Grace to You Resources
Grace to You - Resource

أَوَدُّ أن أبتدئَ في هذا المَساء بأنْ أَطلُبَ مِنكم أن تَفتحوا كِتابَكُم المُقدَّس على الأصحاحِ الأوَّلِ مِنْ رِسالة غَلاطِيَّة. رسالة بُولس إلى أهْلِ غَلاطِيَّة. وسوفَ تكونُ هذه مُجَرَّد نُقطة مِحوريَّة أو نُقطة بِداية. رسالة غَلاطيَّة والأصحاح الأوَّل. فبولسُ يَبتدئُ بالقول في العددِ الأوَّل: "بُولُسُ، رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَجَمِيعُ الإِخْوَةِ الَّذِينَ مَعِي، إِلَى كَنَائِسِ غَلاَطِيَّةَ". ثُمَّ إنَّهُ يَقولُ ما يَلي: "نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ الآبِ، وَمِنْ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا، لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ حَسَبَ إِرَادَةِ اللهِ وَأَبِينَا، الَّذِي لَهُ الْمَجْدُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ. إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ [أيْ عنِ اللهِ] الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ! لَيْسَ هُوَ آخَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُحَوِّلُوا إِنْجِيلَ الْمَسِيحِ. وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»! كَمَا سَبَقْنَا فَقُلْنَا أَقُولُ الآنَ أَيْضًا: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»! أَفَأَسْتَعْطِفُ الآنَ النَّاسَ أَمِ اللهَ؟ أَمْ أَطْلُبُ أَنْ أُرْضِيَ النَّاسَ؟ فَلَوْ كُنْتُ بَعْدُ أُرْضِي النَّاسَ، لَمْ أَكُنْ عَبْدًا لِلْمَسِيح". فَخِدمةُ اللهِ وخِدمةُ المسيح تَقتضي أنْ نَتَخَلَّى عن أيِّ مُحاولاتٍ لإرضاءِ النَّاسِ أوْ كَسْبِ رِضَى النَّاسِ، وأنْ نَرُومَ فَقط إلى قَولِ الحَقِّ.

فأيُّ إنجيلٍ آخر هو إنجيلٌ زائف. وأيُّ واعظٍ لأيِّ إنجيلٍ آخر هو مُعَلِّمٌ زائف. وأيُّ نِظامٍ يُنادي بإنجيلٍ زائف هو نِظامٌ زائف. وهذهِ كُلُّها أُمورٌ يَلعَنُها اللهُ. ولا بُدَّ أنَّها ستكونُ إنجيلاً زائفًا إنْ كانت تَدعو إلى عِبادةِ إلَهٍ زائف. وهذا الأصحاحُ يَبتدئُ بِذِكْرِ المَجدِ الأبديِّ ليسوعَ المسيحِ واللهِ الآب. وأيُّ شخصٍ آخر يُحاولُ أنْ يَدخُلَ ويَسلُبَ ذلكَ المجد الَّذي لا يَليقُ إلَّا بالآبِ والابْنِ والرُّوحِ القُدُس هُوَ: "أناثيما". وفي حالةِ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة، فإنَّهم ابتَدَعُوا إِلَهَةً زائفةً وَجَدَّفوا أكثرَ بأنْ أَطلَقوا عليها اسمَ "أُمِّ يَسوع: مَريم"، مَعَ أنَّها لا تَمُتُّ بأيِّ صِلَة بِها. والكنيسةُ الكاثوليكيَّةُ الرُّومانيَّة تَقودُ العالَمَ إلى عِبادةِ إلَهَةٍ وَثنيَّة، وإلى دِيانَة وَثنيَّة تَجديفيَّة تَتَظاهَرُ بأنَّها مَسيحيَّة. ففي الكاثوليكيَّة، إنَّها الإلَهَة الزَّائفة الَّتي تُسَمَّى "مَريم" الَّتي تأتي مِنْ خِلالِها كُلُّ النِّعَمِ، وكُلُّ البَرَكاتِ، وكُلُّ الأعمالِ الإلهيَّة إلى النَّاس. فلا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أنْ يَخلص، ولا يُمكن لأيِّ شخصٍ أنْ يَتبارَك ما لم تَتَشَّفع فيهِ مَريم. فهي تُوصَفُ بأنَّها كُليَّة المَعرفة، وكُليَّة الحِكمة، وكُليَّة الرَّحمة، وأنَّها حاضِرَة في كُلِّ مَكان، وأنَّها كُليَّة القُدرة؛ وهي أوصافٌ لا تَليقُ إلَّا بالله.

وعلى مَدى أُسبوعَيْن، نَظَرنا إلى ما تَقولُهُ الكنيسةُ الكاثوليكيَّة عن مَريم؛ هذه الإلَهَةِ الَّتي يَعبُدونَها. وقد نَظرنا تَحديدًا إلى السِّجِلِّ التَّاريخيِّ لعبادةِ مَريم كما جَمَعَهُ القِدِّيس "ألفونسوس دي ليغواري" (St. Alphonsus de Liguori) الَّذي كَتَبَ كِتاب "أَمْجاد مَريم" (The Glories of Mary) في سنة 1745؛ وَهُوَ كِتابٌ تُرجِمَ مُنذُ ذلكَ الحين إلى اللُّغة الإنجليزيَّة وطُبِعَ المَرَّة تِلو المَرَّة تِلو المَرَّة بموافقةٍ تامَّةٍ وإذْنٍ رَسميٍّ مِنَ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة الرَّسميَّة. وفي هذا الكِتاب، تَمَّ جَمْعُ كُلِّ أمجادِ مَريم الَّتي أَجازَتْها الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة. والكنيسةُ نَفسُها تَدعو كُلَّ أَتباعِها إلى إعطاءِ مَريمَ الإكرامَ الَّذي تَستحقُّه. وهي تُوصَفُ بأنَّها "مَريمُ مَلِكَتُنا"، وَ "مَريمُ أُمُّنا"، وَ "مَريمُ حَياتُنا"، وَ "مَريمُ حَلاوَتُنا"، وَ "مَريمُ رَجاؤُنا"، وَ "مَريمُ مُعينَتُنا"، وَ "مَريمُ شَفيعَتُنا"، وَ "مَريمُ نَصيرَتُنا"، وَ "مَريمُ حَامِيَتُنا"، وَ "مَريمُ خَلاصُنا". ويُقالُ إنَّ مَريمَ تُخَلِّصُنا مِنْ جَهَنَّم، وإنَّ مَريمَ تُخَلِّصُنا مِنَ المَطْهَر، وإنَّ مَريمَ تَقودُنا إلى السَّماء. ويجب علينا أنْ نَقولَ إنَّ "دي ليغواري"، الَّذي جَمَعَ كُلَّ العقيدة المَريميَّة والتَّكريسِ المَريميِّ، كانَ هُوَ نَفسُهُ واحدًا مِنْ أشهرِ وأَبرزِ المَراجِعِ المُبَجَّلة في الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة. فقد كانَ "دي ليغواري" نَفسُهُ كاردينالاً في حَياتِهِ، وقِدِّيسًا في مَوتِهِ.

وقد قُلتُ لكم إنَّهُ لا يَنبغي لنا أنْ نَنظُرَ إلى عِبادةِ مَريمَ كما لو كانت حَركة مُتواضِعَة مُنتشرة فقط في أوساطِ الفُقراء. فَعِبادةُ مَريم لم تُوَبَّخْ يومًا مِنْ قِبَلِ أَصْحابِ المَناصِبِ الكَنسيَّة العُليا، بل إنَّهُم يُعَلِّمونَها هُمْ أنفُسُهم. وَهُمْ يُشَجِّعونَ عليها. فالأساقفةُ والكاردينالاتُ والبابواتُ أنفُسُهم هُمْ مِنْ أكثرِ الأشخاصِ تَكريسًا لِمَريم. والشَّخصُ الَّذي يَفوقُهُم جميعًا هو "يوحنَّا بولُس الثَّاني" الَّذي ماتَ مُؤخَّرًا. وقد ظَهَرَت سَيِّدَةُ جَبَل الكَرمِل للبابا يوحنَّا الثَّاني والعِشرين وأعطَت "الامتيازَ السَّبْتِيَّ" (the Sabbatine Privilege) في سنة 1322. وقد تَمَّ التَّأكيدُ على عِبادةِ مَريم مِنْ قِبَلِ البابوات "اسكندر الخامس" (Alexander V)، وَ "كليمنت الثَّاني" (Clement II)، وَ "بيوس الخامس" (Pius V)، وَ "غريغوري الثَّالث عشر" (Gregory XIII)، وَ "بولس الخامس" (Paul the V)، وبابوات كثيرينَ آخرين. فقد كانت (وما تَزالُ) الأُمُّ الَّتي يَتَّكِلُ عليها عشرات الملايينِ مِنَ الكاثوليك. وقد قيلَ إنَّ مَريمَ تَعِدُ بأنْ تُساعِدَنا في ساعةِ مَوتِنا بِكُلِّ النِّعَمِ اللَّازمةِ للخلاص. فقد قالت: "أنا أَعِدُ بهذه المُساعدة لِكُلِّ الأشخاصِ الَّذي سيقومونَ في أوَّلِ يومِ سَبتٍ في الشَّهر على مَدى خَمسة أشهرٍ مُتَتالية بالاعترافِ، وتَناوُلِ القُربانِ المُقَدَّس، وتَرديدِ العُقود الخمسة للمَسبحة الوَرديَّة، والبقاءِ بِرِفقَتي خمسَ عَشرةَ دقيقة في أثناءِ التَّأمُّلِ في الأسرارِ الخمسةَ عَشَرَ لِصَلاةِ الورديَّة بِقَصْدِ التَّعويضِ عليَّ إنْ ماتوا وَهُمْ يَرتدونَ ثَوبي البُنِّيّ". فالخلاصُ هو مِن خلالِ مَريم. وذلكَ الخلاصُ يأتي مِن خلالِ مُساعَدَتِها في ساعةِ الموتِ عندما يُواظِبُ المرءُ على مَدى خَمسة سُبوتٍ مُتَتالِيَة على تَرديدِ صَلاةِ الوَرديَّة، ويَموتُ وَهُوَ يَرتدي ثُوبًا بُنِّيًّا مُحَدَّدًا أو قِطعةَ قُماشٍ بُنِّيَّة مُحَدَّدة.

وعلى الرَّغمِ مِن إنكاراتِ المُدافعينَ عنِ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة، فإنَّ مَريمَ تُعْبَد. والحقيقة هي أنَّ مَريمَ هي الإلَه الرَّئيسيّ في الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة. وهذا ليسَ سِوى عِبادة إلَهَةٍ لا وُجودَ لها تَغتَصِبُ المَجْدَ والعِبادةَ اللَّذَيْنِ لا يَليقانِ إلَّا باللهِ والمسيحِ والرُّوحِ القُدُس؛ أيِ العِبادَة الحَقيقيَّة للهِ الحَقيقيِّ. لِذا فإنَّ الكاثوليكيَّةَ لا تَختلِفُ عن مَريمَ في أنَّهُما: إلَه زائف ودِيانة باطِلَة. وهي خُدعة شيطانيَّة كأيِّ ديانة غير مسيحيَّة أو أيِّ بِدعة غير كِتابيَّة. وهذه التَّقييماتُ قائمة على ما تَقولُهُ الكنيسةُ الكاثوليكيَّة عن مَريم. فهذا الكلامُ ليسَ مِنْ عِنْدِنا، بل هو كلامُهُم.

