أُريدُ منكم اللَّيلة، إنْ جازَ القَولُ، أن تَفهموا قلبي. ولا بُدَّ أن أَعتَرِف أنَّ أكبرَ حُزْنٍ في حياتي (وسوفَ تَفهمونَ هذا لأنَّهُ أكبرُ حُزْنٍ في حَياتِكُم أنتُم أيضًا، وعندَ الرَّبِّ) هو أنَّنا لا نُسَرُّ بِموتِ الشِّرِّير. فنحنُ لا نَجِدُ أيَّ مُتعة في أنْ يَذهبَ النَّاسُ إلى جَهَنَّم. فنحنُ نَتوقُ إلى أنْ نَرى النَّاسَ يَخلُصون. فَشَوقُ قَلبِ كُلِّ مُؤمِنٍ حقيقيٍّ هو: أنْ يَخلَصَ جَميعُ مَنْ يَعرِفُهُم. وكما تَعَلَّمنا مِنَ القِصَّةِ الَّتي استمعنا إليها في هذا الصَّباح عنِ الرَّجُلِ الغَنِيِّ الَّذي ذَهَبَ إلى جَهَنَّم، فإنَّهُ حَتَّى عندما كانَ في جَهَنَّم، كانَ لَديهِ شَغَفٌ كِرازِيّ ... أيْ أنْ يَذهبَ شخصٌ مَا لِتَحذيرِ إخوَتِه. وإنْ كانَ هذا هو شَوقُ قَلبِ الأشخاصِ المَحكومِ عليهم بالهَلاك، كيفَ ينبغي أن يكونَ شَوقُ قلبِ المَفْدِيِّينَ لأجْلِ خَلاصِ الخُطاةِ كَي يَخلَصُوا مِنْ جَهَنَّمَ الأبديَّة؟ فهناكَ ديانات كثيرة في العالَم تَعِدُ أَتْباعَها بالسَّماءِ، ولكِنَّها لا تَفِي بِوَعدِها. وهناكَ ديانات كثيرة في العالَم هي مُجَرَّدُ ضَلالاتٍ شَيطانيَّة. والحقيقةُ هي أنَّها كُلُّها (مَا خَلا الإيمانَ الحقيقيَّ والإنجيلَ الحَقيقيَّ) تَنتمي إلى تلكَ الفِئَة.
والكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة تَنتمي إلى فِئةِ الدِّياناتِ الزَّائفة. وهذا أمرٌ واضحٌ؛ لا بسبب ما أقولُهُ عنهم، بل بسبب ما يَقولونَهُ عنِ الكتابِ المقدَّس، وما يَقولونَهُ عنِ الإنجيل، وما يَقولونَهُ عنِ الدِّيْن. وكُلُّ ما ينبغي للمَرءِ أن يَفعلهُ كي يَفهمَ أيَّ دِيانة باطِلة هو أنْ يَرى ما تُؤمِنُ بِهِ، وأن يَفهمَ ما يُنادونَ بِهِ. وحينئذٍ، يُمكنُ تَقييمُها في ضَوءِ كَلِمَةِ اللهِ حَتَّى نَفهمَ بوضوح ذلك. واليوم، هناكَ جُهدٌ دَؤوبٌ جدًّا جدًّا وجَماعِيٌّ في أوساطِ الإنجيليِّينَ الَّذينَ لا يَعرِفُ كَثيرونَ منهم الإنجيلَ الحقيقيَّ (لا فقط الرُّوم الكاثوليك، بل أيضًا البروتستنت)، لِقَبولِ الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة كما لو كانت ديانة حقيقيَّة. وهذا يعني قَبول الكاثوليك والتَّوَقُّف عن تَصنيفهم بأنَّهُم غير مؤمنين، والتَّوقُّف عن تَصنيفهم بأنَّهُم حَقْلٌ تَبشيريّ. وهو جُهدٌ يَتَرَأَّسُهُ قادة بارِزونَ جدًّا يَتَبَوَّأونَ مَناصِبَ إنجيليَّة بارِزَة في كُلٍّ مِنَ الكنائسِ والهيئاتِ المُؤازِرَة للكنائِس. وقد مَضى على حُدوثِ هذا الأمر سَنوات عديدة.
وقبلَ سَنواتٍ ليست طَويلة، صَدَرَتْ وَثيقة بعُنوان "الإنجيليُّونَ والكاثوليك معًا" (Evangelicals and Catholics Together)، وتُعرَفُ بالاسمِ المُختَصَر "إي. سي. تي" (ECT). وهي تَحالُفٌ بينَ الإنجيليَّة والنِّظامِ الكاثوليكيِّ الرُّومانيّ. وقد وَقَّعَها أشخاصٌ عديدونَ وكثيرونَ مِنَ القادة الإنجيليِّينَ المَعروفينَ جِدًّا. وقد أَثارت تلكَ الوثيقة جَدَلاً لا يُسْتَهانُ بِه. وبسببِ ذلك، وَجَدْتُ نَفسي في اجتماعٍ دَامَ سَبْعَ ساعاتٍ، في غُرفةٍ تَضُمُّ هؤلاءِ القادة الإنجيليِّينَ، إذْ رُحْنا نُحاولُ أنْ نُواجِهَ المُوَقِّعينَ على تلكَ الوثيقة بالحقائقِ المُريعةِ المُختصَّةِ بالكاثوليكيَّة، وبِسُوءِ تَمثيلِهم الكامِل للإنجيل، وأنْ نَدعو هؤلاءِ الأشخاصَ إلى سَحْبِ أسمائِهم، وَإلى شَجْبِ تلكَ الوثيقة بِكُلِّ عَواطِفِهم وقُلوبهم؛ ولكِنَّنا لم نُوَفَّقْ في إقناعِ أيٍّ مِنهُم في القيامِ بذلك. لِذا، فقد استمرَّ قَبولُ الكاثوليكيَّة.
والحقيقةُ الدَّامِغَةُ هي أنَّ أُناسًا عَديدينَ وكثيرينَ مِمَّنْ يُسَمُّونَ أنفُسَهُم "مَسيحيِّينَ" (وَبَعْضَ المؤمنينَ حَقًّا) مُشَوَّشونَ بخصوصِ طَبيعةِ الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة. ويجب علينا أنْ نَحْسِمَ ذلكَ التَّشويش لأنَّهُ يجب علينا أنْ نَتَيَقَّنَ مِنْ أنَّنا نُدركُ أنَّهم لا يؤمنونَ بالإنجيلِ الحقيقيّ.
ففي صَميمِ الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة، هُناكَ سِرٌّ يُسَمَّى "القُربان المُقَدَّس". ولكِنْ قبلَ أنْ نُلقي نَظرة إليه، أريدُ منكم أن تَفتحوا كِتابَكُم المُقدَّسَ على الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين، على الأصحاحِ السَّابعِ مِنَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين. وأريدُ أنْ أُرَسِّخَ شيئًا واحدًا في أذهانِكُم في البِداية. وأريدُ أن أقولَ لكم ما يَلي: قد يَفْتَقِرُ المَوضوعُ إلى التَّنظيمِ إلى حَدٍّ مَا حينَ أَعرِضُ المَادَّة. فَعادَةً، أَكونُ أكثرَ تَنظيمًا في تَفكيري. ولكِنْ في أثناءِ مُحاولتي لِتَحضيرِ هذه المادَّة بِشَكلِها النِّهائيِّ يومَ السَّبتِ في رِحلةِ العَودةِ بالطَّائرة، كانت هناكَ مَطَبَّات هَوائيَّة طَوالَ الرِّحلة. وأعتقد أنَّ ذِهني كانَ يَتَخَبَّطُ مَعَ كُلِّ شيءٍ آخر. لِذا، أرجو أنْ يكونَ هُناكَ بعضُ التَّرابُط؛ حَتَّى لو وَجَدْتُ صُعوبةً في قِراءةِ خَطِّ يَدي بسببِ المَطَبَّاتِ الهَوائيَّة. فأرجو أن تَتمكَّنوا مِنَ التَّركيزِ معي في أثناءِ عَرْضي لهذه المادَّة.
ولكنِّي أريدُ أن أُوَضِّحُ نُقطةً واحدةً وهي: طَبيعةُ ذَبيحةِ يَسوعَ المسيح. لِذا، نَقرأُ في الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين والأصحاحِ السَّابع، وأرجو أن تَنظروا إلى العَدَد 26 إذْ سأقرأُ الأعداد مِن 26-28: "لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ اضْطِرَارٌ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ أَنْ يُقَدِّمَ ذَبَائِحَ أَوَّلاً عَنْ خَطَايَا نَفْسِهِ ثُمَّ عَنْ خَطَايَا الشَّعْبِ، لأَنَّهُ فَعَلَ هذَا مَرَّةً وَاحِدَةً، إِذْ قَدَّمَ نَفْسَهُ. فَإِنَّ النَّامُوسَ يُقِيمُ أُنَاسًا بِهِمْ ضَعْفٌ رُؤَسَاءَ كَهَنَةٍ. وَأَمَّا كَلِمَةُ الْقَسَمِ الَّتِي بَعْدَ النَّامُوسِ فَتُقِيمُ ابْنًا مُكَمَّلاً إِلَى الأَبَدِ". والكلمة العَامِلَة هُنا هي "مَرَّةً". فهي ذَبيحة واحدة. فلا حاجة إلى تَقديمِ الذَّبائِحِ يَوميًّا.
وإذا نَظرتُم إلى الأصحاحِ التَّاسعِ مِنَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين، سَتَرَوْنَ نَفسَ هذا الحَقَّ يَتَكَرَّرُ في العدد 11: "وَأَمَّا الْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ، فَبِالْمَسْكَنِ الأَعْظَمِ وَالأَكْمَلِ، غَيْرِ الْمَصْنُوعِ بِيَدٍ، أَيِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ هذِهِ الْخَلِيقَةِ، وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُول، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ [بِصيغةِ الماضي] فِدَاءً أَبَدِيًّا. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ دَمُ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ وَرَمَادُ عِجْلَةٍ مَرْشُوشٌ عَلَى الْمُنَجَّسِينَ، يُقَدِّسُ إِلَى طَهَارَةِ الْجَسَدِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ للهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَال مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ!" ومَرَّةً أخرى، فإنَّ الكلمة الفَعَّالة هي "مَرَّة". فقد "دَخَلَ إِلَى الأَقْدَاسِ..." [في العدد 12] "...مَرَّةً وَاحِدَةً..." (بصيغةِ الماضي) "...فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا".
افتحوا على العدد 24 مِنَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّين والأصحاح التَّاسِع: "لأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى أَقْدَاسٍ مَصْنُوعَةٍ بِيَدٍ أَشْبَاهِ الْحَقِيقِيَّةِ [أيْ لم يَدخُل إلى هَيكلٍ أرضيٍّ، أو مَقْدِسٍ أرضيٍّ أو مَذبحٍ أرضيٍّ]، بَلْ إِلَى السَّمَاءِ عَيْنِهَا، لِيَظْهَرَ الآنَ أَمَامَ وَجْهِ اللهِ لأَجْلِنَا. وَلاَ لِيُقَدِّمَ نَفْسَهُ مِرَارًا كَثِيرَةً، كَمَا يَدْخُلُ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ إِلَى الأَقْدَاسِ كُلَّ سَنَةٍ بِدَمِ آخَرَ. فَإِذْ ذَاكَ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَتَأَلَّمَ مِرَارًا كَثِيرَةً مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنَّهُ الآنَ قَدْ أُظْهِرَ..." [وها هي تلكَ الكلمة تَتَكَرَّرُ هُنا أيضًا] "...مَرَّةً عِنْدَ انْقِضَاءِ الدُّهُور". فهذه هي نُقطةِ الذُّروة في الدُّهور: حَدَثُ مَوتِهِ وَقيامَتِه: "وَلكِنَّهُ الآنَ قَدْ أُظْهِرَ مَرَّةً عِنْدَ انْقِضَاءِ الدُّهُورِ لِيُبْطِلَ الْخَطِيَّةَ بِذَبِيحَةِ نَفْسِهِ. وَكَمَا وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ، هكَذَا الْمَسِيحُ أَيْضًا، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ، سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ". ومَرَّةً أخرى، فإنَّ الكلمة الفَعَّالَة تَظهرُ في العدد 28: "مَرَّةً". فهو ليسَ في حاجة إلى تَقديمِ نَفسِهِ مِرارًا (بحسب ما جاءَ في العدد 25). وَهُوَ ليسَ في حاجة إلى أنْ يَتألَّمَ مِرارًا كثيرةً (كما جاءَ في العدد 26) "مُنْذُ تَأسِيسِ الْعَالَمِ، وَلكِنَّهُ الآنَ قَدْ أُظْهِرَ مَرَّةً عِنْدَ انْقِضَاءِ الدُّهُورِ لِيُبْطِلَ (بِصيغةِ الماضي) الْخَطِيَّةَ بِذَبِيحَةِ نَفْسِهِ".
