Grace to You Resources
Grace to You - Resource

نحنُ نَنظُرُ إلى مَوضوعِ وَثنيَّة عِبادة مَريم في نِطاقٍ دِراسةٍ لِدِيانةٍ زائفةٍ هي الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة وَعِبادَتها لِمَريم. ومِنَ المُدهشِ أنَّني حَظَيْتُ في الأسبوعِ الماضي بِفُرصةٍ للظُّهورِ في بَرنامَج "لاري كينغ" (Larry King)، وَلَعَلَّ بَعضًا مِنكُم شاهَدَ البَرنامَجَ الَّذي ضَمَّ مَجموعةً كبيرةً مِنَ الرُّومِ الكاثوليكِ والعديدِ مِنَ الكَهَنة. وفي غُرفةِ الانتظارِ، كانَ هناكَ العَديدُ مِنَ المُدافِعينَ عنِ الكاثوليكيَّة، والإعلامِيِّينَ الكاثوليك، والأشخاصِ الَّذينَ يَهتَمُّونَ بالتَّرويجِ الإعلاميّ للكنيسةِ الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة، والشُّبَّانِ الَّذينَ يَدرسونَ في كُليَّةِ اللاَّهوتِ التَّابعةِ للفاتيكان، والعَديدُ مِنَ الكَهَنة. وقد كُنتُ أُراجِعُ الحَقائقَ الَّتي ذَكَرْتُها إذْ إنَّني حَظَيْتُ بِفُرصةِ القيامِ بذلكَ مِنْ خِلالِ التحدُّثِ إليهم عن بعضِ الأمورِ. وقد تَأكَّدَ لي أنَّ الأشياءَ الَّتي نَتحدَّثُ عنها في هذه الدَّراسة عن مَريم هي الأشياءُ الَّتي يُكَرِّسونَ أنفُسَهُم لها تَكريسًا حقيقيًّا وصَادِقًا. وقد صَرَفْنا ثلاثةَ أسابيع في التَّحدُّثِ عَمَّا تَقولُهُ الكنيسةُ الكاثوليكيَّة بصورة رئيسيَّة عن مَريم. فقد تحدَّثنا عن تَكريسِهم لمريم. وقد تحدَّثنا عن عَقيدتهم بِخُصوصِ مريم. وفي النِّهاية، إذا أَخَذنا جَميعَ الحَقائقِ بِعينِ الاعتبار، فإنَّ الفِكرة الواضحة والسَّائدة هي أنَّهم يَعبدونَ مَريم. والحقيقة هي أنَّهُ مِنْ ناحيةٍ عَمليَّة فإنَّهُم يَعبُدونَ مَريمَ أكثر بكثير مِمَّا يَعبُدونَ حَتَّى الرَّبَّ يسوعَ المسيح، وأكثرَ بكثير مَمَّا يَعبدونَ اللهَ الحَقيقيَّ الحَيَّ.

إنَّها وَثَنِيَّة بأوضحِ صُورة. ولكي نَتَصَدَّى لذلك، يَلزَمُنا فقط أنْ نَفعلَ شَيئَيْنِ (مِنَ النَّاحيةِ الكِتابيَّة): الأوَّلُ هو أنْ نَرى ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ عن الوثنيَّة؛ والثَّاني هو أنْ نَرى ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ حَقًّا عن مَريم. وَحينئذٍ، سَنَفهمُ بوضوح أنَّهُم ابتَدَعُوا إلَهَةً يَعبدونَها لا صِلَةَ لها بِمَريمَ الحقيقيَّة، أُمِّ يسوعَ الَّتي يَتحدَّثُ عنها الكتابُ المقدَّسُ، أو مَريم التَّاريخيَّة.

وأَوَدُّ، على أيِّ حال، أن أَبتدئَ بالمَزمور 115. وأرجو أنْ تَفتحوا على المَزمور 115 لأنَّني أريدُ أنْ يَكونَ ما يَقولُهُ المَزمورُ رَاسِخًا في أذهانِكُم. المزمور 115. وأعتقد أنَّهُ يَكفي فقط أنْ تَستَمِعوا إلى هذا المَزمور، أوْ أنْ تَقرأوا النَّصَّ مَعي قِراءةً صَامِتَةً في أثناءِ قِراءَتي لَهُ. المَزمور 115:

"لَيْسَ لَنَا يَا رَبُّ لَيْسَ لَنَا، لكِنْ لاسْمِكَ أَعْطِ مَجْدًا، مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكَ مِنْ أَجْلِ أَمَانَتِكَ. لِمَاذَا يَقُولُ الأُمَمُ: «أَيْنَ هُوَ إِلهُهُمْ؟». إِنَّ إِلهَنَا فِي السَّمَاءِ. كُلَّ مَا شَاءَ صَنَعَ. أَصْنَامُهُمْ فِضَّةٌ وَذَهَبٌ، عَمَلُ أَيْدِي النَّاسِ. لَهَا أَفْوَاهٌ وَلاَ تَتَكَلَّمُ. لَهَا أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُ. لَهَا آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُ. لَهَا مَنَاخِرُ وَلاَ تَشُمُّ. لَهَا أَيْدٍ وَلاَ تَلْمِسُ. لَهَا أَرْجُلٌ وَلاَ تَمْشِي، وَلاَ تَنْطِقُ بِحَنَاجِرِهَا. مِثْلَهَا يَكُونُ صَانِعُوهَا، بَلْ كُلُّ مَنْ يَتَّكِلُ عَلَيْهَا. يَا إِسْرَائِيلُ، اتَّكِلْ عَلَى الرَّبِّ. هُوَ مُعِينُهُمْ وَمِجَنُّهُمْ. يَا بَيْتَ هَارُونَ، اتَّكِلُوا عَلَى الرَّبِّ. هُوَ مُعِينُهُمْ وَمِجَنُّهُمْ. يَا مُتَّقِي الرَّبِّ، اتَّكِلُوا عَلَى الرَّبِّ. هُوَ مُعِينُهُمْ وَمِجَنُّهُمْ. الرَّبُّ قَدْ ذَكَرَنَا فَيُبَارِكُ. يُبَارِكُ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ. يُبَارِكُ بَيْتَ هَارُونَ. يُبَارِكُ مُتَّقِي الرَّبِّ، الصِّغَارَ مَعَ الْكِبَارِ. لِيَزِدِ الرَّبُّ عَلَيْكُمْ، عَلَيْكُمْ وَعَلَى أَبْنَائِكُمْ. أَنْتُمْ مُبَارَكُونَ لِلرَّبِّ الصَّانِعِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. السَّمَاوَاتُ سَمَاوَاتٌ لِلرَّبِّ، أَمَّا الأَرْضُ فَأَعْطَاهَا لِبَنِي آدَمَ. لَيْسَ الأَمْوَاتُ يُسَبِّحُونَ الرَّبَّ، وَلاَ مَنْ يَنْحَدِرُ إِلَى أَرْضِ السُّكُوتِ. أَمَّا نَحْنُ فَنُبَارِكُ الرَّبَّ مِنَ الآنَ وَإِلَى الدَّهْرِ. هَلِّلُويَا".

والآن، أريدُ مِنكُم أنْ تَعلَموا تَفَرُّدَ هذه الدَّعوة إلى التَّسبيح. فالرَّبُّ وَحدُهُ هُوَ الَّذي يَنبغي أنْ يُمَجَّد. والرَّبُّ هو مَصدَرُ الرَّحْمَة. والرَّبُّ هو مَصدَرُ الأَمانَة. والرَّبُّ هو الَّذي ينبغي أن يُتَّكَلَ عليه. وَهُوَ مُعينُنا وَمِجَنُّنا. والرَّبُّ وَحدُهُ هُوَ الَّذي يَنبغي أنْ يَتَّقيهِ النَّاسُ. وَهُوَ (مَرَّةً أخرى) مُعينُنا وَمِجَنُّنا. ولا حَاجَةَ إلى تَذكيرِ الرَّبِّ بِنا لأنَّهُ يَذْكُرُنا وَيُبارِكُنا. لِذا، فإنَّهُ يَستَحِقُّ كُلَّ تَسبيحِنا. ونَقرأُ في المَزمور 116: "أَحْبَبْتُ لأَنَّ الرَّبَّ يَسْمَعُ صَوْتِي، تَضَرُّعَاتِي. لأَنَّهُ أَمَالَ أُذْنَهُ إِلَيَّ فَأَدْعُوهُ مُدَّةَ حَيَاتِي". فأنا لستُ بحاجة إلى إلَهٍ آخر. وأنا لستُ بحاجة إلى وَسيطٍ آخر. وأنا لستُ بحاجةٍ إلى شَفيعٍ آخر. وأنا لستُ بحاجةٍ إلى شَخصٍ يَتضرَّعُ لأجلي أمامَ اللهِ. وَحَتَّى في أَحْلَكِ الظُّروفِ، فإنَّنا نَقرأُ في العددِ الثَّالث: "اكْتَنَفَتْنِي حِبَالُ الْمَوْتِ. أَصَابَتْنِي شَدَائِدُ الْهَاوِيَةِ. كَابَدْتُ ضِيقًا وَحُزْنًا. وَبِاسْمِ الرَّبِّ دَعَوْتُ: «آهِ يَا رَبُّ، نَجِّ نَفْسِي!»". وَلَعَلَّكُمْ تَذكرونَ أنَّهُ عندما تَمَّ إطلاقُ النَّارِ على البابا "يوحنَّا بولس الثَّاني" (Pope John Paul II) فإنَّهُ رَاحَ يَصْرُخُ قائلاً: "يا مريم، أَنقِذيني! يا مَريم، أَنقذيني! يا مَريم، أَنقذيني!"

ولماذا نَدعو الرَّبَّ؟ نَقرأُ في العددِ الخامِس: "الرَّبُّ حَنَّانٌ وَصِدِّيقٌ، وَإِلهُنَا رَحِيمٌ. الرَّبُّ حَافِظُ الْبُسَطَاءِ. تَذَلَّلْتُ فَخَلَّصَنِي. ارْجِعِي يَا نَفْسِي إِلَى رَاحَتِكِ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْكِ. لأَنَّكَ أَنْقَذْتَ نَفْسِي مِنَ الْمَوْتِ، وَعَيْنِي مِنَ الدَّمْعَةِ، وَرِجْلَيَّ مِنَ الزَّلَقِ. أَسْلُكُ قُدَّامَ الرَّبِّ فِي أَرْضِ الأَحْيَاءِ. آمَنْتُ لِذلِكَ تَكَلَّمْتُ: «أَنَا تَذَلَّلْتُ جِدًّا». أَنَا قُلْتُ فِي حَيْرَتِي: «كُلُّ إِنْسَانٍ كَاذِبٌ». مَاذَا أَرُدُّ لِلرَّبِّ مِنْ أَجْلِ كُلِّ حَسَنَاتِهِ لِي؟ كَأْسَ الْخَلاَصِ أَتَنَاوَلُ، وَبِاسْمِ الرَّبِّ أَدْعُو. أُوفِي نُذُورِي لِلرَّبِّ مُقَابِلَ كُلِّ شَعْبِهِ. عَزِيزٌ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ مَوْتُ أَتْقِيَائِهِ. آهِ يَا رَبُّ، لأَنِّي عَبْدُكَ! أَنَا عَبْدُكَ ابْنُ أَمَتِكَ. حَلَلْتَ قُيُودِي. فَلَكَ أَذْبَحُ ذَبِيحَةَ حَمْدٍ، وَبِاسْمِ الرَّبِّ أَدْعُو. أُوفِي نُذُورِي لِلرَّبِّ مُقَابِلَ شَعْبِهِ، فِي دِيَارِ بَيْتِ الرَّبِّ، فِي وَسَطِكِ يَا أُورُشَلِيمُ. هَلِّلُويَا".

ونَقرأُ في المَزمور 117: "سَبِّحُوا الرَّبَّ يَا كُلَّ الأُمَمِ. حَمِّدُوهُ يَا كُلَّ الشُّعُوبِ. لأَنَّ رَحْمَتَهُ قَدْ قَوِيَتْ عَلَيْنَا، وَأَمَانَةُ الرَّبِّ إِلَى الدَّهْرِ. هَلِّلُويَا". وفي المَزمور 118: "اِحْمَدُوا الرَّبَّ لأَنَّهُ صَالِحٌ، لأَنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. لِيَقُلْ إِسْرَائِيلُ: «إِنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ». لِيَقُلْ بَيْتُ هَارُونَ: «إِنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ». لِيَقُلْ مُتَّقُو الرَّبِّ: «إِنَّ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ»".