ومؤخَّرًا، في مدينةِ لوس أنجلوس، أَقامَتِ الكنيسةُ الكاثوليكيَّةُ الرُّومانيَّة كاتِدرائيَّة ضَخمة جديدة تُدعَى: "كاتِدرائيَّة سَيِّدَة الملائِكَة" (The Cathedral of Our Lady of the Angels). والبعضُ منكم يَعرفونَ عنها ورُبَّما رَأَوْها. وَمَدخَلُ هذه الكاتدرائيَّة الضَّخمة الَّتي كَلَّفَ بِناؤُها أموالاً طَائلةً يَضُمُّ العديدَ مِنَ الأبوابِ البرونزيَّة الكبيرة. وعلى تلكَ الأبواب، هُناكَ رُسوم عديدة للعَذراء. فَمِنَ النَّاحيةِ الرَّمزيَّة، إنَّها البابُ المُؤدِّي إلى الله. وهُناكَ مَجموعةٌ مِنَ الرُّسومِ على ذلكَ الباب تُمَثِّلُ عَذراءَ "بوماتا" (the Virgin of Pomata). وَ "بوماتا" هي قَرية في الأنديز (Andes) يُزْعَمُ أنَّ مَريم ظَهَرَت فيها. وهُناكَ عِبارة "إكس فوتو" (ex voto) لِعَذراء "غوادالوبي". والعِبارة "إكس فوتو" تَعني: "مُقَدَّم وَفاءً لِنَذْر".

وهُناكَ صُورة لعَابِدٍ يَنذِرُ نَذْرًا عندَ مَزارٍ عُرفانًا وتَكريمًا لِمَريم. والحقيقة هي أنَّ الصُّورةَ تُظهِرُ أمَّاً وَطِفلاً يَرْكَعانِ أمامَ صُورةِ عَذراء غوادالوبي. ثُمَّ هُناكَ صُورة حقيقيَّة لِعَذراء غوادالوبي إذْ إنَّ العَذراءَ تَقِفُ وهي مُحاطَة بِأشِعَّةِ الشَّمسِ في هيئةِ غوادالوبي الَّتي تُمَثِّلُ الرُّؤيا المَزعومة. وفوقَ وأسفلَ الصُّورة، هُناكَ باقاتٌ مِنَ الوُرودِ الخالِيَةِ مِنَ الشَّوك؛ وهي جُزءٌ مُحَبَّبٌ مِنْ ظُهورٍ مَزعومٍ لِمَريم إلى الهِنديِّ "خوان دييغو" (Juan Diego)، وهو ظُهورٌ لا يوجد لَهُ أيُّ سِجِلٍّ تاريخيّ. وهناكَ أيضًا على نفسِ الباب صُورة للعذراء الرُّؤيويَّة في صُورة مُزَخرفة جِدًّا. وتُصَوَّرُ العَذراءُ بأنَّها تَمتَلِكُ أجنحةً قويَّةً كتلكَ المذكورة في سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 12، وهي تَسحَقُ رأسَ الشَّيطانِ تحتَ قَدَمِها. وهُناكَ زَنبقة ضَخمة في الأسفل. والزَّنْبَقَة، كما يَقولون، هي رَمْزٌ لِخُلُوِّها مِنَ الخطيَّة. وهذا هو مَصدَرُ مَناعَتِها.

وهناكَ رسومٌ أخرى على أبوابِ الكاتِدرائيَّة تُصَوِّرُ الرَّاعِيَة الإلهيَّة. فَهُمْ يَزعُمونَ أنَّ العذراءَ ظَهَرَتْ ذاتَ يومٍ لِراهِبٍ إسبانِيٍّ تَقِيٍّ في هَيئةِ رَاعِيَة. وهناكَ صُورة أخرى على الأبوابِ لِعَذراءِ المَغارة الَّتي يُفتَرَض أنَّها أُسطورة إسبانيَّة قديمة تقولُ إنَّ العَذراءَ ظَهرت في مَكانٍ ما. وقد تَمَّ تَصويرُ العَذراء في صُورة. وقد دُفِنَت الصُّورة بالخطأ في كَهْف، وتَمَّتِ استعادَتُها بطريقة مُعجزيَّة. ومُنذُ استعادَتِها فإنَّها تَمتلِكُ القُدرةَ على القيامِ بالمُعجزات، وهي ذائِعَةُ الشُّهرة بصورة خاصَّة في الجُزُرِ الكاريبيَّة الإسبانيَّة. وإذا نَظرتُم مَرَّة أخرى إلى البابِ، سَتَرَوْنَ رَسْمًا أخر، وهو رَسْم لِعَذراء مونتسيرات (Montserrat) بمنطقة كاتالونيا؛ وهي مَوطِنُ العَذراءِ السَّوداء الَّتي يُزعَمُ بأنَّها أَصليَّة، بل إنَّها أكثرُ أَصالَةٍ مِن كُلِّ العَذارى السَّوداوات المَزعوماتِ في أوروبَّا. وفي هذه الحالة فإنَّ الأُمَّ والطِّفلَ الَّذي تَحمِلُهُ سَوداوان. وإنْ نَظرتُم مَرَّة أخرى، هُناكَ عَذراء المَنارَة (Virgin of Candlestick) وعَذارَى أُخرَيات في "بيلين" (Belen)، وهوَ الاسمُ الإسبانيّ لبيتِ لَحْم، وَظُهورٌ آخر مَزعوم للعَذراء في "بيرو" (Peru). وإذا نَظرتُم مَرَّة أخرى، هناكَ رَسْمٌ آخر لِمَريم على البابِ بِوَصفِها عَذراء الرَّحمة. وهي تَفرِدُ رِداءَها وَتَحمي النُّفوسَ الَّتي تُعاني في المَطهَر. وهذه النُّفوسُ المُتألِّمَة تَمُدُّ أيديها إلى أعلى كما لو أنَّها تَتَضَرَّعُ مِنْ أجلِ شَفاعَتِها لإخراجِهِم مِنْ هُناك. وإذا نَظرتُم مَرَّةً أخرى، هُناكَ عَذراء وَرديَّة "شيكوينكويرا" (Chiquinquira)، وهي بَلدة في كولمبيا. وفي هذا الرَّسْم، فإنَّ العَذراءَ مُحاطَة بالقِدِّيس "أنطوني" (St. Anthony) والقِدِّيس "أندراوس" (St. Andrew)، وهي تُمَجَّدُ عادةً مِنْ خِلالِ صَلاةِ الوَرديَّة. وإذا نَظرتُم مَرَّة أخرى، ستَجِدونَ رَسمًا لتِمثال "بييتا" (Pieta) الَّذي يُصَوِّرُ مَريمَ القويَّة والجميلة وهي تَحتَضِنُ المسيحَ الهَزيلَ الضَّعيف. وهذا البابُ هو صُورة نَموذجيَّة تُمَثِّلُ ما تَجدونَهُ في الكاثوليكيَّة في جَميعِ أنحاءِ العالَم. فهي عِبادَة لِمَريم. فلا يوجد تَفسير آخر مُحتَمَل أوْ حَتَّى مَعقول.

والآن، إذْ نَنظُرُ إلى هذه الأشياء، أَوَدُّ أنْ أُراجِعَ ما قُلناه في الأُسبوعَيْن السَّابِقَيْن، ثُمَّ أنْ نَنتقلَ إلى موضوعِ هذا المساء. أوَّلاً، الجُزء الأوَّل: لقد تَحَدَّثنا عن تاريخِ تَكريسِ الرُّومِ الكاثوليك لِمَريم. فَقد نَظرنا إلى بَياناتِ الكَنيسةِ نَفسِها على مَرِّ القُرونِ الَّتي وُجِدَتْ فيها، ونَظرنا إلى صِفاتِ مَريم، ونَظَرنا إلى الصِّفاتِ الَّتي لا تَليقُ إلَّا باللهِ ولكِنَّها أُطلِقَتْ عليها. وقد نَظرنا إلى الصَّلواتِ الَّتي تُرفَعُ إلى مَريم، والتَّرانيمُ الَّتي تُرَنَّم لِمَريم؛ وهي كُلُّها تُعَبِّرُ عنِ التَّكريسِ والعِبادةِ لتلكَ الَّتي تُدعَى "مَلِكَة السَّماواتِ"؛ وهو اسمُ إلَهَةٍ وَثنيَّة ذُكِرَ اسمُها في سِفْرِ إرْميا كانَ بَنو إسرائيلَ قد مُنِعُوا مِنْ عِبادَتِها تَحتَ عُقوبةِ الدَّينونةِ الإلهيَّة. وعندما عَبَدوهُ، حَلَّتْ عليهم الدَّينونة. لِذا، في نَظرَتِنا الأولى، نَظرنا إلى التَّكريسِ لِمَريم عَبْرَ تاريخِ الكنيسةِ الكاثوليكيَّة. وفي النَّظرةِ الثَّانية، نَظرنا لا إلى التَّكريسِ تَحديدًا، بل إلى العَقيدة والمُعتقداتِ المُختصَّة بِمَريم. وبالمُناسبة، لا توجد عَقيدة واحدة مِنها في الكتابِ المقدَّس. لا توجد عَقيدة واحدة مِنها في الكتابِ المقدَّس. وكنيسةُ رُوما تَعترفُ بأنَّ الأمرَ كذلك، ولكِنَّ هذا ليسَ مُهِمًّا لأنَّ هُناكَ مَصدرًا آخرَ للإعلان. والمَصدرُ الآخرُ للإعلان هو الكنيسةُ نَفسُها. فهي المُفَسِّرُ الحقيقيُّ للكتابِ المُقدَّسِ والمَصدرُ المُستمرُّ للإعلان. فعندما يَتكلَّمُ البابا مِنْ كُرْسِيِّهِ البابويِّ، كأنَّ كلمةَ اللهِ قد نُطِقَ بها مِنَ السَّماءِ نَفسِها. وعندما تُقَرِّرُ المَجامِعُ الكنَسِيَّةُ شيئًا ما، فإنَّ ذلكَ القَرارَ هو كلمةُ الله. وعندما تَقولُ الكنيسةُ إنَّ شيئًا ما صَحيح، فإنَّهُ صَحيحٌ لأنَّ الكنيسةَ تَقولُ إنَّهُ صحيح. فلا مَجالَ للنِّقاش. فالكنيسةُ هي القَناةُ المُستمرَّةُ للإعلانِ الإلهيِّ والمُفَسِّرُ الوحيدُ المَعصومُ للكِتابِ المُقدَّس.

وفي الأسبوعِ الماضي، عندما كُنتُ ضَيْفًا في بَرنامج "لاري كينغ" (Larry King)، وَرُبَّما شاهَدَ بَعضٌ مِنكُم ذلكَ اللِّقاءِ الَّذي ضَمَّ مَجموعةً مِنَ الكَهَنَة، كُنتُ أنا الشَّخص الوحيد البروتستنتيّ في البِنايَةِ كُلِّها ... صَدِّقوني ... أو في البَرنامَج! وقد حاولتُ أنْ أَتحدَّثَ إلى هؤلاءِ الكَهَنَة خَارِجَ وَقتِ التَّصوير وأنْ أُناقِشَهُم عنِ الكتابِ المقدَّس. وقد دُهِشْتُ حَقًّا مَرَّةً أخرى بِسَببِ جَهْلِهِم المُطْبِقِ بما يَقولُهُ الكتاب المقدَّس. فَهُمْ لا يَعرفونَ حَتَّى مُحتوى الكتاب المقدَّس؛ فَما بَالُكُم بِمَعناه! والعِبارةُ الَّتي استَمَرُّوا في تَرديدِها، ولا سِيَّما واحِدٌ مِنَ الشُبَّانِ في ذلكَ البَرنامَجِ الَّذي كانَ بِعُنوان "اللهُ أَمِ الفَتاة؟" (God or the Girl)، وَهُوَ شَابٌّ يَسلُكُ في دَربٍ يَسلُكُ فيهِ بَعضُ الشُّبَّانِ الَّذينَ يُفَكِّرونَ في أنْ يَصيروا كَهَنَة ولكِنَّهُم يُواجِهونَ مُشكلةً في قَبولِ التَّبَتُّل، استمرَّ ذلكَ الشَّابُّ يَقولُ لي: "ولكِنَّ الكنيسةَ قالَت كَذا ... ولكِنَّ الكنيسةَ قالَت كَذا ... ولكِنَّ الكنيسةَ قالَت كَذا". فَهُمْ يَجهلونَ الكتابَ المقدَّسَ، ويَبْنُونَ كُلَّ حُجَّة لديهم على ما قالَتهُ الكنيسة لأنَّ الكنيسةَ مَعصُومَة ... مَعصومَة. ولكِنَّ أيَّ دِيانَة تَقولُ إنَّ لديها مَصدَرًا آخرَ أو إعلانًا إلهيًّا آخرَ غيرَ الكتابِ المقدَّس، أو مَصدرَ إعلانٍ مُساوٍ للكِتابِ المُقدَّسِ، أو مَصدرَ إعلانٍ يُعَدُّ المُفَسِّرَ الصَّحيحَ الوَحيدَ للكِتابِ المُقدَّسِ هي دِيانَة بَاطِلة. فاللهُ قد تَكَلَّم. وقد تَكَلَّمَ فقط في كَلِمَتِه. فهو لم يَتكلَّم خارِجَ كَلِمَتِه. وإنْ قُلنا إنَّ اللهَ تَكَلَّمَ في حين أنَّهُ لم يَتكلَّم، فإنَّنا نُضيفُ إلى الكتابِ المقدَّس. وإنْ أَضَفْنا إلى الكتابِ المقدَّسِ فإنَّنا نَجلِبُ على أنفُسِنا (بحسبِ ما جاءَ في سِفْر الرُّؤيا 22: 18 و 19) الضَّرَبَاتِ المَكْتُوبَة في الكِتَابِ المُقدَّس.

وبالرَّغمِ مِن ذلك، فإنَّ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة تُؤكِّد هذهِ اللَّازِمَةَ الَّتي هي، في الحقيقةِ، مَصدرًا أَعلى للإعلان يأتي مِنَ الكنيسة بِصُورة مُستمرَّة. وقد كَتَبَ الكاثوليكيُّ الرُّومانيُّ الفَرنسيُّ "جورج تافارد" (George Tavard): "لقد كانَ التَّقليدُ تَدَفُّقًا للكلمة خارجَ الأسفارِ المُقدَّسة". فهو لم يَكُن مُنفصلاً عنِ الكِتاباتِ المُقدَّسَةِ ولا مُطابقًا لها. بل إنَّ مُحتوياتِهِ هي الأسفارُ المُقدَّسَةُ الأخرى الَّتي أَعلَنَ الكَلِمَةُ عَنْ نَفسِهِ مِن خلالِها. التَّقليدُ والأسفارُ المُقدَّسة". لِذا، فإنَّهُم لا يَحتاجونَ إلى الكتابِ المقدَّسِ في أيِّ شيء. وكُلُّ العقائدِ المُختصَّة بِمَريم نابِعَة مِنْ تَقليدِهم.

ويقولُ "توما الأكوينيّ" (Thomas Aquinas)، وهو اللَّاهوتيُّ المُفَضَّلُ لَدى جَميعِ الباحثينَ مِنَ الرُّومِ الكاثوليك، والذي عاشَ مِنْ سَنَة 1225 إلى سنة 1274، والذي هو أَشهَرُ لاهوتيٍّ في تاريخِ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة، يَقولُ في السُّؤالِ الأوَّلِ مِنْ كِتابِهِ "الخُلاصَة اللَّاهُوتيَّة" (Summa Theologica) إنَّ الأسفارَ المُقدَّسةَ تَضُمُّ "النُّصوصَ الكِتابيَّةَ ولاهوتَ الآباءِ ومُعَلِّمي الكنيسة". وقد أَصْدَرَ "مَجْمَعُ ترنت" (The Council of Trent) في سنة 1546 الرَّأيَ الرَّسميَّ. وقدِ ابتدأَ النِّقاشُ في الثَّامِنِ مِنْ شهر شباط/فبراير سنة 1546، ولم يَنْتَهِ إلَّا في الثَّامِنِ مِن شهر نَيْسان/إبريل مِنَ السَّنَةِ نَفسِها؛ أيْ بَعدَ بِضعة أشهُر. وقد خَاضَ الأساقفةُ مُجادلاتٍ طَويلةً وصَعبةً. ولم تَظْهَر أوَّلُ مُسَوَّدَةٍ للقرار إلَّا في اجتماعٍ خَاصٍّ في الثَّالثِ والعِشرين مِن شهر آذار/مارِس. وأخيرًا، جاءَ في الخُلاصَةِ ما يَلي: "إنَّ المَجمَعَ يَضَعُ نُصْبَ عَينيه نِيَّةَ الحِفاظِ على نَصَاعَةِ إنجيلِ اللهِ الَّذي وَعَدَ بِهِ الأنبياءُ قَبْلاً، وأَعلَنَهُ المسيح، وكُرِزَ بِهِ مِنْ قِبَلِ الرُّسُلِ على أنَّهُ يَنبوعُ كُلِّ مَعرِفَة خَلاصِيَّة وكُلِّ قاعِدة أَخلاقيَّة. وهذه الحقيقة وهذه القاعدة مُتَضَمَّنَتانِ جُزئيًّا في الأسفارِ المَكتوبة، وجُزئيًّا في التَّقاليدِ غير المَكتوبة. وهذه التَّقاليدُ تُنسَبُ إلى المسيحِ نَفسِهِ، أو إلى الرُّسُلِ الَّذينَ تَلَقوْها بإملاءِ الرُّوحِ القُدُس. وقد وَصَلَتْ إلينا هكذا إذْ تَمَّ تَناقُلُها يَدًا بِيَدٍ. لِذا فإنَّ المَجمَعَ [أيْ مَجمَعَ ترنت] يَتَقَبَّلُ أسفارَ العهدِ القديمِ والعهدِ الجديدِ وهذهِ التَّقاليدِ على أنَّها مَنقولة شَفَهِيًّا عَنْ لِسانِ المسيحِ نَفسِهِ أوْ بإملاءِ الرُّوحِ القُدُسِ، وأنَّها مَحفوظة في الكنيسةِ الكاثوليكيَّة بلا انقطاع". ثُمَّ نَقرأُ الجُملةَ التَّالية: "لِذا فإنَّ الإيمانَ المُتساوي بِكِلَيهِما أمرٌ واجِب. والمَجمَعُ يَقبلهُما على أنَّهُما مُقَدَّسانِ وقانونيَّان. وهو سَيَستخدِمُ كِلَيْهِما لتَقريرِ العقائدِ واستعادةِ الأخلاقيَّاتِ في الكنيسة" [نِهاية الاقتباس]. إذًا، أنتَ لستَ بحاجة إلى الكِتابِ المُقدَّس لأنَّ إعلاناتِ الكنيسة نَفسِها هي نَفسُ كَلماتِ المسيح. وكُلُّ عَناصِرِ عِبادةِ مَريم، وكُلُّ عَناصِرِ العِبادة والعقيدة المُختصَّة بمريم تأتي مِنَ التَّقليد. وَهُمْ يُقِرُّونَ بذلك.

والآن، اسمَحوا لي أنْ أُذَكِّرَكُم بالعقائدِ التي تَطَرَّقنا إليها في المَرَّة السَّابقة: عَقيدة الحَبَل بِلا دَنَس؛ أيْ أنَّ مَريمَ وُلِدَتْ مِنْ دُونِ الخطيَّة الأصليَّة. فهي مُقَدَّسَة، وبلا خطيَّة، وبلا عَيْب، وبلا دَنَس، بل هي طاهِرة. وقد صارت هذه عقيدة في عهد البابا "بيوس التَّاسِع" (Pius IX) في سنة 1854. والعَقيدة المُشابهة لها هي أنَّ مَريمَ خَالية دائمًا مِنَ الخطيَّة. فالنَّتيجة المُتَرَتِّبَة على أنَّها خالية مِنَ الخطيَّة الأصليَّة، فإنَّها عاشت حَياتَها كُلَّها بِلا خطيَّة. لِذا فقد دُعِيَتْ بأنَّها المُطْلَقَة القَداسَة، وبأنَّها تَستحقُّ العبادةَ وتَستحقُّ التَّسبيح.

أمَّا العقيدةُ الثَّالثةُ فهي عَقيدةُ بَتولِيَّتِها الدَّائمة الَّتي ظَهَرَتْ في سنة 649. وهي تقولُ إنَّها كانت عَذراءَ لا فقط قبلَ أنْ تَلِدَ يَسوعَ، بل إنَّها بَقِيَت عَذراءَ حَتَّى أثناءَ وِلادَتِها ليسوع. لِذا فإنَّ الطِّفلَ لم يَخرُج مِنَ القَناةِ الطَّبيعيَّةِ للولادة، بل خَرَجَ بطريقة مُعجِزيَّة، وأنَّهاعَاشَتْ حَياتَها كُلَّها مِنْ دُوْن أنْ يَمَسَّها زَوجُها. فقد بَقِيَتْ عَذراءَ إلى الأبد. أمَّا الأبناءُ الَّذينَ يُنْسَبونَ إليها فإنَّهُم ليسوا أبناءَها، بل إنَّهُمْ أبناء إخوَتِها وَأخَواتِها.

أمَّا العقيدةُ الرَّابعةُ فَظَهَرَتْ في سنة 1950 في عَهْدِ البابا "بيوس الثَّاني عَشر" (Pius XII)، وهي تُعرَفُ بعقيدةِ الصُّعود. وهي تقولُ إنَّ مَريمَ صَعِدَتْ إلى السَّماءِ عندما مَاتَت. أنَّها صَعِدَتْ إلى السَّماء. وفي اللَّحظةِ الَّتي صَعِدَتْ فيها إلى السَّماءِ فإنَّها أَخْلَتِ المَطْهَر. ويَذكُرُ "دي ليغواري" قِصَّةً غَريبةً عن مَوتِها، حَتَّى في زَمانِهِ قبلَ بِضعِ مِئاتٍ مِنَ السِّنين قبلَ صِياغَةِ هذه العَقيدة. وفي هذه القصَّة الغَريبة عن مَوتِها، فإنَّكُم تَسمعونَ عن هذا النَّوعِ مِنَ الموتِ الغَريبِ وَغَيرِ الطَّبيعيِّ لهذه المَرأة. يَقولُ "دي ليغواري" إنَّها عندما كانت على سَريرِ المَوتِ، كانَ كُلُّ الرُّسُلِ المُطَوَّبينَ يَبكونَ حَولَ سَريرِها، ويَركَعونَ حَولَها، ويُقَبِّلونَ قَدَمَيْها المُبارَكَتَيْن. وقد ظَهَرَ يسوعُ في الغُرفةِ وَهُوَ يَحمِلُ صَليبَهُ فقالَتْ لَهُ: ’يا ابني، في يَديكَ أَستودِعُ رُوحي‘". وهذه خُلاصَة مُوجَزَة لصَفْحاتٍ عَديدة تَصِفُ في كلماتٍ سَخيفة، وهَوْجاء، ولا عَقلانيَّة المَوتَ المَزعومَ لِمَريمَ الَّتي صَعِدَتْ آنذاكَ إلى السَّماءِ سَليمَةً.

أمَّا العقيدةُ الخامسةُ الَّتي تَطَرَّقنا إليها فهي أنَّ مَريمَ هِيَ أُمُّ اللهِ، وَمَلِكَةُ السَّماواتِ، وأنَّها المَلِكَة المُتَسَلِّطَة والحَاكِمَة الَّتي هِيَ، مِنَ النَّاحيةِ العَمليَّةِ، أَسمى مِنَ اللهِ، وَأَسمى مِنَ المسيح لأنَّهُما (كَما أَشَرْنا سابقًا) يُنَفِّذانِ دائمًا كُلَّ ما تَطْلُبُ مِنْهُا أنْ يَفعلاه. وَهُما لا يَفعلان ما لا تَطلُبُ مِنْهُما أنْ يَفعلاه. فهكذا يَنظُرُ الكاثوليك إلى مَريم. وإنْ أردتَ أنْ تَخلص، يجب عليكَ أنْ تَلتجئَ إلى مَريم. وإنْ أردتَ الحُصولَ على البَرَكاتِ، يجب عليكَ أنْ تَلتجئَ إلى مَريم. ويجب عليكَ أنْ تُحِبَّ مَريم. فإنْ أَحببتَ مَريم مَحَبَّة كافية، ووقتًا كَافِيًا، وبأمانَة كَافِيَة، فإنَّكَ ستَحصُل على ما تُريد.

وهُناك نُقطة سادِسَة في العقيدة تَختصُّ بمريم وهي الظُّهورات. فهي تَنْزِلُ إلى الأرضِ مِرارًا لزيارةِ النَّاسِ، ولا سِيَّما الأشخاصَ الفُقراءَ والمَنبوذينَ والمُزارِعين، وَحَتَّى الأطفالَ والأشخاصَ المُتألِّمين. وهذا يَحدُثُ طَوالَ الوقت. وقد كانت هُناكَ حَلْقة خاصَّة جِدًّا وَمُدهشة في عُطلةِ هذا الأسبوع على "محطَّة هيستوري" (History Channel). ورُبَّما شاهَدَها بَعضٌ مِنكُم. وهي عن مَريم والظُّهورات. وقد استمرَّت الحَلْقَةُ ساعاتٍ عديدة في الحديثِ عن ظُهوراتِها المَزعومَة في قَرية "نوك" (Knock)، وظُهورِها في "الزَّيتون" (Zeitoun) بِمِصْر في سنة 1968 حيثُ رآها مَلايينُ النَّاسِ على قُبَّةِ كنيسة قِبْطِيَّة، وظُهورِها في سنة 1917 في "فاطيما" (Fatima) في البُرتغال، وظُهورِها في سنة 1981 في "مِديوغوريه" (Medjugorje). والتَّفاصيلُ تَتوالَى وتَتَوالى. وهي تفاصيل مُدهشة جدًّا حَتَّى إنَّني سأذكُرُ بَعضًا مِنها لكم. ففي بعضِ المُناسباتِ، عندما تأتي مَريم ويكونُ هناكَ عَدَدٌ كبيرٌ مِنَ الأشخاصِ الَّذينَ يُشاهدونَ الظُّهور، فإنَّهُم يَصمُتونَ جميعًا في الوقتِ نَفسِه، ويَتحدَّثونَ جميعًا في الوقتِ نَفسِه، ويَقولونَ جَميعًا الشَّيءَ نَفسَهُ حينَ يَتكلَّمون. وَهُمْ يدخُلونَ في غَيبوبة في الوقتِ نَفسِه؛ أيْ في حالةٍ مِنْ عَدَمِ الوَعْيِ الجُزئيّ. وكُلُّ هذا يَدُلُّ على عَمَلٍ شَيطانيّ. وآخِرُ رسالةٍ تُعطيها العَذراءُ في هذه الظُّهوراتِ هي رسالة مُرعبة عن جَهَنَّم. فهي رسالة مُخيفة ومُرعبة تبدو، في نَظري، شَبيهةً بالأشياءِ الَّتي تَرغبُ الشَّياطينُ في إخبارِ النَّاسِ أنَّها ستَحدُث لهم إنْ لم يَعبُدوا مَريم. ولكِنَّ الحقيقة هي أنَّ هذا هو ما سيحدث لهم إنْ عَبَدوها.

أمَّا العقيدة السَّابعة فهي عقيدةُ "وَسَاطَةِ مَريم"؛ أيْ أنَّها مَصدرُ وَقَناةُ كُلِّ النِّعَمِ الَّتي نَحصُل عليها، بما في ذلكَ نِعمة الخَلاص. فلا توجد نِعمة واحدة تُسبَغ على أيِّ شخصٍ مِن دونِ تَعاوُنِها وَشَفاعَتِها الحقيقيَّة. فهي تُدعى أُمُّ النِّعْمَة، وأُمُّ الرَّحمة. والنَّاسُ يَحصُلونَ على تلكَ النِّعمة وعلى تِلكَ الرَّحمة مِنْ خِلالِ حُبِّهِم وعِبادَتِهم لها، ومِن خلالِ صَلواتِ الوَرديَّة الَّتي ظَهَرَتْ في نحوِ سنة 1090. وإليكُم خُلاصة ذلك على فَمِ البابا "بيوس التَّاسع" (Pius IX) الَّذي تَرَأَّسَ حَقًّا كُرسِيَّ الفاتيكان مِن سنة 1846 إلى سنة 1878. فقد قالَ "بيوس التَّاسع" في بَراءَة بابويَّة بِعُنوان "اللهُ الفائق الوَصْف" (Ineffabilis Deus) هذه الخُلاصة عن مَريم: "لِيَسمع جَميعُ أبناءِ الكنيسة الكاثوليكيَّة العَزيزين جِدًّا علينا هذه الكلماتِ الَّتي سنَنطِق بها. فيجب عليهم أنْ يُظهروا المَزيدَ مِنَ الحَماسةِ المُتَّقِدَة في الوَرَعِ والتَّدَّيُّنِ والمَحَبَّة، وأنْ يَستمرُّوا في إجلالِهم وتَعظيمِهم وَصَلاتِهم للعذراءِ المُطَوَّبَةِ مَريم، أُمِّ اللهِ الَّتي حُبِلَ بِها بلا دَنَسِ الخطيَّة الأصليَّة. ويجب عليهم أنْ يَلتَجِئوا بِثقة مُطلَقَة إلى أُمِّ الرَّحمةِ والنِّعمةِ الأكثر عُذوبةً فَتَتَبَدَّدُ كُلُّ الأخطارِ والصُّعوباتِ والحاجاتِ والشُّكوكِ والمَخاوف. ففي ظِلِّ هِدايَتِها، وفي ظِلِّ رِعايَتِها، وفي ظِلِّ لُطفِها وحِمايَتِها، لا يوجد شيء نَخشاهُ. ولا يوجد شيء بِلا رَجاء لأنَّها في الوقتِ الَّذي تُظْهِرُ فيهِ نَحوَنا عَاطِفَةَ الأُمومَةِ الحقيقيَّة وتَهتمُّ بعملِ خَلاصِنا، فإنَّها تَتَضَرَّعُ لأجلِ كُلِّ الجنسِ البشريِّ. وحيثُ إنَّ اللهَ اصْطَفاها لتكونَ مَلِكةَ السَّماواتِ والأرض، وإنَّها أَعلى مِنْ كُلِّ جَوْقاتِ الملائكةِ والقِدِّيسين، وَحَتَّى إنَّها قائمة عن يَمينِ ابنِها الوحيدِ، يَسوعَ المَسيحِ رَبِّنا، فإنَّها تُقَدِّمُ طِلباتِنا بطريقةٍ هي الأكثرِ فَعَالِيَةً. وهي تَحصُلُ على ما تَطلُبُهُ لأنَّ طِلباتِها لا يُمكن البَتَّة أنْ لا تُسمَع". إنَّ هذا الكلامَ الَّذي قالَهُ البابا "بيوس التَّاسع" هو عقيدة كاثوليكيَّة.

وهذا يَقودُنا إلى العَقيدَتينِ الزَّائفتينِ الأخيرَتَيْنِ بخصوصِ مَريم: ثامنًا: أنَّها شَريكة في الفِداء. أنَّها شَريكة في الفِداء. وسوفَ أقولُ في البداية إنَّ هذه العقيدة لم تَتَبَلور بَعْد في صيغة عقيدة رَسميَّة نِهائيَّة. والتَّأخيرُ في القيامِ بذلك ناجِمٌ عن مَخاوِف مَسْكُونِيَّة. فهذه ستكونُ الضَّربةُ القاضية للمُصَالَحَةِ معَ البروتستنت في نَظَرِ البعض، وَحَتَّى للمُصالحةِ معَ الكنيسة الأرثوذكسيَّة الشَّرقيَّة. لِذا فإنَّهُم مُتردِّدونَ في جَعْلِ هذه العقيدة عَقيدة رَسميَّة؛ ولكنَّها حقيقة غير رَسميَّة بالرَّغمِ مِن ذلك. فعلى سبيلِ المِثال، في عَرِيضَةٍ تَمَّ تَقديمُها إلى البابا "يوحنَّا بولُس الثَّاني" وَوافَقَ عليها، تَمَّتْ دَعوةُ الكنيسةِ إلى صِياغَةِ عَقيدة رَسميَّة بخصوصِ ما تُؤمِنْ بِهِ الكنيسة. وقد جاءَ في تلكَ العَريضة أنَّ: "مَريمَ هي شَريكة في الفِداء معَ يسوعَ المسيح". وقد قامَ أربعةُ مَلايين وأربعمئة ألفِ شخصٍ كاثوليكيّ مِنْ جَميعِ أنحاءِ العالَمِ، وَمِنْ أُمَمٍ مُختَلِفَة، بالتَّوقيعِ على تلكَ العَريضَة. وفي كِتاب تَعاليم القِدِّيس بُطرس (St. Peter Catechism)، وهو واحدٌ مِنْ كُتُبِ التَّعليمِ الكاثوليكيَّة الأكثر شُهرةً، نَقرأُ ما يَلي: "هل شَاءَ اللهُ أنْ يَجعلَ فِداءَنا وكُلَّ ما يَتَرَتَّبُ عَليهِ قائمًا على المُوافَقَةِ الحُرَّةِ للعذراءِ المُطَوَّبَةِ مَريم؟" الجَواب: "لقد شاءَ اللهُ أنْ يَكونَ فِداؤُنا وكُلُّ مَا يَترتَّبُ عليهِ قائمًا على المُوافقةِ الحُرَّةِ للعذراءِ المُطَوَّبَةِ مَريم". وقد قالَ البابا "ليو الثَّالث عَشر" (Pope Leo XIII): "كُلُّ نِعمة يَحصُلُ عليها الإنسانُ تَمُرُّ بِثلاثِ مَراحِل: الأولى هي أنَّها تَعْبُرُ مِنَ اللهِ إلى المسيح. ثانيًا، أنَّها تَعْبُرُ مِنَ المسيحِ إلى العَذراء. ثالثًا، أنَّها تَعْبُرُ مِنَ العَذراءِ إلينا". وهذا يَضُمُّ، بِكُلِّ تأكيد، نِعمةَ الخلاص. فلا يوجد أيُّ قَدْرٍ مِنَ التَّلاعُبِ بالألفاظِ يُمكن أنْ يُلغي حَقيقةَ أنَّ مَريمَ تُخَلِّص في النِّظامِ الكاثوليكيّ. فَكُلُّ الهِباتِ، وكُلُّ الفَضائلِ، وكُلُّ النِّعَم، بحسبِ اللَّاهوتِ الكاثوليكيّ، تَصِلُ مِنْ خِلالِ يَدَيّ مَريم إلى مَنْ تَشاء، وَقتَما تَشاء، وكَيفَما تَشاء: "يا سَيِّدَتَنا، حيثُ إنَّكِ مَنْ تُوَزِّعينَ كُلَّ النِّعَم، وحيثُ إنَّ نِعمةَ الخلاصِ لا تأتي إلَّا مِنْ يَدَيْكِ، فإنَّ خَلاصَنا يَتوقَّفُ عليكِ". فَمَريمُ تَقومُ بالدَّورِ الرَّئيسيِّ في الخَلاص. وقد قالَ القِدِّيس "بيرنارد" (St. Bernard): "يجب على كُلِّ النَّاسِ، في الماضي والحاضِر والمُستقبل، أنْ يَنظروا إلى مَريمَ بِصِفَتِها الوسيلةَ والمُفاوِضَةَ في ما يَختصُّ بالخلاص".

واسمحوا لي أنْ أُعطيكُم نَموذَجًا على ما قالَهُ القِدِّيسونُ الكاثوليك البارِزون عن دَورِ مَريمَ بِصِفَتِها شَريكة في الفِداء وشَريكة في الخلاص. فقد قالَ القِدِّيس "بونافينشر" (Bonaventure): إنَّ أبوابَ السَّماواتِ سَتُفتَح لجميعِ الَّذينَ يَستودِعونَ حَياتَهُم لحمايةِ مَريم". والقِدِّيس "إفريم" (Ephrem) يَقولُ عنِ العِبادةِ لأُمِّ اللهِ إنَّها: "تَفتحُ أبوابِ أورُشليم السَّماويَّة". ويَقولُ "بلوسيوس" (Blosius) أيضًا: "لَكِ، يا مَريم، أُعطِيَتْ مَفاتيحُ وكُنوزُ مَلكوتِ السَّماواتِ. لِذا، يجب علينا أنْ نُصَلِّي لَكِ دائمًا". وقد قالَ القِدِّيس "أمبروز" (Ambrose): "افتَحي لنا، يا مَريم، بَوَّاباتِ الفِردَوس لأنَّ لَدَيكِ المَفاتيح". وَحَتَّى إنَّ الكنيسةَ تَقول: "أنتِ بَوَّابَتُهُ"؛ أيْ "بَوَّابة الفِردوس" إذْ إنَّ بَوَّاباتِ الكاتِدرائيَّة هي بَوَّاباتُ مَريم. وقد قالَ القِدِّيس "فَلجينتيوس" (Fulgentius): "مِنْ خِلالِ مَريم، نَزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ إلى العالَمِ لكي يَصعَدَ الإنسانُ مِنْ خِلالِها مِنَ الأرضِ إلى السَّماء". وقد قالَ القِدِّيس "أثناسيوس" (Athanasius): "وأنتِ، يا مَريم، مُمتلئة نِعمةً لكي تَكوني طَريقَ خَلاصِنا وَوَسيلةَ صُعودِنا إلى مَلكوتِ السَّماواتِ". وقد قالَ القِدِّيس "بونافينشر" (Bonaventure) أيضًا: "طُوبَى للَّذينَ يَعرِفونَ أُمَّ اللهِ لأنَّ مَعرِفَتَكِ هي أَسْمَى طَريقٍ للحياةِ الأبديَّة، وَإعلانُ فَضَائِلِكِ هو طَريقُ الخَلاصِ الأبديِّ".

والآن، كيفَ يُمْكِنُ للكاثوليك أنْ يَفهَموا أيَّ شيءٍ آخَر سِوى أنَّهم يَخْلُصونَ مِنْ خِلالِ إكرامِ مَريم والصَّلاةِ إليها؟ فقد قالَ "ريتشارد" مِنْ جامعة "سينت لورنس" (Richard of St. Lawrence): "مَريم هي وَصيفةُ السَّماء لأنَّها تأمُرُ كما تَشاء، وتَقبَلُ في السَّماءِ مَنْ تَشاء". وقد قالَ "آبوت غوريك" (Abbot Guerric): "إنَّ الَّذي يَعبُدُ مَريم وتَتَشَفَّع لَهُ يَضمنُ السَّماءَ كما لو كانَ هُناكَ أصلاً. أمَّا الأشخاصُ الَّذينَ لا يَعبُدونَ مَريم فإنَّهم لن يَخلَصوا". وقد قالَ القِدِّيس "بونافينشر" أيضًا: "أَصْغُوا يا كُلَّ الأُمَم، ويا كُلَّ مَنْ يَرغبونَ في السَّماءِ: اعبُدوا مَريمَ وَأَكرِموها فَتَضمنونَ الحُصولَ على الحياةَ الأبديَّة". إنَّ النِّظامَ الكاثوليكيَّ الرُّومانيَّ كُلَّهُ يَعِجُّ بأشخاصٍ يُؤمِنونَ بأنَّهُم إنْ عَبَدُوا مَريمَ فإنَّهم سيَذهبونَ إلى السَّماء. وهذا إلَهٌ زائِفٌ وإنجيلٌ زائفٌ يَقودُ إلى الدَّينونة. وَحَتَّى إنَّ القِدِّيس "آنسيلم" (Anselm) يقول: "يَكفي، يا عَذراء، أنَّكَ تُريدينَ ذلك. لِذا فإنَّ خَلاصَنا مُؤكَّد". لِذا فإنَّ الكنيسةَ والقِدِّيسينَ يُحَيُّونَها قائلين: "أنتِ، يا مَريمَ، معَ يسوعَ المسيحِ، قد فَدَيْتُمانَا. يا مَريم، إنَّ خَلاصَنا بَيْنَ يَدَيْكِ". فهي شَريكةُ يَسوعَ في الفِداء لأنَّها قامَتْ مَعَ يَسوع بِإعْتاقِ البشريَّةِ مِنْ سُلطانِ الشَّيطان. فاللَّاهوتُ الكاثوليكيُّ يقولُ إنَّ "يَسوعَ فَدانا بِدَمِ جَسَدِه، وإنَّ مَريمَ فَدَتْنا بِأحزانِ قَلبِها إذْ إنَّها تَألَّمَتْ في قَلبِها وَعَوَّضَتِ النَّقائصَ في آلامِ المسيح". حَقًّا؟ فهل كانَت هُناكَ نَقائِصُ في آلامِ المسيح؟

وهُناكَ نَشْرَة مَعروفة بِعُنوان "السَّماءُ تُفْتَحُ عِنْدَ تَرديدِ ’السَّلام عليكِ يا مَريم‘ ثَلاثَ مَرَّات". فهذا هُوَ عُنوانُ تلكَ النَّشْرَة: "السَّماءُ تُفْتَحُ عِنْدَ تَرديدِ ’السَّلام عليكِ يا مَريم‘ ثَلاثَ مَرَّات". وإليكُم ما تَعِدُ بِهِ هذه النَّشْرَة (وأنا أَقتَبِسُ ما جاءَ فيها): "إنَّ واحدةً مِن أعظمِ وسائلِ الخلاصِ، وواحدة مِن العلاماتِ المُؤكَّدة على التَّعيينِ السَّابقِ هي، بِلا أَدنى شَكٍّ، التَّكريسُ للعَذراءِ المُطَوَّبة. فَعَبْدُ مَريمَ التَّقِيُّ لَنْ يَهْلك". وقد جاءَ في وثيقة بِعُنوان "الكنيسة جَسَد المَسيح السِّرِّيّ" (Mystici Corporis)، وهي وثيقة كاثوليكيَّة أخرى: "إنَّها الَّتي بَذَلَتِ المسيحَ على الجُلجُثة للهِ الأبديِّ". هِيَ بَذَلَتِ المَسيحَ على الصَّليبِ للهِ الأبديِّ؟ ولكِنَّ كِتابِيَ المُقدَّسَ يَقول إنَّ اللهَ هُوَ الَّذي بَذَلَ ابنَهُ. وقد قالَ "يُوحنَّا بولُس الثَّاني" ما يَلي: "مَريمُ تَشتركُ في الفِداءِ الَّذي حَقَّقَهُ ابنُها، وَكُلُّ النِّعَمِ تُسْبَغُ فقط مِنْ خِلالِ شَفاعَتِها معَ ابنِها".

وهُناكَ شَيءٌ غَريبٌ إذْ إنَّ المَجْمَعَ الفاتيكانيَّ الثَّاني (II Vatican Council) يَقولُ الآتي: "لم يتوقَّفِ الأمرَ على أنَّ مَريمَ قَدَّمَتْ ابنَها إلى اللهِ، بل إنَّها بَقِيَتْ عندَ الصَّليبِ لِتَتألَّمَ مَعَهُ" [كما سَمِعْنا: "كَيْ تُعَوِّضَ النَّقَائِصَ في آلامِه" على ما أَظُنّ!] وإليكُم ما جاءَ في المَجْمَعِ الفاتيكانيّ الثَّاني: "لِذا، فقد سَلَكَتِ العَذراءُ الطَّوباويَّة سَبيلَ الإيمانِ مُحافِظَةً بأمانَةٍ على اتِّحادِها بابْنِها حتَّى الصَّليب إذْ وَقَفَتْ هُناكَ في خُضوعٍ للتَّدبيرِ الإلهيِّ، مُحتملةً معَ ابنِها الوَحيدِ شِدَّةَ آلامِهِ المُبَرِّحَةِ، ومُشتَرِكَةً في ذبيحَتِهِ بِقلبِها الأُموميِّ، وَمُسَلِّمَةً بِكُلِّ حُبٍّ بِذَبْحِ هذه الضَّحيَّة الَّتي وُلِدَتْ مِنْها". فَهُمْ يَلتَجِئونَ بطريقةٍ غريبةٍ إلى جَعْلِ مَريم تَتألَّم أَلَمًا فَعَّالاً عن نَفسِ الخطايا الَّتي وُضِعَتْ على ابِنها هُناك. وبحسبِ تَعليمِ الكنيسة، فإنَّ آلامَ مَريم كانت مُبَرِّحة جِدًّا حَتَّى إنَّها قَرَّبَتْها مِنْ عَتَبَةِ المَوتِ هِي نَفسَها. وهي، بحسب تَعليمِ الكنيسة، وأنا أَقتَبِسُ ما يَقولونَهُ: "اشتَرَكَتْ معَ يسوعَ المسيحِ في عَمَلِ الفِداءِ المُؤلم جِدًّا". إذًا، فإنَّ آلامَ مَريم عندَ الصَّليبِ كانت لِفِداءِ الخُطاة.

"لقد تَألَّمَتْ مَريم..."، بِحَسَب ما جاءَ في "إنتر سوداليسيا" (Inter Sodalicia)، وهي وَثيقة أخرى: "لقد تَألَّمت مَريم وَشَارَفَتْ على الموتِ معَ ابنِها المُتألِّم. ولأجلِ خَلاصِ البَشَر، تَنازَلَتْ عن حُقوقِها كَأُمّ. وبِقَدرِ ما كانَ لَها ذلك، فقد قَدَّمَتْ ابنَها لتهدئةِ عَدْلِ اللهِ. لِذا، يَجوزُ أن نَقولَ إنَّها قد قامَتْ، مَعَ المسيحِ، بِفِداءِ البَشريَّة". فقد كانَ ينبغي لها أنْ تُخْضِعَ إرادَتَها وتُعطي مُوافَقَتَها، وأنْ تُقَدِّمَ ابنَها للهِ لكي يَضَعَهُ اللهُ على الصَّليبِ ذَبيحةً. وقد قامَتْ مَريمُ بِدَورٍ معَ المَسيحِ في فِداءِ الجِنسِ البشريِّ. لِذا، فإنَّها تُدْعَى مِنْ قِبَلِ الكنيسة: "الشَّريكة في فِداءِ الإنسان". بل إنَّها تُدْعَى: "شَريكَةُ فِدائِنا". وَيُقالُ إنَّ مَريمَ انتَصَرَتْ، عندَ الصَّليبِ، على الحَيَّة القديمة. وهُناكَ وَثيقة أخرى تَقول: "ليسَ مِنْ بَابِ المُبالَغَةِ أنْ نَقولَ إنَّهُ بسببِ قِيادَتِها ومُساعَدَتِها بِصُورة رَئيسيَّة، فإنَّ حِكمةَ وَتَعاليمَ الإنجيلِ انتشرت بسرعة فائقة وَوَصَلَتْ إلى كُلِّ أُمَمِ العالمِ بالرَّغمِ مِنَ الصُّعوباتِ الشَّديدة جِدًّا والاضطهاداتِ القاسية جِدًّا، وإنَّها جَلَبَتْ مَعَها في كُلِّ مَكانٍ عَهْدًا جَديدًا مِنَ العَدالةِ والسَّلام".

والآن، نَرى أنَّ مَريمَ هِيَ الرُّوحُ القُدُس. فهي الَّتي تَنشُرُ الإنجيلَ. وهي الَّتي تَهْدي الخُطاةَ. وقد قالَ "دي ليغواري": "لقد تَعاوَنَتْ في فِدائِنا وَصارت أُمَّ نُفوسِنا". وقد كَتَبَ "دي ليغواري": إنَّ الشَّخصَ المَحرومَ مِن مُساعدةِ مَريم يَسقُطُ أوَّلاً في الخطيَّة، ثُمَّ بعدَ ذلكَ في جَهَنَّم". وهو يَقول: "إنَّ اللهَ لن يُخَلِّصَنا مِنْ دُونِ شَفاعةِ مَريم". وَهُوَ يَكتُبُ: "في مَريم، نَجِدُ الحياةَ والخلاصَ الأبديَّ. فهي بَوَّابةُ السَّماءِ السَّعيدة". ويَكتُبُ "دي ليغواري": "حيثُ إنَّ رَجُلاً وامرأةً اشتَرَكا في هَلاكِنا، وَهُما آدَمُ وَحَوَّاءُ، فإنَّهُ يَليقُ أنْ يَتعاوَنَ رَجُلٌ آخرَ وامرأةٌ أُخرى في فِدائِنا؛ وَهَذانِ الاثنانِ هُما يَسوعُ وَمَريم. ولا شَكَّ في أنَّ المَسيحَ وَحْدَهُ كانَ أكثرَ مِنْ كَافٍ لِفِدائِنا..." [كَما يَكتُبُ]: "...ولكِنْ كانَ مِنَ اللَّائقِ أكثر أنْ يَعْمَلَ الجِنْسانِ معًا على إصلاحِ الشَّرِّ الَّذي عَمِلَ الجِنسانِ مَعًا على اقترافِهِ. لِذا، فإنَّنا نَدعُوها الشَّريكَة في فِدائِنا". والحقيقة هي أنَّهُ في الصَّفحة 402 مِن كِتاب "دي ليغواري" فإنَّهُ يَقول: "يُمْكِنُنا أنْ نَدعو أُمَّ اللهِ مُخَلِّصَةَ العالَم".

وَبالمُناسَبَة، إنَّ قِراءةَ هذا الكَلامَ مُؤلمة بالنِّسبةِ إليَّ. وأنا واثِقٌ أنَّهُ مُؤلِمٌ لَكُم أنتُم أيضًا. لِذا، سوفَ أُهمِلُ قِراءةَ بعضِ الأجزاء. وأخيرًا، بَقِيَتْ مُلاحظة أخيرة مِنْ كِتاب "دي ليغواري". وهي لا تَقِلُّ عن سَابِقَتِها غَرابَةً أو تَجديفًا، إذْ نَقرأُ في الصَّفحة 26: "لقد استحقَّتْ مَريمُ أنْ تَحبَلَ بابنِ اللهِ في رَحِمِها العَذراويِّ". فقدِ اكْتَسَبَتْ بِجدارَتِها الحَقَّ في أنْ تَحْبَلَ بابنِ اللهِ في رَحِمِها. "فقد أَعْطَتْ سَيِّدَتُنا الطَّوباويَّة مُوافَقَتَها الَّتي كانَ يَنتَظِرُها الكَلِمَةُ الأزليُّ قبلَ أنْ يَصيرَ ابنًا لها. وفي الوقتِ نَفسِه، فإنَّ الأمرَ لم يَقتَصِر على مُوافَقَتِها وإقرارِها، بل إنَّها طَلَبَتْ ذلكَ بِكُلِّ قَلبِها وَحَصَلَتْ على الخلاصِ لِكُلِّ المُختارين". فَمَريمُ هي المُخَلِّص!

وهُناكَ عَقيدة أخيرة. وسوفَ نُسَمِّيها وَحَسْب: "خَزْنَةُ الفَضَائِل". وهي واحدة مِنْ أَغربِ الأشياءِ في الكاثوليكيَّة. ولكنَّ واحدةً مِنَ العقائدِ الَّتي تُسهِمُ حَقًّا في استمرارِ النِّظام هي فِكرةُ "خَزْنَة الفَضَائِل". ورُبَّما كانت أَهَمُّ عقيدة في الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة هي عَقيدةُ المَطْهَر لأنَّها شَبَكَةُ أَمَان. فإنْ سَاءَتِ الأُمورُ كُلُّها هُنا، يُمكِنُكَ أنْ تَذهبَ إلى المَطهَرِ وأنْ تَخرُجَ مِنْه. إنَّ الكاثوليكيَّة شيءٌ صَعب. وهي شيءٌ يَصعُبُ قَبولهُ لأنَّها نَاموسيَّة. أليسَ كذلك؟ فَهُمْ أشخاصٌ يُحاولونَ أنْ يَعيشوا حَياةً بَارَّة؛ وَلكِنْ حَتَّى الكَهَنَة يَعجَزونَ عنِ القيامِ بذلك. فهُناكَ آلافٌ مُؤَلَّفَةٌ مِنهُم في وَقتِنا الحاضِر، وعَشراتُ، بل مِئاتُ الآلافِ مِنهُم على مَرِّ التَّاريخِ كانوا عَديمي الأخلاقِ لأنَّ الدِّيانةَ الزَّائفةَ لا تَستطيعُ أنْ تَكْبَحَ جِماحَ الجَسَد. أليسَ كذلك؟ لِذا، إنْ كانَ الكَهَنَة بهذا البُؤسِ الَّذي هُمْ فيه ... وَلا بُدَّ أنَّ بَعضًا مِنكُم قد سَمِعوا واحدًا مِنَ الكَهَنة يَقولُ في تلكَ اللَّيلة (عِندما سَألَهُ "لاري كينغ"): "هل كُنْتَ مُتَبَتِّلاً طَوالَ حياتِكَ؟" فأجابَ قائلاً: "لقد كُنتُ مُتَبَتِّلاً بقدرِ استطاعَتي". حسنًا، أنا أَعرفُ الجَوابَ على ذلكَ السُّؤال. فإنْ كُنتَ مُتَبَتِّلاً قَدرَ استطاعَتِك، فإنَّكَ لم تَكُن مُتَبَتِّلاً لأنَّكَ لا تَمْلِكُ القُدرة على ذلك. لِذا، لا يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أنْ يَعيشَ حَسَبَ المِعيار. لِذا فإنَّ الجَميعَ سَيَسقُطون، ولا أحدَ سَيَعلمُ إنْ كانَ مُخَلَّصًا أَمْ لا. لِذا، سوفَ تَقول: "حسنًا، يجب عليَّ أنْ أُغادِر. فهذا كَثيرٌ جِدًّا وَيَفوقُ احتمالي". ولكِنْ هُناكَ شَبَكَة أَمان. فإنْ لم تَفعل أُمورًا سَيِّئة حَقًّا، سوفَ يَنتهي المَطافُ بِكَ في مَكانِ انتِظارٍ. وسوفَ تَخرُجُ في النِّهاية مِنْ هُناك. ولكِنَّ السُّؤالَ هُوَ: كيفَ تَخرُج؟ وكيفَ تَصيرُ صَالِحًا بالقَدرِ الَّذي يُؤهِّلُكَ لِلذَّهابِ إلى السَّماء؟ وكيفَ تَصيرُ بَارًّا بالقَدرِ الكافي الَّذي يُؤهِّلُكَ لِلذَّهابِ إلى السَّماء؟

وحيثُ إنَّ أغلبيَّةَ النَّاسِ لن يَحصُلوا على السَّماءِ في هذه الحياة، فإنَّهُم سَيَنتهونَ في مَكانٍ يُسَمَّى "المَطْهَر" (Purgatory)؛ وهي كلمة مَأخوذة مِن فِكرة التَّطهير إذْ إنَّكَ تَتَطَهَّرُ، وَكُلُّ مَا تَبَقَّى فيكَ مِنْ شَرٍّ يَحتَرِق مِنْ خِلالِ عِقابٍ تَتَلَقَّاهُ في فَترةٍ مُعَيَّنة قد تَدومُ مِئاتِ أو آلافَ السِّنين. وهذا هو المكانُ الَّذي يَذهبُ إليهِ أغلبيَّةُ الخُطاة. فَهُمْ ليسوا جَديرينَ بالسَّماء. لِذا فإنَّهُم يَذهبونَ إلى المَطْهَر فَيَتَطَهَّرون. وكيفَ يَحدُث ذلك؟ إنَّهُ يَحدُثُ بطريقة واحدة فقط: أنْ تُحْسَبَ فَضَائِلُ شخصٍ آخر لَكَ، وأنْ تَطْهُر مِنْ خِلالِ الألم. فالألمُ يَجعَلُكَ جَديرًا بالسَّماء. لِذا، إنْ تألَّمتَ أَلَمًا كَافِيًا آلافَ السِّنين، فإنَّ أَلَمَكَ يَجعَلُكَ مُستَحِقًّا. ولكِنْ لكي تُسَرِّعَ العمليَّة وتَخرُج مِنْ هُناكَ في وقتٍ أسرع، يُمكن أنْ تُحسَبَ فَضَائِلُ شخصٍ آخرَ لَكَ. ويوجد في العالَمِ الكاثوليكيِّ ما يُسَمَّى بِـ "خَزْنَة الفَضَائِل".

فاللهُ لَدَيْهِ تَحتَ تَصَرُّفِهِ فَضائِل زائِدَة. وبعضٌ مِنْ هذهِ الفَضائِل هي لَهُ. وقد سَألتُ الكاهِنَ في ذلكَ المَساء قبلَ أنْ يَبتدئَ البَرنامَجُ التِّلفزيونيّ: "أنا لا أَفهمُ موضوعَ خَزْنَة الفَضَائِل هذا. فَفَضائِلُ مَنْ تلكَ الَّتي تُستَخدَمُ في المَطْهَر؟ هلْ فَضائِلُ مَريم تُستَخدَم هُناك؟" فقال: "أجل لأنَّ مَريمَ لديها فَضَائِل تَفُوقُ حَاجَتَها". عَجَبًا! إنَّها تَمْلِكُ بِرًّا يَفوقُ الحَاجَة! فَهَلْ يُخبِرُني أَحَدُكُمْ ما هذا النِّظام! فَعِوَضًا عَنْ أنْ يَقولوا ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ (أيْ أنَّهُ لا يُمكِنُ لِبِرِّ الإنسانِ أنْ يَجعلَهُ يَتمتَّعُ بعلاقةٍ معَ اللهِ) فإنَّهُم يقولونَ إنَّ مَريمَ تَمتَلِكْ بِرًّا يَفوقُ حَاجَتَها. لِذا فإنَّ فَضَائِل مَريم الزَّائدة عَنْ حَاجَتِها، والفَضَائِل الزَّائدةِ عن حاجةِ القِدِّيسينَ المُطَوَّبينَ الآخرينَ، وجُزءًا مِنْ بِرِّ المسيحِ نَفسِهِ تُوْدَعُ كُلُّها في "خَزْنَةِ الفَضَائِل" هذه. ويُمكِنُكَ أنْ تَحصُلَ على هذهِ الفَضَائِل. يُمكِنُكَ أنْ تَحصُلَ عليها. والحقيقةُ هي أنَّهُ يُمكِنُكَ أنْ تَحصُلَ عليها قبلَ أنْ تَموت. والحقيقةُ هي أنَّهُ يُمكِنُكَ أنْ تَشتريها. وهذهِ هِيَ "صُكوكُ الغُفران". فأنتَ تَدفَعُ مَبلغًا مِنَ المال فَتَشتري غُفرانَكَ بنفسِك، وَيَتِمُّ إلغاءُ عُقوبَتِكَ، وَتُحْسَبُ الفَضَائِل لَكَ، وَتَقْصُرُ مُدَةُ بَقائِكَ في المَطْهَر، وتَتجنَّبُ العَذابَ المُؤقَّت.

في سنة 2000، كُنَّا نُسافِرُ في أرجاءِ إيطاليا ونَعقِدُ مُؤتَمَرًا هُناك. وقد صَادَفَ أنْ كانت تلكَ السَّنة هي سَنَة اليُوبيل؛ وهي السَّنة الَّتي تُخَصَّصُ فيها أبواب مُعَيَّنة في كاتِدرائيَّات مُعَيَّنة لِمَنْحِ الغُفرانات. فإنْ عَبَرْتَ واحِدًا مِنْ تلكَ الأبواب، تَنالُ الغُفران. بعبارة أخرى، فإنَّ بعضَ خَطايا الماضي تُغفَرُ لَكَ. وأنا أقولُ لكم إنَّ تلكَ الأماكِنَ كانت مُزْدَحِمَة. وَكُلُّ ما ينبغي أنْ تَفعلَهُ هو أنْ تَعبُرَ الباب. وقد كانت هُناكَ أبوابٌ مُعَيَّنة. فَلا يُمْكِنُكَ أنْ تَعبُرَ كُلَّ الأبوابِ، بل أبوابًا مُعَيَّنةٍ موجودة في جَميعِ أرجاءِ المَكانِ في كَاتِدرائيَّات مُحَدَّدة يُمكِنُكَ أنْ تَذهبَ إليها للحُصولِ على صَكِّ غُفران. وإليكُم ما يحْدُث. عندما تَحصُلُ على صَكِّ غُفران، فإنَّكَ تَحصُل على فَضائِل مَوجودة مِنْ قَبْل في خَزْنَةِ الفَضَائِل. فَالفَضَائِل الفَاضِلَةُ عن مَريم تُجَيَّرُ لِحِسابِكَ وَتُحْسَبُ لَكَ. وإنْ كُنتَ في المَطْهَر، فإنَّهُ بِمَقدورِ الأشخاصِ الَّذينَ يُصَلُّونَ إلى مَريم مِنْ أجلِك، والأشخاصِ الَّذين يُشعِلونَ شَمْعَةً لِمَريمَ أو إلى القِدِّيسينَ أنْ يَجْمَعوا فَضَائِل يُمكِنُ أنْ تُحسَبَ لَك. لِهذا، عندما تَذهبُ إلى كنيسةٍ كاثوليكيَّة فإنَّكَ تَرى شُموعًا في جَميعِ أرجاءِ المَكان. فَهُناكَ أشخاصٌ مُعَيَّنونَ يُصَلُّونَ لأجلِ أشخاصٍ مُعَيَّنين. وَطَالَما أنَّ الشَّمعةَ مُضيئة، فإنَّ الصَّلاةَ تَستمرُّ. وطَالَما أنَّ الصَّلاةَ مُستمرَّة فإنَّ الفَضائِلَ المُكتَسَبَة مِنَ الصَّلاةِ تَتَراكَمُ لِحِسابِ الشَّخصِ الموجودِ في المَطْهَرِ. وتللكَ الفَضائِلُ تُسْحَبُ مِنْ خَزْنَةِ الفَضَائِل الَّتي هي فَضَائِل تَخُصُّ المَسيحَ في الأصل، وتَخُصُّ القِدِّيسينَ الَّذينَ لديهم فَضَائِل زائدة، وتَخُصُّ مَريم.

وبالمُناسَبة، فإنَّ أكثرَ وَسيلةٍ فَعَّالة في مُساعدةِ الأمواتِ في المَطْهَرِ هي أنْ تَطلُبَ مِنْ أحدِ الكَهَنَةِ أنْ يُقيمَ قُدَّاسًا. لِذا فإنَّكَ تُصَلِّي، وتَدفَعُ مَبلغًا لأحدِ الكَهَنةِ فيُقيمُ قُدَّاسًا على الأموات. وحينئذٍ فإنَّ الفَضائِلَ تُجَيَّرُ إلى حِسابِ ذلكَ الشَّخص فَتَقِلُّ مُدَّةُ مُكوثِهِ في المَطْهَر. فأنتَ تَذهبُ إلى الكنيسة، وتُضيءُ شَمْعَةً، وتَدفعُ للكاهِنِ كي يُقيمَ قُدَّاسًا. وكُلُّ تلكَ الأشياءِ تَرمي إلى تَقصيرِ مُدَّةِ المَطْهَر. لِذا، يُمكِنُكَ أنْ تَقْتَرِضَ مِنْ خَزْنَةِ الفَضَائِل مِنْ خِلالِ الصَّلاةِ لأجلِ الحُصولِ على صَكِّ غُفران. وهذا هُوَ ما أَدَّى إلى قِيامِ الإصلاح. أَتَذكرون؟ فقد جاءَ "تِتْزِل" (Tetzel) وراحَ يَبيعُ صُكوكَ الغُفرانِ فَثارَ غَضَبُ "لوثر". وقد تَصَدَّى لوثر لمسألةِ صُكوكِ الغُفرانِ فَحَدَثَ الإصلاحُ ... الإصْلاحُ البروتستنتيُّ.

لِذا فإنَّ مَريمَ نَالَتْ فَضَائِل أكثرَ بكثير مِنْ حَاجَتِها. وهي مَصْدَرُ هذهِ الفَضَائِل الَّتي يُمْكِنُ شِراؤُها. فنحنُ نَقرأُ في "عقيدةِ الغُفران" (Indulgentiarum Doctrina)، ما بَعْدَ المَجمعِ الفاتيكانيِّ الثَّاني، في الأوَّلِ مِنْ شهر تشرين الثَّاني/نوفمبر سنة 1967: "إنَّ كَنْزَ الكنيسة هو الثَّمَن اللَّانِهائِيّ الَّذي لا يَنْضُب الَّذي أَحْرَزَتْهُ فَضَائِل المَسيحِ عندَ الله. وَقد تَمَّ تَقديمُهُ حَتَّى تُعْتَقَ البَشريَّةُ جَمْعاء مِنَ الخطيَّة وَتَنالَ الشَّرِكَةَ معَ الآب. فَفي المسيحِ، فَادينا نَفسِهِ، تُوْجَدُ كَفَّاراتُ وفَضَائِل فِدائِهِ وَتَجِدُ فاعِلِيَّتَها. وهذا الكَنْزُ يَضُمُّ أيضًا صَلواتِ الطَّوباويَّة العَذراء مَريم وأعمالَها الصَّالحة. فهي صَلواتٌ وأعمالٌ قَيِّمةٌ ولا تُستَقصى ولا تُقَدَّرُ بِثَمَنْ مِنْ حيث قيمَتِها أمامَ الله". لِذا، هُناكَ بِرُّ المسيح، وَبِرُّ مَريم. ونَقرأُ أيضًا: "ويَضُمُّ ذلكَ الكَنْزُ أيضًا صَلوات القِدِّيسينَ وأعمالهم الصَّالحة إذْ إنَّهُمْ سَاروا على خُطَى المسيح، وَعاشوا بِنِعْمَتِهِ حَياةً مُقَدَّسَةً، وَتَابَعوا الإرساليَّةَ الَّتي ائْتَمَنَهُمْ أَبوهُم عليها. وبهذه الطَّريقة، فقد نَالوا خَلاصَهُم، وَأَسْهَموا في الوقتِ نَفسِهِ في تَخليصِ إخوَتِهِم في وَحْدَةِ الجَسَدِ السِّرِّيِّ". هل هذا خَلاصٌ بالأعمالِ أَمْ ماذا؟ فأنتَ تَنالُ خَلاصَكَ؛ وليسَ خَلاصَكَ أنتَ فقط، بل إنْ كانَت لديكَ فَضَائِل زائدة، يُمكِنُكَ أنْ تَنالَ خَلاصًا لشخصٍ آخر. وهذه ليست عَقيدةً قديمة، بل إنَّها أُعلِنَتْ في المَجمعِ الفاتيكانيِّ الثَّاني في سنة 1967. وهذا النِّظامُ يُدْعَى "ثيسَاراس موريتوريَم" (Thesaurus Moritorium) ومَعناهُ: "خَزْنَة الفَضَائِل".

وَفَضَائِلُ مَريَم لا يَستوعِبُها عَقْلٌ. وهي جُزءٌ مِنْ كَنْزِ الكنيسة. وقد اكتَسَبَتِ الحَقَّ في إيداعِها هُناك. وقد اكْتَسَبَتِ الحَقَّ في تَوزيعِ كُلِّ الكُنوزِ على مَنْ يُكْرِمونَها. لِذا، يجب عليكُم أنْ تَتَوَخَّوْا الحَذَرَ في كيفيَّةِ مُعامَلَتِكُم لِمَريم. فَمَريم تُخَلِّصُكُم. وفَضَائِل مَريم تُوْضَعْ في حِسابِكُم. ومَريمُ تُخرِجُكُمْ مِنَ المَطْهَر. ومَريم تأخُذُكُم إلى السَّماء. وقد قالَ البابا "بيوس العاشِر" (Pius X): "إنَّها أعظمُ خادِمَةٍ في تَوزيعِ النِّعَم". وهُناكَ اقتباسٌ آخر. ولا أَدري مِنْ أينَ جاءَ هذا الاقتباس: "مِنْ خِلالِ فَضَائِلها، فإنَّ حِدَّةَ عَذاباتِ النَّفس في المَطْهَر لا فقط تَتَضاءَل، بَل تَقْصُر أيضًا". وإليكُم قَوْل يُنْسَبُ إلى بَراءة بَابويَّة تُنْسَبُ إلى البابا "يوحنَّا الثَّاني والعِشرين" (John XXII) الَّذي مَاتَ في سنة 1334: "لَقَدْ تَناهَى إلى عِلْمِنا أنَّ سَيِّدَتَنا مَريم أَرادَتْ أنْ يَعرِفَ الجَميعُ أنَّهُ في يومِ السَّبتِ اللَّاحِقِ لِمَوتِنا، فإنَّها سَتُخَلِّصُ مِنَ المَطْهَرِ جَميعَ الَّذينَ ارْتَدَوْا الثَّوْبَ الكَرْمِلِيّ". وهذهِ وُعودٌ أَكَّدَها في وقتٍ لاحقٍ العَديدُ مِنَ البابَواتِ الآخرين، ولا سِيَّما البابا "بولس الخامس" (Paul V) الَّذي حَدَّدَ في مَرسومٍ بابويٍّ في سنة 1613، أوْ في ما يُسَمَّى بالبراءةِ البابويَّة، حَدَّدَ الشُّروطَ الَّتي ينبغي تَوَفُّرُها مِنْ أجلِ الحُصولِ على الرَّحمةِ المُنفَرِدَة. وهذا يَعني أنَّهُ في يومِ السَّبتِ الَّذي يَلي مَوتَكَ، يُمكِنُكَ أنْ تَخرُجَ مِنَ المَطْهَر إنْ كُنتَ تَرتَدي الثَّوبَ الكَرْمِلِيّ. وبحسب ما كُتِبَ في عيد سَيِّدةِ جَبَل الكَرمِل: "يجب علينا أنْ نُؤمِنَ بِوَرَعٍ بأنَّ العَذراءَ الطَّوباويَّةَ تُعَزِّي أعضاءَ أَخَوِيَّة ثَوْب الكَرمِل في المَطْهَرِ بمحبَّة أُمومِيَّة، وبأنَّها تُخَلِّصُهُم سريعًا [في يومِ السَّبْتِ التَّالي] مِنْ خِلالِ شَفاعَتِها وتأخُذُهُم إلى السَّماء".

وإلى جَانِبِ عِيْدِ سَيِّدةِ جَبَلِ الكَرمِل، فإنَّ عِيْدَ أَحزانِ مَريم السَّبعة، وعيد الثَّالوثِ الأقدَس، وعيد الحَبَل بِلا دَنَس [وهي أعيادٌ في الكنيسة] هي أَعيادٌ تَعَزَّزَتْ قيمَتُها مِنْ خِلالِ صُكوكِ الغُفران. وقد قالَ البابا "بولُس الخامس": "مِنْ جِهَتي، لقد حَرصْتُ على مُراعاتِها كُلِّها. أَعطوني كُلَّ فَضائِلِ مَريم حَتَّى أَخرُجِ مِنَ المَطهَر".

ولا شَكَّ أنَّ هذهِ كُلَّها أكاذيب، كَما هُوَ واضِح. فِهي كُلُّها أَكاذيب ... أكاذيب وَاضحة. وقدِ انتَهى وَقتي. وما يَعنيهِ ذلك هُوَ أنَّهُ بالرَّغمْ مِنْ أنَّ هذا مُؤلِم، فإنَّ هُناكَ دَرسًا آخر. ولكِنَّكُم سَتُحِبُّونَ الدَّرسَ القادِم لأنَّنا سَنَنظُرُ في الأسبوعِ المُقبِل إلى ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ عن مَريم. آمين؟ والآن، مِنَ الأفضل أنْ تَأتوا. فقد سَمِعْتُكُمْ تَقولونَ: "آمين". حسنًا! دَعُونا نُصَلِّي:

مِنَ المُهِمِّ، يا رَبّ، أنْ نَكونَ مُمَيِّزينَ وَمُدركينَ وفَاهِمينَ للحَقِّ لأنَّنا تَلَقَّيْنا هذهِ المأموريَّة المُهمَّة بأنْ نُنادي بهذا الحَقِّ، وبأنْ نُخَلِّصَ النُّفوسَ المُستعبَدَة لمملكةِ الشَّيطان. ويا رَبّ، مَا أَقسى أنْ نَرى أنَّ إلَهَ هَذا الدَّهرِ قد أَعمْى أذهانَ الرُّومِ الكاثوليك في جميعِ أنحاءِ العالَم إذْ إنَّهُمْ يَعبُدونَ صَنَمًا، ويَعبدونَ شَياطينَ تَأخُذُ هَيئةَ إلَهَة. وكَمْ هُوَ مُحْزِنٌ أنَّهُمْ أَطلَقوا عليها اسمَ أُمِّ رَبِّنا. وقد كانت سَتَرْتَعِبْ لو أنَّها عَلِمَتْ بذلك. ولكِنْ مِنَ الجَيِّد أنَّها لم تَعلم بذلك، ولم تَسمَع يومًا صَلاةً مِنْ أيِّ شخصٍ، وأنَّها لم تَعُدْ يومًا إلى هذا العالَم، وأنَّها لم تَظْهَر، ولم تَتكلَّم، ولم تَرَ أيَّ شيء؛ بل إنَّها غَارِقَة في بَحْرٍ مِنَ البَهاءِ والمَحَبَّةِ وَالتَّسبيحِ في الأمجادِ السَّماويَّة. وقد كانَتْ سَتَرتَعِبُ جِدًّا لو أنَّها عَلِمَتْ أنَّ هُناكَ أُناسًا يَعبُدونَها. يا أبانا، إنَّ هذا مُحزِنٌ لا لأجلِها هِيَ، بل لأجلِ أولئكَ العَالِقينَ في هذا الخِداعِ الشَّيطانيِّ والَّذين ابتَعَدُوا عنِ المسيحِ وَتَبِعُوا إلَهًا آخر، وانتَقَلوا عنِ الإنجيلِ الحقيقيِّ إلى إنجيلٍ آخر فَاستحقُّوا اللَّعنَةَ. ساعِدنا، يا رَبُّ، على أنْ نَكونَ جَريئينَ، ومُحِبِّينَ، ومُمتَلِئينَ نِعمَةً، وواضِحينَ في إعلانِ هذا الحَقِّ حَتَّى تُفَكّ قُيودُ تلكَ النُّفوسِ فَيَتَحَرَّرون. ونحنُ نَعلمُ أنَّ هذا لا يُمكن أنْ يَحدُث إلَّا إنْ عَرَفوا الحَقَّ. لِذا، يجب علينا أنْ نَقولَ لَهُمُ الحَقَّ. أعْطِنا فُرصةً للقيامِ بذلك بِصَراحَةٍ ومحبَّة حَتَّى تُحَرِّرَ حَقًّا أولئكَ المُستعبَدينَ والواقِعينَ تحتَ هَيمنةِ هذه الوَثنيَّة المُهْلِكَة. باسمِ المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize