يَدعونَ إلى عِبادَتِها، ويُؤكِّدونَ أنَّها تَمتَلِك صِفاتٍ لا يَملِكُها أحدٌ سِوى الله المُثَلَّث الأقانيم. لِذا فإنَّ هذه العِبادةَ وهذهِ الأوصافَ هي تَجديفٌ، وبِدعةٌ شيطانيَّة، وإهانةٌ للهِ الآبِ، واللهِ الابنِ، واللهِ الرُّوحِ القُدُس.
لِذا فقد تَحَدَّثنا عن موقفِ الكنيسةِ الكاثوليكيَّةِ الرُّومانيَّةِ مِنْ مَريم بِحَسَبِ ما جاءَ في تاريخِ التَّكريسِ لها. وأودُّ أنْ أَتَعَمَّقَ قليلاً الآن وأنْ أَنظُرَ لا إلى الأقوالِ والصَّلواتِ المُوَجَّهة إلى مَريم، بل أَوَدُّ أن أنظُرَ إلى العقيدة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة الفِعليَّة. فما الَّذي يُؤكِّدونَ أنَّهُ صحيح، وأنَّهُ مِنَ الله، وأنَّهُ إعلانٌ مُوْحَى بِهِ بخصوصِ مَريم؟ وَكُلُّ ما سأقولُهُ لكم لا يَمُتُّ بِصَلَة إلى الكتابِ المقدَّس. لِذا، إنْ كُنتُم تَتوقَّعونَ مِنِّي أنْ أَقرأَ على مَسامِعِكُم آياتٍ كِتابيَّة تَقولُ هذهِ الأشياء، اعلموا أنَّهُ لا وُجودَ لها. ففي أغلبيَّةِ الحالاتِ، حَتَّى في كُتُبِهم، فإنَّهم يُقِرُّون بأنَّهُ لا توجد آيات كِتابيَّة تُدَعِّم أيًّا مِن هذه العَقائد؛ ولكِنَّ هذه ليست مُشكلةً. والحقيقةُ هي أنَّهُ في كُلِّ أشكالِ المسيحيَّةِ الزَّائفة، هُناكَ إعلانٌ آخر. فَسَواءٌ كانَ "كِتاب المُورمون" (The Book of Mormon)، أو كِتابَ "العِلم والصِّحَّة مَعَ فَهْرَسٍ بالآيات الكِتابيَّة" (Science and Health with Keys to the Scriptures)، أو أيًّا كان، فإنَّ أيَّ بِدعةٍ تأتي مِنْ مَصادِر أُخرى مِنَ الإعلان. لِذا، سوفَ تَجدونَ في اللَّاهوتِ الكاثوليكيِّ الرُّومانيِّ مَصدرًا آخرَ للإعلان وَهُوَ: "السُّلْطَة البابويَّة" أوِ "التَّقليد الكَنَسِيّ" الَّذي تقولُ الكنيسة (أوْ يَقولُ البَابا الَّذي يُمَثِّلُ المسيحَ) إنَّهُ تَقليدٌ مُوحَى بِهِ مِنَ اللهِ، وإنَّهُ في الحقيقةِ ليسَ مُساويًا فقط للكِتابِ المُقدَّسِ، بل إنَّهُ يَفوقُ الكتابَ المقدَّسَ لأنَّ الكنيسةَ هي المُفَسِّرُ الوحيدُ الصَّحيحُ (أوِ المُفَسِّرُ المُعتَمَدُ) للكِتابِ المُقدَّس إذْ إنَّها الَّتي تَحكُمُ في الكتابِ المقدَّس.
لِذا، فإنَّهُم لا يَجِدونَ مُشكلةً في عَدَمِ وُجودِ آياتٍ كِتابيَّة تُدَعِّمُ أيًّا مِنْ هذهِ الأقوال. فَهُمْ يَجِدونَ ما يُدَعِّمُ ذلكَ في تَقليدِهم الَّذي يَرَوْنَ أنَّهُ مُساوٍ (إنْ لم يَكُنْ حَتَّى أعلى) مِنَ الكتابِ المقدَّس. واسمَحوا لي أنْ أَذكُرَ لكم لائحةً بهذه العقائدِ بخصوصِ مَريم. فالعقيدةُ الأولى تُسَمَّى "عَقيدة الحَبَل بَلا دَنَس". عَقيدة الحَبَل بِلا دَنَس. وأغلبيَّةُ النَّاسِ يُسيئونَ فَهْمَ هذه العقيدة. فَهُم يَظُنُّونَ أنَّها تَعني أنَّ مَريمَ حَبِلَتْ بيسوعَ وهي عذراء. ولكِنَّ هذه العقيدة لا تَختصُّ بولادة يسوع، بل إنَّ عقيدةَ الحَبَل بِلا دَنَس تَختصُّ بولادة مَريم. فهي لا صِلَةَ لها بولادةِ يسوع. ففي سنة 1854، أَصدَرَ البابا "بيوس التَّاسِع" (Pope Pius IX) المَرسومَ البابويَّ الشَّهير الذي يُوصَف بأنَّهُ "إِنيفابيليس" (ineffabilis) أو "إِنيفابل" (ineffable) أيْ: "فَائِقُ الوَصْفِ". فالكلمة "إِنيفابل" (ineffable) تَعني: "مُقَدَّس". وَهِيَ تَعني: "إلَهِيّ". وهي تَعني: "فائق". وَحَتَّى إنَّ هذا المرسومَ أو هذه الوثيقة الصَّادِرة عن البابا تُسَمَّى "إِنيفابيليس ديوس" (ineffabilis Deus)؛ أيْ: "إعلان الله الفائق". وقد جاءَ فيهِ ما يَلي: "لقد حُفِظَتْ مَريمُ مِنَ الخَطيئةِ الأصليَّةِ عندما حُبِلَ بها في رَحِمِ أُمِّها، وتَحَرَّرَتْ بِصُورة خارقة للطَّبيعة مِنْ دَنَسِ الخطيَّة المُتوارَثَة مِن آدَم. وهي، رُوحًا وجَسَدًا، مُقَدَّسة، وبِلا خَطِيَّة، وبِلا عَيب، وبِلا دَنَس، وطاهِرة، وعَفيفة".
فهذا مَقطَعٌ مِن هذا "الإعلان الفائِق" (إِنيفابيليس ديوس) الصَّادِر في سنة 1854. ويُمكنُني أنْ أَقرأَ لَكُم المَزيد: "بموجبِ ذلك، وبوحيٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس..." [مِنْ خِلالِ البابا] "...ولِمَجدِ الثَّالوثِ الأقدسِ الَّذي لا يَتجزَّأ، ولأجلِ تَمجيدِ وإجلالِ أُمِّ اللهِ العَذراء، ولأجلِ غِبْطةِ الكنيسةِ الكاثوليكيَّة، بِسُلطانِ يسوعَ المسيحِ رَبِّنا، والرَّسولَيْنِ المُطَوَّبين بُطرُس وبولُس، وبسُلطانِنا نحنُ..." [بِسُلطانِ رُسُلِنا المُطَوَّبين] "...نُعلنُ ونَحْكُمُ ونُحَدِّدُ التَّعليمَ القائلَ إنَّ الطُوباويَّةَ مَريمَ العَذراءَ قد عُصِمَتْ مُنذُ اللَّحظةِ الأولى للحَبَلِ بِها، بِنِعمةٍ وإنْعَامٍ فَريدَيْنِ مِنَ اللهِ القَديرِ، وَنَظَرًا إلى استِحقاقاتِ يَسوعَ المسيحِ مُخَلِّصِ الجنسِ البَشَرِيِّ، قد حُفِظَتْ مِنْ كُلِّ دَنَسِ الخطيئَةِ الأصليَّةِ. وهُوَ تَعليمٌ مُوْحَى بِهِ مِنَ اللهِ. لِذا، يَجب على جَميعِ المؤمنينَ أنْ يُؤمِنوا بهِ إيمانًا راسِخًا لا يَتزعزَع".
وقد بَيَّنَ البابا نَفسُهُ (بيوس التَّاسع) مَدى خُطورةِ رَفضِ هذه العقيدة. وأنا أقتَبِسُ كَلامَهُ: "لِذا، إنْ تَجَرَّأَ أحدٌ، لا سَمَحَ اللهُ، أنْ يَظُنَّ خِلافَ ما أَوْضَحناهُ، لِيَكُن مَعلومًا ومَفهومًا لَديه أنَّهُ دَانَ نَفسَهُ بنفسِه، وأنَّهُ حَكَمَ على نَفسِهِ بانكسارِ سَفينَةِ إيمانِهِ، وأنَّهُ قدِ انفصلَ عن وَحْدَةِ الكنيسة، وأنَّهُ بِمُقتضى أفعالِهِ قد استحقَّ العُقوباتِ المَنصوصِ عليها في القانون إنْ تَجَرَّأَ على التَّعبيرِ بالكلامِ أوِ الكِتابةِ أو أيِّ وسيلة خارجيَّة أخرى عنِ الضَّلالِ الَّذي يَفتَكِرُ فيهِ في قَلبِه". فأنتَ تَستوجِبُ اللَّعنةَ والحِرْمانَ الكَنَسِيِّ إنْ شَكَكْتَ في هذه العقيدة.
وهذا جُزءٌ مِنَ النِّظامِ الَّذي يَستخدِمُ التَّرهيبَ والتَّرويعَ والهَيمنةَ والسَّيطرةَ الصَّارِمَةَ لِجَعلِ النَّاسِ يَفعلونَ ما يَقولونَ إنَّهُ ينبغي لكَ أنْ تَفعلَهُ؛ وإلَّا فإنَّكَ تَكونُ مُستوجِبَ اللَّعنة. والكنيسةُ تَقولُ أيضًا إنَّ اللهَ صَانَ مَريمَ مِنَ الخطيَّة لكي يَجعَلَها مُصْلِحَةَ العالَمِ الضَّالّ. ونحنُ جَميعًا نَخلُص بواسطةِ مَريم مِن هَلاكِ الخطيَّة. فَمِن خلالِ مَريم، خَلُصَ الجِنسُ البَشريُّ بأسرِه مِنَ الموت. فقد سَحَقَتْ رأسَ الحيَّةِ. ولكي تَفعلَ ذلك، كانَ ينبغي أن تكونَ بلا خطيَّة، وأنْ تَكونُ خَالِيَة مِنَ الخطيَّةِ الأصليَّةِ والخطيَّةِ الشَّخصيَّة. وقد كَتَبَ "دي ليغواري" (De Liguori) في الصَّفْحَة 297 مِنْ كِتابِهِ: "وَحَتَّى أنَّ جَسَدَها حُفِظَ مِنَ الفَسادِ بعدَ الموت. فَجَسَدُ مَريم وَجَسَدُ المسيحِ واحد. وَمَجُد الابنِ هُوَ نَفسُ مَجدِ أُمِّهِ". لِذا فإنَّ أُوْلَى العقائدِ الكاثوليكيَّة الَّتي ينبغي للمرءِ أنْ يُؤمِنَ بها (حَتَّى لا يكونَ مَلعونًا) هي أنَّ مَريمَ قد حُبِلَ بِها بِلا دَنَس؛ أيْ أنَّها كانت خَاليةً مِنْ دَنَسِ الخطيئةِ الأصليَّة. وهُناكَ عَقيدة ثانية مِنَ الواضحِ أنَّها تَرتبطُ بالعقيدةِ الأولى ارتباطًا وثيقًا وهي عَقيدةُ خُلُوِّها الدَّائمِ مِنَ الخطيَّة ... خُلُوِّها الدَّائمِ مِنَ الخطيَّة.
فَكِتابُ تَعليمِ الكنيسةِ الكاثوليكيَّةِ الرُّومانيَّةِ الصَّادِر في سنة 1994 يَقولُ في الصَّفحة 490 والفَقْرَة 2030 ما يَلي: "إنَّ الكنيسةَ تَجِدُ قُدوَتَها في القَداسةِ وتُدركُ نَموذَجَها ومَصدَرَها في العَذراءِ مَريمَ الكامِلة القَداسَة". ويَقولُ "دي ليغوراي": "لم يَحدُث يومًا ولن يَحدُث أنْ تكونَ هُناكَ تَقْدِمَة قَدَّمَها مَخلوقٌ طاهِرٌ أَعظم أو أَكمل مِن تلكَ التي قَدَّمتها مَريمُ إلى اللهِ عندما ذَهَبَتْ وَهِيَ في سِنِّ الثَّالثةِ إلى الهيكلِ لكي تُقَدِّمَ للهِ لا بَخورًا طَيِّبَ الرَّائحة، ولا ثِيرانًا، ولا ذَهبًا، بل لِتُقَدِّمَ لَهُ نَفسَها بِجُملَتِها إكرامًا لَهُ". فعندما كانت في سِنِّ الثَّالثة، جاءت إلى الهيكل، وَسَجَدَت، وَقَبَّلَتِ الأرضَ، وَعَظَّمَتْ جَلالَ اللهِ، وشَكَرَتْهُ على إحسانِهِ، ولم تَحتَفِظ بأيِّ شيءٍ لِنَفسِها، بل قَدَّمَتْ لَهُ كُلَّ قُدرَتِها، وكُلَّ أحاسيسِها، وكُلَّ عَقلِها وَجَسَدِها إذْ نَذَرَتْ نَذرًا بالتَّبَتُّلِ قائلةً: "رَبِّي وإلهي".
ونَقرأُ في الصَّفْحَة 348 مِن كِتاب "دي ليغواري": "إنَّها تُدعى الطِّفلة المُقدَّسة. وقد نَمَتْ في الكَمال". فالعَذراءُ الكُليَّةُ القَداسة، التي وُلِدَتْ بلا خطيَّة، نَمَتْ في الكَمالِ بلا خطيَّة. ولا يَسَعُ المَرْءُ إلَّا أن يَتساءلَ لماذا تَقولُ في إنجيل لوقا 1: 47: "تَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي"؟
وَهَذا يَقودُنا إلى العقيدةِ الثَّالثة، وهي عقيدة أَظُنُّ أنَّها مَعروفة لدى غالبيَّةِ النَّاسِ الَّذينَ يَرتبطونَ بأيِّ رِباطٍ بالكنيسةِ الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة لأنَّها موجودة مُنذُ وقتٍ طويل، وهي عَقيدةُ "البَتوليَّة الدَّائمة". والأمرُ يَزدادُ غَرابَةً! فالأمرُ لا يَقتَصِرُ على أنَّها لم تَكُن قد وُلِدَتْ بالخطيئةِ الأصليَّة، وأنَّهُ حُبِلَ بها بِلا دَنَسٍ مِنْ دُونِ الخطيَّةِ الأصليَّةِ لآدَم، ولا فقط أنَّها كانت بلا خطيَّة، بل إنَّها كانت دائمةَ البَتوليَّة. وقد ظَهَرَتْ هذه الفِكرة في سنة 553 (أيْ في القَرنِ السَّادِسِ الميلاديّ). وقد صَارت عَقيدةً حَقًّا في القَرنِ السَّابعِ الميلاديِّ في مَجْمَع "لاتيران" (Lateran Council) في سنة 649 في عَهْدِ البابا "مارتن الأوَّل" (Martin I). وتقولُ هذه العقيدة المُختصَّة بالبَتوليَّة الدَّائمة أنَّها كانت عَذراءَ قبلَ ولادةِ يَسوع. وهذا صحيح (بالمُناسبة) بحسب ما جاءَ في إنجيل مَتَّى 1: 25 إذْ يُذكَرُ بوضوح أنَّها كانت عَذراء. "لقد كانت عَذراء (كما يَقولُ المَجمَعُ المُنعَقِدُ في سنة 649، وكما تَقولُ هذه العقيدة) ... اسمَعوا: "لقد كانت عَذراءَ في أثناءِ وِلادَتِها ليسوع". وما الَّذي يَعنيهِ ذلك؟ "فقد وَلَدَتْ مَريمُ وِلادَةً مُعجزيَّةً مِن دونِ أيِّ تَوَسُّعٍ في رَحِمِها أوْ جُرْحٍ في جَسَدِها، ومِنْ دُونِ أَلَم".
وَهُمْ يُمْعِنونَ في وَصْفِ ذلكَ الأمر. ويَكفي أنْ نَقولَ ما يَلي: إنَّهُم لا يَسمحونَ أنْ تُعاني مَريمُ الخالِيَة مِنَ الخطيَّة أيَّ جُرحٍ أو إصابةٍ في جَسَدِها أيًّا كانَ ذلك. لِذا فإنَّ العقيدةَ تقولُ إنَّ يسوعَ وُلِدَ بطريقة مُعجِزيَّة مِن دونِ أنْ يخرُجَ حَتَّى مِنْ قَناةِ الوِلادة لأنَّ هذا سَيُؤدِّي إلى جُرحٍ في جَسَدِها الكامِل. وهذه ليست عقيدة غريبة. فقد قَرأتُ عنها في مَراجِع كثيرة. صَحيحٌ أنَّها كانت عَذراء قبلَ وِلادَتِه، ولكنَّهُم يُريدونَ أن يَجعلوها عَذراءَ حَتَّى خِلالَ الولادة. وهذه طريقة غريبة في التَّفكيرِ في العُذريَّة. ولكِنَّ الجَسَدَ الَّذي لا يُمَسُّ، ولا يُخْدَشُ، ولا يُجْرَحُ لهذه الإلَهَة هُوَ أمرٌ مُهِمٌّ بالنِّسبةِ إليهم. ثُمَّ إنَّ النُّقطةَ الأكثرَ أهميَّةً هي أنَّها بَقِيَتْ بعدَ ولادَتِها ليسوعَ عَذراءَ طَوالَ حياتِها. وهذا هو جَوهَرُ عَقيدةِ بَتوليَّتِها الدَّائمة. ويَقولُ "شريك" (Schreck) في كِتابِهِ: "مَبادئُ الإيمان: التَّعليمُ المسيحيُّ الكاثوليكيّ" (Basics of the Faith: A Catholic Catechism): "احترامًا لحقيقةِ أنَّ اللهَ نَفسَهُ سَكَنَ وَنَما في رَحِمِها، فإنَّها بَقِيَت عَذراءَ طَوالَ حياتِها". طَوالَ حياتِها. وهذا، بِكُلِّ تَأكيد، يُناقِضُ ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. فنحنُ نَقرأُ في إنجيل مَتَّى 1: 18: "أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ، قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى". ما الَّذي تَفهمونَهُ مِن ذلك؟ إنَّ العِبارةَ "قَبلَ أنْ يَجتَمِعا" تَعني أنَّهُما اجتَمَعَا في وقتٍ ما. وما الصُّعوبة في فَهْمِ ذلك؟ فالأمرُ واضحٌ تمامًا.
ونَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى والأصحاح 7 أنَّ المَرأةَ الَّتي تَمنَعُ زَوجَها مِنَ الاقترابِ إليها تُخطِئ. فنحنُ نَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى 7: 3-5 أنَّها خَطِيَّة أنْ تَمنَعي نَفسَكِ عَن زَوجِكِ. فَجَسَدُكِ ليسَ لَكِ، بل هُوَ لِزوجِكِ. كذلكَ، فإنَّ جَسَدَ زَوجِكِ ليسَ لَهُ، بل لَكِ. ونَقرأُ في إنجيل مَتَّى 13: 55: "أَلَيْسَ هذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟ أَلَيْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ، وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوبَ وَيُوسِـي وَسِمْعَانَ وَيَهُوذَا؟ أَوَلَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ جَمِيعُهُنَّ عِنْدَنَا؟" فقد كانَ الجَميعُ يَعلمونَ أنَّ لِمَريمَ أولاد وبنات. ونَقرأُ في إنجيل يوحنَّا والأصحاح 7 أنَّ إخوةَ يسوعَ لم يكونوا يُؤمِنونَ بِهِ، ولكنَّهُم آمَنوا لاحقًا، بعدَ قِيامَتِه. وما الَّذي تَقولُهُ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة عن هذا الأمر؟ إنَّهُم يقولونَ إنَّ هؤلاءِ كانوا أَبناءَ خَالَتِه؛ مَعَ أنَّهُ لا يُوجَد نَصٌّ واحِدٌ يَستخدِمُ الكلمة "أنيبسيوس" (anepsios) ومَعناها: "ابنُ الخَالة"، بل إنَّ الكلمة المُستخَدَمة عندَ الإشارة إلى الإخوة هي: "أديلفوس" (adelphos) ومَعناها: "إخوة". لِذا فإنَّنا نَجِدُ هذه العقائد الغريبة مِثلَ الحَبَلِ بلا دَنَس (أيْ أنَّهُ حُبِلَ بِها بلا دَنَس)، وأنَّها كانت بلا خطيَّة دائمًا؛ وهي عَقيدة تُفْضِي، كما هُوَ وَاضِحٌ، إلى عَقيدةِ البَتوليَّة الدَّائمة.
وفي نِهايةِ حَياتِها، نأتي إلى العَقيدةِ الرَّابعةِ في عَقائدهِم المُختصَّةِ بِمَريم وهي "عَقيدةُ الصُّعود". ورُبَّما سَمِعتُم عنها: الانتقال أوِ الصُّعود. وهذه العقيدة لم تَجِد لها مَكانًا في القانونِ الفِعليِّ للَّاهوتِ الكاثوليكيِّ إلَّا في سنة 1950. ففي الأوَّلِ مِنْ شَهرِ تِشرينَ الثَّاني/نوفمبر سنة 1950، أَعلنَ البابا "بيوس الثَّاني عَشَر" (Pope Pius XII) رَسميًّا أنَّ مَريمَ صَعِدَت إلى السَّماء: "صُعودُ المُطَوَّبَةِ مَريمَ العَذراء إلى السَّماءِ هُوَ عَقيدة في الإيمانِ المُقَدَّسِ والكاثوليكيِّ". فقد حُبِلَ بِها بلا دَنَس، وعاشَت حَياةً خاليةً مِنَ الخطيَّة، وعاشت عَذراءَ، وَغَادَرَت هذا العالَم بأنْ صَعِدَتْ إلى السَّماء. وهذه الفِكرة عن مَريم (مَعَ أنَّها لم تَصِرْ عَقيدةً رَسميًّا إلَّا في القَرنِ العِشرين) تَرجِعُ إلى زَمَنٍ بَعيدٍ جِدًّا إذْ إنَّكُم تَقرأونَ عنها في القَرنِ الخامسِ الميلاديِّ حينَ اختَلَطَتِ الوثنيَّةُ بعِبادَةِ الإلَهَةِ الوَثنيَّة في البِدايات. فهل تَذكرونَ الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة المُقَدَّسَة (كما كانت تُسَمَّى)؟ والحقيقةُ هي أنَّ الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة المُقَدَّسَة لم تَكُن مُقَدَّسَةً. صَحيحٌ أنَّها كانت رُومانيَّة، ولكِنَّ الإمبراطور قَرَّرَ في سنة 325 أنَّ أفضلَ شَيءٍ يُمكِنُ القيامُ بِهِ مِن أجلِ تَوحيدِ الإمبراطوريَّة العظيمة هو أنْ يَجعلَ الجَميعَ مَسيحيِّينَ تِلقائيًّا. وحيثُ إنَّ الإمبراطوريَّة كانت تَعِجُّ بالوثنيَّة، فقد دَمَجُوا وَحَسْب المسيحيَّةَ بالوثنيَّة. وقد حَدَثَ ذلكَ كُلُّهُ في زَمَنٍ بَاكِرٍ جِدًّا.
لِذا، ففي عَهْدِ شَخصٍ يُدعَى "غيلاسيوس الأوَّل" (Gelasius I)، وَهُوَ شَخصٌ عَيَّنَ نَفسَهُ بنفسِه قائدًا للكنيسة في القَرنِ الخامِس الميلاديّ، ظَهَرَتْ هذه العقيدة في ذلكَ الوقتِ إذْ كانَ هناكَ حَديثٌ عن أنَّ مَريمَ صَعِدَتْ إلى السَّماء. لِذا فإنَّ هذه البِدعةَ المُختصَّةَ بتلكَ الإلَهَة فَرَضَتْ نَفسَها على مَريمَ المِسكينة، وكانت تُعَدُّ، بَادِئَ الأمرِ، هَرْطَقَةً. ولم يَكُن يوجد أيُّ دَليلٍ تَاريخيٍّ عليها، ولا أيُّ دَليلٍ على صِحَّتِها كِتابِيًّا، كَما هُوَ وَاضحٌ. لِذا فإنَّ أوَّلَ ظُهورٍ لهذه الفِكرة كانَ في أسفارِ الأبوكريفا (وهي أسفارٌ لا يُعَوّلُ عليها) مِثلَ "إنْجيل يَهوذا" وَمِئاتِ الأسفارِ المَنْحُولَةِ الأخرى. وقد كانت هذه العَقيدة تُسَمَّى "ترانسايتيس مَارِيياي" (Transitus Mariae). وفي القَرنِ الخامِسِ الميلاديِّ، تَمَّ شَجبُها لِكَونِها هَرطَقَةً. لِذا، عندما ظَهَرَتْ أوَّلَ الأمر في القرنِ الخامسِ الميلاديّ، أيْ بعدَ سَنَة 400 ميلاديَّة، تَمَّ شَجْبُها كَهَرطَقَة. ولكِنَّ الحَالَ ابتدأتْ تَتَغَيَّر عَبْرَ السِّنين بخصوصِ مَريم. فقد صَارُوا يُصَلُّونَ لِمَريَم في نَحوِ سَنَة 600 ميلاديَّة. وبعدَ نَحوِ 400 أو 500 سنة، ظَهَرَتْ صَلاةُ الوَرديَّة في نَحوِ سنة 1090. ولكِنْ بِحُلولِ سَنَة 1950، صَارَتْ هذه الفِكرة الَّتي كَانُوا يَنظُرونَ إليها بأنَّها هَرطقة (أيْ أنَّ مَريمَ قدِ انتَقَلَتْ إلى السَّماءِ بأنْ صَعِدَتْ إليها)، بِحُلولِ سنة 1950، صارت هذه الفِكرة أخيرًا: عَقيدة.
وواحِدٌ مِنَ المُدافِعينَ المُعاصِرينَ عنِ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة هو رَجُلٌ يُدعى "كارل كيتينغ" (Karl Keating). وَ "كارل كيتينغ" عِدائِيٌّ جِدًّا في الدِّفاعِ عنِ الكاثوليكيَّة، والكِتابةِ عَنها، ولا سِيَّما أنَّهُ يُلاحِقُ البروتستنت الإنجيليِّينَ الجاهِلينَ، وعَديمِي العِلْمِ، والذين يَسهُلُ اقْتِناصُهُم. ويقولُ "كارل كيتينغ" ما يَلي في كِتابٍ لَهُ بعُنوان: "الكاثوليكيَّة والأُصوليَّة" (Catholicism and Fundamentalism)؛ وَعُنوانُ الكِتابِ يُعطيكُم فِكرة عن تَوَجُّهِهِ إذْ إنَّهُ يُدافِعُ عنِ الكنيسةِ الكاثوليكيَّة. وقد كَتَبَ "كارل كيتينغ": "لقد تَلَقَّتِ الكنيسةُ الكاثوليكيَّةُ وَصِيَّةً مِنَ المسيحِ بأنْ تُعَلِّمَ كُلَّ الأُمَمِ تَعليمًا مَعصُومًا. والحَقيقةُ المُجَرَّدَةُ بأنَّ الكنيسةَ تُعَلِّمُ أنَّ ’عقيدةَ الصُّعودِ‘ صحيحة تمامًا هي ضَمانة بأنَّها صَحيحة". هذا هو كلام "كارل كيتينغ" الَّذي رُبَّما كانَ واحدًا مِن أَشْهَرِ شَخْصَيْن أو ثلاثَة يُدافِعونَ في وَقتِنا الحاضِرِ عنِ العقيدة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة. فإنْ كانتِ الكنيسةُ الَّتي أَوْصاها المَسيحُ أنْ تُعَلِّمَ جَميعَ الأُمَمِ تَعليمًا مَعصومًا تَقولُ إنَّ هذه العقيدة صحيحة، فإنَّ حقيقةَ أنَّ الكنيسةَ تَقولُ إنَّها صَحيحة هي ضَمانَةٌ بأنَّها صحيحة!
إنَّ اللَّاهوتَ الكاثوليكيَّ يَقولُ إنَّ مَريمَ صَعِدَتْ إلى السَّماءِ دُوْنَ أنْ تَموت كي تَسودَ وتُهَيمِنَ على مَلكوتِ السَّماواتِ. وهُناكَ تَرانيمُ لِمَريَم عند لَحظَةِ مَوتِها. وإليكُم واحدة مِنها:
ارفَعوا الصَّوتَ وَرَنِّموا، الابنَة والزَّوجة،
أُمُّ المَلِكِ، مَنْ تَسجُدُ لها الخَليقَةُ،
سَبِّحُوا مَريمَ، تَسبيحًا لا يَنتهي،
وارفَعُوا أصواتَ الفَرَح، ارفَعُوا!
سَبِّحُوا اللهَ الَّذي يَملِكُ في الأعالي،
مَنْ خَلَقَها تَعبيرًا عَنْ مَحَبَّتِه.
وَمَعَ أنَّ مَريمَ وَقَفَتْ بَعيدةً
عنِ ابنِها، فإنَّها كانت
مِثلَ أَجملِ زَنْبَقَةٍ
تَقْبَعُ في وَسْطِ أشواكِ الأرضِ وَحيدةً.
ثُمَّ إنَّ القَرارَ يَقول:
سَبِّحُوا مَريمَ، تَسبيحًا لا يَنتهي ...إلخ.
ولكي تَكونَ مَعَ اللهِ في الأعالي،
كانَ قَلبُها مُضطَرِمًا كالنَّارِ
إذْ طَلَبَتْ أن تموتَ
بِرَغبةٍ تَزخُرُ بالتَّواضُعِ والحَلاوة.
وأخيرًا، دَعاها زَوجُها السَّماويُّ،
الَّذي أَحَبَّها بِكُلِّ هذا الحُبِّ،
لِتَستريحَ مَعَهُ،
في السَّماءِ فَوق.
سَبِّحُوا مَريمَ، تَسبيحًا لا يَنتهي،
وارفَعُوا أصواتَ الفَرَح، ارفَعُوا!
ويَكتُبُ "دي ليغواري" في الصَّفحة 144: "عندَ صُعودِها، تَمَّ إخلاءُ المَطْهَر". فَكُلُّ مَنْ كانَ في تلكَ اللَّحظةِ في المَطهَر أُطْلِقَ مِنْه. لِذا، هُناكَ تلكَ الأفكار الأربعة الغَريبة جِدًّا جِدًّا وغير الكِتابيَّة عن مَريم. وإن أَنكرتَ أيًّا مِنها، وأَنكرتَ أيَّ عَقيدة رَسميَّة للكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة فإنَّكَ تَكونُ "أناثيما"؛ أيْ: مُدانًا ومَلعونًا. وَمِن وُجهةِ الكنيسةِ، فإنَّكَ تَكونُ مَحرومًا. وهذه العقائدُ الأربَعُ تَختصُّ بحياتِها الأرضيَّة. فقد جاءت بلا خطيَّة، وعاشت بلا خطيَّة، وعاشت عَذراءَ، وعندَ مَوتِها انتَقَلَتْ أوْ صَعِدَتْ حالاً إلى السَّماء. والآن، هذا يَجعَلُها في السَّماء. وسوفَ نَقلِبُ الصَّفحةَ وَنتحدَّثُ عن كيفَ أنَّ الكنيسةَ الكاثوليكيَّةَ تَنظُرُ إلى دَورِها في السَّماء. فالعقائدُ الأربعُ الأولى تَختصُّ بِنَظرَتِهم إليها على الأرض. أمَّا العقائدُ الأُخرى فَتختصُّ بنظرتهم إليها في السَّماء. وأودُّ أن أكونَ حَذِرًا جِدًّا بخصوصِ ذلك، وأريدُ أن أتحدَّثَ بِتَفصيلٍ شَديد لأنَّهُ مِنَ المُهمِّ جِدًّا أنْ تَفهموا هذا الأمرَ وأنْ نَحرِصَ على الإشارةِ إلى المَصادِر. وهذه هي العقيدةُ الخامسةُ في لائِحَتِنا. فالعقائدُ الأربعُ الأولى تَختصُّ بحياتِها هُنا. والعقائدُ الأخرى تَختصُّ بحياتِها في السَّماءِ مِن وُجهةِ النَّظرِ الكاثوليكيَّة.
إنَّ أوَّلَ شَيءٍ يجب أن تَعرفوه عن مَريمَ في السَّماءِ هي أنَّها تُعَرَّفُ حالاً بِأنَّها أُمُّ اللهِ وَمَلِكَةُ السَّماواتِ. ويَكتُبُ "لودويغ أوت" (Ludwig Ott) في الصَّفحة 211 مِنْ كِتابِهِ اللَّاهُوتِيِّ: "إنَّ حَقَّ مَريمَ في المُلْكِ بِوَصفِها مَلِكَةَ السَّماواتِ يَنْبُعُ مِنْ أُمومَتِها الإلهيَّة". فهي دائمًا وأبدًا أُمَّ اللهِ...أُمَّ اللهِ...أُمَّ اللهِ. وهذه عِبارة مُضَلِّلة جِدًّا جِدًّا، وعِبارة غير كِتابيَّة البَتَّة. وهي تُهيمِنُ، في الحقيقة، على كُلِّ التَّقويمِ الكَنَسِيِّ. فقد عَدَدْتُ المُناسَباتِ بِنفسي على التَّقويمِ الكاثوليكيّ. فهناكَ مَا يَقرُبُ مِنْ خِمسينَ عيدٍ واحتفالٍ كُلَّ سَنَة مُخَصَّصَة لِمَريم. اثنانِ وأربعونَ مِنها في أيَّامٍ مُعَيَّنة، وخَمسة مِنها تُقامُ في أوقاتٍ مُختلِفة مِنْ بِدايةِ شهرِ كانونَ الثَّاني/يَناير إلى نِهايةِ شَهر كانونَ الأوَّل/ديسمبر. فهناكَ سَبْعٌ وأَربعونَ عِيدًا بالضَّبط؛ وهي أعيادٌ واحتفالاتٌ مُخَصَّصة لأُمِّ اللهِ وَمَلِكَةِ السَّماوات.
وقد كانَ "يُوحَنَّا بولُسُ الثَّاني" (John Paul II) هو الَّذي كَرَّسَ نَفسَهُ وَحَبْرِيَّتَهُ لِمَريم. وهو البابا الَّذي مَاتَ مُؤخَّرًا. وقد كانَ شِعارُهُ الشَّخصيُّ: "توتَس تُس سُوم مَارِيَّا" (Totus tuus sum, Maria) أيْ: "أنا كُلِّي لَكِ، يا مَريم". وفي الثَّامِنِ مِن شهر تِشرينَ الأوَّل/أكتوبر سنة 2000، وَقَفَ البابا أمامَ مَزارِ العَذراءِ في "فاطيما" (وَهُوَ مَكانٌ زُعِمَ أنَّ مَريمَ ظَهَرَتْ فيه) وَقَفَ البابا أمامَ تِمثالِ العَذراءِ في فاطيما وكَرَّسَ العالَمَ والأَلفيَّةَ الجديدة لِمَلِكَتِهِ الشَّخصيَّةِ ومَلِكَةِ السَّماواتِ الَّتي أَسْمَاها: "مَريَم الكَامِلَة القَداسَة". وقد قالَ "بَيوس الثَّاني عَشَر" (Pius II) مَرَّةً أُخرى، وَهُوَ البابا الَّذي تَحَدَّثنا عنهُ سابقًا، قالَ الكلماتِ التَّالية في تَعميمٍ بَابَوِيٍّ بِعُنوان "آد كويلي ريغينام" (Ad Caeli Reginam): "إنَّ العَذراءَ المُطَوَّبَةَ مَريم ينبغي أنْ تُدعى مَلِكَة، لا فقط بسببِ أُمومَتِها الإلهيَّة، بل أيضًا لأنَّ اللهَ شَاءَ أنْ يَكونَ لَها دَورٌ عظيمٌ في خَلاصِنا. ففي عَمَلِ الفِداءِ هذا، اشتَرَكَتِ العَذراءُ المُطَوَّبَةُ مَريم اشتراكًا وَثيقًا معَ مَسيحِها. فَكَما أنَّ المسيحَ يُلَقَّبُ، بِسَبَبِ فِدائِهِ لَنا، لَقَبًا خاصًّا بِوَصفِهِ مَلِكَنا وَرَبَّنا، كذلكَ فإنَّ مَريمَ المُطَوَّبَةَ ينبغي أنْ تُدعَى مَلِكَتَنا وأُمَّنا بسببِ الطَّريقةِ الفريدةِ الَّتي اشتَرَكَتْ فيها في فِدائِنا. فقد قَدَّمَتْ عُصَارَةَ حَياتِها لَهُ. وقد قَدَّمَتْهُ طَوعًا لأجلِنا. وقد اشتركت اشتراكًا فَريدًا في خَلاصِنا مِنْ خِلالِ رَغبَتِها في ذلك، والصَّلاةِ مِن أجلِ ذلك. لِذا فقد نَالَتْ ذلك". إذًا، إنَّها جَديرة بأنْ تُدعَى أُمَّ اللهِ وَمَلِكَةَ السَّماواتِ.
وقد قالت مَجَلَّةُ "نيوزويك" (Newsweek Magazine) في عَدَدِها الصَّادر في شهر آب/أغسطُس سنة 1997، قالت صَحيفة "نيوزويك": "لقد غَيَّرَت مَريمُ الثَّالوثَ وجَعَلَتْهُ اتِّحادًا رُباعِيًّا مُقَدَّسًا". فَهُمْ يَنظرونَ إلى مَريمَ كما لو أنَّها زَوجَةُ الرُّوحِ القُدُس، وأُمُّ الابنِ، وابنَةُ الآبِ. وَحَتَّى إنَّ الشَّخصَ الَّذي يَنظُرُ مِنَ الخارجِ يَستطيعُ أنْ يَرى أنَّها تُعامَلُ كما لو كانت أُقنومًا رابعًا في الله. وَمِنْ أينَ جاءت هذه الفِكرة عن أُمِّ اللهِ؟ فهي فِكرة مُضَلِّلَة جِدًّا! فكأنَّ اللهَ وُلِدَ مِنْ أُمٍّ! كانَ أوَّلُ مَنِ استخدَمَ هذه الفِكرة هو "الإسكندَر" (Alexander)، أُسقُفُ الإسكندريَّة في القَرنِ الرَّابعِ الميلاديّ. فقد كانت هُناكَ عِبادةُ إلَهَةٍ في البِداية. فقد ظَهَرَتِ الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة المُقدَّسة إلى الوُجودِ في القرنِ الرَّابعِ الميلاديِّ، في بِدايَتِهِ. وقد ظَهَرَتْ أُمُّ اللهِ بِسُرعة في سنة 431 في مَجْمَعِ أَفَسُس. وفي سنة 451، وتَحديدًا في المَجمَعِ الخَلقيدونِيّ، تَرَسَّخَتْ هذهِ الفِكرة. فهي يجب أنْ تُدعى "أُمُّ اللهِ". وهذا يُعْزَى إلى قُرونٍ وَقُرونٍ وَقُرونٍ مِنَ التَّأليهِ المُتَراكِمِ لِمَريم. فقد صارت مُساوية للهِ. ومعَ أنَّ الكنيسةَ تُحاوِلُ جَاهِدَةً أنْ تَتَهَرَّبَ مِن هذهِ التُّهمة، وتُحاولُ جَاهِدَةً أنْ تُنكِرَ ذلك، فإنَّ حقيقةَ الأمرِ هي أنَّها أَعلى حَقًّا مِنَ اللهِ، وأَعلى مِنَ المسيحِ؛ كَما هُوَ وَاضِحٌ تَمامًا مِنْ خِلالِ ما يَقولونَهُ وما يَعرِضونَهُ في الكاتِدرائيَّاتِ حَولَ العالَمِ بأسرِه. فهي تَسودُ في السَّماءِ بِوَصفِهِا مَلِكَةً، وَمُتَسَيِّدَةً، ومُخَلِّصَةً، ومُقَدِّسَةً، ومُتَعاطِفَةً. وَكُلُّ هذهِ القُدرة الَّتي تُنْسَبُ إليها لا تَليقُ إلَّا باللهِ. ومَرَّةً أُخرى، فإنَّ "كارل كيتينغ" الَّذي يُحاولُ أنْ يُرَوِّجَ للإيمانِ الكاثوليكيِّ في أوساطِ الأُصولِيِّينَ يَقول: "إنَّ نِعمةَ اللهِ لا تُسْبَغُ على أيِّ شخصٍ مِن دونِ تَعاوُنِ مَريم".
النُّقطةُ السَّادِسَةُ في لائِحَتي بخصوصِ كيفيَّةِ نَظَرِ الكنيسةِ الكاثوليكيَّة إليها هي ليست عَقيدة بِقَدْرِ مَا هي اختبارٌ يَختصُّ بِمَريم يَحظَى بِقَبولٍ وَإقرارٍ وَاسِعَيِّ النِّطاق. وهي نُقطة تُشبِهُ كَثيرًا العَقيدة. وسوفَ نُسَمِّيها وَحَسْب: الظُّهورات. فَمَريَمُ تَستمرُّ في الظُّهورِ وَحَسْب. هل لاحَظتُم ذلك؟ فهي تَستمرُّ في الظُّهور. فهي تَنزِلُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرضِ لكي تُعَرِّفَ النَّاسَ بِها. وهي تأتي كثيرًا. وهي تأتي دائمًا برسائل عَجيبة. فهي تأتي برسائل عجيبة لأُناسٍ مَعزولينَ جِدًّا. فقد ظَهَرَتْ في "بانو" (Banneaux) بمدينة "ليج" (liege) في بَلجيكا. وفي سنة 1933، ظَهَرَت ثماني مَرَّات لفتاة قَرَوِيَّة عُمرُها إحدى عَشرةَ سنة. وقد ظَهَرت مَرَّة أخرى في "بورينغ" (Beauraing) في بَلجيكا في نفسِ الفَترة أيضًا. فقد حَدَثَ ذلكَ في نفسِ الفترة الزَّمنيَّة. فقدِ ابتدأتِ الظُّهوراتُ في سنة 1932 وانْتَهَت في سنة 1933. وقد ظَهَرت 33 مَرَّة لخمسة أطفال صِغار في حَديقةِ دَيْر. وقد ظَهَرت في مدينةِ "فاطيما" (Fatima)؛ والتي كانَ ينبغي أن أقولَ لكُم سابقًا إنَّها مَدينة في البُرتغال. وقد ظَهرت هُناكَ سِتَّ مَرَّاتٍ في سنة 1917 لثلاثةِ أولادٍ في حَقْل. ومَدينة "فاطيما" موجودة شَمال "لشبونة" (Lisbon). وقد ظَهَرت لِـ "غوادالوبي" (Guadalupe) في المكسيك، وظَهرت أربعَ مَرَّاتٍ في سنة 1531 لِهِنديٍّ اسمُهُ "خوان دييغو" (Juan Diego) على تَلٍّ خارجَ مدينةِ المكسيك. وقد ظَهرت في "لاساليت" (La Salette) في فرنسا إذْ ظَهَرت في هَيئة حَزينة وَباكِيَة لِطِفلَينِ رِيفِيَّيْن. وقد ظَهَرت في "لورد" (Lourdes) في فرنسا. ولَعَلَّكُم سَمِعتُم عن "لورد" في فرنسا. وقد عَرَّفَتْ مَريمُ بنفسِها بأنَّها "الَّتي حُبِلَ بها بِلا دَنَس" مُؤكِّدةً بذلكَ العقيدةَ الكاثوليكيَّة. وقد ظَهرت 18 مَرَّة بينَ الحادي عَشَر مِنْ شهر شباط/فبراير والسَّادِس عَشَر مِنْ شهر تَمُّوز/يوليو سنة 1858، وقد ظَهَرَتْ في كُلِّ هذه المَرَّاتِ الثَّماني عَشْرَةَ لفتاةٍ عُمرها 14 سنة اسمُها "بيرناديت سوبيرو" (Bernadette Soubirous). وقد ظهرت في مَغارة بالقُربِ مِن "لورد" أيضًا في جَنوب فرنسا. وقد ظَهرت ثلاثَ مَرَّات في سنة 1830 لِـ "كاثرين لابوريه" (Catherine Laboure) في كنيسة "بيت الأُمّ" (Mother House) أو "راهِبات المحبَّة" (Daughters of Charity) الَّتي أَسَّسَها القِدِّيس "فنسنت دي بول" (St. Vincent de Paul) في شارع "دي باك" (De Bac) في فرنسا.
وهذه فقط بعضُ الظٌّهوراتِ الَّتي ذُكِرَت في التَّقويمِ الكاثوليكيّ. فهي تَظهَرُ كثيرًا. وهي تَظهَرُ باستمرار. والحقيقة هي أنَّ الظُّهوراتِ صارت كَثيرة حاليًّا. وفيما يَخُصُّ البابا الأخير، أيِ البابا "بندكتُس السَّادِس عَشَر" (Benedict XVI) الَّذي كانَ يُعرَفُ سابقًا باسم "الكاردينال راتزينجر" (Cardinal Ratzinger)، إليكُم ما جاءَ عنه أو كُتِبَ عنه: "في سنة 1984، أَعلنَ جوزيف كاردينال راتزنجر، رأس رَعيَّة الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة في أُمورِ العقيدةِ المُختصَّة بالإيمان" [فهذا هو مَنصِبُهُ. فقد كانَ الوَصِيّ على عقيدةِ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة] أَعلنَ قائلاً: ’إنَّ واحدةً مِن علاماتِ أَزمِنَتِنا هي أنَّ الإعلاناتِ عن الظُهوراتِ المَريميَّة تَتَضَاعَفُ حَولَ العالَم". وقد أَبدى هذه المُلاحظة تَعليقًا على تقارير كثيرة عن ظُهوراتِ المُطَوَّبة مَريم العذراء لأفرادٍ موجودينَ في بلاد كثيرة، وثقافات مُختَلِفة، وأنظمة سياسيَّة عديدة. والحقيقة هي أنَّ القَرنَ والنِّصْف المَاضِيَيْن شَهِدا ظُهوراتٍ كثيرة للمُطَوَّبَة العَذراء (كما يَزْعُمون)، وأنَّ هذه الظُّهورات حَظِيَتْ بموافقة رَسميَّة مِنْ قِبَلِ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة".
ورُبَّما تَذكرونَ بعضَ الأشخاصِ الصُّوفِيِّينَ الكاثوليك في الماضي مِثلَ "إليزابيث فون شوناو" (Elizabeth von Sxhonau) الَّتي عاشَت في القَرنِ الثَّاني عَشر. فقد ظَهَرت مَريمُ لها مَرَّات عديدة. وقد ظَهَرت لامرأة أخرى وهي "آنَّا كاترينا إيميريك" (Anna Katharina Emmerick). وقد حَدَثَ ذلكَ في نهايةِ القرنِ الثَّامِن عَشَر وبدايةِ القَرن التَّاسِع عَشر. وقد استمرَّت في الظُّهور والظُّهور والظُّهور. وقد كُتِبَ الكثير عن هاتَيْن المرأتَيْن المُتَصَوِّفَتَيْن وَكُلِّ ظُهوراتِ مَريم. والمَرءُ يَتساءَلُ لماذا لا يُبالي الرَّبُّ يَسوعُ بالظُّهورِ مَرَّاتٍ مُماثِلَة! فلا بُدَّ أنَّهُ يَخْسَرُ مُسابقةَ الشَّعبيَّة لأنَّهُ لا يَظهَرُ البَتَّة. وَمِنْ شأنِ هذا أنْ يُعَزِّزَ شَعبيَّةَ مَريم الإجماليَّة لأنَّهُ يبدو أنَّ يَسوعَ لا يُبالي بأيِّ شخصٍ؛ في حين أنَّ مَريم مُتعاطِفة جِدًّا، وتَظهرُ دائمًا في أماكِن نائية، وتَتحدَّث إلى أشخاصٍ قَرَوِيِّين. فلا شَكَّ أنَّها مَحبوبة أكثر بكثير مِن يَسوع.
وَمِن خلالِ هذه الظُّهورات، بحسب ما قالَهُ أَحَدُ الكُتَّابِ، فإنَّ مَريم دَعَتِ الكاثوليكَ إلى التَّوبة، وإلى مُمارسةِ أعمالِ التَّوبة، وإلى تَرديدِ صَلاةِ الوَرديَّة لأجلِ اهتِداءِ الخُطاةِ، وإلى الصَّلاةِ لأجلِ السَّلامِ في العالَم. وقد طَالَبَتِ الكاثوليكَ أنْ يُكَرِّسوا أنفُسَهُم تكريسًا أعمقَ لها. وفي ضَوْءِ الأوصافِ الَّتي تُوصَفُ بها مِثلَ قَلبِها الطَّاهِرِ، وحَبَلِها الطَّاهِر، وخُلُوِّها مِنَ الخطيَّة، نَجِدُ فِكرةَ القَلبِ الطَّاهِر (أوِ الحَبَلِ الطَّاهِر والقلبِ الطَّاهر). وعندما تُفَكِّرونَ في الكاثوليكيَّة، فإنَّكُم تُفَكِّرونَ في القلبِ الطَّاهِر. أليسَ كذلك؟ فهذا شيءٌ يُظهِرونَهُ باستمرار. وأنتُم تَرَوْنَ رُسوماتٍ لِمَريم أو صُوَرًا لمريم فَتَجدونَ أنَّها تَمتَلِكُ قلبًا كبيرًا وعظيمًا. كذلكَ فإنَّ الطُّقوسَ الدِّينيَّة ظَهَرَتْ أيضًا نتيجةَ هذه الظُّهورات مِثلَ ارتداءِ الميداليَّة المُعجِزِيَّة والثَّوْب الكَتِفِيّ؛ وَكِلاهُما يِحمِلُ صُوَرًا لِمَريم. وفي أَحَدِ الظُّهوراتِ الَّتي يُزعَمُ أنَّ البابا يوحنَّا الثَّاني والعِشرين (Pope John XXII) رآها فيه في القرن الرَّابع عَشَر، قِيلَ أنَّ مَريمَ أَوْصَتِ الكاثوليكَ أنْ يَرتدوا الثَّوبَ الكَتِفِيَّ المُؤلَّف مِن قِطْعَتَيْنِ مُرَبَّعَتَيْنِ مِنَ القُماشِ يَحْمِلُ عادَةً صُوَرًا وَتَتَّصِلان مَعًا بخيط وَتَتَدَلَّيان حولَ العُنُق. وقد وَعَدتْ مَريمُ البابا يوحنَّا بأنَّ الكاثوليكَ الَّذينَ يَموتونَ وَهُمْ يَرْتَدونَ هذا الثَّوبَ إكرامًا لَها سَيَنْجُونَ مِنَ المَطْهَرِ في أوَّلِ يَومِ سَبْتٍ بَعدَ مَوتِهِم. لِذا، إذا أردتَ أنْ تَخرُجَ مِنَ المَطهَرِ في أوَّلِ سَبْتٍ بعدَ مَوتِكَ، يجب عليكَ أنْ تَبقى طَوالَ حَياتِكَ (لأنَّكَ لا تَدري مَتى ستموت) مُرْتَدِيًا ذلكَ الثَّوب حَولَ عُنُقِك.
وفي كُلِّ سنة، هناكَ خَمسة مَلايين ونِصف المَليون كاثوليكيّ يَحُجُّونَ إلى "لورد" (Lourdes). وهُناكَ عَدَدٌ مُماثِلٌ تقريبًا يَحُجُّ إلى "فاطيما" (Fatima) وإلى كاتدرائيَّة عذراء غوادالوبي بالقُربِ مِن مدينة المَكسيك. وفي أوروبَّا الوُسطى، نَجِدُ أنَّ التَّركيزَ الرَّئيسيَّ على ظُهوراتِ مَريم عندَ الحُجَّاجِ يَنْصَبُّ على مَزارِ سَيِّدَتِنا في "سيستيكاوا" (Czestochowa)، وهي أيقونة لمَريم العَذراء السَّوداء تَعودُ للقرن الرَّابع عَشَر. ولكِنَّ أَشهرَ مَزارٍ موجود في مدينة "مِديوغوريه" (Medjugorje) في البوسنة والهرسك. فهُناكَ يُزعَمُ أنَّ مَريمَ ظَهَرَتْ لِسِتَّة فَلاَّحين. فقد ظَهَرتْ لهم في نحو سنة 1981 كُلَّ يومٍ تقريبًا. وقد حَجَّ نحو عَشرة ملايين كاثوليكيّ إلى "مِديوغوريه" لكي يَسْمَعُوا بعضَ ما حَدَثَ عندما زارَتْ مَريمُ بعضَ الأماكِن.
وهُناكَ كِتابٌ نُشِرَ في سنة 1993 يَذكُرُ نَحوَ ألفِ ظُهورٍ لمريم تَمَّ تَوثيقُه: ثلاثونَ مَرَّة في القرن الثَّامِن عشر، ومِئَتا مَرَّة في القرن التَّاسع عشر، وأربعمئة وخمسونَ مَرَّة في القرن العشرين. لِذا فإنَّ الظُّهوراتِ تَزدادُ بسرعة كبيرة. ويَزعُمُ الكاردينال "مايزنر" (Cardinal Meisner) أنَّ مَريمَ جَلَبَتْ يَسوعَ إلى أوروبا مِنْ ’فاطيما‘". ولا يَسَعُ المَرء إلَّا أنْ يَتساءل أينَ كانَ قَبلَ ذلك إنْ كانت قد أَحضَرَتْهُ. وقد زارَتْ مَزرعةً في "جورجيا" (Georgia)، وبِنايَةً تِجاريَّةً في "كليرووتر" (Clearwater) بولاية فلوريدا، وظَهَرَتْ مؤخَّرًا على جِدارِ أحدِ الأنفاقِ في مدينةِ المكسيك. فهي تأتي كثيرًا جِدًّا. وهي تأتي إلى الفُقراءِ والمَنبوذينَ، وتأتي إلى الأطفالِ الصِّغار. وهي تأتي إلى المُزارِعينَ. وهذا يُؤكِّدُ حقيقةَ أنَّها هذه المرأة المُحبَّة، والمُتعاطِفَة، والرَّؤوفَة، والرَّقيقةُ القلبِ، والحَنونَة.
واسمَحوا لي أن أَقرأَ لَكُم مِن مَوقِع "أباريشينز دوت أورغ" (Apparitions.org) تَعليقًا على ظَاهِرَة مِديوغوريه: "مُنذُ أنِ ابتدأتِ الظُّهوراتُ في سنة 1981 في مِديوغوريه، قامَ ملايينُ النَّاسِ مِنْ كُلِّ المُعتقداتِ في جَميعِ أنحاءِ العالَمِ بزيارةِ مِديوغوريه وَغادَروها مُتَشَدِّدينَ ومُتَجَدِّدينَ رُوحيًّا". ولا أَدري ما السِّرُّ في ذلك! "وقد حَصَلَ أُناسٌ كثيرونَ غيرُ مُؤمِنين وأشخاصٌ مُعْتَلِّي الصِّحَّةِ جَسديًّا أو نَفسيًّا على الهِدايةِ والشِّفاء. وَسَيِّدَتُنا مُستمرَّة في إعطاءِ رسائلَ إلى سِتِّ أشخاصٍ مِن قَريةِ مِديوغوريه وَهُمْ: "إيفان" (Ivan)، و "ياكوف" (Jakov)، و "مارِيَّا" (Marija)، و "ميريانا" (Mirjana)، و "فيكا" (Vicka)، و "إيفانكا" (Ivanka). وهؤلاءِ الأشخاصُ السِتَّة المُشار إليهم بِـ "الرُّؤاة" (visioneries) رَأَوْا ظُهوراتٍ للعذراءِ المُطَوَّبَةِ مَريم مُنذُ الرَّابع والعِشرين مِن شهر حَزيران/يونيو 1981. فَضلاً عن هذه الرَّسائل، فإنَّ سَيِّدَتَنا ستُعطي كُلَّ واحدٍ مِنَ الرُّؤاةِ هَؤلاءِ ما مَجموعُهُ عَشْرة أَسرار أو أحداث ستجري على الأرض في المُستقبَل القريب. وقد تَمَّ الإعلانُ عن سِرٍّ واحِدٍ فقط مِن هذه الأسرار حَتَّى الآن مِنْ قِبَلِ الرُّؤاة. وما تَزالُ هُناكَ تِسعةُ أسرار لم تُعلَن بَعْد. وقد وَعَدَتْ سَيِّدَتُنا بأنْ تَترُكَ عَلامةً خَارقةً للطَّبيعة، ولا تُمْحَى، ومَرئيَّة، على الجَبَلِ الَّذي ظَهَرت عليهِ أوَّلَ مَرَّة. وعندما يَتَسَلَّمُ كُلٌّ مِنَ الرُّؤاةِ السِتَّة كُلَّ الأسرارِ العَشرة، فإنَّ سَيِّدَتَنا ستتوقَّفُ عنِ الظُّهورِ لَهُم يوميًّا. وحاليًّا فإنَّ "ماريَّا" وَ "فيكا" وَ "إيفان" قد تَلَقَّوْا تِسعةَ أسرار. وما تَزالُ سَيِّدَتُنا تَظهَرُ لهم كُلَّ يوم في أيِّ مَكانٍ يُوجَدونَ فيه في السَّاعة الخامسة وأربعينَ دقيقة مَساءً بحسبِ التَّوقيتِ الصَّيفيِّ (أو في السَّاعة السَّادسة وأربعينَ دقيقة بَقِيَّةَ السَّنة) بِحَسَبِ تَوقيتِ مِديوغوريه. "وقد تَلَقَّى ’ميريانا‘ وَ ’ياكوف‘ وَ ’إيفانكا‘ كُلَّ الأسرارِ العَشرة. ولكِنَّ سَيِّدَتَنا تَظهَرُ لَهُم مَرَّة كُلَّ سنة، وستَستمرُّ في ذلكَ طَوالَ حَياتِهم". لِذا فإنَّهم يَتَرَقَّبونَ الحُصولَ على كُلِّ الأسرارِ العَشرة. وكُلٌّ مِنهُم لديهِ عَشرةُ أسرار؛ أيْ ما مَجموعُهُ سِتُّونَ سِرًّا. وعندما تَكتَمِلُ هذه الأسرار فإنَّ العَذراءَ ستَكتُبُ شيئًا ما على الجَبَلِ؛ وهو شيءٌ سيؤثِّرُ في العالَمِ بأسرِه.
والشَّخصُ الوحيدُ (إنْ كانَ هُناكَ حَقًّا مَنْ يَظهَرُ لَهُم) هُوَ شَخصٌ خَرَجَ مِنَ الجَحيم. فهذا أمرٌ شَيطانيّ بِكُلِّ تأكيد ... بِكُلِّ تأكيد! ولكِنْ ما هي الضَّماناتُ وما هو الدَّهاءُ الَّذي تَستخدِمُهُ الشَّياطينُ في تَعامُلِها مَعَ هؤلاءِ الأشخاصِ المَخدوعينَ الَّذينَ وَقَعُوا أَسْرَى لهذه المُواجَهاتِ الشَّيطانيَّة! وهُناكَ المَزيد. وإليك العقيدة السَّابعة المُهِمَّة جِدًّا بخصوصِ مَريم. وهي عَقيدة مَوجودة في الكاثوليكيَّة مُنذُ وقتٍ طويلٍ جِدًّا. إنَّها العقيدةُ القائلةُ إنَّ مَريمَ "وَسيطَة" ... إنَّ مَريمَ "وَسيطَة" أو "شَفيعَة" (إنْ شِئتُم). فَكِلا التَّعبيرَيْنِ صَحيح. فَمَريمُ هي تلكَ القَناةُ الَّتي تَمُرُّ مِنْ خِلالِها كُلُّ النِّعَمِ الإلهيَّةِ الَّتي يُسْبِغُها اللهُ على النَّاس. اسمَعوا البَيانَ الرَّسميَّ للكنيسةِ الكاثوليكيَّة إذْ يقول "لودويغ أوت" (Ludwig Ott): "لا توجد نِعمة تُسْبَغُ على البَشَر مِنْ دونِ تَعاوُنِها الشَّفاعِيِّ الحَقيقيّ". ويَقول "أوت" في الصَّفحة 212، وفي الصَّفحة 211: "إنَّ كَرامَةَ مَريمَ الرَّفيعة بوصفِها مَلِكَة السَّماواتِ تَجعَلُها مُقتَدِرة جِدًّا في شَفاعَتِها الأُموميَّة لأجلِ أبنائِها على الأرض". فهي تَتَشَفَّعُ إلى اللهِ والمسيحِ لكي يُسبِغَ عَلينا أيَّ نِعمةٍ نَحتاجُ إليها. وهذه النِّعمة لا يُمكن البَتَّة أنْ تأتي إلَّا مِنْ خِلالِ شَفاعَتِها". ويقولُ "دي ليغواري" في الصَّفْحَة 159: "قد نَخافُ أنْ نَلتجئ إلى اللهِ لأنَّنا أَسَأنا إلى مَجْدِهِ الأبديِّ. أمَّا مَريمُ فلا يوجد فيها ما يُخيفُنا". وهذه هي الخُلاصة. فَمَريم غير مُؤذِيَة؛ بل هي مُتعاطِفة وحَنونة. لِذا، لا تَلتجئ إلى الله. فهو قاسٍ. ولا تَذهب إلى يسوع. فهو قاسٍ ولا يَظهَر. لِذا فإنَّهُ لا مُبالٍ. بَلِ التَجِئ إلى مَريم. فهذا هو النِّظام. لِذا، فقد نَجَحَ الشَّيطانُ في جَعْلِ كُلِّ هؤلاءِ النَّاسِ الَّذينَ يَقولونَ إنَّهُم يَعبُدونَ اللهَ والمسيحَ أشخاصًا يُغَالونَ في عِبادَةِ مَريم.
ونَقرأُ في كِتابِ التَّعليمِ المسيحيِّ الكاثوليكيّ (ص 252، الفَقْرَة 969): "لِذا فإنَّ العَذراءَ المُطَوَّبة تُدعَى في الكنيسة بِلَقَب: المُحامِيَة، والنَّصيرَة، والظَّهيرَة، والوَسيطَة. وهي المَلجأُ الرَّئيسيُّ والأساسيُّ للكاثوليك في مِحَنِهِم". وفي ما يَلي بَيانٌ بِعُنوان "إرشادٌ رَسُولِيٌّ" (Supreme Apostolatus)، وهي وَثيقة كاثوليكيَّة: "إنَّ الكنيسة الكاثوليكيَّة تَعْمَلُ دائمًا وأبدًا ما هُوَ حَقّ، وتَضَعُ رَجاءَها كُلَّهُ وثِقَتَها كُلَّها في أُمِّ اللهِ ... إذْ إنَّها تَشتركُ مَعَهُ في تَخليصِ الإنسانِ، وتَمتلك نِعمَةً وقُدرةً معَ ابنِها أَكثرَ مِن أيِّ نِعمةٍ أو قُدرةٍ حَصَلَ عليها أيُّ مَخلوقٍ بَشريٍّ أو مَلائكيٍّ، أو قد يَحصُل عليها". والنُّقطة هي أنَّكَ تَلتجئ إلى مَريم لأنَّ يسوعَ لا يَستطيعُ أن يُقاومَ مَريم. ولأنَّ مَريمَ رَؤوفة جِدًّا، فإنَّها لا تَستطيعُ أنْ تَرفُضَ لكَ طَلَبًا. والكنيسةُ الكاثوليكيَّةُ تَدَّعي أنَّ مَريمَ تَستطيعُ أن تُقنِعَ اللهَ بأنْ يُعطي أشياءَ لا يُمكِن أنْ يَعطيها لَولا وَساطَتِها. وهُناكَ وثيقة كاثوليكيَّة رُومانيَّة أخرى: "كذلك، فإنَّ كُلَّ البَشَر مُفعمونَ بالرَّجاءِ والثِّقة بأنَّ الصَّلواتِ الَّتي يُمكِن أنْ نَنالَها بِإحْسانٍ أقَلّ مِنْ خِلالِ شِفاهِ بَشَرٍ غير مُستَحِقِّين هي صَلواتٌ ستَحظَى بالقَبولِ مِنْ قِبَلِ اللهِ عندما تُقَدَّمُ إليهِ مِنْ قِبَلِ أَقدسِ أُمٍّ، وأنَّها سَتُجابُ إيجابيًّا". فأنتَ تَقرَعُ حَقًّا على بَابٍ مَصنوعٍ مِنْ فُولاذٍ إنِ التَجأتَ إلى اللهِ بِنَفسِك. لِذا، التَجِئ إلى مَريم وَهُوَ سَيَستَمِع إلى مَريم.
وهُناكَ وثيقة تُدعَى "فاوستو أبيتينتي ديي" (Fausto Appetente Die)، وهي وَثيقة كاثوليكيَّة رُومانيَّة أخرى تَقول: "لقد كانَ القِدِّيس دومينيك [Dominic] يَعلم جيِّدًا أنَّهُ في حين أنَّ مَريمَ، مِنْ جِهَة، كُليَّة القُدرةِ معَ ابنِها القُدُّوس [تَذَكَّروا ذلكَ وَحَسْب] الَّذي يَمنَحُ كُلَّ النِّعَمِ للبَشريَّة مِن خِلالِها، فإنَّها، مِن جِهة أخرى، بطبيعَتِها صَالحة جدًّا ورَحومة جِدًّا حَتَّى إنَّها تَميلُ إلى تَقديمِ المُساعدةِ عَفْوِيًّا إلى الَّذينَ يُعانون. فهي غير قادرة البَتَّة على رَفْضِ مُساعَدَةِ أولئكَ الَّذينَ يَطلبونَ العَوْنَ مِنها. والكنيسةُ اعتادَتْ على أنْ تُحَيِّي العَذراءَ بِصِفَتِها أُمَّ النِّعمة وأُمَّ الرَّحمة؛ وَهِيَ تُظهِرُ نَفسَها هكذا دائمًا، ولا سِيَّما عندما نَلتجئُ إليها مِن خلالِ الوَرديَّة المُقدَّسة". وكما تَرَوْن، فإنَّ الكَاثوليكيَّة الرُّومانيَّة هي عِبادة إلَهَة وَثنيَّة. فَهُمْ تَائِهونَ تَمامًا. وقد أُعيدَ وَصْفُ اللهِ بأنَّهُ دَيَّان وَقَاسٍ. وقد أُعيدَ وَصْفُ المسيحِ بأنَّهُ لا مُبَالٍ. وَالجميعُ يَعبُدونَ مَريم. استمعوا إلى ما جاءَ في الوثيقة "سوبيريوري آنُّو" (Superiore Anno)، وهي وَثيقة أخرى، إذْ إنَّها تَقولُ عنِ الله: "نَحنُ لَدينا رَجاءٌ راسِخٌ أنَّ اللهَ سيَسمَحُ لنفسِهِ، في آخِرِ المَطافِ، أنْ يَتَحَنَّنَ ويُشفِقَ على حَالةِ كَنيسَتِه، وأنْ يُعيرَ أُذُنًا لِلَّصَلواتِ الَّتي تأتي إليهِ مِن خلالِ مَريم". وقد عَلَّمَ البابا "بيوس الثَّاني عَشَر" (Pius XII) أنَّهُ في حين أنَّ بُطرُس يَملِكُ مَفاتيحَ السَّماواتِ، فإنَّ مَريمَ تَمتَلِك مِفتاحَ قَلبِ الله. وعندما تُديرُ المِفتاحَ فإنَّ الكنيسةَ تَضْمَنُ أنَّ القفْلَ سَيَفتَحُ".
وهُناكَ وَثيقة كاثوليكيَّة أخرى تَقول: "لا يُمكنُنا أنْ نَجِدَ حَامِيَةً أَقوى مِنها أو تَعسُرُ مُقاوَمَتُها بهذا القَدْرِ أمامَ الله. فهي بالنِّسبةِ إلينا أفضلُ الأُمَّهاتِ، وأكثرُ شخصٍ مُؤتَمَن على أسرارِنا، والحقيقة هي أنَّها الدَّافِعُ الأكبرُ لِرَجائِنا. فهي تَحصُلُ على كُلِّ شيءٍ تَطلُبُهُ، وصَلواتُها مُستجابَة دائمًا". وفيما يَلي اقتباسٌ آخر: مَريمُ كُليَّةُ القُدرةِ معَ ابنِها الإلهيِّ لأنَّها أُمُّ اللهِ القَديرة". وهُناكَ وَثيقة أُخرى بِعُنوان "تانتو ستوديو" (Tanto Studio) تقول: "معَ أنَّ صَلواتِ أولئكَ الموجودينَ في السَّماءِ تَلقى قَدْرًا مُعَيَّنًا مِنْ عَيْنِ اللهِ السَّاهرة، فإنَّ صَلواتِ مَريم تَجعَلُ يَقينِهُم مُستنِدًا إلى حَقِّ الأُمِّ. لِهذا السَّبب، عندما تَقترِب مِن عَرشِ ابنِها القُدُّوس، فإنَّها تَطلُبُ بِوَصفِها شَفيعَةً، وتُصَلِّي بِوَصفِها وَصيفَة، وتأمُرُ بِوَصفِها أُمًّا". فهي تأمُرُ يَسوع. فَمَنْ تكونُ هذهِ المَرأة؟ مَنْ تَكون؟ إنَّها إلَهٌ زائِفٌ. وَحَتَّى إنَّ مَريمَ تُوصَفُ بأنَّها تَمتَلِكُ القُدرةَ على تَخليصِنا. فعندما يُصَلِّي الكاثوليكُ "السَّلامُ عليكِ يا مَريم" فإنَّهُم يَقولون: "صَلِّ لأجلِنا نحنُ الخُطاة، الآنَ وفي سَاعَةِ مَوتِنا" ويَطلُبونَ مِنْ مَريمَ أنْ تُعطيهم الخلاص. ويَقولُ كِتابُ التَّعليمِ المسيحيِّ الكاثوليكيِّ ما يَلي: "عِندما نَسألُ مَريمَ أنْ تُصَلِّي لأجلِنا، فإنَّنا نَعتَرِفُ بأنَّنا خُطأةٌ، مَساكين ونَلتجئُ إلى أُمِّ الرَّحمةِ الكامِلَةِ القَداسَةِ، وَنَستودِعُها ذَواتِنا الآن مُنْذُ هَذا اليومِ مِنْ حَياتِنا، وَيَتَّسِعُ نِطاقُ ثِقَتِنا الموجودة أَصْلاً في هذه اللَّحظةِ الحاضِرَةِ فَنَستودِعُ لَحظةَ موتِنا تَمامًا في رِعايَتِها لِكي تَكونَ حَاضِرَةً فيها كما كانت حاضِرَةً عند مَوتِ ابنِها على الصَّليب، ولكي تُرَحِّبَ بِنا بِصِفَتِها أُمَّنا في ساعَةِ عُبورِنا لِتَقودَنا إلى ابنِها يَسوعَ في الفِرْدَوس".
هل هذه مُجَرَّد حَرَكَة مُنتَشِرَة في صُفوفِ أُناسٍ جَاهِلين؟ وهل هذه مُجَرَّد حَرَكة بينَ عَامَّةِ النَّاسِ؟ لا أعتقدُ ذلك. فقد كانَ هُناكَ يَومٌ في حياةِ "يُوحَنَّا بولُس الثَّاني" ... يَومٌ مُخيفٌ بالنِّسبةِ إلَيه. فقد تَلَقَّى طَلْقَةً في مَعِدَتِه على يَدِ "محمَّد علي آغا" (Mehmet Ali Agca)، وَهُوَ إرهابيٌّ مَخبول وَقاتِلٌ مُدَان، وَهُوَ تُرْكِيٌّ يَبلُغُ مِنَ العُمرِ 23 سَنة. فقد كانَ يَحمِلُ مُسَدَّسًا أوتوماتيكيًّا نَوْع "براونينغ" (Browning) عِيار 9 ملم، ويَقِفُ في سَاحَةِ القِدِّيس بُطرس. وقد أَطلقَ النَّارَ على البابا وَأَصابَهُ. وقد تَمَكَّنَ أحدُ أصدقاءِ البابا مِنْ سَنْدِهِ عندَ سُقوطِهِ أرضًا فَسَمِعَهُ يَقول: "يا مَريم! يا أُمِّي! يا مَريم! يا أُمِّي!" وقد قالَ كَاتِبُ سِيرَتِهِ الذَّاتيَّة إنَّ ذلكَ الدُّعاءَ كانَ ما يَزالُ على شَفَتيه بعدَ خَمسَ عَشْرَةَ دقيقة عندما فَقَدَ الوَعْيَ في مُستشفى "جيميلي" (Gemelli) بعدَ أنْ هَبَطَ ضَغطُهُ بسببِ النَّزفِ الحَادِّ مُهَدِّدًا حَياتَهُ بالخَطر. وقد أَقاموا لأجلِهِ الصَّلاةَ لأجلِ الأموات. وقد اكتَظَّتْ ساحَةُ القِدِّيس بُطرس بالنَّاس. وقد ذَهَبَ بَعضٌ مِنهُم إلى عَرْشِ البابا ووَضَعُوا صُورةً على العَرش. والصُّورةُ هي صُورة مَريم. وعلى ظَهرِ الصُّورة كُتِب: "يا ليتَ سَيِّدَتَنا تَحمي قَداسَةَ البابا مِنَ الشَّرِّ". وحالاً، صَدَحَتْ صَلاةُ الوَرديَّة مِنْ مُكَبِّراتِ الصَّوتِ الخَاصَّةِ بالفاتيكان. وفي السَّاعةِ الثَّامنة، استقرَّتْ حالةُ البابا، وَتَمَّ الإعلانُ بِثِقَة أنَّ "اللهَ استجابَ تَضَرُّعَ مَريمَ لإنقاذِ حَياتِه". وحينئذٍ، ابتدأَتِ الحُشودُ تُغادِر السَّاحَة.
إنَّ هذه ليست نَظرةَ أشخاصٍ عَامِّيِّين، بل إنَّها نَظرة مَصْدَرُها أُناسٌ يَحْتَلُّونَ مَناصِبَ عُليا. وإذا رَجَعنا قليلاً إلى تاريخِ يوحنَّا بُولس الثَّاني، بعدَ موتِ أُمِّهِ، عندما كانَ في سِنِّ الثَّامنة، وكانَ اسمُهُ الحقيقيُّ هو "كيرول فوجتيلا"، صَارَ مُنذُ سِنٍّ مُبَكِّرَة مُكَرَّسًا جِدًّا لِمَريم لأنَّ هذا كانَ جُزءًا مِنَ النِّظامِ بأسرِه. وعندما صَارَ بابا في سنة 1978، أعادَ تَكريسَ نَفسهُ وحَبْرِيَّتهُ كُلها لِمَريم. وفي أَسْفارِهِ بِصِفَتِهِ البابا، استمرَّ في زيارةِ مَزاراتِ مَريم المُنتَشِرة في جَميعِ أنحاءِ العالَم. وقد جَعَلَ التَّكريسَ لِمَريم المِحْوَرَ الرَّئيسيَّ لِصَلواتِه، والمِحورَ الرَّئيسيَّ لتأمُّلاتِهِ الشَّخصيَّة. وقد كانَ لدى يُوحنَّا بولس الثَّاني شِعارُ نَبَالَة. وفي الجُزءِ المُتَوَسِّطِ مِنْ شِعارِ النَّبَالَة ذاك، كانَ الحَرفُ "ميم" مَحفورًا بِحَجمٍ كبير (وَهُوَ الحَرفُ الأوَّلُ مِن اسمِ مَريم). وعندما ماتَ البابا، كانَ تَابوتُهُ مُزَخرَفًا بهذا الحَرف "ميم" أيضًا تأكيدًا لما قالَهُ قبلَ سَنواتٍ طَويلة: "أنا كُلِّي لَكِ يا مَريم".
وفي مُلاحظاتٍ كُتِبَتْ في وَصِيَّتِه، اقتبسَ كلمات الكاردينال البولنديّ السَّابق الَّذي كانَ مَصْدَرَ إلهامٍ لَهُ: "النَّصْرُ، حينَ يأتي، سيكونُ نَصْرًا مِنْ خِلالِ مَريم". وأيُّ شخصٍ يُتابِعُ كُلَّ عِظاتِ يوحنَّا بولس الثَّاني يَرى تَكريسَهُ الشَّديد لِمَريم. ففي يوم الأرُبْعاء، في السَّابعِ مِن شهرِ أيَّار/مايو سنة 1997، قالَ يوحنَّا بولس الثَّاني: "إنَّ تاريخَ الوَرَعِ المَسيحيِّ يُعَلِّمُ أنَّ مَريمَ هي الطَّريقُ الَّذي يَقودُ إلى المسيح". وقد كَتَبَ كِتابًا بعُنوان: "كِتاب يوحنَّا بولُس الثَّاني عن مَريم" (John Paul II’s Book on Mary). وقد جاءَ في صَفحةِ الإعلانِ الدَّاخليِّ في الكِتاب: إنَّهُ كِتابٌ للأشخاصِ الَّذينَ يَسْعَوْنَ إلى علاقةٍ أعمق بيسوعَ وأُمِّهِ. ويُدْرِجُ جَدولُ مُحتوياتِ الكِتاب جَميعَ الألقابِ الَّتي أَطلَقَها يُوحَنَّا بولس الثَّاني على مَريم: "بَوَّابَة السَّماء"، وَ "وَسيطَة كُلِّ النِّعَم" (وهو الموضوعُ الَّذي نَتحدَّثُ عنهُ)، وَ "مِرآهُ الكَمال"، وَ "أُمُّ الكنيسة، وَ "أُمُّ الرَّحمة"، وَ "عَمودُ الإيمان"، وَ "كُرْسِيُّ الحِكمة".
وفي ما يَلي مِثال على ما جاءَ في هذا الكِتاب: "إنَّ مَريمَ تُشارِكُنا حَالَتَنا البَشريَّةَ، ولكِنْ في انفتاحٍ كامِلٍ على نِعْمَةِ الله. فهي لم تَعرِف خَطِيَّة، ولكنَّها قَادرة أنْ تَتَعاطَفَ معَ كُلِّ ضَعفٍ. إنَّها تَفهَمُ الإنسانَ الخاطئَ وتُحِبُّهُ بِمَحَبَّةِ الأُمّ. لهذا السَّببِ تَحديدًا، فإنَّها تُسانِدُ الحَقَّ وتُشارِكُ الكَنيسَةَ حِمْلَها في تَذكيرِ الجَميعِ دائمًا بِمَطالِبِ الأخلاق". وَقد قالَ أيضًا: "بالنِّسبةِ إلى كُلِّ مَسيحيٍّ، وبالنِّسبةِ إلى كُلِّ إنسانٍ، فإنَّ مَريمَ هي الَّتي آمَنَتْ أوَّلاً. وبإيمانِها تَحديدًا، بوصفِها زَوجَةً وأُمًّا، فإنَّها تَتَمَنَّى أنْ تَعملَ في حياةِ كُلِّ الَّذينَ يَأتَمنونَها على حَياتِهِم بوصفِهِم أبناءَها. ومِنَ المَعروفِ تَمامًا أنَّهُ كُلَّما استمرَّ أولادُها وواظَبوا على هذا السُّلوك، زَادَ قُربُ مَريم مِنهُم وقيادَتُها لَهُم كي يَختَبِروا غِنى المَسيحِ الَّذي لا يُستَقصَى". فإنْ أردتَ أنْ تَصِلَ إلى المَسيح، يجب عليكَ أنْ تَلتجئَ إلى مَريم. وأنا أَسألُ مَرَّةً أخرى: مَنْ هُوَ هذا؟ فهذه خُدعة شيطانيَّة. وهي عِبادة شَياطين.
وهو يَقولُ أيضًا: "إذْ يَرفَعُ المَسيحيُّونَ أَعيُنَهم بإيمانٍ إلى مَريم، عَبْرَ مَسيرتِهِم على الأرض، فإنَّهُم يُحاولونَ جاهِدينَ أنْ يَنْمُوا في القَداسَة. وَمريَمُ، ابنةُ صِهْيَون المُرتَفِعَة، تُساعِدُ أَبناءَها جَميعًا، حَيثُما كانوا، وأيًّا كانت حَالَتُهم، على أنْ يَجِدوا في المسيحِ الطَّريقَ الَّذي يَقودُ إلى بيتِ الآب". وقد قال: "لا أحدَ يَستطيعُ أنْ يَأتي بنا، كما تَفعل مَريم، إلى البُعدِ الإلهيِّ والبَشريِّ لِسِرِّ الإنجيل". وقد قال: "يُمكِنُنا أنْ نَلتجئَ إلى العَذراءِ المُطَوَّبَةِ بِثِقَة، وأنْ نَتضرَّعَ إليها طَلبًا للعَون مِنْ مُنطَلَقِ إدراكِنا للدَّورِ الفَريدِ الَّذي ائتَمَنَها عليهِ اللهُ [استمعوا إلى ما يَقول]؛ أيْ دَورِها في أنْ يَكونَ لَها دَوْرٌ في الفِداء؛ وَهُوَ دَورٌ تُمارِسُهُ مِن خلالِ حياتِها بطريقةٍ خاصَّة عندَ أقدامِ الصَّليب". وهذه كلماتٌ جَريئة. فهي ليست فقط وَسيطَة كُلِّ النِّعَم، والقناةُ الَّتي تأتي مِن خلالِها كُلّ النِّعَم، والأُمُّ الَّتي نَلتجئُ إليها في كُلِّ شيء، بل إنَّها تَشتَرِكُ حَتَّى في فِدائِنا. وقد قالَ "ليو الثَّالث عَشَر" (Leo XIII): "بحسب عَقيدةِ الكنيسة، فإنَّ مريمَ هي قَناةُ اللهِ الفَريدة للبَرَكة. فاللهُ يُسبِغُ جَميعَ النِّعَمِ على البشرِ مِن خلالِها". وقد أَكَّدَ "بندكتُس الخامِس عشر" (Benedict XV) أنَّها "كُرسيُّ جَميعِ النِّعَمِ الإلهيَّة، والمَلاذُ الآمِنُ الَّذي تَحُضُّ الكنيسةُ المؤمنينَ على اللُّجوءِ إليهِ في وقتِ الحاجة".
ويُمكنني أنْ أستمرَّ وأستمرَّ في الحديثِ عن ذلك، ولكنِّي أعتقدُ أنَّكُم فَهِمتُم الصُّورة. فالكنيسةُ [الكاثوليكيَّة] تقول: "لا يوجد شيء نَحصُل عليه إلَّا مِن خلالِ وَساطَة مَريم لأنَّ هذه هي مشيئةُ الله". والكنيسةُ [الكاثوليكيَّة] تقول: "مَريمُ هي الوسيطة الأقوى وشَفيعةُ العالَمِ كُلِّه لَدى ابنِها الإلهيّ". وصَلاةُ "السَّلامُ عليكِ يا مَريم"، وهي إحدى صَلواتِ الوَرديَّة، تَقول: "السَّلامُ عَليكِ أيَّتُها المَلِكَة، يَا أُمَّ الرَّحمَةِ والرَّأفةِ، يا حَياتَنا، وَحَلاوَتَنا، ورَجاءَنا. إليكِ نَصرُخُ نَحْنُ المَنْفِيُّونَ أولادُ حَوَّاء، ونَتَنَهَّدُ نَحْوَكِ نَائِحينَ وبَاكِيْنَ، في وادي البُكاءِ هَذا. لِذا، يا شَفيعَتَنا، انعَطِفي بِنَظَرِكِ الرَّؤوفِ نَحوَنا، وأَرينا بَعدَ هذا المَنْفَى، ثَمَرَةَ بَطْنِكِ المُبارَكَة: يَسوع. يا حَنُونَة، يا مُحِبَّة، يا حُلوَة، يا مَريم البَتول. صَلِّ لأجلِنا، يا والدةَ اللهِ القِدِّيسَة، كي نَستَحِقَّ مَواعيدَ المَسيح".
وإليكُم ما قالَهُ "دي ليغواري" (de liguori) قبلَ وقتٍ طَويل: "لقد جُعِلَتْ مَريم وَسيطَةَ خَلاصِنا، لا وَسيطَةَ العَدْلِ، بالطَّبع، بل وَسيطةَ النِّعمَة". وقد قال: "لقد جُعِلَتْ سُلَّمَ الفِرْدَوْسِ، وبَوَّابَةَ السَّماء". وقد دَعاها يُوحَنَّا بولسُ الثَّاني "الوسيطة الحَقيقيَّة بينَ الإنسانِ والجِنسِ البشريِّ". وقد قالَ "دي ليغواري": "لقد أعلنَ اللهُ أنَّ كُلَّ النِّعَمِ تَأتي مِنْ بينِ يَديها". وقد قال: "مَريمُ هي مَصدرُ كُلِّ خَيرٍ، وهي المَصدرُ المُطلَقُ لِكُلِّ نِعَمِنا". وقد قالَ "أوت" (Ott)، اللَّاهوتيُّ الكاثوليكيُّ الرُّومانِيُّ: "لا تأتي نِعمة إلى الإنسانِ إلَّا مِنْ خِلالِ شَفاعَةِ مَريم". وقد جاءَ في مَنشورٍ بَابويٍّ بِعُنوان "فيريتاتيس سبليندور" (Veritatis Splendor) ليوحنَّا بولسُ الثَّاني: "إنَّها الأُمُّ الَّتي تَحصُلُ لنا على الرَّحمةِ الإلهيَّة". ولكِنْ ما تَزالُ هُناكَ نُقطَتانِ ينبغي أنْ أَتحدَّثَ عنهُما، ولكنَّكُم احتملتُموني كثيرًا. لِذا، أعتقد أنَّني سأفعلُ الآتي، وأعتقد أنَّ الحِكمة تَقتضي ذلك: أنْ أُنهي هذا الموضوع مساءَ يومِ الأحدِ القادم لأنَّهُ بالرَّغمِ مِنْ أنَّهُ بَقِيَتْ نُقطتانِ فقط، فإنَّ هُناكَ أوراقًا كثيرةً في مُلاحظاتي. ولن أكونَ أَمينًا في القيامِ بواجِبي إنْ لم أعمَل أيضًا، في نهايةِ هذهِ الدِّراسة، على اصْطِحابِكُم إلى كلمةِ اللهِ كَيْ نُلقي نَظرة كِتابيَّة حقيقيَّة على هذا الموضوع.
وأنا أَعلمُ أنَّ يومَ الأحدِ القادِم هو أحدُ عِيْدِ الفِصْح. وقد كُنَّا عَازِمينَ على تَخصيصِ مَساءِ يومِ الأحدِ القادم لطَرحِ الأسئلةِ والإجابةِ عنها، ولكِنَّ هذا الموضوعَ أكثر أهميَّة جدًّا. لِذا، سوفَ نَختِمُ هذا الموضوعَ في المَرَّة القادِمة. وإنْ كُنتُم تتساءلونَ عنِ النُّقطَتَيْنِ المُتَبَقِّيَتَيْن، لا ينبغي أنْ أُخبرُكم، بل يجب أنْ أُشَوِّقَكُم كَيْ تأتوا. ولكِنْ لأنِّي أريدُ أن أكونَ لَطيفًا، سأقولُهُما لكم. فقد تَحَدَّثنا عن واحدة مِنهُما وهي أنَّها تَشتركُ في الفِداء ... تَشترِكُ في الفِداء مَعَ يَسوع. والنُّقطةُ الأخيرة، وهي صَادِمَة بالقَدرِ نَفسِه: أنَّها مَصْدَرُ الاستحقاقِ الأبديِّ. فالأمرُ لم يَقتَصِر على أنَّها اشتَرَكَتْ في فِدائِنا، بل إنَّها كانت أكثرَ قَداسَةً مِمَّا كانَ ينبغي أنْ تكون حَتَّى إنَّها حَصَلَتْ على قَداسةٍ أكثرَ مِنَ الَّتي تَحتاجُ إليها؛ وهي قَداسة مُتاحة الآن للخُطاةِ مُقابِلَ ثَمَن. وهذا يُعطينا فِكرةً عن موضوعِ بَيعِ صُكوكِ الغُفْران؛ أيْ عَنْ بيعِ البِرِّ الزَّائدِ عن حَاجَةِ مَريم. وهذا هو ما أَثارَ غَضَبَ "مارتن لوثر" وأدَّى إلى الإصلاح. وبعدَ أنْ نَدرُسَ هاتينِ النُّقطَتين، سوفَ نَنظرُ إلى كلمةِ اللهِ وما جاءَ فيها عن عِبادةِ الآلهةِ الزَّائفة.
لِذا، يا رَبُّ، نحنُ نَشعرُ أنَّنا قد رأينا عَرشَ الشَّيطان. وَهُوَ مُخيفٌ وَمُرعِبٌ! ويا لَها مِنْ مأساة مُريعة أنَّ أُناسًا كثيرينَ غَافِلينَ يُريدونَ أنْ يَعتَنِقوا هذا النِّظامِ كما لو كانَ صَحيحًا. فالنَّاسُ المَوجودونَ في هذا النِّظامِ يَعبُدونَ إلَهًا زَائِفًا، ويَنتهِكونَ الوَصيَّةَ الأولى. فَهُمْ يَعبدونَ إلهًا آخرَ. فاللهُ نَفسُهُ هو الَّذي قال: "لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي". وَهُمْ يَعبدونَ إلَهَةً مِنْ صُنْعِ الشَّيطانِ الَّذي يُحَرِّفُ الحَقَّ المسيحيَّ ولا يَترُكُ شيئًا مَسيحيًّا لم يُدَنِّسْهُ التَّقليدُ الشَّيطانِيُّ. ونحنُ نَقولُ هذا كُلَّهُ بمحبَّة، وبضميرٍ صَالِحٍ، وإيمانٍ بِلا رِياء لأنَّ الحَقَّ مُهِمٌّ. فهو مُهِمٌّ أكثرَ مِنْ أيِّ شيءٍ آخر. وَهُوَ مُهِمٌّ أكثرَ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ يَفرحونَ مَعَنا أو يُحِبُّونَنا، أوْ يَتمتَّعونَ بِعَلاقاتٍ طَيِّبَة. فهذا الحَقُّ مُهِمٌّ أكثرَ مِن أيِّ شيءٍ آخر لأنَّ ما تَفعَهُ بالحَقِّ أوِ الإنجيلِ يُقَرِّرُ مَصيرَكَ الأبديَّ. وسوفَ نَفتَقِرُ إلى الأمانةِ والمحبَّةِ بأسوأ صُورة مُمكِنَة إنْ لم نُبْدِ استعدادَنا للتَّصَدِّي لأسوأِ ضَلالٍ على الإطلاق. وما نَرجوهُ هو أنْ نَكونَ قد تَعامَلنا معَ ذلك بِحِرْصٍ شَديد ومحبَّة حقيقيَّة في الوقتِ نَفسِه. فالنَّاسُ بحاجة إلى الإنقاذِ مِنْ هذا النِّظام. ولا يَجوزُ أنْ يُوصَفَ هذا النِّظامُ بأنَّهُ مَسيحيّ. فهذه وَثنيَّة. فهي وَثنيَّة تَجديفيَّة مِنْ أسوأِ نَوعٍ مُمكِن لأنَّ اختلاطَها بالمسيحيَّة يَجعَلُها أكثر مَكْرًا.
ساعِدنا على أنْ نَجِدَ طُرُقًا لإبعادِ النَّاسِ عن هذا النِّظام؛ ولا سِيَّما أولئكَ الَّذينَ عَلِقوا فيه، كي يأتوا إلى المسيحِ لأنَّهُمْ مَتروكونَ بِمُفرَدِهِمْ مِنْ جِهَةِ الخَلاص. فَكُلُّ مَنْ يَتَّكِل على مَريم للخلاصِ قد دَنَّسَ الإنجيل. وأيًّا كانت نَظرَتُهم إلى يسوعَ فإنّها غير صحيحة لأنَّهُ يُريدُ مِنَّا أنْ نُلقي كُلَّ إيمانِنا، وكُلَّ عواطِفِنا، وكُلَّ ثِقَتِنا، وكُلَّ رَجائِنا عليهِ هُوَ فقط، ولا أَحَدَ سِواه. لِذا، فإنَّنا نَسألُكَ أنْ تَستخدِمَ هذهِ العِظاتِ في حياةِ الأشخاصِ الَّذينَ سَمِعوها، والَّذينَ سَيعيدونَ سَماعَها، والَّذينَ سَيَسمعونَها على مَرِّ السِّنين إذْ تُعادُ هذه الرِّسالة مَرَّة أخرى. ونحنُ نُقِرُّ، مَرَّةً أخرى، بِالبَرَكةِ النَّابعةِ مِن مَعرفةِ الحَقِّ ومَعرفةِ الحَقِّ الحَيِّ؛ أيِ الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ الَّذي باسمِهِ نُصَلِّي. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