ولكِنَّ نَظرةَ الرُّومِ الكاثوليك إلى مَريمَ تُشَكِّكُ في رَحْمَةِ اللهِ، وَعَطْفِ اللهِ، ومَحَبَّتِه اللهِ. وهي تَزْرَعُ في أذهانِ النَّاسِ شَكًّا بخصوصِ عِنايةِ اللهِ، واهتمامِهِ، وعَطْفِهِ، وتَحَنُّنِهِ، ومُبالاتِهِ بِبَلِيَّتِهِم. ولا يوجد شيء يُجَافِي الحَقيقة أكثرَ مِن ذلك. والكتابُ المقدَّسُ يَنتهي في الأصحاحِ الثَّاني والعِشرين مِنْ سِفْرِ الرُّؤيا بأنْ سَمِعَ يُوحَنَّا تلكَ الإعلاناتِ المُدهشة الَّتي جاءَتْ في هذه المَرَّة تَحديدًا مِنْ خِلالِ مَلاكٍ. وَعندما سَمِعَ ذلكَ فإنَّنا نَقرأُ في العددِ الثَّامِنِ مِنْ سِفْر الرُّؤيا والأصحاح 22: "خَرَرْتُ لأَسْجُدَ أَمَامَ رِجْلَيِ الْمَلاَكِ الَّذِي كَانَ يُرِينِي هذَا. فَقَالَ لِيَ: «انْظُرْ لاَ تَفْعَلْ! لأَنِّي عَبْدٌ مَعَكَ وَمَعَ إِخْوَتِكَ الأَنْبِيَاءِ، وَالَّذِينَ يَحْفَظُونَ أَقْوَالَ هذَا الْكِتَابِ. اسْجُدْ للهِ!»". "اسجُد لله!" وفي مَشهَدٍ آخر في سِفْر الرُّؤيا، نَقرأُ أنَّ مَلاكًا آخرَ مَعَهُ بِشَارَةٌ أَبَدِيَّةٌ ... طَائِرًا فِي وَسَطِ السَّمَاءِ مَعَهُ بِشَارَةٌ أَبَدِيَّةٌ قد قال: "اسجُدوا للهِ. اسجُدوا للهِ" الَّذي يَليقُ أنْ يُعْبَدَ لأنَّهُ فَادينا، وَالمُحْسِن إلينا، وَمُعَزِّينا، والمُتَحَنِّن علينا، وَمُخَلِّصُنا.

إنَّ اللهَ هو مَوضوعُ كُلِّ عِبادَتِنا. والرَّبُّ هو مَوضوعُ كُلِّ شُكرِنا. والرَّبُّ، المُثَلَّثُ الأقانيمُ [الآبُ والابْنُ والرُّوحُ القُدُسُ]، هو الوَحيدُ الَّذي يَنبغي أنْ يُعبَد. وهو الوَحيدُ الَّذي يَنبغي أنْ يُبَجَّل. وهو الوحيدُ الَّذي يَنبغي أنْ يُعَظَّم. وهو الوحيدُ الَّذي ينبغي أنْ نَتَضَرَّعَ إليه. وهو الوحيدُ الَّذي ينبغي أنْ نَسْتَعْطِفَهُ. فلا حاجةَ إلى أيِّ شخصٍ آخر يَتَشَفَّع فينا. فيُمكنكَ أنْ تَلتجئَ مُباشرةً إلى الله. والعهدُ القديمُ يُبَيِّنُ ذلكَ بوضوحٍ تامٍّ. وفي العهدِ الجديد، نحنُ نَلتجِئُ مُباشَرةً إلى اللهِ الابن؛ وَمِنْ خِلالِ اللهِ الابْنِ نَلتجئُ مُباشرةً إلى اللهِ الآب. ونحن نأتي إلى اللهِ الابْنِ مِنْ خِلالِ الرُّوحِ القُدُس. ونحنُ نَدخُلُ إلى حَضرةِ اللهِ الآبِ مِنْ خِلالِ الابن. لِذا فإنَّنا نَقرأُ في الرِّسالة الأولى إلى تيموثاوس 2: 5: "لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ". فهناكَ وَسيطٌ واحدٌ وهُوَ الإنسانُ يَسوعُ المسيح. فنحنُ لا نَلتجئُ إلى المَلائكةِ، ولا إلى القِدِّيسين، ولا إلى مَريم. فَكُلُّ أحمالِنا، وكُلُّ صَلواتِنا، وكُلُّ طِلْباتِنا تُوَجَّه مُباشَرةً إلى اللهِ مِنْ خلالِ عَلاقَتِنا بيسوعَ المسيح.

ونَقرأُ في إنجيل يوحنَّا 14: 13: "وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ [كما قالَ يَسوع] بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْن. إِنْ سَأَلْتُمْ شَيْئًا بِاسْمِي فَإِنِّي أَفْعَلُهُ". فاللهُ لا يَكِلُّ مِنْ سَماعِ صَلواتِنا، ويَسوعُ لا يَكِلُّ مِنْ سَماعِ صَلواتِنا حَتَّى نَشعُر أنَّنا في حاجةٍ إلى اللُّجوءِ إلى أُمِّ يَسوعَ الَّتي يُزْعَمُ أنَّها تُحَنِّنُ قَلبَ يَسوعَ الَّذي يُحَنِّنُ، بِدَورِهِ، قَلْبَ الآبِ لكي يُظهِرَ بعضَ الاهتمامِ بِمَشاكِلِنا. وَكَما يَكتُبُ يُوحَنَّا (مَرَّةً أخرى) في رِسالة يوحنَّا الأولى 5: 14: "وَهذِهِ هِيَ الثِّقَةُ الَّتِي لَنَا عِنْدَهُ: أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئًا حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا. وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَهْمَا طَلَبْنَا يَسْمَعُ لَنَا، نَعْلَمُ أَنَّ لَنَا الطِّلِبَاتِ الَّتِي طَلَبْنَاهَا مِنْهُ". فنحنُ نَلتَجِئُ مُباشرةً إلى اللهِ ... نَلتَجِئُ مُباشَرَةً (مِنْ خِلالِ حَفْزِ الرُّوحِ لَنا) إلى اللهِ الابْنِ، وَمِنْ خِلالِ اللهِ الابْنِ إلى اللهِ الآب.

وقد أَنْهَيْنا نِقاشَنا عنِ النَّظرةِ الكاثوليكيَّة إلى مَريم في المَرَّة السَّابقة بالحَديثِ عن حقيقةِ أنَّهُم يُعَلِّمونَ أنَّ مَريم هي شَريكة في الوَساطَة؛ أيْ أنَّها، إلى جانِبِ يَسوعَ، وَسيطَةُ كُلِّ النِّعَم. وهي قَناةُ كُلِّ النِّعَم. وَلَعَلَّكُمْ تَتَذَكَّرونَ عِباراتٍ مِثْلَ أنَّ "مَريمَ هي أُمُّ كُلِّ النِّعَم. ومَريم هي مَصدَرُ كُلِّ المَراحِم. وليست هُناكَ نِعمة تُسبَغُ على أيِّ شخصٍ مِن دُونِ وَساطَتِها وشَفاعَتِها وَتَعاوُنِها. فَكُلُّ النِّعَمِ تُسْبَغُ علينا مِنْ خِلالِ يَدَيِّ مَريم. فَمَريمُ هي الشَّفيعةُ المُباشِرَةُ مَعَ يَسوعَ، وهي تَتَسَلَّمُ مِنْ يَسوعَ كُلَّ النِّعَمِ وَتُوَزِّعُها علينا. لِذا، يجب أنْ نُوَجِّهَ صَلواتِنا إلى مَريم". وَكُلُّ هذا هُوَ، دُونَ شَكٍّ، كَذِبٌ وَخِداع. وَمَرَّةً أُخرى، فإنَّ هذا الكَلامَ يُوَجِّهُ ضَربَةً إلى طَبيعةِ اللهِ المُحِبِّ، واللَّطيفِ، والمُتعاطِفِ، والمُتَحَنِّنِ، والَّذي يَهتمُّ بِنا. وَهُوَ يُوَجِّهُ ضَربةً إلى شَفاعَةِ الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ الَّذي هو الشَّخصُ الوحيدُ الَّذي يَنبغي أنْ نَلتجئَ إليهِ كي يَأخُذَنا مُباشَرةً إلى الآب.

كذلكَ فإنَّ مَريمَ ليست شَريكةً في الفِداء (كَما تَقولُ الكنيسةُ الكاثوليكيَّةُ الرُّومانيَّة). وقد كانت هذه واحدة مِنَ القَضايا الكبيرةِ الَّتي شَدَّدَ عليها "يُوحَنَّا بولسُ الثَّاني" (John Paul II). وأنا أَقتَبِسُ مَا قال: "إنَّ مَريمَ تَشترِكُ في فِدائِنا". ولا شَكَّ أنَّهُ يَقتبسُ كَلِماتِ "بيوس الحادي عَشَر" (Pius XI) الَّذي قال: "مَريم تَشترِك في الفِداءِ الَّذي حَقَّقَهُ ابنُها. وَكُلُّ النِّعَمِ تُسْبَغُ فقط مِن خِلالِ شَفاعَتِها. فقد اشتَرَكَتْ مَعَ يسوعَ المسيحِ في كُلِّ عَمَلٍ مُؤلمٍ جدًّا يَختصُّ بالفِداء". فَهُمْ يَدَّعونَ أنَّ مَريمَ قامَتْ مِنْ خِلالِ آلامِها بِبَذْلِ ابنِها، وأنَّها اشتَرَكَتْ بِصُورةٍ مِنَ الصُّوَر في فِدائِنا. لِذا فإنَّ المَسيحَ ليسَ هُوَ وَسيطَنا الوحيد، ولا هُوَ فادينا الوَحيد.

وقد خَتَمْنا حَديثَنا في المَرَّة السَّابقة بالحديثِ عن حقيقةِ أنَّ الكنيسةَ الكاثوليكيَّةَ الرُّومانيَّة تُعَلِّم أنَّ مَريمَ تَمتَلِكُ بِرًّا زَائِدًا عن حاجَتِها لِلذَّهابِ إلى السَّماء، وأنَّها تَمتَلِكُ فَضَائِلَ أكثرَ مِنْ حَاجَتِها. لِذا فإنَّ فَضائِلَها الزَّائدة قد أُوْدِعَتْ في شَيءٍ يُسَمَّى "خَزْنَة الفَضَائِل". ويُمكِنُكَ أنْ تَأخُذَ الفَضائلَ الَّتي استَحَقَّتْها مَريم، وأنْ تُوْدِعَها هُناكَ وتُجَيِّرَها لِحَياتِكَ إنْ كُنْتَ مِنْ أبناءِ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة حَتَّى تَقْصُرَ أوْ تَخِفَّ عَذاباتُكَ الأرضيَّة؛ أوِ الأهَمُّ مِن ذلك هو: حَتَّى تَقْصُرَ فَترةُ مُكوثِكَ في المَطْهَر. وهذه هي عَقيدةُ خَزْنَة الفَضائِل، أو عَقيدةُ صُكوكِ الغُفرانِ أوِ الحِلِّ مِنَ الخَطايا. فأنتَ تَحصُلُ على مِقدارٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الغُفرانِ مِن خلالِ فَضائلِ أو بِرِّ مَريم الَّذي يُحسَبُ لَكَ في الحياةِ وفي المَطْهَر. فأعمالُها الصَّالحة، أيِ الأعمالُ الصَّالحةُ الَّتي تَقومُ بها العَذراءُ الطَّوباويَّة، تُوْدَعُ في خَزْنَةِ الفَضائِل. واللَّاهوتُ الكاثوليكيُّ الرُّومانيُّ يَقولُ (إنْ كُنتُم تَذكرون) إنَّ خَزْنَةَ الفَضائِل تَضُمُّ الأعمالَ الصَّالحةَ الَّتي تَقومُ بها العَذراءُ، وَهِيَ أعمالٌ قَيِّمةٌ، ولا تُستَقصَى، ولا تُقَدَّرُ بِثَمَنْ مِنْ حيث قيمَتِها أمامَ الله.

ولكِنَّ ابتِداعَ هذه الإلَهَة الَّتي لا عَلاقَة لَها بِمَريمَ الحقيقيَّة التَّاريخيَّة (أيْ بأُمِّ يَسوع) ... ولكِنَّ ابتِداعَ هذه الإلَهَة وإعطاءَها القُدرةَ على التَّوَسُّطِ لأجلِ إسباغِ كُلِّ النِّعَم، وإعطاءَها القُدرة على الفِداء، وإعطاءَها القُدرةَ على تَجْييرِ البِرِّ لِحِسابِ الأشخاصِ الَّذينَ تَرْضَى عنهم هُوَ مُجَرَّدُ تَلْفيق. وَهُوَ، كما قُلتُ، ابتِداعٌ لإلَهَةٍ مِنْ خِلالِ خَلْطِ الوثنيَّة والغَنوسِيَّة بالمسيحيَّة. وهذا كُلُّهُ وَثنيَّة، وكُلُّهُ غَنوسِيَّة. وَكُلُّ ما في الأمرِ هو أنَّهُم استَعارُوا اسمَ مَريم مِنَ المسيحيَّة.