ونَقرأُ في الأصحاحِ العاشِرِ مِنَ الرِّسالةِ إلى العِبرانِيِّينَ والعدد 10: "فَبِهذِهِ الْمَشِيئَةِ..." [أيْ: بِمَشيئةِ اللهِ الَّتي جاءَ يَسوعُ لكي يَفعَلَها كما جاءَ في العددِ السَّابقِ؛ أيِ العدد 9] " فَبِهذِهِ الْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً". والكلمة "مُقَدَّسونَ" تَعني: مُنفَصِلونَ عنِ الخطيَّة بِالمَعنى الخَلاصِيِّ، وأيضًا بِصورة مُستمرَّة. وقد تَمَّ ذلكَ مِنْ خِلالِ ذَبيحةِ يسوعَ المسيحِ، مِنْ خِلالِ تَقديمِ جَسَدِ المسيحِ مَرَّةً واحِدَةً. وَكُلُّ كَاهِنٍ [في العدد 11] يَقُومُ كُلَّ يَوْمٍ يَخْدِمُ وَيُقَدِّمُ مِرَارًا كَثِيرَةً تِلْكَ الذَّبَائِحَ عَيْنَهَا، الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ الْبَتَّةَ أَنْ تَنْزِعَ الْخَطِيَّةَ. وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ". فَنهايةُ ذلكَ واضحة جدًّا. فقد جاءَ وَقَدَّمَ قُربانًا واحدًا أَكْمَلَ إِلَى الأَبَدِ الْمُقَدَّسِينَ. فقد جاءَ وَقَدَّمَ قُربانًا واحدًا عنِ الجميع لا يَحتاجُ إلى التَّكرار؛ على النَّقيضِ مِنَ الكَهَنةِ الَّذينَ يَصنعونَ ذلكَ المَرَّةَ تِلو المَرَّة تِلوَ المَرَّة إذْ يُقَدِّمونَ ذَبائحَ لا يُمكن أنْ تَرفَع خطيَّة. فهناكَ ذبيحة واحدة فقط قُدِّمَتْ مَرَّة واحدة مِنْ قِبَلِ شخصٍ واحدٍ يُمكِن أنْ تَرفَعَ خَطِيَّة؛ وهي ذَبيحَةُ الرَّبِّ يَسوعَ المسيح.
فَكُلُّ ما كانت ذبائحُ العهدِ القديمِ تَفعلُهُ هو أنَّها أَظْهَرَتْ وَنَمَّتْ الحَنينَ والشَّوقَ إلى الذَّبيحةِ النِّهائيَّة الَّتي سَتَرفَعُ حَقًّا الخطيَّة. فالعهدُ القديمُ كانَ يَضُمُّ كَهَنوتًا، ومَذبحًا، وذبائحَ كانت مُجَرَّدَ ظِلالٍ تَرمِزُ إلى الذَّبيحةِ الأخيرةِ المُتَمَثِّلة في المسيح. وقد جاءَ وَقَدَّمَ تلكَ الذَّبيحةَ. وقد نَبَّرَ اللهُ على تلكَ الذَّبيحةِ الواحدة بأنْ دَمَّرَ الهيكلَ مُستخدِمًا الرُّومانَ للقيامِ بذلك في سنة 70 ميلاديَّة. ومِن خلالِ هَدْمِ المَذابحِ، هَدَمَ نِظامَ الذَّبائحِ كُلَّهُ في العهدِ القديم، وكُلَّ سِجِلَّاتِ الأنسابِ، وكُلَّ النَّسْلِ الكَهنوتِيِّ ذاكَ. وبذلكَ فقد أَنْهَى إلى الأبد الكَهنوت. ولم تَعُد هناكَ ذبائح. ولم تَعُد هناكَ مَذابِح. ولم يَعُد هناكَ كَهَنَة كَرُتبة خاصَّة لِتَقديمِ الذَّبائح. فقد انْتَهى كُلُّ ذلكَ بتقديمِ ذبيحةِ يسوعَ المسيح.
لِذا فإنَّ أيَّ ذَبائحَ تُقَدَّمُ اليومَ هي غير كِتابيَّة وغير قادرة على تَحقيقِ أيِّ شيء. وأيُّ كَهَنَة اليوم هُمْ أشخاصٌ يَدَّعونَ زُوْرًا أنَّهُم يَمتلكونَ كَهنوتًا خَاصًّا أو أنَّهُم رُتبة خاصَّة مِنَ الكهنة؛ لا سِيَّما أنَّنا جَميعًا الآنَ كَهَنة. فنحنُ كَهنوتٌ مُلوكِيٌّ يَضُمُّ جَميعَ المؤمنين. ونحنُ لسنا بحاجة إلى وَسيط لأنَّنا نَستطيعُ الدُّخولَ مُباشَرَةً إلى حَضْرَةِ اللهِ. فنحنُ لسنا في حاجة إلى تَقديمِ ذبائحَ لأنَّهُ لا يوجد هَيكل، ولا توجد مَذابح، ولا توجد ذبائح. ونحنُ لسنا في حاجة إلى أيِّ كَهَنة.
وبالرَّغمِ مِن ذلك، فإنَّ النِّظامَ الكاثوليكيَّ الرُّومانيَّ ابْتَدَعَ كَهنوتًا، وبَنى في كُلِّ كنيسة على وَجهِ الأرضِ مَذبَحًا. وحَوْلَ ذلكَ المَذبح، فإنَّهُم مَستمرُّونَ في تقديمِ الذَّبيحةِ عَشَراتِ الآلافِ مِنَ المَرَّاتِ كُلَّ يوم؛ كما لو أنَّهُم أعادوا اكتشافَ الكَهنوتِ اللَّاوِيِّ. وسوفَ يَستمرُّونَ في القيامِ بذلكَ إلى نِهايةِ الدَّهر، وإلى نِهايةِ العالَم (بحسب ما جاءَ في كُتُبِهِم). فقد أَعادوا تَأسيسَ شَيءٍ هَدَمَهُ اللهُ نَفسُهُ. وهو يُحاكي اللَّاهوتَ اللَّاوِيَّ. ولكِنَّها مُحاكاة غير مَشروعة لذلكَ الكَهَنوت. وأنا أقولُ إنَّها "مُحاكاة" لأنَّها تَختلطُ بأمورٍ هَرطوقيَّة تَنتمي إلى الوَثنيَّة وعبادةِ الأصنام. فالقربانُ المُقَدَّسُ ذبيحة لا يُمكن أن تُقدَّم إلَّا على مَذبح مِن نَوعٍ خَاصٍّ، وَمِنْ قِبَلِ كاهِنٍ فقط.
وما هي أهميَّةُ القُربانِ المُقَدَّسِ في الكاثوليكيَّة. حسنًا، لكي أُريكم مَدى أهميَّتِهِ، سوفَ أَقتبِسُ مِنْ كِتابِ التَّعليمِ الكاثوليكيِّ الَّذي يَقول: "القُربانُ المُقَدَّسُ هو مَنبعُ الحياةِ المسيحيَّة وقِمَّتُها". وهذا يعني أنَّها أصلُ الحياةِ المسيحيَّة وأعلى نُقطة فيها. وقد كانَ الكاردينال "راتزنجر" (Ratzinger)، الَّذي يُسَمِّي نَفسَهُ الآنَ "البابا بندكتس" (Pope Benedict)، هو الَّذي قال (وأنا أَقتبسُ كلامَهُ): "القُربانُ المُقَدَّسُ هو مَنبعُ وأصلُ إيمانِنا". فهذهِ ليست مسألة ثانويَّة، وهي ليست مسألة هَامِشِيَّة، وهي ليست شيئًا كبقيَّةِ الأشياء، بل هي قلبُ النِّظامِ وَرُوحه. وبالرَّغمِ مِن وُجودِ سبعة أسرار (بحسب قَولِهم)، فإنَّ هذا القُربانَ هو سِرُّ الأسرار. ولكِنْ في البداية، فإنَّ القُربانَ المُقَدَّسَ ضَلالَة لأنَّهُ (كما قُلتُ)، لم تَعُد هناكَ ذبائح، ولم تَعُد هناكَ مَذابِح، ولم يَعُد هناكَ هَيكل يَسكُنُ فيهِ اللهُ، ولم تَعُد هناكَ خَيمةُ اجتماع، ولم يَعُد هناكَ كَهنَوت. لِذا فإنَّها ذَبيحة زائفة تُقَدَّمُ على مَذبحٍ زائف في هيكلٍ زائف مِنْ قِبَلِ كاهنٍ زائف. والخُلاصة هي أنَّها إنكارٌ لِذَبيحةِ المسيحِ الوحيدة على الصَّليب لأنَّ القُربانَ المُقَدَّسَ يَعني تَقديمَ المسيحِ مِرارًا وتَكرارًا مِنْ قِبَلِ كَهَنَة غير شَرعِيِّين على مَذبحٍ غير مَشروع لِغاية عَقيمة وغير مُقَدَّسة.
وكما هي الحالُ في نِقاطٍ عديدة، فإنَّني أقولُ إنَّ الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة هي خَليط. فهي في الجُزءِ الأكبر مِنها وَثنيَّة مُختَلِطَة بالقليلِ مِنَ المسيحيَّة المَرشوشَة عليها، والكثيرِ مِنَ المُصطلحاتِ المسيحيَّة الَّتي تَرمي إلى خِداعِ النُّفوسِ وَتَضليلِها. فهي ديانة شَيطانيَّة لا تُؤدِّي إلى الخَلاص. فهي لا تَستطيعُ القيامَ بذلك.
وقد قامَ "جون أوبراين" (John O’Brien) بمساعدةِ الرُّومِ الكاثوليك على فَهْمِ أهميَّة ذَبيحة القُدَّاس. وقد أَلَّفَ كِتابًا بعُنوان "إيمانُ المَلايين: أُصول الدِّيانة الكاثوليكيَّة" (The Faith of Millions: The Credentials of the Catholic Religion). وهو كِتابٌ كلاسيكيّ. وهذا هو ما كَتَبَهُ "جون أوبراين" في ذلكَ الكِتابِ الشَّهير: "عندما يُعلنُ الكاهِنُ كلماتِ التَّقديسِ العَجيبة [أي في القُدَّاس] فإنَّهُ يَدخُلُ السَّماواتِ، ويُنْزِلُ المَسيحَ عَن عَرشِهِ، ويَضَعُهُ على مَذبحِنا لِيُقَدَّم عليهِ مَرَّة أخرى ضَحِيَّةً عن خطايا الإنسان. فَهي قُدرة يُمارِسُها الكاهِنُ تَفوقُ قُدرةَ القِدِّيسينَ والملائكة، وتَفوقُ قُدرةَ السَّرافيمِ والكروبيم. والحقيقة هي أنَّها قُدرة تَفوقُ حَتَّى قُدرةَ العَذراء مَريم. ففي حين أنَّ العَذراءَ الطُّوباويَّة كانت وَسيلة بَشريَّة تَجَسَّدَ مِنْ خِلالِها المَسيحُ مَرَّةً واحدةً فقط، فإنَّ الكاهِنَ يُنْزِلُ المَسيحَ إلى أسفل مِنَ السَّماءِ ويَجعَلُهُ حَاضِرًا على مَذبَحِنا ذَبيحة أبديَّة...". فهل تَتعَجَّبونَ لماذا تَرَوْنَ دائمًا صَليبًا عليهِ المسيح، وليسَ صَليبًا فارِغًا؟ لأنَّ "الكاهِنَ يُنزِلُ المسيحَ إلى أسفل مِنَ السَّماءِ ويَجعَلُهُ حَاضِرًا على مَذبَحِنا ذَبيحة أبديَّة عن خطايا الإنسانِ، لا مَرَّةً بل ألفَ مَرَّة".
تَوَقَّفوا هناكَ قليلاً. هل تَرَوْنَ المُفارَقَة؟ فَمَريمُ أَتَتْ بِهِ إلى العالَمِ مَرَّةً فقط، أمَّا الكاهِنُ فإنَّهُ يَأتي بِهِ إلى أسفَل ألفَ مَرَّة. فهو يَمتلك قُوَّة تَفوقُ قُوَّةَ العذراءِ مَريم. وَمِنَ المُدهشِ أن يقولَ كاثوليكيٌّ رُومانيٌّ ذلك لأنَّ أيَّ دراسة لِمَريم تُرينا أنَّهم يَظُنُّونَ أنَّها تَمتلكُ نَفسَ قُدرَةِ اللهِ. ولكِنَّنا لا نَتوقَّعُ مِن نِظامٍ كهذا أن يكونَ مُتناغِمًا. أليسَ كذلك؟ وَهُوَ يُتابِعُ حَديثَهُ قائلاً: "فالكاهِنُ يَتَكَلَّمُ فإذْ بالمسيحِ، اللهِ الأبديِّ الكُليِّ القُدرةِ، يَحني رأسَهُ في اتِّضاعٍ وخُضوعٍ امتِثالاً لأمرِ الكاهِن". والفَقْرَةُ الأخيرةُ مِن أوبراين: "يا لِلمَكانَةِ الرَّفيعةِ الَّتي يَتمتَّعُ بها الكاهِنُ المسيحيُّ الَّذي أُعطِيَ امتيازَ أنْ يَعمَلَ سَفيرًا ونائبًا عنِ المَسيحِ على الأرض! فهو يُتابِعُ الخِدمةَ الجوهريَّةَ للمسيح. وهو يُعَلِّمُ المُؤمِنينَ بِسُلطانِ المسيح. وَهُوَ يَغفِرُ للخاطئِ التَّائبِ بِسُلطانِ المسيح. وهو يُقَدِّمُ مَرَّةً أخرى نَفسَ ذَبيحةِ السُّجودِ والتَّكفيرِ الَّتي قَدَّمَها المسيحُ على الجُلجُثة. لا عَجَبَ إذًا أنَّ اللَّقَبَ الَّذي فُتِنَ بِهِ الكُتَّابُ الرُّوحيُّونَ بصورة خاصَّة مِن جهةِ الكَاهِنِ هو لَقَب "المَسيح البَديل" لأنَّ الكَاهِنَ هُوَ بِحَقّ مَسيحٌ آخَر".
في الأسبوعِ الماضي، ظَهَرتُ في بَرنامَج "لاري كينغ" (Larry King). ولا بُدَّ أنَّ بعضًا مِنكُم قد شاهَدوه. وقد صَدَرَ الآتي عَنْ فَمِ واحِدٍ مِنَ الكَهنة في ذلك البَرنامَج إذْ قال: "يا لِرَوعةِ أنْ أَكونَ مَسيحًا آخر". ولكِنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُحَذِّرُنا مِن أيِّ مَسيحٍ آخر، وَمِنَ المُسَحاءِ الكَذَبة إذْ يَقولُ إنَّهُم سيَكثُرونَ في الأيَّامِ الأخيرة. فهذا هو ما يَجري في القُربانِ المُقَدَّس. فهذا الكاهِنُ، الَّذي أُعطِيَ تلكَ القُدرة العظيمة الَّتي تَفوقُ قُدرةَ العَذراء الطَّوباويَّة، يُنْزِلُ المسيحَ إلى أسفل مِنَ السَّماء. فَكُلُّ ما ينبغي أن يَفعلَهُ هو أن يَتكلَّم. وحينئذٍ فإنَّ المسيحَ الأزليَّ والكُليَّ القُدرةِ سيَحني رأسَهُ باتِّضاعٍ وطاعَةٍ امتِثالاً لأمرِ الكاهِن.
وهذا كُلُّهُ يَرجِعُ في إقرارِهِ وَتوضيحِهِ الحَقيقيَّيْنِ إلى "مَجْمَعِ ترنت" (The Council of Trent) في القَرن السَّادس عَشَر. فَمَجمَعُ ترنت يُؤكِّدُ أمورًا كثيرة جِدًّا لأنَّهم كانوا يُهاجِمونَ الإصلاح. فإنْ رَجعتُم إلى مَجمع ترنت، ستُدركونَ جَيِّدًا كيفَ كانوا يَشعرونَ بخصوصِ القُربان المُقَدَّس. فهذه عقيدة، يا أصدقائي. فعندما يَقولُ مَجمَعُ ترنت شيئًا، فإنَّ الكنيسة تُرَدِّدُهُ. وعندما تَقولُ الكنيسةُ شيئًا، فإنَّهُ مَعصومٌ. لِذا، فإنَّهُ لا يُمكن أن يَتغيَّر. وقد عَقَدَ مَجمَعُ ترنت جَلسَتَهُ الثَّالثة عشرة. وقد استمرَّتِ الجَلساتُ وقتًا طويلاً جِدًّا. فقد عَقَدَ المَجمَعُ هذه الجلسة الثَّالثة عشرة في شهر تشرين الأوَّل/أكتوبر سنة 1551. وقد أصدروا مَرسومًا في تلكَ الجلسةِ الخاصَّة بخصوصِ ما أَسْمُوهُ: "سِرُّ الإفخارستيَّا الأقدَس: القُرْبان المُقَدَّس".
وفي نِهاية المَرسوم، هُناكَ لائحة بالقوانينِ أوِ التَّشريعاتِ. وهذه القوانينُ تُعلِنُ اللَّعناتِ أوِ التَّحريمِ إذْ إنَّ أَقوى شيءٍ يُمكنُهم أنْ يَقوموا بِهِ أو أن يَفعلوهُ هو أنْ يَحْرِموا شخصًا أو أنْ يَلعَنوه. وهذه القوانين تُعلِنُ اللَّعنةَ على الأشخاصِ الَّذينَ يَرفضونَ تَعليمَ المَجمَع. وما يَحدُثُ حينَ تَنظرونَ إلى هذه القوانين هو أنَّها تُقَدِّمُ تَعريفات قصيرة ومُقتَضَبَة عن عقيدَتِهم. وأريدُ أن أقرأَ لكم بعضًا منها، ولا سِيَّما تلكَ المُختصَّة بالقُربانِ المُقَدَّس، أو ما يُسَمُّونَهُ بالإفخارستيَّا:
القانونُ الأوَّلُ (في العقيدةِ المُختصَّة بِأقدسِ سِرٍّ وَهُوَ: الإفخارستيَّا)، القانون الأوَّل: "إذا قالَ أحدٌ إنَّهُ في سِرِّ الإفخارستيَّا المُقَدَّس لا يوجد في الحقيقة والواقع جَوهريًّا جَسَدُ سَيِّدِنا يَسوعَ المسيحِ ودَمُه، وفي الوقتِ نَفسِهِ لاهوتُهُ، أيِ المسيحُ كُلُّهُ، بل قال إنَّها لا تُوجَد إلَّا رَمزيًّا وصُوَرِيًّا أو بالقُوَّة: فليَكُنْ مَحرومًا". فقد أَعلنوا اللَّعنة على أيِّ شخصٍ يَقول إنَّ المسيحَ لا يُوجد في الحقيقةِ [في جَسَدِهِ وَدَمِهِ وَنَفسِهِ وَلاهوتِهِ] في الخَمْرِ والخَبْز.
القانونُ الثَّاني: "إذا قالَ أحدٌ إنَّهُ في سِرِّ الإفخارستيَّا المُقَدَّس فإنَّ جَوهرَ الخُبزِ والخَمر يَبقيان معَ جَسَدِ سَيِّدِنا يَسوعَ المسيحِ ودَمِه [أيْ أنَّهُما يَبقيان كِلاهُما هُناكَ]، وأَنكَرَ هذا التَّحَوُّلَ العجيبَ والفريدَ لِكُلِّ جَوهرِ الخُبزِ إلى جَسدِه، ولِكُلِّ جَوهَرِ الخَمْرِ إلى دَمِه، فيما يَلْبَثُ شَكْلاَ الخُبزِ والخَمر، هذا التَّحَوُّلُ الذي تَدعوهُ الكنيسةُ [الكاثوليكيَّةُ] على وَجْهٍ مُوافِقٍ جِدًّا، تَحُوُّلاً جَوهريًّا: فليَكُن مَحرومًا". بعبارة أخرى، إنْ قُلتَ إنَّ جَسَدَ المسيحِ، ودَّمَهُ، ونَفسَهُ، ولاهوتَهُ ليست حَالَّة في الخَمرِ والخُبر، فإنَّكَ تَكونُ مَلعونًا. وإنْ قُلتَ إنَّهُ يَحِلُّ فقط في الخُبزِ والخَمر، تَكونُ أيضًا مَلعونًا. فيجب أن تقولَ إنَّهُ يَحِلُّ فيهِما، ولكِنَّ الخُبزَ والخَمرَ ليسا هُناكَ، معَ أنَّهُ يَظهَرُ أنَّهُما هُناكَ. وهذه خُزَعبلاتٌ صُوفيَّة وَبِدعة بِكُلِّ تأكيد.
القانونُ الثَّامِن: "إذا قالَ أحدٌ إنَّ المسيحَ المُقُدَّمَ في الإفخارستيَّا يُؤكَلُ رُوحيًّا فقط لا سِرِّيًّا ولا حقيقيًّا أيضًا: فَليكُن مَحرومًا". وهذا يعني أنَّكَ إذا قُلتَ إنَّكَ حينَ تأخُذُ الخُبزَ، أو تَأخُذُ القُربانَ (كَما يُسَمِّونَهُ) إذْ إنَّ الخُبْزَ هو الشَّيءُ الوحيدُ الَّذي يُقَدَّمُ إلى الشَّخصِ الَّذي يَتَناوَل؛ إنْ قُلتَ إنَّ المسيحَ حَاضِرٌ فقط رُوحيًّا وليسَ طَقسيًّا وَلا حَقيقيًّا، تَكونُ مَحرومًا.
وبعدَ إحدى عَشْرَةَ سنة (أي في سنة 1562)، انعَقَدَتِ الجَلسةُ الثَّانية والعِشرون لِمَجمعِ ترنت. وفي هذه المَرَّة، سُمِّيَ المَرسومُ الصَّادِرُ بِعُنوان: "العَقيدةُ المُختصَّة بذبيحةِ القُدَّاس". وَمِنَ المُهِمِّ أنْ تَعلموا هذا الأمر. لِذا، اسمَحوا لي وَحَسْب أن أَقرأَ ما جاءَ في الفَقْرةِ الثَّانيةِ مِن هذا المَرسوم: "بِما أنَّ في هذه الذبيحة الإلهية التي تَتِمُّ في القُدَّاس، المسيحُ نَفسُهُ مَوجودٌ ومَذبوحٌ بطريقةٍ غير دَمويَّة، هُوَ الَّذي قَدَّم ذاتَهُ دُفعةً واحدةً بطريقةٍ دَمَويَّة على مَذبحِ الصَّليب، فالمَجمَعُ المُقَدَّسُ يُعَلِّمُ أنَّ هذه الذبيحةَ هي ذبيحةٌ كَفَّارِيَّة في الحقيقة، وأنّنا إذا اقترَبْنا إلى اللهِ بقلبٍ صادقٍ وإيمانٍ مُستقيم، وخَشيةٍ واحترام، ونَدامةٍ وتَوبة، نَنالُ بها رَحمةً، ونَجِدُ نِعمةً عَونًا في حِينِهِ". بِعبارة أخرى، القُرْبانُ هُوَ حَقًّا المَسيح. فَهُوَ ذَبيحة مَقَدَّمة على مَذبحٍ حَقيقيٍّ مِنْ قِبَلِ كَاهِنٍ حقيقيٍّ؛ على غِرارِ ما كانَ الكَهَنَةُ في العهدِ القديم يَفعلونَهُ إذْ يُقَدِّمونَ حَيَوانًا على المَذبحِ ذَبيحَةً. والفَرْقُ الوحيدُ هو التَّالي: أنَّها ذَبيحة غير دَمَويَّة. وبالرَّغمِ مِن ذلكَ فإنَّ المسيحَ يُضَحَّى بِهِ، أو يُقَدَّم، أو يُبْذَل. ونتيجة لذلك، فإنَّ الكَفَّارةَ تَتحقَّق، والاسترضاءَ الحَقيقيَّ عنِ الخطيَّة يَتحقَّق.
ثُمَّ يَمضي مَجْمَعُ ترنت قائلاً: "فالضَّحِيَّةُ واحدة، وهي نَفسُها". أيْ أنَّ المسيحَ هو الضَّحيَّة كما كانَ على الصَّليب "وفي هذا القُربان، فإنَّهُ نَفسُهُ [أيِ المَسيح] يُقَدَّمُ الآن بِوَسَاطةِ الكهنة هُوَ هُوَ الَّذي قَدَّمَ نَفسَهُ على الصَّليب". لِذا، فإنَّ هُناكَ عَشرات الآلافِ، بل مَلايينَ المَلايينِ مِنْ ذَبائحِ المسيحِ التي يُقَدِّمُها الكَهَنة. وهو نَفسُ المسيحِ ... المَسيحِ الفِعلِيِّ، وَالمسيحِ الحَقيقيِّ. فَهُوَ ليسَ مَسيحًا رُوحيًّا، بلِ المسيحُ الحقيقيُّ: في جَسَدِهِ، وَدَمِهِ، ورُوحِهِ، وَلاهوتِهِ. وَهي ذَبيحة كَفَّارية. ذَبيحة كَفَّاريَّة. وَيَمضي مَجْمَعُ ترنت قائلاً: "وَمِنَ المَفهومِ تَمامًا أنَّها ذبيحة غير دَمويَّة، ولكنَّها بالرَّغمِ مِن ذلكَ تَبقى ذبيحة كاملة. وهي مُقَدَّمة بِحَقّ عنِ الخطايا، والعُقوباتِ والاسترضاءاتِ والضَّروراتِ الأخرى للمؤمنينَ الأحياء، ولكن أيضًا لِلَّذينَ رَقَدوا في المسيحِ أيضًا ولم يَتَطَهَّروا تَطَهُّرًا كامِلاً". وأينَ هُمْ هؤلاء؟ في المَطْهَر. لِذا، فإنَّ هذه كَفَّارة عنِ الأحياءِ وعنِ الأموات. وفي نِهايةِ ذلكَ المَرسوم الذي صَدَرَ بعدَ إحدى عَشْرَةَ سنة، هناكَ العديدُ مِنَ القوانينِ الأخرى، والعديدُ مِنَ اللَّعَناتِ الأخرى على الأشخاصِ الَّذين يُنكِرونَ ذلك.
القانونُ الأوَّل: "إذا قالَ أحدٌ إنَّ القُدَّاسَ لا تُقَدَّمُ فيه للهِ ذَبيحة حَقيقيَّة وأصليَّة، أو إنْ قُدِّمَتْ فَلا تعني سِوى أنَّ المسيحَ قد أُعطِيَ لنا غِذاءً: فليَكُن مَحرومًا". فإنْ قُلتَ إنَّكَ تأكُلُ المسيحَ، أيْ تأكُلُ حَرفيًّا جَسَدَهُ ودَمَهُ وروحَهُ ولاهوتَهُ، ولكنَّها ليست ذبيحة، تَكونُ مَلعونًا.
القانونُ الثَّاني: "إذا قالَ أحدٌ إنَّ المسيحَ، بِقولِهِ ’اصْنَعوا هذا لِذِكْري‘ لَمْ يُعَيِّن الرُّسُلَ ليكونوا كَهَنَة، وَإنَّهُ لَمْ يَرْسِمْهُم ولم يَرْسِم الكَهَنة الآخرينَ لتقديمِ جَسَدهُ ودَمهُ: فليَكُن مَحرومًا". فإنْ قُلتَ إنَّ المسيحَ قالَ فقط "اصنَعوا هذا لِذِكري" مِنْ دون أنْ يُعَيِّنْ كَهَنةَ الكنيسة الكاثوليكيَّة، تَكونُ مَلعونًا.
القانونُ الثَّالث: "إذا قال أحدٌ إنَّ ذَبيحةَ القُدَّاسِ ليست سِوى ذبيحة حَمْدٍ وشُكْرٍ، أو مُجَرَّدَ ذِكرى للذَّبيحة الَّتي تَمَّت على الصَّليب، لا ذبيحةَ كَفَّاريَّة..." [أيْ أنَّها ليست فَعَّالة، وليست ذبيحة حقيقيَّة يَقبَلُها اللهُ لِغُفرانِ الخطيَّة؛ فإنْ قُلتَ إنَّها أَقَلُّ شَأنًا مِن ذلك] "...أو إنَّها لا تُفيدُ إلَّا مَنْ يَتناوَلُها، ولا ينبغي تقديمُها لأجلِ الأحياءِ والأموات..." [أي إنَّها مُتاحة فقط للشَّخصِ الحاضِرِ الذي يَحصُل عليها، ولكِنْ ليسَ لأيِّ أُناسٍ أحياء أو أُناسٍ أموات آخرين ليسوا حَاضِرين "...ولا مِن أجلِ الخطايا، والعقوباتِ، والتَّكفيرِ، والضَّروراتِ الأخرى: فليَكُن مَحرومًا". فإنْ قُلتَ إنَّ القُربانَ المُقَدَّسَ لا يُكَفِّر عن خطايا الأحياءِ، وَلا عن خطايا الأمواتِ غيرِ الحاضِرين، تَكونُ مَلعونًا.
القانونُ الرَّابع: إذا قالَ أحدٌ إنَّهُ بِذبيحةِ القُدَّاسِ يُجَدَّفُ على ذبيحةِ المسيحِ المُقَدَّسَة المُقَدَّمة على الصَّليب، فليَكُن مَحرومًا". لِذا فإنَّنا جَميعًا مَحرومون. فإنْ قُلتَ إنَّ هذهِ الذَّبيحة هي تَجديفٌ على ذبيحةِ المسيحِ المُقدَّسة، تَكونُ مُجَدِّفًا ومَلعُونًا.
القانونُ الخامس: "إذا قالَ أحَدٌ إنَّهُ مِنَ المُنْكَرِ أنْ يُقامَ القُدَّاسُ إكرامًا لِلقِدِّيسينَ وَلِطَلَبِ شَفاعَتِهم عند اللهِ: فليَكُن مَحرومًا". فالقَداديسُ تُقامُ كَنوعٍ مِنَ التَّقدمةِ للقِدِّيسينَ الأموات مِنْ أجلِ الطَّلبِ مِنَ القِدِّيسينَ الأمواتِ أنْ يَشفعوا فينا (أحياءً كُنَّا أَمْ أمواتًا). ولكي يَضْمَنوا أنَّكُم لن تفْلتوا مِنَ العِقاب فإنَّهُم يَقولون: "إنْ قالَ أحدٌ إنَّ قانونَ القُدَّاسِ يَحوي أخطاءً: لِيَكُن مَحرومًا".
وما أعنيه هو، لقد صَبُّوا اللَّعنةَ عليكُم بِكُلِّ طَريقةٍ مُمكِنَة. فلا يوجد مَهْرَب. والآن، هل تَفهمونَ لماذا نَرى الرُّومَ الكاثوليك مُستعبَدينَ لهذا النِّظام؟ لأنَّهُ مُمتلئٌ باللَّعناتِ ولا يوجد مَهرَبٌ مِنه.
وكيفَ يُمكِنُنا أنْ نُلَخِّصَ ذلك؟ هُناكَ بِضع نِقاط: أوَّلاً، يَسوعُ المسيحُ (وهذا هو اللَّاهوتُ الكاثوليكيُّ الرُّومانيُّ) عنِ القُربانِ المُقَدَّسِ بحسب ما جاءَ في مَجْمَعِ ترنت. فهذه هي الخُلاصة: أوَّلاً، يسوعُ المسيحُ حَاضِرٌ بِصورة فِعليَّة وحقيقيَّة وجوهريَّة في هذا القُربان بعدَ النُّطْقِ بكلماتِ التَّقديس. فهذا لا يَحدُثُ إلَّا بعدَ النُّطْقِ بكلماتِ التَّقديس. ثانيًا، التَّحَوُّلُ الجَوهريُّ. وهو يَعني ببساطة تَحويل المادَّة. فهو يَبتدئ خَمْرًا وخُبْزًا (أيْ مَادَّةً)، ولكنَّ تَحويلَ تلك المادَّة إلى جسدِ وَدَمِ المسيحِ الحَقيقيَّيْنِ هو مَعنى ذلكَ التَّحَوُّل الجَوهريّ. والتَّحوُّلُ الجَوهريُّ (في المَقامِ الثَّاني) يَقتضي تَغَيُّر مَادَّةِ الخُبْزِ كُلِّها إلى جَوهَرِ جَسَدِ المسيح، وَتَغيُّر مَادَّةِ الخَمرِ كُلِّها إلى جَوهَرِ دَمِ المسيح. فَهُوَ تَحَوُّلٌ حقيقيٌّ وفِعليٌّ؛ مَعَ أنَّهُ يَبدو أنَّهُ ما يَزالُ خُبْزًا وخَمْرًا. ثالثًا، حيثُ إنَّ المسيحَ حَاضِرٌ حَقًّا في الإفخارستيَّا، فإنَّ العَناصِرَ نَفسَها تَستحقُّ العِبادة. فهي تَستحقُّ العِبادة.
هل تَعرفونَ أنَّهُ عندما يَذهبُ الكاثوليكيُّ إلى القُدَّاسِ ويَقِفُ أمامَ ذلكَ الصُّندوقِ الصَّغيرِ الَّذي تُوضَعُ فيهِ البِرْشاناتُ والخَمْرُ فإنَّهُ يَسْجُد؟ وقد كنتُ أستمعُ ذاتَ ليلة إلى القناة الكاثوليكيَّة عندما كنتُ في "لويفيل" (Louisville)، وكانَ هناكَ كاهِنٌ. وقد استمعتُ مُدَّةً لا تَقِلُّ عن ساعة لأنَّهُ كانَ يَتحدَّثُ عنِ القُدَّاس. وقد كُنتُ أُراجِعُ الحقائقَ الَّتي أعرِفُها. وَإنَّهُ لأمرٌ مُدهشٌ كيفَ أنَّ اللهَ يَضَعُ أمامي أمورًا مُعَيَّنةً عندما أُحَضِّرُ عن موضوعٍ مُعَيَّن. وما أعنيه هو أنَّني كُنتُ في برنامج "لاري كينغ" في الأسبوعِ الماضي معَ سِتَّةِ كَهَنة. وقد كنتُ أتحقَّقُ مِنْ كُلِّ الحقائقِ الَّتي أعرِفُها. ثُمَّ إنَّني ذَهبتُ إلى هناكَ فقالَ ذلكَ الشَّخصُ: "يُمكننا أنْ نُمَيِّزَ دائمًا..." وهذا كَلامُ الكَاهِن: "يُمكننا أن نُمَيِّزَ دائمًا عِبادةَ المسيحيِّ الحقيقيِّ مِن خلالِ سُلوكِهِ؛ ولا سِيَّما إن كانَ يَحْني رأسَهُ ويَجثو أمامَ القُربانِ المُقدَّس". فهذا هو تمامًا ما يُعَلِّمونَهُ.
رابعًا: إنَّ ذبيحةَ القُدَّاسِ تُدعَى بِحَقّ كَفَّاريَّة لأنَّها تُؤدِّي إلى غُفرانٍ حقيقيٍّ للخطيَّة. خامسًا: مِنْ خِلالِ تأسيسِ القُربانِ المُقَدَّسِ في عشاءِ الرَّبِّ [فَهُمْ يَظُنُّونَ أنَّ المسيحَ أَسَّسَ القُدَّاس] فأنَّهُ قَدَّمَ جَسَدَهُ ودَمَهُ إلى الآبِ مِنْ خِلالِ رَمْزَيِّ الخُبْزِ والخَمْر. وبقيامِهِ بذلك، فقد عَيَّنَ الرُّسُلَ ليكونوا أوَّلَ كَهَنة. سادسًا: ذَبيحةُ القُدَّاسِ تُقَدَّم تقديمًا لائقًا عنِ الخطايا، والعقوباتِ، والاسترضاءاتِ والضَّروراتِ الأخرى؛ لا فقط عنِ الأحياء، بل أيضًا عنِ الأموات. وأخيرًا، أيُّ شخصٍ يُنكِرُ أيَّ شَيءٍ مِن هذا يَكونُ مَلعونًا.
والآن، قد تَقول: "حسنًا! ولكِنَّ هذا حَدَثَ مُنذُ وقتٍ طويل. فأنتَ تَتحدَّثُ هنا عنِ القَرنِ السَّادس عَشَر. فهل ما يزالُ هذا هو تَعليم الكنيسة؟" مِنَ المؤكَّدِ أنَّ هذا ما يَزال تَعليم الكنيسة. افتحوا أيَّ كِتابِ تَعليمٍ كاثوليكيّ، أو اقرأوا لأيِّ كاتبٍ كاثوليكيّ ... أيِّ كاتبٍ مُعاصِرٍ عنِ الكاثوليكيَّة (مِثل "كارل كيتينغ" [Karl Keating] أو أيَّ شخصٍ آخر) فَتَجِدونَ الشَّيءَ نَفسَهُ. فتعليم مَجْمَع ترنت يَبقى الموقفَ العَقيديَّ الرَّسميَّ للكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة. وَمِنَ المُدهشِ أنَّهُ توجد في كِتابِ تَعليمِ الكنيسة الكاثوليكيَّة تِسْعُ فَقْراتٍ مُخَصَّصة لموضوع التَّبرير؛ في حين أنَّه توجد 84 فَقْرة مُخَصَّصة لموضوع القُدَّاس، و 14 فَقرة تَلخيصيَّة. وفي التَّعليمِ الحاليِّ للكنيسة الكاثوليكيَّة، يُذكَر مَجْمَع ترنت بالاسم، وَيَتِمُّ الاقتباسُ مِنْ مَجْمَع ترنت كَمَرجِعٍ رَسميٍّ، وَيَتِمُّ تَقدي عَقائِدهُ بِوُضوحٍ على أنَّها تَعليمُ الكنيسة.
وفيما يَلي فَقْرَة واحدة مِنْ كِتابِ التَّعليم: "ذَبيحةُ المسيح وذَبيحةُ الإفخارستيَّا هُما ذبيحة واحدة. فالضَّحيَّة هي نَفسُها وواحدة. والَّذي يُقَرِّبُ الآنَ ذاتَهُ مِنْ خِلالِ خِدمةِ الكَهَنة هُوَ نَفسُهُ الَّذي قَرَّبَ ذاتَهُ على الصَّليب؛ ولكِنَّ طَريقةَ التَّقريبِ فقط هي الَّتي تَختَلِف. ففي هذه الذَّبيحة الإلهيَّة الَّتي يُحتَفَلُ بها في القُدَّاس، فإنَّ المسيحَ نَفسَهُ الَّذي قَدَّمَ نَفسَهُ ذاتَ مَرَّة على مَذبحِ الصَّليب مُقَرَّب بطريقة غير دَمويَّة" [مِرارًا]. وقد أَضَفْتُ الكلمة "مِراراً" للتَّوضيح.
فاللَّاهوتُ الكاثوليكيُّ الرُّومانِيُّ يَقول إنَّ القُدَّاسَ ليسَ ... ليسَ ... ما الكلمة الصَّحيحة؟ ليسَ إعادة تَفعيل دراميَّة. فهو ليسَ مَسْرَحًا. فاللَّاهوتُ الكاثوليكيُّ الرُّومانيُّ يَقولُ إنَّهُ ليسَ ذِكرى، وإنَّهُ ليسَ احتفالاً. فهو ليسَ ذِكرى، بل هو ذبيحة حقيقيَّة تَعملُ على استمراريَّةِ ذبيحةِ المسيحِ الأبديَّة ... الضَّحيَّة الأبديَّة. فهي ليست ذبيحة مُنفصِلَة، بل هي نفسُ الذَّبيحة إذْ إنَّ الصَّليبَ يُقَدَّمُ باستمرار المَرَّة تِلْوَ المَرَّة، تِلو المَرَّة، تِلو المَرَّة، تِلو المَرَّة. وهذا، في الحقيقة، دَمْجٌ للذَّبائحِ الوثنيَّة الَّتي نَجَحَتْ في اختِراقِ المسيحيَّة في وقتٍ باكِرٍ جِدًّا جِدًّا. والعِبادة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة الحقيقيَّة تُقاسُ بما إذا كُنتَ تَسْجُدُ وَتَرسُمُ عَلامةَ الصَّليب عندما تَرى القُربانَ المُقدَّسَ. وَكِتابُ التَّعليمِ الكاثوليكيِّ الرُّومانيِّ يَقتبسُ مِنَ المَجمعِ الفاتيكانيِّ الثَّاني (Vatican II). والمَجمعُ الفاتيكانيُّ الثَّاني يَقول: "كُلُّ مَرَّة تُقامُ على المَذبحِ ذبيحةُ الصَّليبِ الَّتي ذُبِحَ فيها المَسيحُ فِصْحُنا، فإنَّ عَمَلَ فِدائِنا يَتِمُّ هُناك. فهي ذبيحة فدائيَّة كما هو الصَّليب". ما هذه الفَوضَى العَارِمَة وهذا التَّخَبُّط!
لِذا، إلى أينَ تَنظرونَ لأجلِ خَلاصِكُم؟ إلى أيِّ ذَبيحة؟ إلى تلكَ الَّتي حَصلتُم عليها اليوم؟ أو يومَ أمس؟ أو تلكَ الَّتي ستحصُلونَ عليها لاحقًا؟ إذًا، لا عَجَبَ أنَّهُ لا يوجد في الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة شيء يُسَمَّى "يَقين الخَلاص". فكيفَ يُمكِنُكَ أنْ تَعلَم ذلك؟ واسمَحوا لي أنْ أُلَخِّصَ مَا قُلت. فقد كنتُ أتحدَّثُ إلى "آر. سي. سبرول" (R.C. Sproul) في هذا الأسبوع عندما كُنتُ في "لويفيل"، وقد كُنَّا نَتحدَّثُ عنِ الكاثوليكيَّة. فهي الخَلفيَّةُ الَّتي جاءَ مِنها. وقد قال: "ما يُدهشُني حقًّا بخصوصِ الكاثوليكيَّة هو الآتي: إذا لم تَكُنْ نِيَّةُ الكاهِنِ صَافِيَة عندما يُقيمُ القُدَّاسَ، فإنَّ القُدَّاسَ لا يكونُ مَقبولاً". عَجَبًا! فالطَّريقةُ الوحيدُ لِجَعلِ القُدَّاسِ مَقبولاً هو أنْ تكونَ نِيَّةُ الكاهِنِ صَافِيَة. ولكِنَّ العُثورَ على كَاهِنٍ صَافي النِّيَّة ليسَ أمرًا سَهلاً. وماذا لو كانَ فاسِدًا أخلاقيًّا؟ وماذا لو كانَ يَعتدي على الأطفال؟ وماذا لو كانَ مِثليًّا جِنسيًّا؟ هل هذا يُبْطِلُ كُلَّ شيءٍ يَفعَلُه؟ وما مَعنى النِّيَّة الصَّافِيَة بالتَّحديد؟
استَمِعوا إلى "لودويغ أوت" (Ludwig Ott)، وَهُوَ اللَّاهوتي الكاثوليكيُّ الرُّومانيُّ المُفَضَّل لَديَّ لأنَّني أستطيعُ العُثورَ على كُلِّ ما أبحثُ عنهُ في ذلكَ الكِتابِ المُنفَرِد. وإليكُم ما كَتَبَهُ "أوت": "إنَّ ذبيحةَ القُدَّاس تُؤثِّرُ في غُفرانِ العُقوباتِ المُؤقَّتةِ عنِ الخطايا الَّتي تَبقى موجودة بعدَ غُفرانِ ذَنْبِ الخطايا والعِقابِ الأبديِّ، والتي تُغْفَر لا فقط مِنْ خِلالِ إسباغِ نِعمةِ التَّوبة، بل تُغفر أيضًا مُباشرةً لأنَّ كَفَّارةَ يسوعَ المسيح مُقَدَّمة كَبَديل عن أعمالِ تَكفيرِنا ولأجلِ آلامِ نُفوسِنا المِسكينة. أمَّا مِقدارُ عُقوباتِ الخطايا المَغفورة فإنَّهُ يُحْسَبُ..." [إذًا، سوفَ تَنالُ الغُفرانَ على خطاياك، ولكِنَّ ذلكَ الغُفران] "...يُحْسَبُ في حالةِ الأحياءِ وَفْقًا لمُستوى الكَمالِ الموجودِ في حِسابِهم. وفي حالةِ النُّفوسِ المُعَذَّبة، فإنَّ طريقة عَمَلِ ذبيحةِ القُدَّاسِ تَتِمُّ مِن خِلالِ الشَّفاعة لأنَّهُم في حالةِ النِّعْمَة ولا يواجهونَ أيَّة عَوائق. فاللَّاهوتِيُّونَ يُعَلِّمونَ عَادَةً أنَّ جُزءًا مِنْ عِقابِ خطاياهم على الأقل سَيُمحَى دُونَ شَكٍّ".
والآن، هُناكَ لا فقط نِيَّة الكاهِن، بل هُناكَ أيضًا طَبيعة مَوقِفِ الشَّخص. فالكاتِبُ يَقولُ في الصَّفحةِ نَفسِها: "حيثُ إنَّ ذَبيحةَ القُدَّاسِ هي ذبيحة كَفَّاريَّة واستِرضائيَّة، فإنَّها تَمتلك قيمة خارجيَّة مَحدودة لأنَّ عَمَلِيَّتَيّ التَّكفيرِ والاسترضاءِ تُشيرانِ إلى أُناسٍ يُمكِنُهُم، بِوَصْفِهم بَشَرًا، أنْ يَحصُلوا على أشياء مَحدودة فقط. وهذا يُفَسِّرُ سَبَبَ مَا تَقومُ بِهِ الكنيسة حينَ تُقَدِّمُ ذَبيحةَ القُدَّاسِ المُقدَّسة مِرارًا للغايةِ نَفسِها".
وما المقصودُ بهذا كُلِّه؟ إنَّهُ كُلَّهُ يَقولُ الآتي: لا يُمكننا أن نَتَيَقَّنَ مِنْ نِيَّةِ الكاهِن. كذلك، لا يُمكننا أن نَتيقَّنَ مِنْ نِيَّةِ الشَّخصِ الَّذي يُقَدَّم إليهِ القُربان. وحيثُ إنَّنا لا نستطيعُ أنْ نَتيقَّنَ مِن ذلك، فإنَّ لدينا مَحدوديَّات بَشريَّة في القُدَّاس. وحيثُ إنَّ الكاهِنَ قد لا يَكونُ صَافي النِّيَّة، وإنَّ الشَّخصَ المُتناوِل قد لا يَكونُ صَافي النِّيَّة، فإنَّ ذبيحةَ القُدَّاسِ قد لا تُفيدُ كثيرًا. لِذا فإنَّهُم يُبْقُونَ هذه الاحتماليَّة الضَّئيلة في أنَّهُ لا بُدَّ مِنْ وُجودِ فائدة محدودة. والحقيقةُ هي أنَّ جُزءًا مِن عِقابِهم ينبغي أنْ يُمحى بِكُلِّ تأكيد. ويجب عليهم أنْ يُبقوا هذه الاحتماليَّة موجودة. لماذا؟ لأنَّهُ يجب عليكَ أنْ تَدفَعَ مُقابِلَ الحُصولِ على القُربان.
أجل! يجب عليكَ أنْ تَدفع. فهكذا تَمتلئُ صَناديقُ الكنيسةِ الكاثوليكيَّة. فأنتَ تَدفعُ للاشتراكِ في القُدَّاس. وهُناكَ قُدَّاسات غير مُكْلِفَة وقُدَّاسات مُكلِفَة جِدًّا يُقَدِّمُها أُسقُفٌ أو كاردينال. وهُناكَ قُدَّاسُ النَّذْرِ؛ وَهُوَ يُشبِهُ أيَّ أمرٍ عاديٍّ في الحياة. وهُناكَ الجَنَّازُ؛ وَهُوَ قُدَّاسٌ لأجلِ المَوتى. وهذا يُكَلِّفُكَ أكثر. وهُناكَ قُدَّاسُ إكليلٍ خَاصٍّ بالزَّواج. وهذا يُكَلِّفُكَ أكثر. ثُمَّ هُناكَ قُدَّاسٌ خَاصٌّ يُقيمُهُ شخصٌ ذو رُتْبَة عَالية في الكنيسة؛ وهذا يُكَلِّفُكَ أكثر بكثير. والكنيسةُ الكاثوليكيَّة تُقِرُّ بأنَّهُ يُمكِنُ إقامةُ قُدَّاسٍ تِلْوَ قُدَّاسٍ، تِلْوَ قُدَّاسٍ، تِلْوَ قُدَّاسٍ، وبأنَّهُ يُمكنكَ أن تَدفعَ مَبلغًا طائلاً مِنَ المال. ولو لم تَكُن نِيَّةُ الكاهِنِ صَافية، أو لم تَكُن نِيَّةُ الشَّخصِ الَّذي يَشتركُ في القُدَّاسِ صَافية، فإنَّ القُدَّاسَ لن يَكونَ لَهُ أَثَرٌ كبير. ولكِنَّهُم يُسارِعونَ إلى القَول (وأنا أَقتبِس): "ولكِنَّ جُزءًا مِنْ عِقابِهم يُغْفَرُ بِلا أدنى شَكٍّ". لماذا؟ لأنَّ هذه مُشكلة في الحقيقة؛ أيْ أنْ تَجْعَلَ النَّاسَ يَدفعونَ مَالاً مُقابِلَ شيءٍ قد يكونُ عَديمَ القيمة. لِذا، فإنَّهُم يُقْحِمونَ تلكَ القيمة الصَّغيرة المحدودة هُناك لِيَجعلوا النَّاسَ يَأتونَ المَرَّة تِلْوَ المَرَّة، تِلْوَ المَرَّة، تِلْوَ المَرَّة لكي يُراكِمُوا تلكَ القِيَم الصَّغيرة المَحدودة مَعًا.
إنَّ اللَّاهوتَ الكاثوليكيَّ الرُّومانِيَّ يُعَلِّمُ أنَّ الشَّخصَ قد يَشتَرِكُ في ألفِ قُدَّاسٍ، ولكنَّهُ قد يُغادرُ هذه الحياة مِن دونِ أنْ يَتطَهَّرَ تمامًا، وأنْ يَذهبَ إلى المَطْهَرَ، وأنْ يُقامَ ألفُ قُدَّاسٍ آخر لأجلِه مِن دونِ أنْ يَتطهَّرَ تمامًا لأنَّ موقفهم ليسَ طاهرًا، ولأنَّ مَوقفَ الكاهِنِ ليسَ طاهرًا أيضًا. ويا لَهُ مِنْ فَخٍّ مُريع! فهو فَخٌّ مُريعٌ بِكُلِّ تأكيد. وهي خُزَعبلاتٌ مَصدَرُها جَهَنَّم كي تأسُرَ نُفوسَ النَّاسِ.
والآنْ، لِكَيْ تُقيمَ قُدَّاسًا، ينبغي أنْ يكونَ هُناكَ كَاهِن. فلا يُمكنكَ أنْ تُقيمَ قُدَّاسًا مِن دونِ كاهِن. لِذا فإنَّ نَقْصَ الكَهَنَة مُشكلة كبيرة ... مُشكلة كبيرة! وأودُّ أنْ أَصْحَبَكُم إلى قُدَّاسٍ قليلاً هُنا. فالأمرُ يَجري على النَّحوِ التَّالي. فهذا هو ما يَقولُهُ "بيتنر" (Boettner) الَّذي كَتَبَ كِتابًا كلاسيكيًّا بِعُنوان: "الكاثوليكيَّة الرُّومانِيَّة" (Roman Catholicism). وسوفَ يُعجِبُكُم هذا. ابْقَوْا مَعي: "الخُبْزُ [الَّذي يُصْنَعُ في شَكْلِ بِرْشانات رَقيقة دَائريَّة يُمكن تَقديس المِئات مِنها في الوقتِ نفسِه] يُوضَع في طَبَقٍ ذَهَبِيّ. والخَمرُ في كأسٍ ذهبيَّة. ثُمَّ إنَّ ما يُفْتَرَض أنَّهُ جَسَدُ المَسيحِ وَدَمُه يُرفَعان أمامَ المَذبحِ بأيدي الكَهَنة ويُقَدَّمان للهِ عن خطايا كُلٍّ مِنَ الأحياءِ والأموات". وبالمُناسبة، فإنَّ النَّاسَ ليسوا أكثرَ مِنْ مُتَفَرِّجين. فَهُم لا يُرَنِّمونَ، ولا يَتكلَّمونَ، ولا يُصَلُّونَ، ولا يَفعلونَ أيَّ شيء. والطَّقْسُ صَارِمٌ جِدًّا ويُقامُ بطريقة آليَّة. ويجب تَدريب الكَهَنة على القيام بذلك. ويجب عليكَ أنْ تَمتلكَ ذاكرةً جَيِّدة لكي تَكونَ كَاهِنًا. فهُناكَ تَفاصيل كثيرة.
"وبعدَ القيامِ بذلك، أيْ بعدَ أنْ يَرفعَ الخُبْزَ والكأسَ إلى أعلى، فإنَّ الكاهِنَ يَتناوَلُ بِرْشانَةً كبيرة، ثُمَّ إنَّهُ يَشربُ الخَمْرَ نِيابةً عنِ الرَّعيَّةِ كُلِّها". فَهُمْ لا يَشربونَ الخَمْر. فَتَقليديًّا، إنَّهُم لا يَشربونَهُ. ورُبَّما توجدُ استثناءات لذلك. "ثُمَّ إنَّ العِلْمَانِيِّينَ يَتقدَّمونَ إلى الجُزءِ الأماميِّ مِنَ الكنيسة..." [وقد شاهَدَ بَعضٌ منكم ذلك. وقد اشتركَ بعضٌ منكم في ذلك] "...وَيرْكَعونَ أمامَ حَاجِزٍ خَشَبِيٍّ، ويُغمِضونَ أعيُنَهم، ويُنْزِلونَ فَكَّهُمْ إلى أسفل في وَضعيَّةِ فَتْحِ الفَمِ حيثُ يَضَعُ الكاهِنُ بِرْشَانَة صَغيرة في أفواهِهِم". والسَّببُ في أنَّ البِرشانة لا تَنْتَقِلُ مِنْ يَدَيِّ الكاهِنِ إلى أَيْدي المُتناوِلينَ هو (ببساطة) أنَّ هَذَيْنِ هُما جَسَدُ المسيحِ وَدَمُهُ الكامِلان. وَهُمْ لا يُريدونَ أنْ تَقَعَ تلكَ البِرْشانَة على الأرض، ولا يُريدونَ أنْ يَلْمَسَها النَّاسُ. والكاهِنُ هو الوحيدُ الَّذي يَشربُ الخَمْرَ لأنَّ النَّاسَ قد يَسْكُبونَهُ على الأرضِ فيكونُ الموقِفُ مُريعًا.
وقد كانَ مِنَ المُعْتادِ في التَّقليدِ الكاثوليكيِّ الرُّومانيِّ أنْ تَمتَنِعَ عنِ الطَّعامِ الصُّلْبِ حَتَّى مُنتصفِ اللَّيلِ إنْ كُنْتَ ستَشتركُ في القُدَّاسِ الصَّباحيِّ. وهذا هو السَّببُ في أنَّهُم يُقيمونَ القُدَّاسَ باكِرًا. وهل تَعلمونَ مِنْ أينَ جاءت فِكرةُ القُدَّاسِ في وقتٍ مُبَكِّر؟ لقد جاءت مِن تلك الشَّريعة التَّقليديَّة بأنَّكَ لا تَستطيعُ أن تأكُلَ أيَّ شيءٍ ما بينَ مُنتصفِ اللَّيلِ والقُدَّاس. والنَّاسُ لم يَرغبوا في الانتظارِ إلى السَّاعة التَّاسعة أوِ العاشرة أوِ الحادية عَشرة. لِذا فإنَّهُم يُقيمونَ القُدَّاسَ دائمًا في السَّاعة السَّادسة أوِ الخامسة صَباحًا لأنَّ النَّاسَ جِياعٌ. وَهُمْ ليسوا جِياعًا يَرغبونَ في أكلِ بِرْشانَة، بل هُمْ جِياعٌ يَرغبونَ في تَناوُلِ البِرْشانةِ والذَّهابِ لِتَناوُلِ الفُطور. والسَّببُ في أنَّهُمْ لم يَكونوا يَسمَحونَ لكَ بأنْ تأكُلَ بعدَ مُنتصفِ اللَّيل هو أنَّهُمْ لم يُريدوا أنْ يَمزِجوا المسيحَ بأيِّ شيءٍ آخر. ولكِنَّ هذا الأمرَ قد تَغَيَّر. أنا أَعلمُ ذلك. وأنا أَفهمُ سَخافَةَ ذلك. فقد صارتِ المُدَّة الآنَ ساعة فقط، بِحَسَبِ عِلْمي. ومعّ أنَّ هذا غريب، أَلَمْ يُقِمْ الرَّبُّ العَشاءَ الأخيرَ بعدَ أنْ أَكَلوا وَجبةً كبيرة على مَدى ساعاتٍ؟ فالمسيحُ لم يَعتَرِض على اختلاطِ الخُبْزِ والخَمْرِ بأيِّ شيءٍ آخر أَكَلوه.
ثُمَّ إنَّ الطُّقوسَ تَستمرُّ حَقًّا. وهي تَتَطَلَّبُ الكثيرَ مِنَ التَّدريب. وسوفَ تَفهمونَ السَّبب. حسنًا؟ إليكم ما يَجري: فالكاهِنُ يَرْسِمُ بعدَ ذلكَ عَلامَةَ الصَّليبِ 16 مَرَّة في أثناءِ هذا الطَّقْسِ. وأنا لا أتحدَّثَ عن ذلكَ خُطوةً خُطوة، بل أُلَخِّصُ ذلكَ وَحَسْب. فهو يَرسِمُ علامةَ الصَّليبِ 16 مَرَّة. ويجب عليهِ أن يَلتفتَ إلى الرَّعيَّة سِتَّ مَرَّات، وأنْ يَرفعَ عَينيهِ إلى السَّماءِ إحْدى عَشْرَةَ مَرَّة، وأنْ يُقَبِّلَ المَذبحَ ثَماني مَرَّات، وأنْ يَطْوي يَديهِ أربعَ مَرَّاتٍ، وأنْ يَقرعَ صَدرَهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ، وأنْ يَحني رَأسَهُ إحدى وعِشرينَ مَرَّة، وأنْ يَركَعَ ثَماني مَرَّات، وأنْ يَحني كَتِفَيْهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وأنْ يُبارِكَ المَذبحَ بعلامةِ الصَّليبِ ثلاثينَ مَرَّة، وأنْ يَضَعَ يَدَهُ مُنْبَسِطَةً على المَذبحِ 29 مَرَّة، وأنْ يُصَلِّي بِصَمْتٍ إحْدى عَشْرَةَ مَرَّة، وأنْ يُصَلِّي جَهارًا ثَلاثَ عَشْرَةَ مَرَّة، وأنْ يَحمِلَ الخُبزَ والخَمرَ ويُحَوِّلهُما إلى جَسَدِ المَسيحِ وَدَمِهِ، وأنْ يُغَطِّي وَيَكشِف كأسَ القُربان عَشْرَ مَرَّات، وأنْ يَروحَ وَيَجيءَ عِشرينَ مَرَّة، وأنْ يَقومَ أيضًا بالعَديدِ مِنَ الأعمالِ الأخرى. ولكِنْ ما الَّذي يَفعَلُه؟ "كُلُّ هذا الطَّقْسِ مُصَمَّمٌ (كما يَكتُب "بيتنر") لإعادَةِ تَمثيلِ ما فَعَلَهُ المَسيحُ في العَشاءِ الأخيرِ في العِلِّيَّة، وَما حَدَثَ في البُستان، وما حَدَثَ عندَ خِيانَتِه، وما حَدَثَ في تَجربتِه، وما حَدَثَ عندَ صَلبِه، وعندَ موتِه وقيامَتِه وصُعودِه".
لِذا فإنَّ كُلَّ هذه الحَركاتِ تَجري! فهي شَكْلٌ مِنْ أشكالِ التَّمثيل. وَانحناءاتُهُ ورَكْعاتُهُ تَرْمِزُ إلى المَسيحِ في أَلَمِهِ ومُعاناتِه. وإنْ نَسِيَ الكاهِنُ عُنصرًا واحدًا مِنَ التَّمثيليَّة، فإنَّهُ يَقترِف خطيَّة (بالمَعنى الاصْطِلاحِيِّ) ويُبْطِلُ القُدَّاس. لِذا، يجب عليكَ أنْ تَتدرَّبَ على القيامِ بذلك، وأنْ تمتلكَ ذاكرة جَيِّدة. فَمَنْ يَستطيعُ أنْ يُحْصِي كُلَّ هذه الحَركات؟ وما تَفعَلُهُ هو أنَّكَ تَستمرُّ في تَكرارِ هذه الحَرَكاتِ بصورة مُتكرِّرة إلى أنْ تَحْفَظَها.
وَمِنْ ناحية تاريخيَّة، فإنَّ القُدَّاسَ يُقَال أوْ يُرَتَّل باللَّاتينيَّة الَّتي لا يَفهَمُها أحد. فلا حاجةَ إلى أنْ يَفهَمَها أحد. فالكَهنوتُ، بالمُناسَبة، حَلَّ مَحَلَّ الوَعْظ. والمَذبَحُ حَلَّ مَحَلَّ المِنْبَر. فهذه هي الحالُ في هذه الدِّيانةِ الطَّقسيَّة. ويَقولُ "بيتنر": "مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ هُناكَ الكثيرُ مِنَ الصِّحَّة في ما قالَهُ ’فولتير‘ [Voltaire] بخصوصِ القُدَّاسِ الَّذي كانَ يُقامُ في الكاتدرائيَّاتِ في فرنسا في زَمانِهِ إذْ إنَّهُ وَصَفَهُ بأنَّهُ الأوبرا الجَادَّة الَّتي يَحْضُرُها الفُقراء". وبعدَ عِبادةِ وتَقديسِ القُربان، فإنَّ يَدَيَّ الكاهِنِ المُرتَفِعَتَيْن تَتظاهَرانِ بأنَّهُما تُقَدِّمانِ للهِ جَسَدَ وَدَمَ المَسيحِ الَّذي نَزَلَ كَيْ يُقَدَّمَ ذَبيحةً عنِ الأحياءِ والأموات. ثُمَّ إنَّ الكاهِنَ يَتظاهَرُ بأنَّهُ يأكُلُهُ حَيًّا أمامَ النَّاسِ، ويُعطيهِ أيضًا للنَّاسِ في هَيئةِ خُبْزٍ (في حين أنَّهُ في الحقيقةِ ليسَ خُبْزًا) كَيْ يَأكُلوه.
فعندما يُقَدِّسُ الكاهِنُ الرُّومانيُّ الخُبْزَ، فإنَّهُ يُدعى "قُرْبانًا". وَهُمْ يَعبُدونَهُ كما لو كانَ إلهًا. لِذا فإنَّهُم يَركعون وَيَسجُدون. وأنتُم تَعلمونَ كَما أَعلمُ أنا أنَّ قِطعةَ الخُبْزِ هي ليست سِوى قِطعة خُبز. وإنْ لم تَكُن نَفسُ المسيحِ ولاهوتُهُ حَاضِرَيْن، فإنَّ عِبادَتَها هي وَثنيَّة مَحْضَة. فلا فَرْقَ بينَ ذلكَ وبينَ وَثنيٍّ يَعبُدُ حَجَرًا أو خَشَبَةً أو تِمثالاً أو صَنَمًا.
ويجب عليكم أن تتذكَّروا أنَّ فَعاليَّة ذلكَ كُلِّه، في نِهايةِ المَطافِ، تَتوقَّف على نِيَّةِ الكاهِن. فإنْ لم يَكُنْ صَافي النِّيَّة، فإنَّ القُدَّاسَ باطِلٌ. فَمَجْمَعُ ترنت يَقول: "إنْ قالَ أحدٌ إنَّ النِّيَّة في القِيامِ بِما تَقومُ بِهِ الكنيسةُ على أَقَلِّ تَقدير ليسَ مَطلوبًا مِنَ الخُدَّامِ في أثناءِ مُمارسةِ الأسرارِ وتَقديمِها، لِيَكُنْ مَحرومًا".
وقد قالَ البابا "بيوس الرَّابع" (Pope Pius IV): "إنْ كانَ هُناكَ عَيْبٌ في أيٍّ مِنْ هَذِهِ العَناصِر، ولا سِيَّما في الطَّريقةِ الصَّحيحة، أو في الشَّكلِ والنِّيَّة، أو في رُتْبَةِ الكاهِن الَّذي يُقيمُ القُدَّاس، فإنَّ ذلكَ يُبْطِلُ القُربان". فإنْ فَعلتَ ذلكَ بطريقة خاطئة، أو بِنِيَّة خاطئة، فإنَّ القُدَّاسَ لَاغٍ وباطِل. ويَقولُ الكاردينال "بيلارمين" (Cardinal Bellarmine)، الَّذي كانَ يُعَدُّ واحدًا مِنْ أكثرِ الأشخاصِ نُفوذًا: "لا يَستطيعُ أحدٌ أنْ يَتيقَّنَ بيقينِ الإيمانِ أنَّهُ اشتركَ في قُرْبانٍ حقيقيٍّ إذْ إنَّهُ لا يُمكنُ تأكيدُ أيِّ سِرٍّ مِنْ دونِ التَّيَقُّنِ مِنْ نِيَّةِ الخُدَّام. ولا يُمكِنُ لأيِّ شخصٍ أنْ يَرى نِيَّةَ شخصٍ آخر". وهذا أمرٌ مأساويّ. ولكِنْ بحسبِ ما جاءَ في الرِّسالة البابويَّة "ميدياتور دي" (Mediator Dei)، فإنَّ الكَهَنَة يَفعلونَ ذلكَ مِنْ أجلِ خَلاصِ العالَم إذْ إنَّهُ جاءَ فيها: "إنَّها ذَبيحةُ المَذبحِ حيثُ إنَّ الاستحقاقاتِ الَّتي حَصَلَ عليها الفَادي على الصَّليبِ تُوَزَّعُ على المُؤمِنين". وإنْ حاولتُم أنْ تُحَذِّروا الرُّومَ الكاثوليكَ مِمَّا يَجري، فإنَّهُم موجودونَ في كُلِّ مَكان. وأغلبيَّةُ الأشخاصِ المساكين الَّذينَ يَذهبونَ إلى الكنيسة الكاثوليكيَّة لا يَفْقَهونَ شَيئًا سِوى أنَّ هذا هو المسيحُ، وأنَّهُم يَعبُدونَهُ.
والحقيقةُ هي أنَّ هذا الأمرَ خَطيرٌ جِدًّا. ودعوني أقول شيئًا ما. استمعوا إلى الأُمّ "تريزا" (Mother Teresa)، وسوفَ أَخْتِمُ بهذا. فهذا اقتباسٌ مِنَ الأُمّ تريزا: "مِنَ الجَميلِ أنْ نَرى اتِّضاعَ المسيحِ إذْ إنَّهُ يَرْتَضي أنْ يَبقى في حَالةِ اتِّضِّاعٍ دائمةٍ في بيتِ القُربان..." [وَهُوَ العُلبة الصَّغيرة الَّتي يَضَعونَ فيها الخُبْزَ والخَمْر] "...إذْ إنَّ المسيحَ تَنازَلَ وَصارَ قِطعةً صَغيرةً مِنَ الخُبْزِ حَتَّى إنَّ الكاهِنَ يَستطيعُ أنْ يُمْسِكَ المسيحَ بإصْبَعَيْن". ويَقولُ المَجْمَعُ الفاتيكانيُّ الثَّاني: "يجب أنْ يَلْقَى القُربانُ المُقَدَّس نَفسَ الإكرامِ الَّذي يَستحقُّهُ اللهُ، اللهُ الحَقيقيُّ. فلا يَجوزُ أنْ يَلقى إكْرامًا أَقَلّ". فَما الَّذي يَعبُدونَهُ؟ خُبْزًا!
إنَّ الكنائسَ تُرَوِّجُ لعبادةِ القُربانِ المُقَدَّس. وهناكَ أعيادٌ سَنويَّة إكرامًا للقُربان المُقَدَّس. فهناكَ أعيادٌ خَاصَّة يُكَرِّسُ فيها الرِّجالُ والنِّساءُ أنفُسَهُم للسُّجودِ للقُربان. وهُناكَ مَجموعة مِنَ الرَّاهِباتِ اللَّاتي يُعْرَفْنَ باسم "راهِبات السُّجودِ الدَّائم للقُربان المُقَدَّس". وهُناكَ رَعيَّةُ القُربانِ المُقَدَّسِ الَّذينَ يُوصفونَ بأنَّهُمْ (وأنا أَقتبسُ هُنا): "مُكَرَّسونَ أمامَ القُربانِ المُبارَكِ بالاضطلاعِ الدَّائمِ بمأموريَّةِ الصَّلاةِ والتَّضَرُّع". فَهُمْ يُكَرِّسونَ حَياتَهُم بأسرِها لِعبادةِ قِطعةِ خُبْزٍ مَوضوعة في صُندوق.
والآن، اسمَحوا لي أنْ أَختِمَ بالآتي: أعتقد أنَّني أستطيعُ أنْ أَعثُرَ على الفِكرة. أجل! فسوفَ أَختِمُ بأنْ أَصْحَبَكُم إلى قِصَّةِ شَاهِدِ عِيانٍ مِنَ القَرْنِ الثَّامن عَشَر على احتفالٍ يُسَمَّى "كوربَس كريستي" (Corpus Christi)؛ أيْ: "عِيْد جَسَد المسيح" أو "عِيْدُ القُرْبانِ المُقَدَّس". ولن أَسرُدَ لَكُمْ كُلَّ الأحداث. فهي مُؤلِمَة جِدًّا. ولكِنَّ شَاهِدَ العِيانِ يَقولُ الآتي: "إنَّهُم يَصنعونَ تَماثيلَ خَشبيَّة ضَخمة يَبلُغُ ارتفاعُها خمسةَ عَشَرَ قَدَما، ويُلبِسونَها مَلابسَ مُلَوَّنَة وَفْقًا لِرُتْبَتِها ومَكانَتِها المُتعارَف عليها. ثُمَّ إنَّ جَميعَ رِجالِ الإكليروس مِنَ الأبرشيَّةِ والكنائس ورُهبانِ الأديِرَةِ يُشَكِّلونَ مَوكِبًا. وَهُمْ يَأخُذونَ كُلَّ تَماثيلِ القِدِّيسينَ الفِضِّيَّة الموضوعَة على رَكائِز وقَواعِد في الكنائسِ والأديِرَة ويَجمعونَها مَعًا". إذًا، فقد جَمَعوا كُلَّ تلكَ التَّماثيلِ وكُلَّ تلكَ الأشياء. "ويجب على السُّكَّانِ أنْ يُنَظِّفوا الشَّوارعَ الَّتي سَيَسيرُ فيها مَوكِبُ العِيد، وأنْ يَفرُشُوا الأرضَ بالأعشابِ الخَضراءِ والزُّهور، وأنْ يَضَعُوا أفضلَ التَّعاليقِ على الشُّرُفَاتِ والنَّوافِذِ الأماميَّة". فسوفَ يَمُرُّ مَوْكِبٌ يَحْمِلُ الخُبْزَ. "ثُمَّ إنَّ الأسقُفَ يَرفَعُ صَلاةً أمامَ المَذبحِ الكبير. وتُعْزَفُ المُوسيقا. ويُخْرِجُ الأُسقفُ مِنْ بيتِ القُربانِ الخُبزَ أوِ القُربانَ الموضوعَ فوقَ صَحْنٍ ذَهَبِيٍّ ثَمين وَيَضَعُهُ على خِزانةِ القُربانِ العَظيمَةِ على مائدةِ المَذبح. ويُسبِغُ الأُسقُفُ (بِحُكْمِ مَنْصِبِهِ) نِعْمَتَهُ، ويُبارِك النَّاسَ وَهُوَ يَحْمِلُ القُربانَ بينَ يَديه. ثُمَّ يَقومُ الأُسقفُ، بمُساعَدَةِ مُعاوِنِه، ورئيس الشَّمامسة، والمُرَتِّل، بِوَضْعِ خِزانةِ القُربانِ على مِنَصَّةٍ مُذَهَّبَةٍ رُصِّعَتْ بالزَّهور والمُجوهراتِ الكثيرة الفاخِرَة؛ وهي مِنَصَّة تُحْمَلُ على أكتافِ اثني عَشَرَ كاهِنًا يَرْتَدونَ نَفسَ المَلابسِ الَّتي يُرَدِّدونَ القُدَّاسَ بها. وبعدَ الانتهاءِ مِن ذلك، يَبتدئُ المَوكِبُ بالخُروجِ مِنَ الكنيسةِ بالتَّرتيبِ التَّالي".
والآن، هُناكَ اثنا عَشَرَ شخصًا يَحمِلونَ خِزانةَ القُربان. فَهُمْ يَحْمِلونَ هذا الصُّندوقَ الذَّهبيَّ الَّذي يَعلوهُ هذا الصُّندوق الصَّغير الَّذي يَحوي القُربان. في البداية، يَصْدَحُ المِزمار، وهو نَوعٌ مِنَ الآلاتِ الموسيقيَّة يُعزَفُ عليهِ كالقِرْبَة. ثُمَّ إنَّ التَّماثيلَ الكَبيرةَ والصَّغيرةَ، أيْ تلكَ التَّماثيل الَّتي تَكتسي بملابس مُلَوَّنة، تَجوبُ الشَّوارِعَ وَيَتْبَعُها صَليبٌ فِضِّيٌّ ضَخْمٌ يُحْمَلُ مِنَ الكاتدرائيَّة. ثُمَّ تأتي ثلاثونَ مَجموعة مِنَ الصُّنَّاعِ؛ أصغَرُها تَضُمُّ ثلاثينَ شخصًا. ثُمَّ يأتي فِتْيانُ وفَتياتُ مُستشفى ’بلو‘ (Blue Hospital) مَعَ رَئيسِهم ووصيفَتِهم وكاهِنِ المُستشفى. ثُمَّ إنَّ كُلَّ رِجالِ الدِّينِ يَقودُهُم الفرنسيسكان لأنَّهُم الأصغر سِنًّا. وَكُلُّ رِجالِ الدِّينِ السَّبعين يَرتدونَ نَفسَ الملابسِ الَّتي يَرتدونَها على المَذبح. ويُشارِكُ عِشرونَ دَيْرًا للرُّهْبانِ (أيْ نحو أَلْفَي رَاهِبٍ) في هذه المُناسبة الجَليلة. ويُشارِكُ سِتَّة عَشَرَ دَيْرًا للرَّاهباتِ (أيْ نَحْو 1500 راهبة)، إلى جانبِ 1200 كاهِنٍ مِنَ الأبرشيَّات، و 4700 شخصيَّة كَنَسِيَّة. ويَصِلُ عَدَدُ البقيَّة إلى نَحْوِ 15000 عائلة. إنَّهُ مَوكِبٌ ضَخْمٌ جِدًّا. وَهُمْ يَخرجونَ معًا. وهذا يَحدُثُ في إسبانيا، في بَلدة تُدعى "سرقسطة" (Zaragoza)؛ ولكِنَّ هذهِ الاحتفالاتُ تَتَكَرَّرُ في كُلِّ مَكانٍ آخر. فَهُمْ يَخرجونَ سَيْرًا على الأقدام. وهُناكَ اثنا عَشَرَ كاهِنًا يَحملونَ الخَيمةَ الَّتي يُوضَعُ القُربانُ تَحتَها. ويَقِفُ الأُسقُفُ كَعادَتِهِ (بِحُكْمِ مَنْصِبِهِ الأُسقُفِيِّ) إلى يَمينِ مُساعِدِ الشَّمَّاس، ويَقِفُ النَّائبُ إلى يَمينِ الأُسقُف، ويَقِفُ الشَّماسُّ ونائبُ الشَّمَّاسِ واحِدٌ عنْ يَمينِهِ والآخَرُ عنْ يَسارِه؛ وَهُمْ جَميعًا تحتَ الخَيمة. وَيَقِفُ سِتَّةُ كَهَنَة يَحملونَ البَخورَ والمَباخِر على كِلا جانِبَيِّ خِزانةِ القُربانِ وَيُبَخِّرونَ القُربانَ مِنْ دونِ استراحةٍ أوْ تَوَقُّف. فالأوَّلُ يَركَعُ أمامَ القُربانِ العَظيمِ ويُبَخِّرُهُ ثلاثَ مَرَّاتٍ. والآخَرُ يَضَعُ البَخورَ في المِبْخَرَة. وهذا هو ما يَستمرُّونَ في القِيامِ بِهِ مُنذُ لَحظةِ خُروجِهم مِنَ الكنيسةِ إلى لَحظةِ عَودَتِهم إليها. فَهُناكَ ثَلاثَة يُبَخِّرونَ طَوالَ الوقتِ. فهذا الشَّخصُ يُبَخِّرُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ في حين أنَّ الآخرَ يَضَعُ البَخورَ في المِبْخَرة؛ ثُمَّ إنَّهُمْ يَتبادَلونَ الأدوار.
ثُمَّ إنَّ المُستشارَ الأعلى، والرُّؤساءَ، والمجالسَ يأتونَ بعدَ ذلكَ بِكُلِّ وَقار، رِجالاً ونِساءً يَحملونَ شُموعًا مُشتَعِلَة. ويَستمرُّ المَوكِبُ أربعَ ساعاتٍ مِنْ لحظةِ خُروجِهِ إلى لَحظةِ دُخولهِ إلى الكنيسة مَرَّةً أخرى. وكُلُّ الأجراسِ في الأديرةِ والأبرشيَّاتِ تَقرعُ طَوالَ هذا الوقت. إنَّ أُبَّهَةَ المَوكِبِ مُذهلة. وبهذه الأُبَّهَة، فإنَّهُم يَحملونَ القُربانَ المُقَدَّسَ عَبْرَ الشَّوارعِ الرَّئيسيَّةِ في المدينة، وكُلُّ النَّاسِ الواقِفينَ في الشُّرُفاتِ ووراءَ النَّوافِذِ المُسَيَّجَة يُلقونَ الوُرودَ والزُّهورَ الأخرى على خَيمةِ القُربانِ المُقَدَّسِ أثناءَ عُبورِها. هذا هو عيدُ جَسَدِ المسيح. وهذه هي عِبادَةُ الخُبْز.
وبالمُناسبة، هُناكَ نَهضة في أمريكا اليوم تَختصُّ بالسُّجودِ الدَّائمِ للقُربانِ المُقَدَّس. ففي الكنائسِ الكاثوليكيَّةِ في جَميعِ أنحاءِ أمريكا، تُسَجِّلُ عائلاتُ الأبرشيَّةِ أسماءَها لِحَجْزِ سَاعة أو أكثر كُلَّ أسبوعٍ لِلسُّجودِ أمامَ القُربانِ المُقَدَّس. وَهُمْ يَذهبونَ إلى الكنيسةِ الكاثوليكيَّة ويَجلسونَ هُناكَ مُدَّةَ ساعة لعبادةِ القُربانِ المُقَدَّسِ على مَدارِ السَّاعةِ كُلَّ يوم. وقد أَقَرَّ البابا يُوحنَّا بولسُ الثَّاني بِكُلِّ حَماسَةٍ السُّجودَ الدَّائم. فهذا هو المَقصودُ بذلك؛ الاستمرارُ على مَدارِ السَّاعةِ في عِبادةِ القُربانِ المُقَدَّس. وهُناكَ راهِباتٌ يَفْعَلْنَ ذلكَ طَوالَ الوقت. وهُناكَ أشخاصٌ في الرَّعيَّةِ يَفعلونَ ذلكَ طَوالَ الوقتِ. وفي كُلِّ الكنائسِ الكاثوليكيَّة، هُناكَ أشخاصٌ تُوْكَلُ إليهم مَهَمَّةُ مُراعاةِ استمرارِ ذلكَ على مَدارِ السَّاعة؛ أو في الكثيرِ مِنَ الكنائسِ الكاثوليكيَّة. ولا يُمكِنُكم البَتَّة أنْ تَخْلِطوا بينَ هذهِ الأمورِ والمسيحيَّة. البَتَّة! البَتَّة!
هُناكَ أُمورٌ كثيرة أخرى أرغبُ في قَولِها. وإنْ كُنتُم تَتَعَجَّبونَ مِنْ أينَ جاءت وَما هو سَبَبُ مَجيئِها، سوفَ أُخبرُكم في الأسبوعِ القادِم بعضَ القِصَصِ الَّتي سَتَصْدُمُكم بخصوصِ المَذابحِ الَّتي ارْتُكِبَتْ بِحَقِّ الأشخاصِ الَّذينَ رَفَضوا أنْ يَعبُدوا الخُبْزَ. دَعونا نُصَلِّي:
نحنُ نَجِدُ صُعوبةً في قَبولِ هذهِ الأشياء، يا رَبّ، لأنَّها تُسيءُ جِدًّا إليكَ. ونحنُ نَتَمَنَّى أنْ نَصْنَعَ سَوْطًا وأنْ نُطَهِّرَ المَكان. إنَّها مَغارَةُ لُصوص. إنَّها مَغارَةُ لُصوصٍ لأنَّهُم يَسْلِبونَ النَّاسَ أموالَهُمْ ونُفوسَهُم باسْمِكَ. ولا شَكَّ في أنَّ هذا يُرعِبُ السَّماءَ، ولكِنَّ رُعْبَنا مُخْتَلِطٌ أيضًا بالحُزنِ على مَلايينِ المَلايينِ مِنَ النَّاسِ المُستعبَدينَ لهذا النِّظامِ ولا يَعلمونَ حَتَّى ما يُعَلِّمونَهُ، بل يَعبُدونَ امرأةً مَيِّتَة هي مَريم، ويَعبدونَ صُندوقًا يَحْوي خُبْزًا، ولكِنَّهُم لا يَعبُدونَ البَتَّة اللهَ الحَقيقيَّ الحَيَّ. فَهُمْ يَثِقونَ في كَاهِنٍ قد يكونُ قَلبُهُ فاسدًا، لا بالرَّبِّ يسوعَ المسيحِ القُدُّوسِ والطَّاهِرِ الَّذي لا يُؤذي أحدًا، والذي هو رَئيسُ الكَهَنَةِ العَظيم الوَحيد الحَقيقيّ الَّذي يُمْكِنُنا مِنْ خِلالِهِ أنْ نَأتي إلى حَضرَتِك. ساعِدنا، يا رَبُّ، على أنْ نَفهمَ هذه الأشياء، وعلى أنْ نَفرحَ في أنَّنا نَعرفُ الحَقَّ وأنَّنا قد تَحَرَّرنا (الكَثيرينَ مِنَّا) مِن هذا النِّظامِ الشَّيطانيّ. ساعِدنا على أنْ نَكونَ مُمتلئينَ حَماسَةً في مُشاركةِ الإنجيلِ الحقيقيِّ معَ الأشخاصِ الَّذينَ نَعرِفُهم. نُصَلِّي باسمِ الرَّبِّ. آمين!
This article is also available and sold as a booklet.