وهذا يُوافِقُ تَمامًا الكَثيرَ مِنَ المُعتقداتِ الغَنوسيَّة الأخرى. وَحَتَّى إنَّ "شَفْرَةَ دافنشي" (Da Vinci Code) تَستَعيرُ واحدة مِنَ الهَرطقاتِ الغَنوسِيَّة القديمة بخصوصِ مَريمَ المَجدليَّة. فَالفِكرةُ مِن "شَفْرَة دافنشي" الَّتي تَمَّتِ استعارَتُها مِنْ تلكَ الهَرطقة الغَنوسِيَّة هي أنَّ مَريمَ المَجدليَّة كانَ يَنبغي أنْ تَكونَ مَلِكَة الكَنيسة، وكانَ ينبغي أنْ تَكونَ رَأسَ الكنيسة. ولكِنَّ الرُّسُلَ استاءوا بسببِ ذلك وَتَخَلَّصُوا مِنها. وقد احْتَلَّ بُطرسُ مَكانَ مَريمَ المَجدليَّة في عَمَلٍ ذُكورِيٍّ مُتَعَصِّبٍ، أو في انْقِلابٍ ذُكورِيٍّ، وَتَرَأَّسَ الكَنيسة. ولا شَكَّ أنَّ جُذورَ هذا النَّوعِ مِنَ التَّعليم والمُعتَقَد موجودة في الحَرَكة الأُنثويَّة القديمة الَّتي تَرجِعُ جُذورُها إلى عِبادَةِ الآلِهَة المُؤنَّثة في زَمَنِ بَابِل. وقد كانت تِلكَ مَكيدة شَيطانيَّة مُنذُ البِدايَةِ إذْ إنَّ الشَّيطانَ يَسعَى إلى تَقليدِ وَتَشويشِ التَّرتيبِ الإلهيِّ وَرِئاسَةِ الرَّجُل. لِذا، فإنَّ ما نَراهُ في عِبادَةِ مَريم هو صُورة أُخرى مِن صُوَرِ الوَثنيَّة الَّتي اكْتَسَحَتِ الكنيسة وَاختَلَطَتْ بالمسيحيَّة. ولكِنَّها ليست سِوى عِبادة لإلَهَة.

وَتَلخيصًا لِمَا سَبَق ... وَلَدينا بعضُ الوقتِ لِتَلخيصِ ذلك ... أَوَدُّ أن أتحَدَّثَ عن ثلاثةِ أمورٍ لِتَلخيصِ الأمرِ في ثَلاثةِ استنتاجات: أوَّلاً: أَوَدُّ أن أتحدَّثَ عنِ التَّجديف...عَنِ التَّجديف. فهذا التَّلفيقُ كُلُّهُ هُوَ تَجديف. وهذا يعني أنَّهُ إساءة إلى الله. فهو إساءة مُريعَة إلى الله. فهو إساءة إلى اللهِ الآبِ، وإساءة إلى اللهِ الرُّوحِ القُدُس، وإساءة إلى اللهِ الابْن. وقد أَشَرْنا للتَّوّ إلى ذلكَ في الكلماتِ الافتتاحيَّة؛ ولكِنْ اسمَحوا لي أنْ أُفَصِّلَ ذلكَ لَكُم:

في البِداية، إنَّ عِبادةَ مَريم هي هُجومٌ على اللهِ نَفسِه. فَمَريمُ صَارَتْ أُمًّا لابنِ اللهِ؛ ولكِنَّها صَارت أُمًّا للهِ (في مُفرَداتِهم). وهي تُدعَى "مَلِكَةَ السَّماواتِ". لِذا فإنَّها مُنافِسَة لِمَلِكِ السَّماواتِ؛ أيِ اللهِ نَفسِهِ. وكما تَعَلَّمنا، فإنَّها قد أُعْطِيَت السِّيادة. وهي تَستحقُّ العِبادة، وتَستحقُّ التَّسبيح. وهي تُطالِبُكُمْ (إنْ كُنْتُم تَبْتَغونَ الخَلاصَ) تُطالِبُكُمْ بأنْ تَعبُدوها، وأنْ تُحِبُّوها، وأنْ تُتَوِّجوها لأنَّها مُحِبَّة، ومُنعِمَة، ورَحومَة. وهي كُلِّيَّةُ المَعرفة، وكُلِّيَّةُ الدِّرايَةِ، وكُليَّةُ القُدرة. وقد قالَ "دي ليغواري" (De Liguori) في كِتابِهِ "أمجاد مَريم" (في الصَّفحة 566): "امتِثالاً لأمرِ مَريم، فإنَّ الجَميعَ يُطيعون، حَتَّى الله". وهذا تَجديفٌ على الله.

كَما أنَّ عِبادةَ هذه الإلَهَة هي تَجديفٌ على الرُّوحِ القُدُس. فَمَريمُ هي المُعَزِّيَة. ومَريمُ هي المُتعَاطِفَة. ومَريمُ هي المُعينَة. ومَريمُ هي الَّتي تَمْنَحُ القُوَّة. ومَريمُ هي المُحامِيَة. ومَريمُ هي المُشَجِّعَة. وحَتَّى إنَّ مَريمَ هي المُقَدِّسَةُ الَّتي تَعْمَلُ على جَعْلِ أولادِها طَاهِرين.

كذلكَ فإنَّ عِبادةَ هذهِ الإلَهَة هي هُجومٌ على الابن. فهي تَصيرُ مُخَلِّصًا زَائِفًا. فقد وُلِدَتْ خَالِيَةً مِنَ الخطيَّة، أيْ خَالِيَةً مِنْ دَنَسِ الخَطيَّة الأصليَّة، وَعاشَتْ حَياةً خالِيَةً مِنَ الخطيَّة. وهي تُدعَى: "الصَّبِيَّة الكُليَّة القَداسَة". وهي تَصيرُ فَادِيَةً، ومُقَدِّمَةَ الخَلاصِ، ومَانِحَةَ الغُفرانِ، ومَصدَرَ كُلِّ النِّعَم (مِنَ الخَلاصِ إلى التَّمجيد). وهي تُدعَى "الكُليَّة القَداسة". وَمِنَ الواضحِ تَمامًا أنَّ هذا اللَّقَبَ لا يَليقُ إلَّا باللهِ. وإنْ كُنتُم مَعَنا في الأسابيعِ الثَّلاثة الأخيرة، لا بُدَّ أنَّكُمْ قد شَعَرتُم بِحِدَّةِ التَّجديف. لِذا فإنَّ التَّجديفَ هو الشَّيءُ الأوَّلُ الَّذي يَنبغي أنْ تَفهَموهُ في هذه الخُلاصَة. ثانيًا، سوفَ نُسَمِّي هذِهِ: "المُبايَنَة". فيجب علينا أنْ نُجري مُبايَنَةً هُنا. فما الَّذي يَقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ عن مَريم؟ وما هي القصَّةُ الحقيقيَّةُ لِمَريم؟

حسنًا، خُذوا كِتابَكُم المُقَدَّس. وأنا أَنتَظِرُ مُنذُ وقتٍ طويل هذه اللَّحظة. وأنا أُريدُ وَحَسْب أنْ أُعطيكُم لَمحَة سريعة جِدًّا أو دَرْسًا صَغيرًا في الكتابِ المقدَّس. إليكُم هذه اللَّمحة الخَاطِفَة. افتحوا على إنجيل مَتَّى والأصحاحِ الأوَّل. وسوفَ أَتَنَقَّلُ بِسُرعة. لِذا، يجب عليكم أنْ تُعَجِّلُوا قليلاً مَعي. ففي العَدد 16، نَتَعَرَّفُ إليها في سِلسلةِ نَسَبِ دَاوُد إذْ نَقرأُ عَنْ مَريمَ وَيُوسُف. فَمَريمُ تُذْكَرُ في إنجيل مَتَّى 1: 16 ببساطَة مِنْ خِلالِ الكلماتِ التَّالية: "وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِــي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ". فالكِتابُ المُقَدَّسُ حَريصٌ أَلَّا يَدعُوها قَطّ "أُمَّ اللهِ" لأنَّ هذا اللَّقَبَ مُضَلِّلٌ جِدًّا؛ بل يَدعوها دائمًا: "أُمَّ يَسوع". لِذا فإنَّنا نَلتَقي مَريمَ، وهي الزَّوجةُ في سِلسلةِ نَسَبِ رَجُلٍ يُدعَى "يوسُف". وَكِلاهُما مِنْ نَسْلٍ مَسيحانيٍّ يَرْجِعُ إلى دَاوُد. وَهُما عائِلتانِ مُختَلِفتان، ولكِنَّ كُلَّ الأجدادِ يَرِجِعان إلى داوُد. لِذا فإنَّ يَسوعَ مَلِكٌ مِنْ خِلالِ نَسَبِهِ إلى أُمِّهِ، وَمَلِكٌ مِنْ خِلالِ حَقِّهِ الشَّرْعِيِّ مِنْ أبيهِ؛ فَحَصَلَ مِنْ خِلالِ ذلكَ على الحَقِّ في المُلْك. ونحنُ نَراها مَرَّةً أُخرى في العدد 18. وهي مَخطوبة. وقد كانت هذه خِطْبَة رَسميَّة ليوسُف. وقد وُجِدَتْ حُبْلَى قَبْلَ أَنْ تَكونُ بينِهُما أيُّ علاقة جَسديَّة. ولكِنْ إذْ كانَ يُوسُفُ رَجُلاً بَارًّا، لَمْ يَشَأ أَنْ يُشْهِرَهَا. لِذا فقد أَرَادَ أنْ يُطَلِّقَها سِرًّا لأنَّ الطَّلاقَ مُجَازٌ فقط إنْ كانت زوجَتُكَ غير مُخلِصَة، حَتَّى في الفترة الَّتي تَسبِقُ إتْمامَ الزَّواج. ثُمَّ إنَّ مَلاكًا ظَهَرَ لَهُ وقال: "لاَ تَخَفْ... [في العدد 25] ...أَنْ تَأخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُس". لِذا، فإنَّنا نَقرأُ في العدد 25 أنَّهُ "لَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ. وَدَعَا اسْمَهُ يَسُوعَ".

لقد كانت مَريمُ فَتاةً شَابَّة في الثَّالثة عَشْرَة أوِ الرَّابِعَة عَشْرَة مِنْ عُمْرِها في تلكَ البيئة. وقد قالَ لها مَلاكٌ إنَّها سَتَحْبَلُ مِنْ دُوْنِ عَلاقَةٍ بِرَجُل، وإنَّ هذا الطِّفْلَ سيكونُ "الله مَعَنا" (عِمَّانوئيل). وقد قالَ اللهُ ذلكَ لِخَطيبِها. وقد وُلِدَ الطِّفْل. وهذه هي القِصَّة. هذه هي القِصَّة. ونَقرأُ في الأصحاحِ الثَّاني أنَّ مَجُوسًا "أَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ". وهي تَظْهَرُ قليلاً مَرَّةً أخرى في الأصحاحِ الثَّاني. فهي تُذْكَر في العدد 14: "فَقَامَ [أيْ: يُوسُف] وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ...". ونُلاحِظُ أنَّ اسمَها لا يُذكَر هُنا، بل يُشارُ إليها إشارَةً فقط. ونَقرأُ في العدد 21 أنَّهُ بعدَ أنْ أَخَذَ الطِّفلَ إلى مِصْر، نَقرأ في العدد 21: "فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَجَاءَ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ". وَنُلاحِظُ أنَّ اسمَها يَختَفي تَدريجيًّا مِنَ القِصَّة.

وهذا هُوَ كُلُّ ما نَقرأهُ عنها إلى أنْ نَقرأَ الأصحاحَ الأوَّلَ مِنْ إنجيل لُوقا. لوقا 1: 26: "أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ الْمَلاَكُ مِنَ اللهِ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ اسْمُهَا نَاصِرَةُ، إِلَى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُل مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ اسْمُهُ يُوسُفُ". إنَّها نَفسُ المَعلوماتِ الأساسيَّة. "وَاسْمُ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمُ. فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلاَكُ وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ»". ولا بُدَّ أنَّهُ كانَ أَمْرًا مُدهِشًا أنْ يَظهرَ مَلاكٌ لها وأنْ يُحَيِّيها بتلكَ الطَّريقة. "فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلاَمِهِ، وَفَكَّرَتْ: «مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هذِهِ التَّحِيَّةُ!» فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ". وَيَمضي المَلاكُ قائِلاً إنَّ الطِّفلَ سَيُدعَى "ابْنَ العَلِيِّ"، وإنَّ اللهَ سَيُعطيهِ عَرْشَ أبيهِ دَاوُد، وإنَّهُ سيكونُ المَسِيَّا، وإنَّهُ سيكونُ ابنَ اللهِ.

وكيفَ سيَحدُث ذلك؟ نَقرأ في العدد 35: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ". وقد رَدَّتْ مَريمُ على إعلانِهِ المُدهشِ ذَاكَ في العدد 38 قَائلةً: "هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ". فقدِ أَقَرَّتْ بأنَّها مَاذا؟ أَمَةُ الرَّبِّ. وأنا أُريدُ أنْ أَتَحَقَّقَ مِنْ أنَّكُم فَهِمْتُم ذلك. فهي تَنظُرُ إلى نَفسِها بِوَصْفِها أَمَةَ الرَّبِّ، لا أنَّ اللهَ عَبْدٌ لَها. وهي تَقبَلُ هذا الإعلانَ وتقول: "لِيَكُنْ لِـي كَقَوْلِكَ". ثُمَّ إنَّ اسمَها يُذْكَرُ في العدد 39 إذْ تَذهبُ لِرؤيةِ نَسيبَتِها الَّتي تُدعَى "أَليصابات" والَّتي حَبِلَتْ هي أيضًا حَبَلاً خَارقًا للطَّبيعة لأنَّها كانت امرأة طَاعِنَة في السِّنِّ عندما زَارَها الرَّبُّ وَسَمَحَ لها وَلِزَوجِها "زَكَرِيَّا" أنْ يُنْجِبا مَولودًا هُوَ "يُوحَنَّا المَعمَدان" الَّذي وُلِدَ قبلَ بِضْعَة أشهُر مِن وِلادة يَسوع، وأنَّ يُوحَنَّا سيكونُ الشَّخصَ الَّذي يُمَهِّدُ الطَّريقَ أمامَ الرَّبِّ يَسوعَ نَفسِهِ.

وأوَّلُ مَرَّةٍ نَسمَعُ فيها مَريم تَتكلَّم [وهي المَرَّة الوَحيدة] هي في العدد 46 إذْ إنَّ مَريمَ تَقول: "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ". والآن، يُمكِنُنا أنْ نَتوقَّفَ هُنا وأنْ نَبْني جَوانِبَ لاهوتيَّة كثيرة على ذلك. "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ". وما أعنيه هو: لِنَفهم الأمرَ فَهْمًا سَليمًا. فَمَريَم هي الَّتي تَخضَعُ للهِ وليسَ العَكْس. وَمَريمُ هي الَّتي تُعَظِّمُ الرَّبَّ وليسَ العَكْس. كذلك، نَقرأ في العدد 47: "وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ [مَاذا؟] مُخَلِّصِي". ورُبَّما كانَتْ هذهِ الكلماتُ أكثرَ شَيءٍ جَازِمٍ خَرَجَ مِنْ شَفَتَيِّ مَريم. فَأنْ تُقِرَّ بأنَّ اللهَ مُخَلِّصُها يَعني أنْ تُقِرَّ بأنَّها ... خَاطئة. وليسَ هذا فَحَسْب، بل إنَّها "أَمَة" مُتَّضِعَة إذْ نَقرأُ في العدد 48: "لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ". وفي العدد 49: "لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ". ثُمَّ نَقرأُ: "وَرَحْمَتُهُ إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ". فهي تَصِفُ اللهَ لا بأنَّهُ قَاسٍ، ولا بأنَّهُ لا مُبَالٍ، ولا بأنَّهُ بَعيد، بل تقولُ إنَّهُ ماذا؟ رَحيمٌ. "صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ". فهي تَسْرُدُ تَاريخًا. "شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ. أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ". فَمَريَمُ تَعْبُدُ اللهَ. "أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ. عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ لِيَذْكُرَ رَحْمَةً، كَمَا كَلَّمَ آبَاءَنَا. لإِبْراهِيمَ وَنَسْلِهِ إِلَى الأَبَد". فَبِصِفَتِها فَتاة شَابَّة، فَتاة يَهوديَّة شَابَّة لا يَتجاوَزُ عُمرُها ثلاثَ عَشْرَةَ أو أربَعَ عَشْرَةَ سنة، وتَقِيَّة جِدًّا، وستكونُ [بِصُورة خارقة للطَّبيعة] أُمَّ ابْنِ اللهِ، فإنَّ كُلَّ ما تَفعَلُهُ هو أنَّها تُقِرُّ بأنَّها أَمَة ضَئيلةَ الشَّأنِ وَمُتَّضِعَة. وهي تَبْتَهِجُ باللهِ الَّذي هُوَ: مُخَلِّصُها.

والآن، نأتي إلى الحَدَثِ الرَّئيسيِّ في الأصحاحِ الثَّاني إذْ إنَّها تُذْكَرُ في العددِ الخامِس: فَصَعِدَ يُوسُفُ...لِيُكْتَتَبَ مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ الْمَخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى". وَقَدْ وَصَلا إلى أورُشَليم. "وَبَيْنَمَا هُمَا هُنَاكَ تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ. وفي العَدَدِ السَّابِع: "فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ". وَمِنَ الواضِحِ أنَّ استخدامَ الكلمة "بِكْر" يُشيرُ إلى أنَّها وَلَدَتْ آخرينَ. والإشارة إلى أنَّ اللهَ أَبْقاها عَذراءَ إلى أنْ وُلِدَ المَسيحُ هي دَلالة أيضًا على أنَّهُ لم يُبْقِها عَذراءَ بعدَ أنْ وُلِدَ المسيح، بل إنَّ الزَّواجَ تَمَّ واكْتَمَلَ. فَلُغَةُ الكتابِ المقدَّسِ واضحة تَمامًا بِخُصوصِ هذا كُلِّه.

فقد وَلَدَتْ في العددِ السَّابع "...وَقَمَّطَتْهُ وَأَضْجَعَتْهُ فِي الْمِذْوَدِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي الْمَنْزِلِ". ونَرى في العدد 34 أنَّها تَذهبُ إلى الهَيكلِ للقيامِ بِطُقوسِ التَّطهير. وَمَرَّةً أُخرى فإنَّها تَفعلُ ذلك. وهذهِ إشارة إلى خَطيئَتِها. فهي تَذهبُ إلى هُناكَ للاشتراكِ في طُقوسِ التَّطْهيرِ التي كانت مَطلوبَة مِن كُلِّ النِّساءِ اليَهوديَّاتِ اللَّاتي يَلِدْنَ في ظِلِّ ذلكَ العهدِ القديم. وهي تَذهبُ إلى هُناكَ، وتَلتقي هذا الرَّجُلَ البَارَّ العَجوزَ الَّذي يُدعَى "سِمْعان" الَّذي بَارَكَ العائلةَ الصَّغيرةَ وقالَ لِمَريمَ أُمِّهِ: "هَا إِنَّ هذَا [الطِّفْلَ] قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ، وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ. وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ، لِتُعْلَنَ أَفْكَارٌ مِنْ قُلُوبٍ كَثِيرَة". وَهِيَ تُذكَرُ هُناكَ أيضًا في تلكَ المُناسَبَةِ الَّتي الْتَقَتْ فيها سِمْعان.

وهذا هُوَ تَقريبًا كُلُّ ما كُتِبَ عَنها إلى أنْ نَصِلَ إلى الجُزءِ الأخيرِ مِنَ الأصحاحِ الثَّاني؛ ولكِنَّ مَا نَقرأُ عنهُ هُنا حَدَثَ بعدَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَة. فهي تَظهَرُ في العدد 48. ونَقرأُ هُنا أنَّ مَريمَ وَيُوسُفَ كانا يَبحثان عن يَسوع. فقد ذَهَبا لِحُضورِ عيدِ الفِصْحِ عندما كانَ يَسوعُ في سِنِّ الثَّانية عَشْرَة. ولكنَّهُما بَحَثا عَنْهُ ولم يَجِداه. فقد غَادَرا البَلْدَة مَعَ قَافلةٍ كبيرةٍ مُتَّجِهَة إلى النَّاصرةِ في الشَّمال؛ ولكنَّهُما أَدْرَكا فَجأةً حقيقةَ أنَّ يَسوعَ مَفقود. وقد عَادَا وَبَحَثا عنهُ إلى أنْ وَجَداه. فَقالت أُمُّهُ لَهُ (ونحنُ لا نَقرأُ اسمَها هُنا، بل نَقرأُ فقط أنَّ أُمَّه قالت لَهُ في العدد 48): "يَا بُنَيَّ، لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْن!"

والآن، قد تَظُنُّونَ في السِّياقِ الكاثوليكيِّ أنَّهُ سيُجيبُها قائِلاً: "يا أُمِّي الحُلوة! أنا أَسْجُدُ أَمامَكِ!" ولكنَّهُ لا يَقولُ ذلك، بل يَقول: "لِمَاذَا كُنْتُمَا تَطْلُبَانِنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي؟" وما الَّذي قَصَدَهُ؟ إنَّهُ يَقولُ: "ليسَ لَكُما سُلْطانٌ عَلَيَّ". فقد بَلَغَ نُقطَةً في حَياتِهِ صَارَ فيها شَابًّا يَافِعًا. وَهُوَ يَعلمُ الآنَ تَمامًا مَنْ يَكون. فقد كانَ "يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ". وقد كَانَ قد نَمَا مِنْ جِهَةِ فَهمِهِ لِشخصيَّتِه. فَهُوَ الشَّخصُ الَّذي يَعمَلُ عَمَلَ أَبيهِ في بيتِ أَبيه. وَأبوهُ (أيِ الآبُ الَّذي يَتَكَلَّمُ مَعَهُ) هُوَ الله.

وَمِنَ المؤكَّدِ أنَّ يُوسُفَ ومَريمَ لم يَفهما ذلك إذْ نَقرأُ في العدد 50 أنَّهُما "لَمْ يَفْهَمَا الْكَلاَمَ الَّذِي قَالَهُ لَهُمَا" لأنَّ أَباهُ كَانَ نَجَّارًا؛ أيْ أَباهُ الأرضيَّ. وعندما نَزَلَ مَعَهُمَا وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ، استمرَّ في خُضُوعِهِ لَهُمَا كَما هُوَ لائِقٌ (مَعَ أنَّهُ قالَ لَهُما إنَّ ذلكَ سيكونُ مُؤقَّتًا). وَكَانَتْ أُمُّهُ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذِهِ الأُمُورِ فِي قَلْبِهَا. وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ وَيَنمو. وهذا هُوَ مَا حَدَثَ بِصُورة رئيسيَّة في طُفولةِ يَسوع.

افتَحوا قليلاً على إنجيل يوحنَّا والأصحاحِ الثَّاني. إنَّ كُلَّ ما نَعرِفُهُ عن مَريم حَتَّى الآن هو ما قُلتُهُ لكم. وفي إنجيل يوحنَّا 2: 1، يَصنَعُ يَسوعُ أَوَّلَ مُعجزة لَهُ. وقد حَدَثَتْ أوَّلُ مُعجِزَة لَهُ في عُرْسٍ في قَانا. وَقَانا هي قَرية في ضَواحي النَّاصِرة (إنْ جَازَ القَولُ إنَّ تلكَ الأماكِن لَها ضَواحي). فهي بَلدة صَغيرة قريبة. وقد ذَهبتُ إليها بِضعَ مَرَّاتٍ. وهي تَبعُدُ مَسافَةً قَصيرةً عنِ النَّاصِرَة. وقد كانَ هُناكَ عُرْسٌ فيها. وقد كانتِ الأعراسُ أحداثًا مُهِمَّة. وكانت أُمُّ يَسوعَ هُناك. وقد وُجِّهَتِ الدَّعْوَةُ إلى يَسوعَ وَتلاميذِهِ لِحُضورِ العُرْس لأنَّهُ كانَ في بَلْدَة مُجاوِرَة قَريبة جِدًّا مِنَ النَّاصرة. ولا بُدَّ أنَّهُمْ كانوا يَعرفونَ أهْلَ العُرْسِ أو أنَّهُم كانوا أُناسًا مِنْ نَفسِ العائلةِ، أو أصدقاءً، أو على الأرجَحِ أشخاصًا يَذهبونَ إلى نَفسِ المَجْمَعِ وَيَعرِفونَ الجَميع. وقد كانوا جَميعًا هناكَ مَعَ مَريم (أيْ يَسوعُ والتَّلاميذ). فقد كانوا مَدعُوِّينَ جَميعًا إلى العُرْس. "ولَمَّا فَرَغَتِ الخَمْرُ..." وقد كانَ يَسوعُ مَعروفًا لَدى الجَميعِ، وقد أَحضَرَ التَّلاميذَ مَعَهُ بالرَّغمِ مِنْ أنَّهُمْ كانوا مِنْ أماكِن أُخرى. "وَلَمَّا فَرَغَتِ الْخَمْرُ..."، قالت أُمُّ يَسوعَ لَهُ (وهذه أُمٌّ نَموذجيَّة، أو يُمكِنُكُم أنْ تَقولوا إنَّها أُمٌّ يَهوديَّة نَموذجيَّة): "يا بُنَيّ، لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ. ليسَ لَهُم خَمْرٌ".

وَحَتَّى هذهِ اللَّحظة، لم يَكُن يَسوعُ قد صَنَعَ أيَّة مُعجِزَة. فهو لم يَكُن قد صَنَعَ أيَّة مُعجزة. وما يَعنيهِ ذلكَ في نَظري بخصوصِ يَسوع هو أنَّهُ مِنْ جِهَةِ الأطفالِ وَمِنْ جِهَةِ الشُّبَّانِ فإنَّهُ، بِكُلِّ تأكيد، أكثرُ إنسانٍ مُبَالٍ، ومُرْهَفِ الحِسِّ، ومُقتَدِرٍ عَاشَ يَومًا على الأرض. وبِوِسْعِ المَرءِ أن يَتخيَّلَ أنَّ اللهَ (اللهَ الكامِلَ المُتَجَسِّد في هَيئةٍ بَشريَّةٍ) الَّذي لم يَفعل حَتَّى ذلكَ الحِيْن أيَّ شيءٍ خَارقٍ للطَّبيعة، كانَ يَفعلُ كُلَّ شيءٍ حَسَنًا، وكُلَّ شيءٍ بطريقةٍ صحيحة، لم يُفَوِّتْ يَومًا أيَّ فُرصة في إظهارِ رَهَافَةِ حِسِّهِ، أو أيَّ فُرصةٍ في تَقديمِ العَوْنِ، أو أيَّ فُرصةٍ في المُساعَدة، أو أيَّ فُرصة في حَلِّ أيّ مُشكلةٍ. فقد كانَ حَاضِرًا دائمًا وَفَعَلَ كُلَّ شيءٍ بِكَمالٍ مُطْلَق. فهذا هُوَ ما عَرَفَتْهُ مَريمُ عَنْهُ. لِذا فإنَّ ما فَعَلَتْهُ هُنا رُبَّما كانَ مَا فَعَلَتْهُ طَوالَ حَياتِها. وما أَعنيه هو أنَّني أَتَخَيَّلُها تَقولُ لَهُ مَرَّاتٍ عَديدة: "يا بُنَيّ، إنَّ المَاءَ يَتَسَرَّبُ مِنَ السَّقْفِ"، أو: "يا بُنَيّ، لا يُوجدُ لديَّ مَا يَكفي مِنَ الطَّعامِ"، أو: "يا بُنَيّ، لَدينا المُشكلة الفُلانِيَّة"، أو: "جَارَتي لَديها مُشكلة". وأيًّا كانتِ المُشكلة، كانَ يَسوعُ [في إطارِ كَمَالِهِ الشَّخصيِّ] حَلَّالَ كُلِّ المَشاكِل. ولا يَنبغي لنا أنْ نَتوقَّعَ بالضَّرورة أنَّها كانت تُفَكِّرُ في أنَّهُ سَيُجري مُعجِزَةً، بل أنَّهُ كَانَ مُقْتَدِرًا جِدًّا.

والرَّدُّ مُدهِشٌ حَقًّا. فقد قالَ يَسوعُ لَها: "...يا امرأة". عَجَبًا! إنَّهُ ليسَ رَدًّا غيرَ مُهَذَّبٍ بالضَّرورة، ولكِنَّهُ ليسَ الرَّدّ الَّذي نَتوقَّعُ مِنْهُ أنْ يَرُدَّ بِهِ على أُمِّهِ إنْ كانَ يُوَقِّرُها؛ وَلا سِيَّما إنْ كانَتِ العَلاقَةُ بَينَهُما قائمةً على سُجودِهِ لَها وقِيامِهِ بِكُلِّ ما تَطلُبُه مِنْه. "يا امرأة" – إنَّهُ تَعبيرٌ يَحْفَظُ مَسافَةً بينَ يَسوعَ وَأُمِّهِ. "مَا لِي وَلَكِ؟"

إنَّهُ رَدٌّ قَاسٍ: "مَا لِي وَلَكِ؟" بعبارة أخرى، إنَّهُ تَعبيرٌ شَائِعٌ؛ وَهذهِ مُلاحَظَةٌ ذَكَرْتُها في كِتابي المُقَدَّسِ الدِّراسِيِّ. فهو تَعبيرٌ شَائعٌ في المُصطَلَحاتِ السَّامِية. وهناكَ مَواضِع عَديدة في العهدِ القديم تَرَوْنَهُ فيها. وَهُوَ تَعبيرٌ يَرْمي إلى الحِفاظِ على مَسافَةٍ بينَ فَريقَيْن. بل إنَّهُ يَحْمِلُ في طَيَّاتِهِ نَوْعًا مِنَ اللَّوْم. فَيسوعُ ليسَ فَظًّا، بل إنَّ رَدَّهُ جَاءَ مُفاجِئًا جدًّا. وهذه العِبارة هي، ببساطة، طَريقة أُخرى لِقَولِ الآتي: "ما هُوَ القَاسِمُ المُشترَكُ بَيْنَكِ وَبَيْني؟" فَهذا كُلُّهُ جُزءٌ مِنَ المَاضي. فأنا لَمْ أَعُدْ أعيشُ هُناكَ. لقدِ انْتَهى ذلك. لقد قُلْتِ لي ما يَنبغي أنْ أَفعلَ طَوالَ ثَلاثينَ سَنة. لا تَقولي لي ذلكَ بعدَ الآن. "ما لي وَلَكِ؟ لَمْ تَأتِ سَاعَتِي بَعْدُ. فأنا أَعملُ وَفْقَ جَدولٍ مُختلفٍ تَمامًا وتحتَ سُلْطانٍ مُختَلِفٍ تَمامًا". لِذا، فَقَدْ وَضَعَ مَسافَةً بينَهُ وبينَها في سِنِّ الثَّانية عَشْرَة. وَهُوَ يَنْأَى بِنَفسِهِ عَنْها في بِدايَةِ خِدمَتِه.

وفيما تَفتَحونَ على إنجيل يوحنَّا والأصحاح الثَّاني، انظروا إلى العدد 12: "وَبَعْدَ هذَا انْحَدَرَ إِلَى كَفْرِنَاحُومَ، هُوَ وَأُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ وَتَلاَمِيذُهُ، وَأَقَامُوا هُنَاكَ أَيَّامًا لَيْسَتْ كَثِيرَةً". وأنا أَذكُرُ هذا وَحَسْب لأنَّ هذا هو ما يَقولُهُ الكتابُ المقدَّس. فقد قاموا بِرحلةٍ صغيرةٍ إلى كَفْرِناحُوم. ويُمكُنكَ أنْ تَمشي إلى هُناكَ في يَومٍ واحد. فقد قاموا بِرحلةٍ صغيرةٍ إلى كَفْرِناحُوم. فهذا هو كُلُّ ما يَقولُهُ هذا العَدد. ولكِنَّ ما يَقولُهُ أيضًا هو أنَّهُ انحَدَرَ إلى هُناكَ معَ أُمِّهِ وَمَنْ؟ إخوَتِهِ ... إخوَتِهِ غيرِ الأشِقَّاء. فَهُمْ، في الحقيقة: أولادُ مَريمَ ويُوسُف.

وفي إنجيل مَتَّى والأصحاح 12 ... افتَحُوا على إنجيل مَتَّى والأصحاح 12. فهي قصَّة مُدهشة أخرى. والآن، لقد تَخَطَّيْنا المُعجِزةَ الأولى. ويَسوعُ مُستمرٌّ في خِدمَتِه. وبالمُناسبة، فإنَّ ما جاءَ في إنجيل مَتَّى 12: 46 يَرِدُ أيضًا في إنجيل مَرقُس والأصحاح الثَّالث، وأيضًا في إنجيل لُوقا والأصحاح الثَّامِن. فثلاثة مِنَ الأناجيل تَذكُر هذه القصَّة. فنحنُ نَقرأُ في العدد 46 مِنْ إنجيل مَتَّى والأصحاح 12: "وَفِيمَا هُوَ يُكَلِّمُ الْجُمُوعَ إِذَا أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ قَدْ وَقَفُوا خَارِجًا طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوهُ". ولا أَدري ما الخَطْب. ولا أَدري ما المُشكلة. ولا أَدري ما المُعضِلَة. ولا أَدري ما الَّذي أرادَتْهُ أُمُّهُ! ولا شَكَّ أنَّكُمْ تَذكُرونَ أنَّ إخوَتَهُ لم يُؤمِنوا بِهِ. فَهُمْ لم يُؤمِنوا بِهِ إلَّا بعدَ القِيامَة. ولكِنْ على أيِّ حَال، فقد جَاءوا جَميعًا. فَها هُمْ أُمُّهُ وإخوَتُهُ يَقِفونَ خَارِجًا في حين أنَّهُ كانَ في مكانٍ ما يُكَلِّمُ الجُموع. ونَقرأ في العدد 47 أنَّ شخصًا مَا شَقَّ طَريقَهُ بينَ الجُموع. ونَرى مِنْ خِلالِ إنجيلِ مَرقُس أنَّ الجَمْعَ كَانَ حَاشِدًا (في إنجيل مَرقُس والأصحاح الثَّالث). "فَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ: «هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ وَاقِفُونَ خَارِجًا طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوكَ»". فَكأنَّني أَعِظُ فيأتي شخصٌ ويقول: "اسمَع يا جون، إنَّ أُمَّكَ تُريدُكَ". حَقًّا؟ مِنَ المُرَجَّحِ أنَّ هذا الوقتَ ليسَ وقتًا مُلائمًا للذَّهاب أيًّا كانَ الشَّيءُ الَّذي تُريدُه. ولكِنَّ هذا هو ما حَدَثَ بِصورة أساسيَّة. وقد رَدَّ بِنفسِ اللُّغَةِ الَّتي رأيناها وَهُوَ في سِنِّ الثَّانية عَشْرَة، وفي بِدايةِ خِدمَتِهِ في صُنْعِ المُعجِزات. "فَأَجَابَ وَقَالَ لِلْقَائِلِ لَهُ: «مَنْ هِيَ أُمِّي وَمَنْ هُمْ إِخْوَتي؟»" وَهُوَ لا يَقولُ وَحَسْب: "اسمَع! يجب عليكَ أنْ تَفهمَ أنَّ لي أَبًا سَماويًّا وأنَّهُ يجب عليَّ أنْ أقومَ بِعَمَلِهِ". فهو لا يَقولُ وَحَسْب: "أنا لن أَعودَ أفعلَ ما تَطلُبينَهُ مِنِّي"، بل إنَّهُ يَقولُ لها الآن: "ليسَ لَديكِ أيُّ حَقٍّ حَتَّى في أنْ تَقولي إنَّكِ أُمِّي".

فتلكَ العَلاقاتُ انْتَهَتْ حَقًّا. "ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ: «هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي»". وما الَّذي قَصَدَهُ بذلك؟ إنَّهُ يَعني أنَّ كُلَّ هذهِ العلاقاتِ الأرضيَّةِ قدِ انْتَهَتْ. لقدِ انْتَهَتْ. وَهُوَ يَمضي قائلاً في العدد 50: "لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِـي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِــي وَأُمِّي". فالأشخاصُ الَّذينَ يَتمتَّعونَ بِعلاقةٍ بي هُمُ الأشخاصُ الَّذينَ يَفعلونَ مَشيئةَ أبي. ولا شَكَّ في أنَّ مَشيئةَ الآبِ هي أنْ تُؤمِنوا بالابْن. أليسَ كذلك؟ "هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا". عَجَبًا!

فَمَريمُ انتقلَتْ مِنْ مُرتفعاتِ الإعلانِ المَلائكيِّ، ومُرتفعاتِ الولادةِ العَذراويَّة إلى إدراكِ خَطيئَتِها الشَّخصيَّة وَحاجَتِها إلى مُخَلِّص، ثُمَّ إلى طَقْسِ التَّطهيرِ الَّذي يَرْمِزُ إلى خَطيئَتِها وحاجَتِها إلى التَّطهيرِ، ثُمَّ إلى أنْ يَقولَ لَها يَسوعُ في سِنِّ الثَّانية عَشْرَة إنَّهُ لم يَعُدْ لِعائِلَتِهِ أيَّ أَفضَلِيَّة في حَياتِهِ. فَهُوَ يَنْتَمي إلى أَبٍ آخر يَنبغي أنْ يَخْدِمَهُ، ثُمَّ أنْ يَقولَ لها: "لم يَعُدْ بينَكِ وبيني أيُّ شيءٍ مُشترَك بعدَ الآن"، ثُمَّ أنْ يَقولَ لها: "لم تَعُدْ هُناكَ عَلاقة فَريدة بيني وبينَكِ البَتَّة. فهذا شَيءٌ عَفَاهُ الزَّمَن".

وفي الأصحاح الثَّالث عَشَر مِنْ إنجيل مَتَّى والعَدَد 55، نَحصُلُ على لَمحةٍ أُخرى مِنْ حَياةِ مَريم. فعندما كانَ يَسوعُ يُعَلِّم، كانَ النَّاسُ يَقولونَ كُلَّ شيءٍ عنه. ففي العدد 55: "أَلَيْسَ هذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟ أَلَيْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ، وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوبَ وَيُوسِـي وَسِمْعَانَ وَيَهُوذَا؟" وما الَّذينَ نَفهَمُهُ مِنْ ذلك؟ وما أعنيه هو: كيفَ يُعقَلُ أنْ يَكونَ شخصًا مُمَيَّزًا إنْ كانَ يَنتمي إلى عَائلة عَاديَّة كهذه؟ فلم يَكُنْ هُناكَ أشخاصٌ يُعَظِّمونَ مَريم. والحقيقةُ هي أنَّ الفِكرة بِأسرِها هُنا هي (كما جاءَ في العدد 54): "مِنْ أَيْنَ لِهذَا الرَّجُلِ هذِهِ الْحِكْمَةُ وَالْقُوَّاتُ في حين أنَّهُ يَنتمي إلى أشخاصٍ عَادِيِّينَ كَهؤلاء؟" فهو لَهُ إخوة أَسماؤُهُم: "يَعقوب" وَ "يُوسِي" وَ "سِمعان" وَ "يَهوذا"، وَلَهُ أَخَوات. ونحنُ نَعرِفُهُم جميعًا. فَهُمْ يَعيشونَ كُلُّهُم هُنا. فَمِنْ أينَ جَاءَ هذا الرَّجُلُ بِكُلِّ هذه الأشياء؟ فقد كانُوا يُدركونَ أنَّ تلكَ عائلة عاديَّة جدًّا مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ.

وبالمُناسبة، فإنَّ الرُّومَ الكاثوليك يَقولونَ إنَّ هؤلاءِ لم يَكونوا إخوَتَهُ، بل إنَّهُمْ أبناءُ خَالَتِه. وَهُمْ يَقولونَ إنَّ هَؤلاءِ لم يَكُنَّ أَخَواتُهُ، بل إنَّهُنَّ بَناتُ خَالَتِه؛ مَعَ أنَّ العِبارة "ابنَ الخالة" لم تُستخدَم هُنا. فالكلمة الَّتي تَعني أَخّ هي: "أَديلْفوس" (adelphos). ولكِنَّهُم لا يُبالونَ بالكلمةِ المُستخدمة في الكتابِ المقدَّسِ لأنَّ الكنيسةَ تَقولُ ذلك. والكنيسةُ تَسْمُو على الكِتابِ المُقدَّسِ في ذلكَ النِّظام. وبالمُناسبة، هُناكَ مُؤشِّرات أخرى بخصوصِ عائلة يسوع في إنجيل مَرقُس والأصحاح السَّادِس (وتَحديدًا في إنجيل مَرقُس 6: 3 و 4)، وفي إنجيل يُوحَنَّا 6: 42.

والآن، لِنَنظر إلى نِهايةِ حَياة يَسوع. فهذا هو كُلُّ ما نَعرِفُهُ حَقًّا إلى أنْ نأتي إلى الأصحاحِ التَّاسِع عَشَر مِن إنجيل يوحنَّا. ففي الأصحاحِ التَّاسِع عَشَر مِن إنجيل يوحنَّا، نَقرأُ عَنِ الصَّلْب. فنحنُ نَقرأُ في العدد 25: "وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ". فقد كانَ الاسمُ "مَريم" شائعًا جدًّا، كما هو واضح. "فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ، وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفًا". والإشارةُ هُنا هي إلى يُوحَنَّا. فَهُوَ يُشيرُ دائمًا إلى نَفسِهِ بهذه الطَّريقة. "قَالَ لأُمِّهِ: «يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ»". فهو يَستخدِمُ مَرَّةً أخرى الكلمة "امرأة" مُحافِظًا على تلكَ المَسافةِ بينَهُما. وكأنَّ يَسوعَ كانَ يَتوقَّعُ التَّلفيقاتِ الغَريبَة الَّتي سَتُحَاكُ حَوْلَ هذا الاسمِ وحَولَ هذهِ الفَتاةِ التَّاريخيَّة الَّتي تُدعَى "مَريم". وقد فَعَلَ كُلَّ شَيءٍ يَقدِرُ عليهِ في خِدمَتِهِ لِنَقْضِ ذلك. "يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ". وَهُوَ لا يُشيرُ إلى نَفسِهِ هُنا، بل يُشيرُ إلى يُوحَنَّا. ورَبَّما كانَ يَسوعُ يُومِئُ بِرأسِهِ لأنَّ يَديهِ كَانَتا مُسَمَّرَتَيْنِ إلى الصَّليب. "ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: «هُوَذَا أُمُّكَ». وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ". فقد كانَ أَبوهُ (أيْ أَبوهُ الأرضيُّ، يُوسُف) وَزَوجُ مَريم، كانَ على الأرجَحِ قد مَاتَ. فقدِ اختَفى مِنَ القِصَّةِ في البِداية ولم يَظهَر ثانيةً. ولم يَكُنْ لَها مَنْ يَعتني بها. وقد كانتِ العِنايةُ بالأرامِلِ مُهمَّة. لِذا فقد عَهِدَ بِها إلى يُوحنَّا لِيَعتني بها. فَمِنَ الآن فَصاعِدًا، أنتَ ابْنُها، وَهِيَ أُمُّكَ. ومَرَّةً أخرى، نُلاحِظُ أنَّهُ يَنْأى نَفسَهُ بِوضوحٍ عَنها.

وهي تَظهرُ مَرَّةً أخرى فقط في سِفْرِ أعمالِ الرُّسل والأصحاح الأوَّل. أعمال الرُّسُل والأصحاح الأوَّل. فالتَّلاميذُ [في العدد 12] رَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ مِنَ الْجَبَلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الزَّيْتُونِ، الَّذِي هُوَ بِالْقُرْبِ مِنْ أُورُشَلِيمَ عَلَى سَفَرِ سَبْتٍ. وقد كانَ سَفَرُ السَّبْتِ قَصيرًا جدًّا لأنَّهُ لا يَجوزُ لَكَ أنْ تَمشي مَسافةً طويلةً في السَّبْت. "وَلَمَّا دَخَلُوا صَعِدُوا إِلَى الْعِلِّيَّةِ الَّتِي كَانُوا يُقِيمُونَ فِيهَا: بُطْرُسُ وَيَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا وَأَنْدَرَاوُسُ وَفِيلُبُّسُ وَتُومَا وَبَرْثُولَمَاوُسُ وَمَتَّى وَيَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى وَسِمْعَانُ الْغَيُورُ وَيَهُوذَا أَخُو يَعْقُوبَ. ومِنَ المؤكَّدِ أنَّ يَهوذا الإسخريوطِيَّ لا يُذكَرُ هُنا. "هؤُلاَءِ كُلُّهُمْ كَانُوا يُواظِبُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الصَّلاَةِ وَالطِّلْبَةِ، مَعَ النِّسَاءِ، وَمَرْيَمَ أُمِّ يَسُوعَ، وَمَعَ إِخْوَتِهِ". وهذا خَبَرٌ سَارٌّ. فقد آمَنَ إخوَتُهُ بِهِ بعدَ قِيامَتِه. وقد جاءوا إلى العِلِّيَّة في يومِ الخَمسين في اجتماعِ صَلاةٍ مَعَ أُمِّهِم مَريم. وأرجو أن تُلاحِظوا أنَّهم كانوا يُواظِبونَ على الصَّلاةِ مَعَ مَريم. فَهُمْ لم يَكونوا يَجتَمِعونَ كي يُصَلُّوا إلى مَريم. وَحَتَّى إنَّ اسمَها لا يَظهرُ مَرَّةً أُخرى في أيِّ مَوضِعٍ في العهدِ الجَديد. ولا مَرَّة واحِدَة.

ولكِنَّنا نَجِدُ آيةً أُخرى (نَظَرنا إليها في إنجيل لُوقا) قد تُساعِدُنا في مُتابَعَةِ فَهْمِ الدَّورِ الَّذي كانت تَقومُ به. إنجيل لُوقا 11 ... إنجيل لوقا 11 والعَدَد 27. فقد كانَ يَسوعُ يُعَلِّمُ هُنا. وَلَعَلَّ بَعضًا مِنكُم يَذكُرُ هذهِ الآيَة في إنجيل لوقا 11: 27: "وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ بِهذَا، رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَوْتَهَا مِنَ الْجَمْعِ وَقَالَتْ لَهُ: «طُوبَى لِلْبَطْنِ الَّذِي حَمَلَكَ وَالثَّدْيَيْنِ اللَّذَيْنِ رَضِعْتَهُمَا»". إنَّها تَبدو امرأة كَاثوليكيَّة حَتَّى قبلَ ظُهورِ الكاثوليكيَّة. العَذراءُ الطَّوباويَّة. "طُوبَى لِلْبَطْنِ الَّذِي حَمَلَكَ وَالثَّدْيَيْنِ اللَّذَيْنِ رَضِعْتَهُمَا". "أَمَّا هُوَ فَقَالَ: [لا!] «بَلْ طُوبَى لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ وَ [ماذا؟] يَحْفَظُونَهُ»".

وقد كانت هذه فُرصة رائعة لَهُ كي يُؤسِّسَ عِبادَةَ مَريم. وقد كانت هذه فُرصة رائعة لَهُ كي يَضَعَ مَريمَ في أعلى مَكانَةٍ في الكنيسة. فَكُلُّ ما كانَ يَنبغي لَهُ أنْ يَقولَهُ هُوَ: "أنتِ مُحِقَّة تَمامًا. لا تَنْسَوْا ذلك. بل احرِصُوا على إعطائِها التَّسبيحَ والعِبادةَ والإكرامَ الَّذي تَستَحِقُّه". ولكنَّهُ لا يَقولُ أيَّ شَيءٍ مِن هذا القَبيل؛ بل يَقولُ العَكسَ تَمامًا، وَيَقولُ النَّقيضَ تَمامًا: "بَلْ طُوبَى لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ وَيَحْفَظُونَهُ". وَمِنَ الواضح أنَّهُ يوجد، في حَياةِ يَسوعَ وَكلماتِهِ، رَفْضٌ دائمٌ وقويُّ لأيِّ إكرامٍ خاصٍّ لهذه المَرأة. وهذا لا يَعني أنَّهُ لم يَكُن يَهتمُّ بها. فقد أَظهرَ أنَّهُ يَهتمُّ بها عندما عَهِدَ بِها إلى رِعايةِ رَسولِهِ الحَبيبِ "يوحنَّا". فقد كانَ يَهتمُّ بها، ولكنَّهُ لم يَكُن يَسمحُ لها أو لأيِّ شخصٍ آخر أنْ يُفَكِّرَ أنَّها تَمْلِكُ أيَّ سُلطانٍ عليه، أو أنَّها تَملِكُ حَقًّا في المَجيءِ إليهِ لا يَمْلِكُهُ أيُّ شخصٍ آخر، أو أنَّها تَتمتَّعُ بِسُلطانٍ لا يَتمتَّعُ بِهِ شخصٌ آخر، أو أنَّها تَمتلِكُ قُدرةً لا يَملِكُها شخصٌ آخر، أو أنَّها تَمتلِكُ حَقًّا في الدُّخولِ لا يَملِكُهُ أحدٌ سِواها، أو مَعرفةً لَيست مُتاحةً لشخصٍ آخر، أو حَتَّى بَرَكَةً ليست مُتاحَةً لأيِّ شخصٍ آخر، أو إكرامًا لا يَستحقُّهُ شخصٌ آخر. فقد رَفَضَ كُلَّ ذلك. وبهذا فقدِ اخْتَفَتْ مِنْ صَفَحاتِ الكتابِ المقدَّس.

والرَّسولُ بولسُ يُشيرُ في الرَّسائلِ إلى أُمِّ يَسوعَ مَرَّتين، ولكِنْ مِنْ دُون أنْ يَذكُرَ اسمَها. ففي رسالة رُومية يَقول، إشارةً إلى ابْنِ اللهِ، إنَّهُ وُلِدَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الجَسَد. وَمَرَّةً أُخرى، فإنَّ المَسافَة وَاضِحَة. فبولُس لا يُرَفِّعُها، ولا يَضَعُها في مَكانَة عالية لأنَّ رُوحَ اللهِ لا يَسمحُ بذلك. وقد كانَ بولسُ يَعْلَمُ ذلك. وفي رسالة غَلاطيَّة، فإنَّهُ يُشيرُ إليها مَرَّةً ثانيةً فيقول: "وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ". "مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ". فَمِنْ جِهَةِ أيِّ تَفسيرٍ للإنجيل، وَمِن جِهَةِ أيِّ تَفسيرٍ للحياةِ الرُّوحيَّة، فإنَّ مَريمَ لا تَقومُ بأيِّ دَوْر. فبولسُ يَكتُبُ رِسالَتَهُ العَظيمة عن عَقيدةِ الخلاصِ (الَّتي تُدْعَى: "الرِّسالة إلى أَهْلِ رُومية). وكُلُّ ما يَقولُهُ عن أُمِّ يَسوعَ هو أنَّها "مِنْ نَسْلِ دَاوُد". وَهُوَ يَكتُبُ رِسالَتَهُ العَظيمةَ إلى أهْلِ غَلاطيَّة (عنِ الإنجيلِ النَّقِيِّ والحقيقيِّ والوَحيدِ). وكُلُّ ما يَقولُهُ هو أنَّ يَسوعُ وُلِدَ "مِنَ امرأةٍ".

فالكِتابُ المُقدَّسُ لا يَقولُ شيئًا عن حَياتِها. وَهُوَ لا يَقولُ شيئًا عن سَنَواتِ حَياتِها اللَّاحقة. وَهُوَ لا يَقولُ شيئًا عن مَوتِها. وَهُوَ لا يَقولُ شيئًا عن دَفْنِها؛ مَعَ أنَّ هُناكَ مُجَلَّدات كاثوليكيَّة عَديدة تَتحدَّثُ عن حَياةِ مَريم، واختباراتِ مَريم، ومُعجزاتِ مَريم، ومَوتِ مَريم، إلخ، إلخ، إلخ. وَكُلُّ هذه التَّلفيقاتِ وكُلُّ هذه الأكاذيب هي إمَّا ابتِداعُ بَشَر أوِ ابتِداعُ شَياطين. فالكتابُ المقدَّسُ لا يُعطي أيَّ وَصْفٍ لشخصيَّتِها على الإطلاق، ولا يَصِفُ هَيئَتَها الجسديَّة على الإطلاق. ولا توجد أيُّ نَماذِج كِتابيَّة تُرينا أنَّ أيَّ شخصٍ صَلَّى لها، أوْ عَظَّمَها، أوْ مَجَّدَها. فعندما ظَهَرَتْ معَ المؤمنينَ كانت واحدةً بينَ كثيرين. وأعتقد أنَّ الرُّومَ الكاثوليك سَيُصْدَمونَ حينَ يَقرأونَ الكتابَ المقدَّسَ أَوَّلَ مَرَّة. فالأغلبيَّة مِنهُم لا يَقروأونَهُ. ولكِنَّ الَّذينَ يَقرأونَهُ سيُدهَشونَ مِنْ شُحِّ ما قِيلَ فيهِ عن مَريم؛ في حين أنَّ النِّظامَ الكاثوليكيَّ يَقولُ الكثيرَ جِدًّا عنها ... الكَثير جِدًّا. فَهُناكَ (بحسب لائِحَة واحِدَة اطَّلَعْتُ عليها اليوم) مِئاتُ وَمِئاتُ، بل رُبَّما آلافُ المواقعِ على شَبكةِ الإنترنتّ عن مَريم. وهي تَصْحَبُكَ، بِشَتَّى الطُّرُقِ الَّتي يُمكِنُ للعَقْلِ أنْ يَتَخَيَّلَها، إلى وَهْمِ عِبادَةِ مَريم.

وهُناكَ مُلاحظة أخرى تَختصُّ بهذهِ المُبايَنَة الَّتي نَعقِدُها بينَ النَّظرةِ الكاثوليكيَّة إلى مَريم وَالنَّظرةِ الكِتابيَّة، وهي أنَّ مَريمَ تُذكَرُ في القُرآنِ مَرَّاتٍ أكثر مِمَّا تُذْكَر في الكتابِ المقدَّس. وهذا غَريب. أليسَ كذلك؟ ولكِنْ لا شَكَّ أنَّنا نُدركُ أنَّ الشَّيطانَ (الَّذي هُوَ مُؤلِّفُ القُرآن) يُريدُ أنْ يُعطي مَريمَ مَكانَةً أكثرَ مِمَّا هي عليهِ في الحقيقة. وهذا أمرٌ يَحدُثُ دائمًا. وَمِنَ المُدهشِ جِدًّا أنَّ المُسلمينَ يُوَقِّرونَ مَريم!

ولَعَلَّ بَعضًا مِنكُم يَتذكَّر (وَرُبَّما لا تُريدونَ الاعترافَ بذلك) الأسقُف "فَلتون شين" (Fulton Sheen). هل يَتَذَكَّرُهُ أحَدٌ مِنكُم؟ قبلَ وقتٍ طَويل على التِّلِفزيون. فقد كانَ كاهِنًا كاثوليكيًّا أَنيقًا جِدًّا، وَلامِعًا، وفَصيحًا يَظْهَرُ على شاشَةِ التِّلِفزيون في السَّنواتِ البَاكِرَة. وأنا أَذكُرُ أنَّني شاهَدتُهُ عندما كُنتُ صَبِيًّا صَغيرًا جِدًّا. فقد مَضَى على ذلكَ نَحوَ خَمسينَ سنة. "شين" (Sheen) على شَاشَةِ التِّلِفزيون. وقد كانَ الأُسقُف "شين" يَتوقَّع ... كانَ يَتوقَّع أنَّ الإسلامَ سَيَهتَدي إلى الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة. وقد بَرَّرَ ذلكَ قَائِلاً (وأنا أَقتَبِسُ كَلامَهُ): "بسببِ دَعوةِ المُسلمينَ إلى تَوقيرِ أُمِّ اللهِ". وَرُوما تُقَدِّمُ عُروضًا كثيرةً للمُسلِمين. فالبابا قَدَّمَها لَهُم ... فالبابا "يُوحنَّا بولُس" حَاوَلَ دائمًا أنْ يُوَحِّدَ المُسلِمين. وَهَمْزَةُ الوَصْلِ هي تَوقيرُهُم لِمَريم. فَمَريمُ عندَ المُسلِمينَ تُدْعَى في الحقيقة: "السَّيِّدة مَريم" ... "السَّيِّدَة مَريم". ورُبَّما في النِّهاية، عندما تَصيرُ هُناكَ دِيانة واحدة عِملاقة في العالَم، ستكونُ عِبادَةُ الإلَهَةِ هي الَّتي سَتُوَحِّدُ هؤلاء جَميعًا.

حسنًا! لقد تَحَدَّثنا عنِ التَّجديفِ، وتَحَدَّثنا عنِ المُبَايَنَة. وهُناكَ نُقطةٌ ثالثة وهي: التَّحذير. ويُمكنُني أنْ أتحدَّثَ عن هذه النُّقطة بِضْعَ دَقائق أوِ اللَّيلَ كُلَّهُ. ولكِنْ بِسببِ لُطفِكُم الشَّديد، سوفَ أَتحدَّثُ بإيجازٍ شَديد. فالكتابُ المقدَّسُ يَقولُ الكثيرَ عن عِبادةِ الآلِهَةِ الزَّائفة. أليسَ كذلك؟ وهذا هو التَّحذيرُ، وهذه هي الدَّينونةُ الَّتي يَتَوَعَّدُ اللهُ بها كُلَّ مَنْ يَعبُدونَ إلهًا زائفًا، أو كُلَّ مَنْ يُنادونَ بِعبادةِ إلَهٍ زائفٍ؛ وهو تَحذيرٌ مَوجودٌ في كُلِّ الكتابِ المقدَّس. والحقيقةُ هي أنَّ هذا التَّحذيرَ يَبتَدِئُ، كَما تَعلمونَ، في العهدِ القديم. وَلَعَلَّ أفضلَ مَكانٍ نَبتدئُ مِنهُ هو أوضحُ تَعبيرٍ عن شَريعةِ اللهِ المُعلَنَة في الوَصايا العَشْر في سِفْرِ الخُروج والأصحاح 20: "ثُمَّ تَكَلَّمَ اللهُ بِجَمِيعِ هذِهِ الْكَلِمَاتِ قَائِلاً: «أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ»".

لقد ذَهبتُ ذاتَ يومٍ لزيارةِ شخصٍ مَا في "مُستشفى القِدِّيس يوسُف" (Saint Joseph Hospital). وقد أَوْقَفْتُ سَيَّارتي في "بوربانك" (Burbank) وَمَشَيْتُ إلى المُستشفى فَرأيتُ تِمثالاً ضَخْمًا في استقبالي. وَلِمَنْ يَكونُ هذا التِّمثال؟ مِنَ المُفتَرَض أنَّهُ تِمثالٌ لِمَريم. وقد مَشَيْتُ في المَبنى، فَرأيتُ تِمثالاً آخر. وقد صَعِدْتُ في المِصْعَدِ إلى الطَّبَقَةِ الَّتي أُريد فَرأيتُ تِمثالاً آخر. وقد كُنتُ أَرى بينَ الحينِ والآخَر تِمثالاً ليسوع، ولكنَّهُ يَبدو دَائمًا وَاهِنًا وَمَيِّتًا على صَليب. ولكِنَّنا نَقرأُ في سِفْرِ التَّثنية والأصحاحِ الخامِس: "أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ". والكلمة "تَثْنِيَة" تَعني "إِعَادَة". فالكلمة تَثنِيَة تَعني: "نُسْخَة مِنَ الشَّريعة" إذْ إنَّها تَكرارٌ للشَّريعةِ الأصليَّةِ الَّتي وَرَدَتْ في سِفْرِ الخُروج: "أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ". ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاحِ السَّادسِ والعَدَد 13: "الرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقِي، وَإِيَّاهُ تَعْبُدُ، وَبِاسْمِهِ تَحْلِفُ. لاَ تَسِيرُوا وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى مِنْ آلِهَةِ الأُمَمِ الَّتِي حَوْلَكُمْ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ إِلهٌ غَيُورٌ فِي وَسَطِكُمْ، لِئَلاَّ يَحْمَى غَضَبُ الرَّبِّ إِلهِكُمْ عَلَيْكُمْ فَيُبِيدَكُمْ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ. لاَ تُجَرِّبُوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ". لا تَمْتَحِنوا صَبْرَ اللهِ بعِبادةِ الأصنام.

ثُمَّ نَقرأُ في الأصحاح الثَّامِن عَشَر مِنْ سِفْر التَّثنية والعدد 9: "مَتَى دَخَلْتَ الأَرْضَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، لاَ تَتَعَلَّمْ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ رِجْسِ أُولئِكَ الأُمَمِ. لاَ يُوجَدْ فِيكَ مَنْ يُجِيزُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فِي النَّارِ، وَلاَ مَنْ يَعْرُفُ عِرَافَةً، وَلاَ عَائِفٌ وَلاَ مُتَفَائِلٌ وَلاَ سَاحِرٌ، وَلاَ مَنْ يَرْقِي رُقْيَةً، وَلاَ مَنْ يَسْأَلُ جَانًّا أَوْ تَابِعَةً، وَلاَ مَنْ يَسْتَشِيرُ الْمَوْتَى". وَعِبادَةُ مَريم هي مُحاولة شِرِّيرَة لاستِحْضارِ امرأة مَيِّتَة. وهي أيضًا اشتراكٌ في أعمالِ الوُسطاءِ، وَمُحَضِّري الأرواحِ، وَطَارِدي الأرواحِ، والمُشَعوِذين، والسَّحَرَة، والمُنَجِّمين، وكُلِّ مَنْ هُمْ على شَاكِلَتِهِم. ونَقرأُ في العدد 12: "لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الرَّبِّ. وَبِسَبَبِ هذِهِ الأَرْجَاسِ، الرَّبُّ إِلهُكَ طَارِدُهُمْ مِنْ أَمَامِكَ. تَكُونُ كَامِلاً لَدَى الرَّبِّ إِلهِكَ". إنَّ هذا صَادِمٌ لَكُم، ويجب أنْ يَكونَ صَادِمًا لكم لأنَّهُ واضحٌ جدًّا. فلا يوجد مَوضِعٌ واحدٌ في الكتابِ المقدَّسِ يَقولُ إنَّهُ يجب علينا أنْ نَعبُدَ مَريم. ولكِنَّنا نَجِدُ في كُلِّ مَكان آياتٍ واضحة تُوصينا بأنْ نَعبُدَ اللهَ ... اللهَ وَحْدَهُ. فهذا أمرٌ واضحٌ جدًّا.

انظروا إلى المَزمور 106 إذْ نَجِدُ الشَّيءَ نَفسَهُ تَقريبًا. ولكنِّي أريدُ أنْ أَذكُرَ لكم بِضعَ آياتٍ كِتابيَّة يُمكِنُكم أنْ تَستخدِموها إنْ كَلَّمْتُمْ أُناسًا عن هذا الموضوع. المَزمور 106: 28: "وَتَعَلَّقُوا بِبَعْلِ فَغُورَ". فَهُوَ بَعْلُ مَكانٍ يُدعَى "فَغُور". فقد عَبَدو البَعْلَ، "وَأَكَلُوا ذَبَائِحَ الْمَوْتَى". ومَرَّةً أخرى، فإنَّ الفِكرة هُنا هي أنَّ الأمواتَ يُمكِنُ، بطريقةٍ مَا، أنْ يُعبَدوا، وأنْ يَتضرَّعَ النَّاسُ إليهم. وهُناكَ أيضًا سِفْرُ إشَعْياءُ والأصحاح 45. وإنْ أردتُم الاطِّلاعَ على المَزيدِ عن هذا الموضوع، انظُروا وَحَسْب إلى الكلمة "وَثنيَّة" في فِهْرِسِ المواضيعِ في نِهايةِ الكِتابِ المُقَدَّسِ الدِّراسِيِّ فَتَجدونَ آياتٍ عَديدة. ولكِنْ في سِفْر إشعياء والأصحاح 45، أُريدُ منكم أنْ تُلاحِظوا الآتي في العدد 20؛ فَهُوَ يَصِفُ حَقًّا عِبادَةَ مَريم: "اِجْتَمِعُوا..." [إشعياء 45: 20] "اجْتَمِعُوا وَهَلُمُّوا تَقَدَّمُوا مَعًا أَيُّهَا النَّاجُونَ مِنَ الأُمَمِ. لاَ يَعْلَمُ الْحَامِلُونَ خَشَبَ صَنَمِهِمْ". فأحيانًا، تُشاهِدونَ الرُّومَ الكاثوليك يَسيرونَ في حُشودٍ غَفيرةٍ وَهُمْ يَحمِلونَ تِمثالاً خَشبيًّا لِمَريم. "الْحَامِلُونَ خَشَبَ صَنَمِهِمْ، وَالْمُصَلُّونَ إِلَى إِلهٍ لاَ يُخَلِّصُ. أَخْبِرُوا. قَدِّمُوا. وَلْيَتَشَاوَرُوا مَعًا. مَنْ أَعْلَمَ بِهذِهِ مُنْذُ الْقَدِيمِ، أَخْبَرَ بِهَا مُنْذُ زَمَانٍ؟ أَلَيْسَ أَنَا الرَّبُّ وَلاَ إِلهَ آخَرَ غَيْرِي؟ إِلهٌ بَارٌّ وَمُخَلِّصٌ". فَهُوَ ليسَ مُخَلِّصًا مُتَرَدِّدًا، بل هو إلَهٌ بَارٌّ وَمُخَلِّص. "لَيْسَ سِوَايَ". ثُمَّ نَجِدُ هذهِ الدَّعوة في العدد 22: "اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ، لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرَ". ولا يَسَعُ المَرء إلَّا أنْ يَطرحَ السُّؤالَ التَّالي: كيفَ يُعْقَلُ أنْ يَخْلصَ شَخصٌ يَلتجئُ إلى مَريم إنْ كانَتْ وَسيطَة كُلِّ النِّعَم؟ "أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرَ".

ونَقرأُ في سِفْر إرْميا 2: 9 (وهذه آخِر آية نُشيرُ إليها مِنَ العهدِ القديم) ... إرْميا 2: 9: "لِذلِكَ أُخَاصِمُكُمْ بَعْدُ، يَقُولُ الرَّبُّ". فَهُوَ يَقولُ: "سوفَ أُخاصِمُكُم". وفي العدد 11: "هَلْ بَدَلَتْ أُمّةٌ آلِهَةً؟" هل بَدَّلْتُمْ آلِهَةً؟ وهذا هو ما فَعَلَتْهُ الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة. فقد بَدَّلَتْ آلِهَةً. "هَلْ بَدَلَتْ أُمّةٌ آلِهَةً وَهِيَ لَيْسَتْ آلِهَةً؟" هَلْ قَبِلتُم آلِهَةً باطِلَةً وَتَرَكْتُمُ اللهَ؟ "أَمَّا شَعْبِي فَقَدْ بَدَلَ مَجْدَهُ [بعدَ أنْ كانَ اللهَ هُوَ مَجْدُهُم] بِمَا لاَ يَنْفَعُ! اِبْهَتِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ مِنْ هذَا، وَاقْشَعِرِّي وَتَحَيَّرِي جِدًّا، يَقُولُ الرَّبُّ. لأَنَّ شَعْبِي عَمِلَ شَرَّيْنِ: تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً". فقد تَركتُم اللهَ، الَّذي هُوَ وَحدُهُ يَنبوعَ المَاءِ الحَيِّ (مِنْ أجْلِ إلَهَةٍ) وَنَقَرتُم لأنفُسِكُم آبارًا مُشَقَّقَةً لا تُقَدِّمُ أيَّ شيءٍ على الإطلاق! لا تُقدِّمُ أيَّ شَيء! وهذا يَتَوافَقُ تَمامًا معَ مَا يَقولُهُ العهدُ الجديد. فالعهدُ الجديدُ يَدعو إلى نَفسِ التَّكريسِ الكامِلِ والكُليِّ للهِ. ففي إنجيل مَتَّى 4: 9، يُجَرِّبُ الشَّيطانُ يَسوعَ قائِلاً: "أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِــي". حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ". وقد صَدَرَتْ هذهِ الكلماتُ عن شَفَتَيِّ الرَّبِّ يَسوعَ نَفسِهِ.

رِسالة رُومية والأصحاح الأوَّل. وسوفَ نَذكُرُ بِضْعَ آياتٍ أُخرى وَنَخْتِم حَديثَنا. رسالة رُومية 1: 22. وإليكُم تَعريفَ البشَرِيَّة: "وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ". "وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ". وكيفَ عَبَّرَتْ غَباوَتُهُم عن نَفسِها؟ بأنْ "أَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى" (أوْ صُورةَ امرأة). وهذا هُوَ تَمامًا ما فَعَلَتْهُ الكنيسةُ الكاثوليكيَّةُ الرُّومانيَّة. "لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ". وهذه دَينونةٌ إلهيَّةٌ حَلَّتْ عَليهم. "لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ، لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ. الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اللهِ بِالْكَذِبِ، وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا [مَنْ؟] الْمَخْلُوقَ [أوِ امرأةً] دُونَ الْخَالِقِ، الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ. لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ، لأَنَّ إِنَاثَهُمُ اسْتَبْدَلْنَ الاسْتِعْمَالَ الطَّبِيعِيَّ بِالَّذِي عَلَى خِلاَفِ الطَّبِيعَةِ، وَكَذلِكَ الذُّكُورُ أَيْضًا تَارِكِينَ اسْتِعْمَالَ الأُنْثَى الطَّبِيعِيَّ، اشْتَعَلُوا بِشَهْوَتِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَاعِلِينَ الْفَحْشَاءَ ذُكُورًا بِذُكُورٍ، وَنَائِلِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ جَزَاءَ ضَلاَلِهِمِ الْمُحِقَّ". فَهَلْ يُمكِنُ أنْ يَكونَ التَّحَرُّشُ الجِنسيُّ بالأطفالِ، والمِثليَّةُ الجِنسيَّةُ، والفَسادُ الأخلاقيُّ المُستَفْحِلُ في النِّظامِ الكاثوليكيِّ، هل يُمْكِنُ أنْ يَكونَ هذا كُلُّهُ جُزءًا مِن دينونةِ اللهِ على أولئكَ الَّذينَ تَرَكوا اللهَ الحَقيقيَّ كَيْ يَعبُدوا كَائِنًا بَشريًّا؟

ونَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى 5: 11: "وَأَمَّا الآنَ فَكَتَبْتُ إِلَيْكُمْ ... أَنْ لاَ تُخَالِطُوا أَحَدًا يُدْعَى أَخًا...". وَالآن، فإنَّ المَسألةَ تَصيرُ شَخصيَّةً، يا أحبَّائي: "أَنْ لاَ تُخَالِطُوا أَحَدًا يُدْعَى أَخًا إِنْ كَانَ زَانِيًا أَوْ طَمَّاعًا أَوْ [مَاذا؟] عَابِدَ وَثَنٍ". فالنَّاسُ يَقولونَ اليوم: "إنَّهُم إخوَتُنا الكاثوليك وَأَخَواتُنا الكاثوليكيَّات". وقد كُنْتُ أَتَمَنَّى أنْ يكونَ هذا صَحيحًا. ولكِنْ لا يُمكِنُكُمْ أنْ تُخالِطُوا هؤلاءِ في شَرِكَة حَقيقيَّة وَصَحيحة إنْ كانُوا يَعبُدونَ أَصنامًا. والأصحاحُ العاشِرُ يُطلِعُنا على السَّبَب إذْ نَقرأُ في رسالة كورِنثوس الأولى 10: 14: "لِذلِكَ يَا أَحِبَّائِي اهْرُبُوا مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَان". فعِبادةُ الأوثانِ مُغْوِيَة، وَسَامَّة، وَقَاتِلَة. فلا يُمكِنُكم أنْ تَبقوا حَوْلَها. ونَقرأُ في العدد 16: "كَأسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا، أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ، أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟" فهو يَقول: "أتَعلمونَ أنَّنا اجتَمَعنا معًا حولَ المسيح، وأنَّنا اجتمَعنا مَعًا لِنَحتَفِلَ بالمسيح في ذَبيحَتِهِ وَموتِه. ولكِنْ لا يُمكِنُكُم أنْ تَفعلوا ذلكَ وأنْ تَذهبوا بعدَ ذلكَ لِتَعبُدوا أَصْنامًا. لا يُمكِنُكم أن تَفعلوا ذلك". ثُمَّ نَقرأُ في العدد 20: "بَلْ إِنَّ مَا يَذْبَحُهُ الأُمَمُ فَإِنَّمَا يَذْبَحُونَهُ لِلشَّيَاطِينِ، لاَ للهِ. فَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ شُرَكَاءَ الشَّيَاطِين". فَالوثنيَّة هي شيءٌ ابْتَدَعَهُ الشَّيطانُ. فَهِيَ عِبادة شَيطانيَّة. "لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْرَبُوا كَأسَ الرَّبِّ [في العدد 21] وَكَأسَ شَيَاطِينَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ الرَّبِّ وَفِي مَائِدَةِ شَيَاطِينَ". فلا يُمكِنُكم أنْ تَعبُدوا مَريمَ وأنْ تَعبُدوا اللهَ؛ وإلَّا فإنَّكُمْ (بِحَسَبِ مَا جَاءَ في العدد 22)، وَبِكُلِّ تأكيدٍ، سَتُثيرونَ غَيْرَةَ الرَّبِّ.

وَنَقرأُ في رسالة كورِنثوس الثَّانية 6: 15: "وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ الشَّيطان؟" فَالكلمة "بَليعال" تُشيرُ إلى الشَّيطان. "وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ الشَّيطان؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟ فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ". فلا صِلَةَ لَكُمْ بذلك. والكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة ليست لها أيُّ صِلَة بالمسيحيَّة الحقيقيَّة أو بالكنيسةِ الحقيقيَّة. فهي شيءٌ مُختَلِفٌ تمامًا. وهي تَنتَمي إلى مَملكةِ الظُّلمة.

وأخيرًا، نَقرأُ في رسالة أفسُس 5: 5: "فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ هذَا أَنَّ كُلَّ زَانٍ أَوْ نَجِسٍ أَوْ طَمَّاعٍ الَّذِي هُوَ عَابِدٌ لِلأَوْثَانِ لَيْسَ لَهُ مِيرَاثٌ فِي مَلَكُوتِ الْمَسِيحِ وَاللهِ". فإنْ كُنتُم تَعبدونَ إلهًا زائفًا، ليسَ لَكُمْ مِيراثٌ في مَلكوتِ المسيحِ وَاللهِ. ليسَ لَكُم مِيراث. وكما تَرَوْنَ، يا أحبَّائي، فإنَّ هذا هُوَ السَّبَبُ الَّذي لأجلِهِ يَقولُ الكتابُ المقدَّسُ في رسالة يُوحَنَّا الأولى 5: 21: "احْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الأَصْنَام". "اهرُبوا مِنْ عِبادَةِ الأوثان" (كَما قَرَأنا للتَّوّ). فلا يُمكِنُكم أنْ تَعبُدوا إلهًا زائفًا واللهَ الحَقيقيَّ في الوقتِ نَفسِه.

ولكِنَّنا نَعبُدُ اللهَ الحَقيقيَّ الحَيَّ. وأَوَدُ أنْ أَختِمَ بِنَظرةٍ خَاطِفَةٍ إلى السَّماء. سِفْر الرُّؤيا والأصحاح الرَّابع. وَلَعَلَّكُم تَذكرونَ ذلك. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ الرُّؤيا 4: 8 أنَّ كُلَّ كَائِنٍ في السَّماءِ يَقول: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي كَانَ وَالْكَائِنُ وَالَّذِي يَأتِي". وَهُمْ جَميعًا يَقولونَ في العَدَد 11: "أَنْتَ مُسْتَحِق أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ". ونَقرأُ في الأصحاحِ الخامِسِ والعَدَد 9: "وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: «مُسْتَحِق أَنْتَ أَنْ تَأخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْض»". ونَقرأُ في العَدَد 12: "مُسْتَحِقٌّ هُوَ الْخَروُفُ الْمَذْبُوحُ أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ وَالْبَرَكَةَ!" ونَقرأُ في العدد 13: "لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ الْبَرَكَةُ وَالْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ". "وَكَانَتِ الْحَيَوَانَاتُ الأَرْبَعَةُ تَقُولُ: «آمِينَ»". وَقَدْ خَرُّوا جَميعًا وَسَجَدُوا. هَلْ تَرَوْنَ مَريمَ في أيِّ مَكان؟ يا لَها مِنْ ضَلالَةٍ غَريبة!

حسنًا! سوفَ نَتوقَّفُ عندَ هذه النُّقطة. وأريدُ أنْ أفعلَ شيئًا آخر، ولكِنْ ليسَ اللَّيلة. فأنا آمُلُ أنْ أَتَمَكَّنَ، مَساءَ الأحدِ المُقبِل، مِنَ التَّحَدُّثِ عن عُنصرٍ آخر في الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة ينبغي أنْ تَعرِفوا عَنْهُ وَهُوَ "ذَبيحةُ القُدَّاس". لِذا، إنْ شَاءَ الرَّبُّ، وَتَمَكَّنْتُ مِنْ إنجازِ كُلِّ العَمَلِ في أثناءِ وُجودي في "لويفيل" (Louisville) لِحُضورِ مُؤتمر "مَعًا لأجلِ الإنجيل" (The Together for the Gospel Conference) مَعَ "آل مُولَر" (Al Mohler)، سَنَتَحَدَّثُ مَساءَ الأحدِ المُقبِل عنْ ذَبيحةِ القُدَّاس لأنَّهُ موضوعٌ مُهِمٌّ. لقد كُنْتُم صَبورينَ جِدًّا في هذا المساء؛ كَما لو أنَّهُ كانَ لَديكُم خِيارٌ آخَر!

يا رَبّ، بَارِكْ هؤلاءِ الأشخاصِ الأعِزَّاء وَشَجِّعْهُم لأنَّهُمْ عَرَفُوا الحَقَّ بِنِعمَتِك. وساعِدنا، يا رَبُّ، على إخراجِ كَثيرينَ مِنْ هذا الظَّلامِ المُريع.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize