Grace to You Resources
Grace to You - Resource

افتَحُوا مِن فَضلِكُم كِتابَكُم المُقَدَّسَ على الأصحاحِ الخَامِس عَشَر مِن إنجيل لُوقا. وَأودُّ أن أَعتَرِفَ لَكُم بَأنَّ قَلبي وعَقلي يَفيضانِ بأشياءٍ أرغَبُ في قَولِها لَكُم. وَسوفَ أبذُلُ كُلَّ ما في وُسْعِي لِمَنعِ نَفسي مِن قَولِ كُلِّ شَيءٍ، وَلِمُعامَلَتِكُم مُعامَلَةً عَقلانِيَّة. ولكِنَّ هَذا الأصحاحَ غَنِيٌّ جدًّا كَما سَنَرى الآن.

والآن، عِندَما نَنظُرُ إلى هَذهِ القِصَّةِ فإنَّها تَتَطَلَّبُ مِنَّا عِنايَةً شَديدة. وأنا أشعُرُ بأنِّي أُقَدِّمُ لَكُم الكَثيرَ، ولكِنِّي أشعُرُ بالتَّقصيرِ في الوقتِ نَفسِهِ لأنِّي لا أقولُ لَكُم كُلَّ شَيء. فَهذا الأصحاحُ غَنِيٌّ جدًّا وعَميقٌ جدًّا. وعندمَا نَنظُرُ إليهِ نَظرةً سَطحِيَّةً فإنَّ الكَثيرَ مِنهُ يُفْقَدُ لأنَّنا نَعيشُ في العَالَمِ الغَربِيِّ بعدَ أكثرِ مِن ألفَيِّ سَنَةٍ في حينِ أنَّ هذهِ القِصَّةَ سُرِدَتْ في زَمَنِ يَسوعَ في قَريَةٍ في الشَّرْقِ الأوسَط. وَنحنُ لا نَعرِفُ الكَثيرَ عَن تلكَ العَاداتِ، وتلكَ التَّقاليدِ والمَواقِفِ الثَّقافِيَّةِ الَّتي كانت جُزءًا لا يَتجزَّأُ مِنَ الحَياةِ اليَوميَّةِ لِهؤلاءِ النَّاسِ دُونَ أنْ يَحتاجُوا إلى تَفسير. لِذا، إن كُنتُم تَتساءلونَ عن قِصَرِ الوَقتِ اللاَّزِمِ لِقراءةِ هذهِ القِصَّةِ وَطُوْلِ الوَقتِ اللاَّزِمِ لِتَفسيرِها، فإنَّ السَّببَ في ذلكَ يَرجِعُ إلى صُعوبَةِ مَلْءِ الفَراغات.

تَنقَسِمُ القِصَّةُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ مُتداخِلَة. القِسمُ الأوَّلُ يَختصُّ بالابنِ الأصغَر، والقِسمُ الثَّاني يَختصُّ بالأب، والقِسمُ الثَّالثُ يَختصُّ بالابنِ الأكبر. وهي قِصَّةٌ درامِيَّةٌ تَزدادُ تَشويقًا كُلَّما تَقَدَّمنا فيها. وكُلُّ تلكَ الأجزاءِ تَتداخَلُ مَعًا. فَعندما نَنظُرُ إلى الجُزءِ المُختصِّ الابنِ الأصغرِ نَرى أنَّهُ يَتداخَلُ مَعَ الجُزءِ المُختصِّ بالأب. وعِندما نَنظُر إلى الجُزءِ المُختَصِّ بالأبِ نَرى أنَّهُ يَتداخَلُ مَعَ الجُزءِ المُختصِّ بالابنِ الأكبر. لِذا فإنَّنا نُحاوِلُ أن نَفهَمَ مَا يَجري دُونَ أن نَتَدَخَّلَ في الأحداث.

وَقد نَظَرنا في المَرَّةِ السَّابقةِ إلى الجُزءِ الأوَّلِ [وَتَحديدًا إلى الأعدادِ مِن 11 إلى 16] الَّتي تَتحدَّثُ عَنِ الابنِ الأصغَر. وَقَد قَسَّمْنا ذلكَ الجُزءَ إلى قِسْمَيْن: فَهُناكَ الطَّلَبُ الشَّائِنُ إذْ نَقرأُ في العَدد 11: "وَقَالَ: إِنْسَانٌ كَانَ لَهُ ابْنَان". فَمُنذُ البِدايَة، إنَّها قِصَّةُ ابْنَيْن. "فَقَالَ أَصْغَرُهُمَا لأَبِيهِ: يَا أَبِي أَعْطِنِي الْقِسْمَ الَّذِي يُصِيبُنِي مِنَ الْمَالِ. فَقَسَمَ لَهُمَا مَعِيشَتَهُ".

وَهذا طَلَبٌ وَقِحٌ وَشَائِنٌ لأنَّهُ يَعني أن تَتَمَنَّى لأبيكَ المَوتَ لا سِيَّما أنَّ العَاداتِ لا تَسْمَحُ بِذلكَ وَأنَّهُ لا يَجوزُ للابنِ أن يَحصُلَ على مِيراثِهِ إلاَّ بعدَ مَوتِ أبيه. لِذا، كَأنَّ الابنَ يَقولُ لأبيه: "أتَمَنَّى أن تَموتَ لأنِّي أريدُ نَصيبي. وَأنا أُريدُهُ الآن". لِذا فإنَّ هَذا الطَّلَبَ شَائِن.

وَقد رَأينا لا فقط طَلَبَهُ الشَّائِنَ، بَل رَأينا أيضًا تَمَرُّدَهُ الشَّائِنَ إذْ نَقرأُ: "وَبَعْدَ أَيَّامٍ لَيْسَتْ بِكَثِيرَةٍ..." [أيْ بَعدَ أن أَخَذَ نَصيبَهُ] "...جَمَعَ الابْنُ الأَصْغَرُ كُلَّ شَيْءٍ..." [أيْ أنَّهُ حَوَّلَهُ إلى نُقود] "...وَسَافَرَ إِلَى كُورَةٍ بَعِيدَةٍ، وَهُنَاكَ بَذَّرَ مَالَهُ بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ". وَفي جُزءٍ لاحِقٍ مِنَ القِصَّةِ، نَقرأُ أنَّهُ بَذَّرَ مَالَهُ على الزَّواني وَأُمورٍ أخرى. "وَهُنَاكَ بَذَّرَ مَالَهُ بِعَيْشٍ مُسْرِفٍ. فَلَمَّا أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ، حَدَثَ جُوعٌ شَدِيدٌ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ، فَابْتَدَأَ يَحْتَاجُ. فَمَضَى وَالْتَصَقَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْكُورَةِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى حُقُولِهِ لِيَرْعَى خَنَازِيرَ. وَكَانَ يَشْتَهِي أَنْ يَمْلأَ بَطْنَهُ مِنَ الْخُرْنُوبِ الَّذِي كَانَتِ الْخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ، فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ".

فالطَّلَبُ الشَّائِنُ يُؤدِّي إلى تَمَرُّدٍ شَائِن. وكُلُّ ذلكَ، كَما قُلتُ لَكُم، يَرمِزُ إلى الخُطاةِ غيرِ المُتَدَيِّنِينَ، والمُتمرِّدينَ، وَعَديمي الأخلاقِ؛ عَلى غِرارِ أولئكَ الأشخاصِ الَّذينَ كَانَ يَسوعُ يَختَلِطُ بِهِم. أو يُشيرُ إلى الأشخاصِ الَّذينَ يُعامَلونَ مُعامَلَةً سَيِّئَةً مِنَ المُجتمعِ، ويُطرَدونَ وَيُنْبَذون مِنَ المُجتمع. فَقد كانُوا أسوأَ أشخاصٍ في المُجتمَع. وَهذا الشَّابُّ هُوَ مِثالٌ للإنسانِ الَّذي يَنزِلُ إلى الحَضيضِ، وإلى أَحَطِّ مَكانَةٍ في البَلَدِ الأُمَمِيِّ لا سِيَّما أنَّهُ عَاشَ حَياةً فَاسِقَةً وَغيرَ أخلاقِيَّةٍ، وانْتَهى بِهِ المَطافُ لا فَقط بأنَّهُ صَارَ يَرعَى الخَنازيرَ، بَل إنَّهُ صَارَ يَأكُلُ مَعَ الخَنازيرِ، وَصارَ وَاحِدًا مِنها. فَقد انحَدَرَ إلى أَحَطِّ مُستوىً مُمكِن. وَقد صَارَ شَخصًا بَائِسًا وَيَائِسًا.

وفي هذهِ النُّقطةِ، نَرى الأبَ يَدخُلُ مَرَّةً أخرى إلى القِصَّة. فالأبُ يَدخُلُ مِن خِلالِ عَقلِ الابنِ أوَّلَ الأمر. وَنحنُ نَنتقلُ منَ الطَّلَبِ الشَّائِنِ إلى التَّمَرُّدِ الشَّائِنِ، ثُمَّ إلى التَّوبَةِ الشَّائِنَة. ونحنُ نَرى ذلكَ في العَدد 17 فيما نَبتَدِئُ بالتَّحدُّثِ عَنِ الأب.

العَدد 17: "فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي...". تَوَقَّفوا هُنا. فأنا أريدُ أن أقولَ إنَّ أباهُ خَطَرَ بِبالِهِ فَجأةً. وأنا مُتَيَقِّنٌ مِن أنَّهُ فَعَلَ كُلَّ مَا في وُسْعِهِ لكي يُبقي أباهُ خَارِجَ عَقلِهِ عندما كَانَ يُشبِعُ نَزَواتِه. ولكِنَّهُ الآنَ خَسِرَ كُلَّ شَيءٍ، وَصارَ بَائِسًا، وَجَائِعًا، بَلْ يَكادُ يَموتُ جُوعًا. لِذا فقد رَجَعَ إلى عَقلِهِ أو رَجَعَ إلى نَفسِه. فَقد رَاحَ يُكَلِّمُ نَفسَهُ. وَما يَقولُهُ في خَلْوَتِهِ هُوَ: "كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ الْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعًا؟"

وَهُنا تَبتَدِئُ التَّوبةُ الحَقيقيَّة. فهي تَبتدِئُ بَالتَّقييمِ السَّليمِ لِحالَتِكَ. فَمِنَ المُهِمِّ جدًّا أن يَتمكَّنَ الخَاطِئُ السَّفيهُ، أوِ الابنُ الضَّالُّ، أوِ الشَّخصُ الفَاسِدُ المَنبوذُ وَغيرُ المُتَدَيِّنُ أن يُقَيِّمَ حَالَتَهُ تَقييمًا سَليمًا، أو [إنْ كانتِ امرأةً] أن تُقَيِّمَ حَالَتَها تَقييمًا سَليمًا. فَهُوَ يَعلَمُ أنَّهُ في مَأزِقٍ لا يَستطيعُ الخُروجَ مِنه. وَهُوَ يَعرِفُ أنَّهُ سَيَموتُ جُوعًا، وَأنَّ أحدًا لن يُعطيهِ شَيئًا، وَأنَّهُ سَيَخسَرُ المَعركةَ مَعَ الخَنازيرِ ولن يَتمكَّنَ مِن أخذِ طَعامِها مِنها. فهذهِ هي النِّهاية. وكُلُّ التَّوبةِ تَبتدِئُ بالتَّقييمِ السَّليمِ لِحالَةِ الإنسانِ البَائِسَةِ، وبَأنَّهُ بِلا حَولٍ وَلا قُوَّة، وبأنَّهُ بِلا أيَّة مَوارِد، وَبأنَّهُ يُوشِكُ على المَوت.

لِذا فإنَّهُ يُفَكِّرُ في أبيهِ، وفي أنَّ الكَثيرَ مِنَ الأُجَراءِ الَّذينَ يَعمَلونَ لَدى أبيهِ يَمْلِكونَ طَعامًا يَزيدُ عَن حَاجَتِهم في حينِ أنَّهُ يَكادُ يَموتُ جُوعًا. وهَذا يُخبِرُنا الكَثيرَ عَنِ الأب. فَهُنا نَبتدِئُ بمَعرفةِ المَزيدِ عَنِ الأب. واسمَحوا لي أن أقولَ لكُم شَيئًا عَن مَعنى أن تَكونَ أَجيرًا (وَهِيَ تَرجمةٌ للكلمةِ اليُونانِيَّةِ "ميسثيوس" (misthios). فالأجيرُ كَانَ شَخصًا يَعمَلُ بأجْرٍ يَومِيٍّ. وَأحيانًا تَرَوْنَ هَؤلاءِ العُمَّالِ هُنا أو هُناكَ إذْ إنَّهُم يَقِفونَ عِندَ نَاصِيَةِ الشَّارِعِ بانتظارِ أن يَأتي شَخصٌ وَيُسْنِدُ إليهِم عَمَلاً لذلكَ اليوم. وَنَحنُ نَراهُم حَتَّى في يَومِنا هَذا في مُجتمَعِنا وفي جَميعِ أنحاءِ العَالَمِ على مَرِّ التَّاريخ.

إنَّهُم أَفقَرُ النَّاسِ. فَهُمُ الطَّبَقَةُ الفَقيرةُ، أوِ الأشخاصُ الفُقراءُ المُستعِدُّونَ للعَملِ وَبِحَاجَةٍ إلى العَمل. وكانَ يَنبغي لكُلِّ شخصٍ فَقيرٍ في تلكَ الأيَّامِ (أي في أزمِنَةِ الكتابِ المقدَّسِ) أن يَعمَل. وكانَ عُمَّالُ المُياوَمَةِ يَأمُلونَ في أن يأتي شَخصٌ ويُعطيهم عَملاً. وَكانُوا على الأرجَحِ عَديمي الخِبرةِ؛ مَعَ أنَّ بَعضًا مِنهُم صَارُوا مَهَرَة في المِهَنِ الَّتي يَعمَلونَ بها. ولكِن في الغَالِبِ، كانُوا مُجَرَّدَ عُمَّالٍ يَفتَقِرونَ إلى الخِبرةِ ويُساعِدونَ في الحَصادِ أو في عَمَلٍ ثَانَوِيٍّ. لِذا فقد كَانُوا يَجْنونَ مَالاً زَهيدًا بالكَادِ يَكفي لِتَوفيرِ القُوتِ لَهُم.

والآن، لَقد تَذَكَّرَ أنَّ أباهُ كانَ يَدفَعُ لَهُم أكثرَ مِمَّا يَكفيهِم. وَهَذا يَعني أنَّهُ تَذَكَّرَ أنَّ الأُجَراءَ كانُوا يَملِكونَ طَعامًا أكثرَ مِن حَاجَتِهم. وَهَذا يَعني أنَّ أباهُ كَانَ مَاذا؟ سَخِيًّا. فَقد تَذَكَّرَ أنَّ أباهُ كَانَ يُعطيهم أكثرَ مِمَّا يَحتاجونَ إليهِ لِحَياةِ الكَفَاف. فقد كانَ أبوهُ مُحِبًّا. وَقد كانَ أبوهُ صَالِحًا. وَقد كانَ أبوهُ عَطوفًا. وَقد كانَ أبوهُ سَخِيًّا.

وَكَما تَرَوْنَ، كانَ الأُجَراءُ مَحْمِيِّينَ في نَاموسِ العهدِ القديم. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ اللاَّوِيِّينَ 19: 13: "وَلاَ تَبِتْ أُجْرَةُ أَجِيرٍ عِنْدَكَ إِلَى الْغَد". فإن استأجرتَ شَخصًا للقيامِ بعملٍ وكانَ يَأكُلُ بِأُجْرَتِهِ اليَومِيَّة، وَكانَ ذلكَ المَالُ هُوَ كُلُّ مَا يَقوتُ بِهِ نَفسَهُ وَعائِلَتَهُ، يَجِبُ عليكَ أن تَدفعَ لَهُ أَجْرَهُ في نَفسِ اليَومِ الَّذي يَعمَلُ فيه.

إذًا، لَقد كانَ الأبُ رَجُلاً يَفعلُ لا فقط مَا يُوصيهِ بِهِ العَهدُ القَديمُ، بَل كَانَ يَفعلُ أكثرَ مِن ذلك. وَقَد خَطَرَ هَذا الأمرُ بِبالِ الابن. وَمِنَ المُهِمِّ جدًّا أن يَتذكَّرَ أنَّ أباهُ ليسَ رَجُلاً قَاسِيًا، وَأنَّ أباهُ ليسَ رَجُلاً غَيرَ مُبالٍ؛ بَلْ أنَّ أباهُ رَجُلٌ شَفوقُ، وكَريمٌ، وَصَالِحٌ. وَهُوَ يَعرِفُ أباهُ مَعرفةً جَيِّدَةً ويَعلَمُ أنَّهُ رَجُلٌ رَحيمٌ، ورَجُلٌ كَريمٌ، وأنَّهُ رَجُلٌ غَفور. فَهُوَ يَعلَمُ كُلَّ ذلكَ لأنَّهُ اكتَشَفَ كُلَّ تلكَ الأمورِ عن أبيهِ عِندَما كَانَ يَعيشُ مَعَهُ في البيت.

فَهُوَ لا يَعرِفُ أيَّ شَخصٍ آخرَ بهذهِ الصِّفات. وَهُوَ لا يَعرِفُ أيَّ مَكانٍ يُمكِنُهُ أن يَلتَجِئَ إليه. وَقَد يَقولُ قَائِلٌ: "لَحظة مِن فَضلِك! يَجِبُ عليهِ أن يَتوقَّعَ أنَّ أباهُ الَّذي تَعَرَّضَ لِكُلِّ ذلكَ الذُّلِّ وكُلِّ تلكَ المَهانَةِ في القَريةِ بِسَببِ ذلكَ الطَّلَبِ مِنَ ابنِهِ الجَاحِدِ وَالعَاقِ سَيَشعُرُ بالعَارِ وَالحَرَجِ وانتِقاصِ القِيمَةِ حَتَّى إنَّهُ لا يُريدُ مِنهُ أن يَرجِعَ إليهِ البَتَّة". ولكِنَّهُ يَعرِفُ أباهُ أفضلَ مِن ذلك. فَهُوَ يَعرِفُ أنَّ أباهُ لا يَحقِد، وَيَعرِفُ أنَّ أباهُ رَحيمٌ وَسَخِيٌّ.

والآن، لَم يَكُنِ الأُجَراءُ عَبيدًا. فَقد كانَ العَبيدُ يَعيشونَ في بَيتِ العَائِلَة. وَهُم لم يَكونوا يَتَقاضُونَ أَجرًا بالضَّرورة، بَل كَانُوا يَأكُلونَ وَيَنامونَ وَحَسْب. فَقد كانُوا جُزءًا مِن أهلِ البَيت. لِذا، إن كُنتَ عَبْدًا فإنَّكَ تَخدِمُ العَائِلَةَ وتَحصُلُ مِنها بالمُقابِلِ على الطَّعامِ والمَأوى وَسَدِّ كُلِّ حَاجاتِكَ. ورُبَّما يُعطونَكَ مَصروفَ جَيْبٍ للأشياءِ الثَّانَوِيَّة.

أمَّا الأُجَراءُ فكانوا أَدنَى مِن ذلك. فَلم يَكُن يُوجَدُ شَخصٌ يَعتَني بِهِم دَائِمًا، بَل كَانُوا في أَدنى مَكانَةٍ مُمكِنَة. ولكِنَّهُم كانُوا يَحصُلونَ على أَجْرٍ. وَصَدِّقوني أنَّ تلكَ الأُجُورَ كَانَت تُعطَى لَهُم حَسَبَ اسْتِنْسابِ أصحابِ العَمل. هَل تَذكُرونَ عِندَما سَرَدَ يَسوعُ القِصَّةَ الَّتي تَتحدَّثُ عَنِ الذَّهابِ إلى السُّوقِ [في إنجيلِ مَتَّى] والعُثورِ على أشخاصٍ يَأتونَ ويَعمَلونَ في الحَصاد؟

فَقد عَثَروا أوَّلاً على أشخاصٍ في السَّاعَةِ السَّادِسَةِ، ثُمَّ على أشخاصٍ آخرينَ في السَّاعَةِ التَّاسعةِ، ثُمَّ على أشخاصٍ في السَّاعَةِ الثَّانيةَ عَشرة، ثُمَّ على أشخاصٍ في السَّاعَةِ الثَّالِثَة فَأخذوهُم دُونَ أن يُناقِشُوا البَتَّة أَجْرَهُم. أَتَذكُرونَ ذلك؟ وَقد حَصَلَ الأشخاصُ الَّذينَ جَاءوا في السَّاعَةِ السَّادِسَةِ والتَّاسِعَةِ والثَّانيةَ عَشرةَ والثَّالثةِ على مَاذا؟ عَلى نَفسِ الدِّينارِ، أو على نَفسِ الأجْر. وَقد كانَ ذلكَ بسببِ سَخاءِ الرَّجُل. ولكِنَّهُم لم يَكونوا في مَوقِعٍ يَسمَحُ لَهُم بِمُجادَلَتِهِ بِخُصوصِ الأجْر. فَعُمَّالُ المُياوَمَةِ لا يُجادِلونَ في الأجْر، بَل يَقبلونَ وَحَسْب بِما يَحصُلونَ عَليهِ للعَيش.

ولكِنَّ هَذا الأبَ كَانَ أَبًا سَخِيًّا. وَكُلُّ الأشخاصِ الَّذينَ سَمِعُوا يَسوعَ يَسرُدُ تلكَ القِصَّةَ فَهِمُوا كُلَّ الأشياءِ الَّتي لا بُدَّ أن أَشرَحَها لَكُم. وعَلى أيِّ حَالٍ، كانَ الابنُ مُستعدًّا للعَودةِ إلى ذلكَ الرَّجُلِ الَّذي يَعلَمُ أنَّهُ رَحيمٌ، وَسَخِيٌّ، وعَطوفٌ، وَلَطيفٌ. وَهُوَ مُستَعِدٌّ لذلكَ الآن لأنَّهُ لا يُوجَدُ لَديهِ أيُّ خِيارٍ آخَر. فَهُوَ لا يَعرِفُ أيَّ مَكانٍ يُمكِنُهُ الذَّهابَ إليه. لِذا فإنَّ كُلَّ ما يُمكِنُهُ القِيامُ بِهِ هُوَ أن يَتَّضِعَ، وَأنْ يَعتَرِفَ بِذَنبِهِ، وَأن يُقِرَّ بِخَطيئَتِهِ المُريعَةِ وَالشَّائِنَةِ، وَأن يَرجِعَ ويُحاوِلَ أن يَحصُلَ على نَفسِ الرَّحمَةِ ونَفسِ التَّعاطُفِ ونَفسِ اللُّطفِ الَّذي كَانَ يَعلَمُ أنَّ أباهُ يُعامِلُ بِهِ الفُقراء. وَإنْ عَمِلَ جَاهِدًا، رُبَّما يَستطيعُ أن يَستَرِدَّ مَا خَسِرَهُ، وَأنْ يَرُدَّ جُزءًا مِن ذلكَ إلى العَائِلَةِ، وَأن يَتصالَحَ حِينئذٍ مَعَ أبيه.

وَهُوَ يُفَكِّرُ بنفسِ الطَّريقةِ الَّتي كانَ النَّاسُ في إسرائيلَ يُفَكِّرونَ فيها لأنَّ هذهِ هي الطَّريقةَ الَّتي أرادَ مِنهُ يَسوعُ أن يُفَكِّرَ فيها. وَقَد فَهِمَ الجَميعُ ذلك. وَقد قَالَ الجَميعُ: "أجل! إن كانَ تَائِبًا حَقًّا سَيَعودُ ويَرجِعُ إلى أبيهِ، ويَعتَرِف، ويَتوبُ، وَيَتواضَعُ، وَيَتَّضِعُ، وَيُوَبَّخُ، وَيُخْزَى. فَهذا عَدْلٌ. وَهَذا إنْصافٌ. وَهَذا حَقٌّ بسببِ مَا فَعَلَهُ بأبيه".

فَقد كَانَ الأمرُ قَاسِيًا جدًّا في ثَقافَةِ الشَّرَفِ وَالعَار. وَكانَ مِنَ المُهِمِّ جدًّا أن تَحمي شَرَفَ الرَّجُلِ المُسِنّ. هَذا هُوَ مَا يَنبغي لَهُ أن يَفعَلَهُ. فَيَنبغي لَهُ أن يَعودَ، ويَنبغي لَهُ أن يَطلُبَ مِن ذلكَ الأبِ الرَّحمةَ والغَفرانَ بِناءً على العَمَلِ الَّذي عَمِلَهُ. فَهُوَ بِحاجَةٍ إلى تَعويضِ العَائلةِ عَن خَسارَتِها.

لِذا فقد كانَ المُستَمِعونَ يُتابِعونَ يَسوعَ في القِصَّةِ حتَّى الآن. وَقَد ارتَعَبوا مِمَّا فَعَلَهُ الشَّابُّ. وَقَد نَظروا إليهِ بِوَصْفِهِ شَخصًا مَنبوذًا تَمامًا. وَإنْ كَانَ هُناكَ أيُّ رَجاءٍ في عَودَتِه، يَنبغي لَهُ أن يَرجِعَ وَأن يَحصُلَ على الرَّحمَةِ والغُفرانِ، وَأن يَفعلَ كُلَّ مَا يَلزَمُ للمُصالَحَة.

وَقد كَانَ جَاهِزًا. فَهُوَ مَكسورٌ، وَوَحيدٌ، وَحَزينٌ، وَتَائِبٌ، وَلا يُوجَدُ أيُّ مَكانٍ يَذهَبُ إليه. وَهُوَ يُؤمِنُ بأبيه. وَهَذِهِ صُورةٌ لِشخصٍ تَقودُهُ تَوبَتُهُ إلى الخَلاصِ لأنَّكُم تَرَوْنَ لا تَوبَةً فقط هُنا، بَل إيمانًا بأبيه. فَهُوَ يَثِقُ بِصَلاحِ أبيه، وَعَطْفِهِ، وَسَخائِهِ، وَرَحمَتِه. فالتَّوبةُ مُرتبطةٌ بالإيمان. وَهُوَ يَعرِفُ نَوعِيَّةَ أبيه. وعلى الرَّغمِ مِنَ الطَّريقةِ المُريعَةِ الَّتي أَساءَ فيها إلى أبيهِ، وَأَهانَ فيها أبَاهُ، وَحَطَّ فيها مِن قَدْرِ أبيهِ، وَعلى الرَّغمِ مِنَ الطَّريقَةِ المُريعَةِ الَّتي عَامَلَ بها أَباهُ، والطَّريقةِ المُريعَةِ الَّتي عَاشَ فيها حَياتَهُ، وَوُصولِهِ إلى القَعْرِ، فإنَّهُ يَعرِفُ أنَّ أباهُ رَجُلٌ غَفورٌ، وَيَثِقُ أنَّهُ إنْ عَادَ فإنَّهُ سَيَنالُ غُفرانًا، وَيَعلَمُ أنَّهُ سَيُعمَلُ كُلَّ مَا يَلزَمُ عَمَلُهُ للتَّعويضِ والمُصالَحَة.

لِذا فَإنَّهُ يَقولُ في العَددِ الثَّامن عَشَر: لَن أجلِسَ هُنا وَأموت. "أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا". هَذِهِ هِيَ خُطَّتي. "اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ". وَهَذا كُلُّهُ جَيِّدٌ. فَجَميعُ الفَرِّيسيِّين والكَتَبَة قَالوا ذلكَ على الأرجَح. هَذا هُوَ ما يَنبغي لَهُ أن يَفعلَهُ. هَذا تَفكيرٌ سَليمٌ أيُّها الشَّابّ.

فَقد رَجَعَ إلى نَفسِهِ، وَتَكَلَّمَ مَع نَفسِهِ، وَنَاجَى نَفسَهُ. فَقد كانَ يُدركُ أنَّهُ لا يُوجَدُ مَكانٌ يَذهبُ إليهِ سِوى البيت. وَقد أدركَ شَيئًا عَن صَلاحِ الأب. وَهُوَ مُستعِدٌّ لِوَضعِ نَفسِهِ تَحتَ رَحمَةِ الأبِ بعدَ أن تَابَ عَن خَطاياه. فَهوَ سيَرجِعُ ويَفعلُ مَا يَنبغي لَهُ أن يَفعلَهُ بأن يَجعلَ نَفسَهُ أجيرًا وَضيعًا جدًّا، وفي أَدنَى مَكانَةٍ اجتماعِيَّةٍ، وَمِن دُونِ عَلاقَةٍ حَميمةٍ مَعَ الأبِ، وَفي مَرتبةٍ أدنَى حَتَّى مِنَ العَبدِ في البيتِ، وليسَ بِوَصفِهِ ابْنًا. فَهُوَ لا يَستَحِقُ أن يَكونَ لَهُ بَيت، ولَم يَكُن يَحِقُّ لَهُ أن يَستنزِفَ أموالَ العَائلةِ أكثرَ مِن ذلك. لِذا فإنَّهُ سَيَعملُ في الوقتِ الَّذي رُبَّما يَرغبونَ فيهِ في استثمارِ أموالِهم في شَيءٍ يَدُرُّ رِبْحًا كَما يَفعلُ الجَميع. إنَّهُ مُستَعِدٌّ.

ثُمَّ إنَّ تَفكيرَهُ العَقلانِيَّ حَرَّكَ إرادَتَهُ. وَهذهِ هي الطَّريقةُ الَّتي تَعمَلُ بها التَّوبة. فأوَّلاً، يَرجِعُ الخَاطِئُ إلى نَفسِهِ، ويَعودُ إلى رُشْدِهِ، ويَبتدئُ في النَّظرِ وَتَقييمِ مَكانِهِ وَالطَّريقِ الَّذي يَسيرُ فيهِ نَحوَ المَوتِ المَحْتومِ والهَلاكِ والدَّينونةِ الأبديَّة. ثُمَّ إنَّ الخَاطِئَ يَقول: "لا يُمكنُني أن أستمرَّ في السَّيرِ في هَذا الاتِّجاه. هُناكَ شَخصٌ واحِدٌ يُمكِنُني أن أَلجَأَ إليهِ وَهُوَ الآبُ الَّذي جَدَّفْتُ عَليهِ وَأَهَنْتُهُ. يَجِبُ عليَّ أن أرجِعَ إليه. يَجِبَ عَليَّ أن أعودَ حَامِلاً عَاري وَأن أتحمَّلَ المَسؤوليَّةَ كَامِلَةً عن خَطاياي. يَنبغي لي أن أَطرحَ نَفسي على رَحْمَتَهُ وغُفرانَهُ وَمَحَبَّتَهُ. وَيَجِبُ عليَّ أن أُخبِرَهُ أنِّي مُستَعِدٌّ للعَمَلِ في أيِّ شَيءٍ مِن أجلِ استِردادِ مَكانَتي". ولا بُدَّ أنَّ الجَميعَ فَهِمُوا ذلك.

وَهَذا أَمْرٌ مُذِلٌّ. فَهُوَ مُحرِجٌ جدًّا جدًّا، ومُخْزٍ جدًّا؛ ولكِنَّهُ يَقول: "سَوفَ أفعلُ ذلك". ثُمَّ استَمِعُوا إلى قَسوَتِهِ الشَّديدةِ على نَفسِهِ وَإدانَتِهِ لِنَفسِه: "أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ". والعِبارَةُ "إلى السَّماءِ" هِيَ في الحَقيقةِ تَرجمةٌ للعِبارةِ اليُونانِيَّةِ: "آيس تُو أورانون" (eis ton ouranon) ومَعناها: "أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ". وَرُبَّما كانَ المَعنى الَّذي قَصَدَهُ بِذلكَ هُوَ: "لَقد تَراكمَت خَطايايَ حَتَّى وَصَلَ ارتِفاعُها إلى السَّماء".

وَرُبَّما كَانَ هَذا يَعكِسُ مَا جَاءَ في سِفْرِ عَزْرا 9: 6: "اللّهُمَّ، إِنِّي أَخْجَلُ وَأَخْزَى مِنْ أَنْ أَرْفَعَ يَا إِلهِي وَجْهِي نَحْوَكَ، لأَنَّ ذُنُوبَنَا قَدْ كَثُرَتْ فَوْقَ رُؤُوسِنَا، وَآثَامَنَا تَعَاظَمَتْ إِلَى السَّمَاء". فَهُوَ لا يَكْبُتُ شَيئًا، بَل هُوَ تَائِبٌ حَقيقيٌّ. فَهُوَ يُنكِرُ نَفسَهُ تَمامًا. وَهَذا يَدُلُّ على تَوبةٍ حَقيقيَّة. فَهُوَ يَقول: "إنَّ حَياتي كَارِثَةٌ حَقيقيَّة. أنا على وَشْكِ المَوتِ وَلا يُوجَدُ شَخصٌ يُمكِنُني أن أُلقي اللَّومَ عَليهِ سِوى نَفسي. فَقد تَمَرَّدتُ. وَقَد عَصَيْتُ. وَقَد أَهدرتُ حَياتي. وَقد أَهَنْتُ أبي. إنَّ آثامي قَد تَعاظَمَتْ جدًّا أمامَ اللهِ وَتَعاظَمَتْ إلى السَّماء".

إنَّها تَوبةٌ حَقيقيَّة. فَهُوَ لا يَكْبُتُ أيَّ شَيءٍ، وَلا يُحاوِلُ العُثورَ على أيِّ عُذرٍ، وَلا يَلومُ إلاَّ نَفسَهُ. لِذا فإنَّ التَّوبةَ الحَقيقيَّةَ وَالثِّقَةَ الحَقيقيَّةَ بمحبَّةِ الأبِ وغُفرانِهِ يُشَجِّعانِ الخَاطِئَ على العَودَة. فَلا بُدَّ مِن أن يَعودَ لكي يَنْجُو مِن خَطيَّتِه. فَهُوَ فَارِغٌ، وَمَعزولٌ، ومُتَّجِهٌ إلى الهَلاكِ الأبدِيِّ. فَكُلُّ خَاطِئٍ يَتوبُ يَبتدِئُ بالشُّعورِ بِتَبكيتٍ هَائِلٍ بسببِ بِحَالَتِهِ (أو حَالَتِها): أيْ أنَّهُ بَائِسٌ، وَفارِغٌ، وَفي طَريقِهِ إلى المَوتِ الأبديِّ.

وَكُلُّ خَاطِئٍ يَعودُ يَتحمَّلُ المَسؤوليَّةَ كَامِلَةً عَن تِلكَ الخَطايا ويَرى أنَّها تَراكَمَتْ وَعَلَتْ حَتَّى وَصَلتِ السَّماء. وَكُلُّ خَاطِئٍ يَعودُ يُوَجِّهُ نَظَرَهُ إلى اللهِ لكي يَعود. وَقد كانَ اليهودُ يَفهَمونَ أنَّهُ عندَما تَعودُ فإنَّ اللهَ يَقبَلُكَ إنْ عَمِلْتَ مَا يَلزَم. فَهُوَ لم يَكُن يَمْلِكُ أيَّة حُقوق، بَل إنَّهُ تَخَلَّى عَن كُلِّ حُقوقِهِ عندما أَخَذَ نَصيبَهُ مِنَ الأملاكِ، وَباعَهُ، وَقَبَضَ ثَمَنَهُ، وَبَذَّرَهُ. فَهُوَ لا يَملِكُ أيَّة حُقوق؛ بل هُوَ عَديمُ القِيمَة.

فَهُوَ لن يَعودَ ابنًا مَرَّةً أخرى، على الأقَلِّ مِن وُجهَةِ نَظَرِه: "وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ". أعطِنِي عَملاً وَحَسْب. وَمَهما كانَ عَددُ السَّنواتِ الَّتي يَنبغي لي أن أعملَ بها فإنِّي سأعمَلُ بها لاستردادِ كُلِّ مَا خَسِرتُهُ. فَهُوَ يَقولُ: "أنا ليسَت لَديَّ حُقوق، وَليسَت لَديَّ امتيازات. أنا لا أَطلُبُ أيَّ شَيءٍ. وَأنا لا أتوقَّعُ مِنكَ أن تَقبَلَني بِشُروطي".

تَذَكَّروا الآنَ أنَّهُ مَيِّت. فَقد أَقامُوا لَهُ جَنازَةً عِندَما غَادَرَ... جَنازَة. لِذا فإنَّ الأبَ يَقولُ عَنهُ مَرَّتَيْنِ: "ابني الَّذي مَات". أنا لا أتوقَّعُ أن أعيشَ في البيت، ولا أتوقَّعُ أن أكونَ عَبدًا، ولا أتوقَّعُ حتَّى أيَّةَ عَلاقَةٍ بِكَ يا أبي. فَكُلُّ ما أريدُهُ هُوَ أن أعملَ وَأستَعيدَ مَكانَتي. "اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ".

وكما تَرَوْنَ، هُناكَ إيمانٌ حَقيقيٌّ هُنا باللهِ. وَهُناكَ تَوبةٌ حَقيقيَّة. فهذهِ تَوبةٌ حَقيقيَّة. وَلا بُدَّ أنَّ الفَرِّيسيِّينَ والصَّدُّوقِيِّينَ كَانُوا في هذهِ النُّقطَةِ يُهَلِّلونَ قَائِلين: "نَعم! هَذا عَيْنُ الصَّواب. هَذا هُوَ مَا يَنبغي لَهُ أن يَفعلَهُ". فَحَتَّى تلكَ اللَّحظةِ كانوا يُعرِبونَ عَن تَأييدِهِم للقِصَّة. فَهُم لم يُحِبُّوا القِصَّةَ في البِدايةِ لأنَّ الحَطَّ مِن شَأنِ الأبِ كَانَ شَيئًا بَغيضًا بالنِّسبةِ إليهم. وَقد ارتَعَبوا عندما غَادَرَ الابنُ الأصغرُ وَسَلَكَ في حَياتِهِ بتلكَ الطَّريقة. وَقدِ ارتَعبوا أكثرَ عندما انتَهى الأمرُ بِهِ في حَظيرةِ الخَنازيرِ الَّتي كانُوا يَنظرونَ إليها بأنَّها نَجِسَةٌ جدًّا.

ولكِن بعدَ ذلكَ أَحَبُّوا فِكرةَ أنَّهُ رَجَعَ إلى نَفسِهِ. وَقد أَحَبُّوا فِكرةَ أنَّهُ فَكَّرَ في العَودَة. وَقد كَانُوا يَعلَمونَ أنَّهُ لا تُوجَدُ مُصالَحَةٌ فَورِيَّة. فَالأمرُ لا يَتِمُّ بهذهِ الطَّريقة. صَحيحٌ أنَّهُ تَابَ، وَأنَّهُ يَثِقُ بأبيهِ، ولكِن يَنبغي لَهُ أن يَستَعيدَ مَكانَتَهُ بِجدارَتِه. وَهَذا لاهُوتٌ فَرِّيسيٌّ مَحْض. وَهَذِهِ هِي حَالُ كُلِّ دِيانَةٍ أخرى في العَالَم. فَيجبُ عليهِ أن يَعودَ ويَقول: "أنا أقبلُ العِقابَ المَفروضَ عَليَّ. وَأقبلُ الطَّردَ مِن شَرِكَةِ العَائلة، وَأقبلُ البُعدَ عَن أبي، وَأتحمَّلُ ذُلَّ العَملِ الوَضيعِ، وَأتحمَّلُ مَشَقَّةَ العَملِ القَاسِي لِسَنواتٍ مِن أجلِ استِردادِ مَا خَسِرتُهُ. سوفَ أستَرِدُّ مَكانَتي إلى أنْ أتمكَّنَ مِنَ المُصالَحَة".

فَقد كانَ مُمتلئًا حَسْرَةً على المَاضي. وَقد كانَ مُمتلئًا ألمًا في الحَاضِر. وَهُوَ يَنظُرُ قُدُمًا ويَرى مَزيدًا مِنَ الألمِ في المُستقبلِ لأنَّهُ سَيَعملُ سَنواتٍ طَويلةً لاستردادِ مَكانَتِه. وَكُلُّ خَاطِئٍ سَيَتعرَّضُ لذلكَ لأنَّها الطَّريقةُ الوَحيدةُ في نَظَرِهم للمُصالَحة. فقَد زَالَ كُلُّ البَريقِ في تلكَ الأرضِ البَعيدة. أليسَ كذلك؟ وَقد تَحَوَّلَ نَمَطُ الحَياةِ المُتْرَف إلى عُبودِيَّةٍ سَاحِقَةٍ مُريعَة. وَقد صَارت كُلُّ الأحلامِ كَوابيسَ مُرعبةً. وَقَد صَارَت كُلُّ مُتعَةٍ أَلَمًا. وَقد صَارَ كُلُّ مَرَحٍ حُزنًا. وَقد صَارَ كُلُّ تَحقيقٍ للذَّاتِ حِرمانًا ذَاتِيًّا. وَقدِ انتَهى الفَرَحُ إلى الأبد. وَقد صَمَتَ الضَّحِكُ. وَقد اختَفى الأصدقاء. فالأمرُ أسوأُ مَا يَكونُ، وَهُوَ على وَشْكِ المَوتِ وَلا يُوجَدُ مَكانٌ يَذهَبُ إليه.

وَلكِنَّ هَذا لا يَعني أنَّ كُلَّ خَاطِئٍ يَتوبُ يَكونُ في هذهِ الحَالَةِ البَائِسَة. فَليسَ هَذا هُوَ المَعنى المَقصود. فَليسَ كُلُّ خَاطِئٍ يُواجِهُ كُلَّ هذهِ الأمورِ السَّيِّئة. وليسَ كُلُّ خَاطِئٍ بَائِسًا إلى هَذا الحَدِّ. وليسَ كُلُّ خَاطِئٍ يُبَذِّرُ مَالَهُ على العَاهِرات. فهَذا ليسَ المَعنى المَقصود، بَل إنَّ المَعنى المَقصودَ هُوَ أنَّهُ يجبُ علينا أن نَعرِفَ مَا سيَفعلُهُ هذا الأبُ بأسوأِ خَاطِئٍ في الوُجود لأنَّهُ إن أسبَغَ نِعمَتَهُ على أسوأِ شَخصٍ في الوُجود فإنَّ هَذا يَعني أنَّ هُناكَ رَجاءً للأشخاصِ الأقَلِّ بُؤسًا. ولكِنْ كانَ يَنبغي أن تَكونَ الحَالَةُ بَائِسَةً جدًّا لِتَوضيحِ هذهِ النُّقطة. وَقد كانَ الابنُ الأصغرُ مُستعدًّا للعَودةِ باتِّضاعٍ إلى أبيه. وَهُوَ مُستعدّ للاعترافِ بخطيَّتِهِ مِن دُونِ أعذار. وَقد كانَ مُستعدًّا لِقبولِ أيِّ عَمَلٍ مِن أجلِ العَودَة.

وَهُوَ يُذَكِّرُني بذلكَ الشَّخصِ في القِصَّةِ الَّتي سَرَدَها يَسوعُ في إنجيل مَتَّى والأصحاح 18. هَل تَذكُرونَ أنَّهُ كَانَ مَديُونًا لِسَيِّدِهِ بمبلغٍ كَبيرٍ مِنَ المال فَقالَ لِسَيِّدِه: "اسمَح لي أن أعملَ وَأن أَرُدَّ المَبلَغ"؟ فهذهِ هي الطَّريقةُ المَألوفَة. هَذهِ هي الطَّريقةُ الدِّينيَّةُ المَألوفَة. فأنتَ تَدخُلُ إلى عَائلةِ اللهِ مِن خِلالِ أعمالِك. فَقد كَانَ يُفَكِّرُ في أنَّهُ أَهانَ أباهُ وَشَعَرَ بِمَشاعِرَ سَيِّئة. وَقد كانَ يُرَكِّزُ على الأهوالِ الَّتي فَعَلَها فَشَعَرَ بِمَشاعِرَ سَيِّئَة. وَقد كانَ مُستعدًّا لِفِعلِ أيِّ شَيءٍ يُطلَبُ مِنهُ مِن أجلِ التَّعويضِ عَن ذلك. فَهُناكَ تَوبَةٌ حَقيقيَّةٌ هُنا دُونَ شُروط.

لِذا، هُناكَ تَوبَةٌ شَائِنَةٌ تَقودُنا إلى النُّقطةِ الرَّابِعَةِ هُنا وَهِيَ: استِقبالٌ شَائِن... استِقبالٌ شَائِن. وَقَد يَبدو هَذا الأمرُ صَادِمًا لَكُم قَليلاً؛ ولكِنَّكُم سَتَرَوْنَ ذلكَ بَعدَ قليل. فهُناكَ طَلَبٌ شَائِن، وَتَمَرُّدٌ شَائِن، ثُمَّ تَوبَةٌ شَائِنَة، ثُمَّ استِقبالٌ شَائِن. وَهَذا أمرٌ مُدهِشٌ، وَمُتناقِضٌ، وَصَادِم!

فَنحنُ نَقرأُ في العَدد 20: "فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ. وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا رَآهُ أَبُوهُ، فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ". عِندَ هذهِ النُّقطةِ، لَم يَتمالَكِ الفَرِّيسيُّونَ والكَتَبَةُ أنفُسَهُم. وإنْ كَانُوا يَقِفونَ على شَيءٍ مُرتَفِع، مِنَ المُؤكَّدِ أنَّهُم سَقَطُوا عَنه. فقد كانَ هَذا المَوقِفُ صَادِمًا جدًّا لَهُم. والحَقيقةُ هِيَ أنَّ هَذا الاستقبالَ كَانَ استِقبالاً شَائِنًا في نَظَرِهم.

والآيةُ تَبتدئُ بِدايةً بَسيطَةً بالقولِ إنَّ الابنَ قَامَ وَجَاءَ إلى أبيه. فالابنُ الخَاطِئُ كَانَ مُستعدًّا لمُواجَهَةِ الخِزْيِ الَّذي يَستَحِقُّهُ. فقد أرادَ أن يَعودَ، وَأرادَ أن يَبتَدِئَ مِن جَديد، وَكانَ بِحاجَةٍ إلى أبيه، وَكانَ بِحاجَةٍ إلى مَوارِدِ أبيه. فَقد كانَ أبوهُ قَادِرًا على أن يُعطيه حَياةً عِوَضًا عَنِ المَوت. وَكانَ الابنُ وَاثِقًا في صَلاحِ أبيهِ وَلُطفِهِ وَغُفرانِه. وَقد تَابَ تَوبةً حَقيقيَّةً. وَهُوَ لا يُريدُ حَتَّى أن يَكونَ عَبدًا، بَل إنَّهُ مُستعِدٌّ للعَمَلِ أجيرًا في سَبيلِ استِردادِ مَكانَتِه. وَهُوَ لا يُريدُ أيَّ شَيءٍ لا يَستَحِقُّهُ. وَهُوَ مُستعدٌّ للعمَلِ في سَبيلِ استِحقاقِ ذلك.

وَهذا هُوَ مَا يَشعُرُ بِهِ النَّاسُ. وَهَذا هُوَ مَا كَانَ يَشعُرُ بِهِ اليَهود. وَقد كانَ الفَرِّيسيُّونَ والكَتَبَةُ يَستَمِعونَ إلى يَسوعَ [بالإضافةِ إلى جَميعِ الأشخاصِ الَّذينَ كانُوا يَسمَعونَ هذهِ القِصَّةَ] يَقولون: "أجل، هَذا صَحيح". وَهل تَعلمونَ شَيئًا؟ عندما عَادَ إلى أبيهِ، كَانُوا يَعلَمونَ مَاذا سيَفعلُ الأب.

أوَّلاً، لن يَكونَ الأبُ مُتَاحًا. فَقد تَلَقَّى إهانَةً. فَقد أُهينَتْ كَرامَتُهُ في المُجتمَع. وَقد كَانَ يَشعُرُ بالخِزْيِ بِسَببِ تَصَرُّفِ ابنِهِ العَاقِ والمُتمرِّد. وَحَتَّى إنَّهُ جَلَبَ العَارَ على نَفسِهِ لأنَّهُ سَمَحَ لَهُ بأن يَفعلَ ذلك. وَهَا هُوَ الابنُ يَأتي بِطَلَبٍ وَقِحٍ آخرَ بَعدَ أنْ بَذَّرَ جُزءًا كَبيرًا مِن ثَروةِ العَائلةِ وَأهانَ أَباهُ.

لِذا فقد كانَ اليَهودُ يَتوقَّعونَ مَا يَلي: فقد كَانُوا يَتوقَّعونَ أن يَفعلَ الأبُ مَا كانَ النَّاسُ يَفعلونَهُ في الشَّرقِ الأوسطِ آنَذاك، ورُبَّما مَا زَالوا يَفعلونَهُ حَتَّى يَومِنا هَذا في بِضعَة أماكِن. سَوفَ يَرفُضُ الأبُ استِقبالَ ابنِهِ، وَسَوفَ يَجعَلُ الأبُ ابنَهُ يَجلِسُ خَارِجَ بَابِ البيتِ في القَريةِ عَلى مَرأى مِنَ النَّاسِ جَميعًا. ولم يَكُن يُسمَحُ لأيِّ شَخصٍ بإدخالِهِ إلى الدَّاخِل لكي تَسخَرَ كُلُّ البَلدةِ مِنهُ وتَجلِبَ على رَأسِهِ القَصَاصَ الَّذي يَستَحِقُّهُ بِسَببِ الطَّريقةِ الَّتي أَهانَ بِها أباهُ.

فَسَوفَ يَتعرَّضُ للسُّخريةِ والشَّتْمِ والهُزْءِ، وحَتَّى إنَّ النَّاسَ قَد يَبصُقونَ عَليه. وكانَ الابنُ يَتوقَّعُ ذلك. فَهُوَ يَتوقَّعُ ذلك. فقد كانَ يَعلَمُ أنَّ هَذا قَد يَحدُث لَهُ، وَأنَّهُ سَيُضطرُّ إلى قَبولِ ذلكَ وَتَحَمُّلِه. وكانَ الفَرِّيسيُّون والكَتَبَةُ يَتوقَّعونَ أن يُذَلَّ بطريقةٍ عَادِلَةٍ أمامَ الجَميعِ كَجُزءٍ مِنَ القَصاصِ الَّذي يَستَحِقُّهُ على العَارِ الَّذي جَلَبَهُ على رَأسِ أبيه.

وعندما يَسمَحُ الأبُ لَهُ بِدُخولِ البيتِ بَعدَ مُدَّةٍ، سَيتِمُّ استِقبالُهُ استِقبالاً بَارِدًا. ويَجِبُ على الابنِ أنْ يَرْكَعَ على الأرضِ ويُقَبِّلَ قَدَمَيِّ أبيه. ثُمَّ إنَّ الأبَ سَيُخبِرُهُ [بِعَدَمِ مُبالاةٍ] بالعملِ الَّذي يَنبغي لَهُ أن يَعمَلَهُ وبالمُدَّةِ الَّتي يَنبغي أن يَعملَ بها لإظهارِ أنَّ تَوبَتَهُ حَقيقيَّة. وَإنْ عَمِلَ المُدَّةَ المَطلوبةَ، وَقَدَّمَ كُلَّ التَّعويضاتِ اللاَّزِمَةِ، وفَعَلَ كُلَّ مَا هُوَ مَطلوبٌ مِنهُ، وَدَفَعَ كُلَّ مَا هُوَ مَدينٌ بِهِ، يُمكِنُهُ أن يَحصُلَ على المُصالَحَةِ آنَذاكَ فقط.

وَكانَ جَميعُ أَحْبارِ اليَهودِ يُعَلِّمونَ ذلك. فَقد كانَ جَميعُ أَحْبارِ اليَهودِ يُعَلِّمونَ أنَّ التَّوبةَ هِيَ عَمَلٌ يَعمَلُهُ الإنسانُ لكي يَستَحِقَّ إحْسانَ اللهِ عندما يَشعرُ بالنَّدَمِ على خَطاياه. فهذهِ هي التَّوبة. فأنتَ تَشعُرُ بالنَّدَمِ على خَطاياكَ. وَأنتَ تُريدُ أن تَرجِعَ إلى اللهِ. لِذا فإنَّكَ تَعملُ العَملَ المَطلوبَ مِنك. ومِن خِلالِ ذلكَ العَمَلِ فإنَّكَ تَحصُلُ على إحسانِ اللهِ مِن خِلالِ التَّكفيرِ عن خَطاياك. لِذا، كانَ الجَميعُ يَعلَمُ أنَّ هذهِ هي الطَّريقةُ الصَّحيحَةُ للقِيامِ بذلك. وَحَتَّى بعدَ أن تُكيلَ لَهُ القَريةُ قَدْرًا مِنَ السُّخريةِ وَقتًا طَويلاً، قَد يَسمَحونَ لَهُ بالعَملِ بِقَدْرٍ مِنَ الكَرامَة.

ولكِنَّ مَا تَوَقَّعوهُ لم يَحدُث. فَالحَقيقةُ هِيَ أنَّ مَا حَدَثَ لا يُمكِنُ أنْ يُوصَفَ إلاَّ بأنَّهُ شَائِن... شَائِن! فَما حَدَثَ هُوَ التَّالي: "وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا رَآهُ أَبُوهُ، فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ". والآن، يَجِبُ عَليَّ أن أُجَزِّئَ هَذا الجُزءَ قَليلاً. "وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيدًا"؛ أيْ قَبلَ أنْ يَصِلَ إلى مَدخَلِ القَريَة. فَقد كانَ مَا زَالَ يَمشي على الطَّريقِ التُّرابِيِّ خَارِجَ القَرية وَما زَالَ بَعيدًا. "رَآهُ أَبُوهُ". وَهَذا يَدُلُّ على أنَّ الأبَ كَانَ في حَالَةِ انتِظارٍ دَائِمَة. أليسَ كذلك؟ فَالجَميعُ يَعلَمونَ ذلك. فقد كانَ الأبُ يَتَرَقَّبُ عَوْدَتَهُ دَائِمًا.

وَقد كانوا يَتوقَّعونَ أنَّهُ كانَ يَتَرَقَّبُ عَودَتَهُ كَثيرًا، وَأنَّهُ كانَ يَعلَمُ أنَّ الحَياةَ الَّتي ذَهَبَ إليها ابنُهُ سَتَنتَهي بالطَّريقةِ الَّتي انْتَهَتْ بِها، وَأنَّهُ كانَ يَرجُو أن يَنجو ابنُهُ مِنها وَأن يَعودَ، وَأنَّ الأبَ كَانَ يَحمِلُ ألَمًا خَاصًّا وَأنَّهُ يَخْتَبِرُ حُرْقَةَ المَحَبَّةِ وَحيدًا في قَلبِهِ وَيَنظُرُ... وَيَنظُرُ... وَيَنظُرُ... وَيَنظُر!

وَكانَ الوقتُ نَهارًا. فَلاَ بُدَّ أنَّ الوقتَ كَانَ نَهارًا في القِصَّةِ لأنَّ الأبَ رأى الابنَ مِن مَسافَةٍ بَعيدةٍ. وَهذا يَعني أنَّ القَريةَ كانَت مُزدَحِمَةً بالنَّاس. فقد كانتِ القَريةُ مُزدحمةً. وَكانَ النَّاسُ في القَريةِ مَشغُولين. وَكانَ هُناكَ ضَجيجٌ. وَكانَت تَعُجُّ بالنِّساءِ والأطفالِ والمُسِنِّينَ وَجميعِ الأشخاصِ الَّذينَ لا يَعمَلونَ في الحُقول. وَهَذا يَعني أنَّ المَكانَ كَانَ مُزدَحِمًا. وَكانَ الأبُ يَتَرَقَّبُ وَيُراقِب.

لِماذا؟ الجَوابُ بَسيطٌ جدًّا. فَقد أرادَ أن يَصِلَ إلى ابنِهِ قَبلَ أن يَصِلَ ابنُهُ إلى القَرية. فَهُوَ يُريدُ لا فَقَط أن يَبتَدِئَ المُصالَحَةَ كما فَعَلَ الرَّاعي عندما وَجَدَ الخَروفَ الضَّالَ، أو كَما فَعَلتِ المَرأةُ عندما عَثَرَتْ على الدِّرهَمِ المَفقودِ؛ فقد أرادَ لا فقط أن يَبتَدئَ المُصالَحَةَ... اسمَعوني: بَلْ أرادَ أيضًا أن يَصِلَ إلى ابنِهِ قَبلَ أن يَصِلَ ابنُهُ إلى القَرية.

لِماذا؟ لأنَّهُ أرادَ أن يَحميهِ مِنَ العَار. وقد أرادَ أن يَحميهِ مِنَ السُّخريةِ، وَالإساءةِ، وَالشَّتْم. فَقد أرادَ أن يَحمِلَ العَارَ بِنَفسِهِ، وَأنْ يَحْتَمِلَ الشَّتْمَ بِنَفسِهِ. فَهُوَ مُستَعِدٌّ لِسَماعِ النَّاسِ يَقولونَ: "مَا هَذا الَّذي يَفعَلُه؟ فَهذا الرَّجُلُ الَّذي تَعَرَّضَ للإهانَةِ يُهينُ نَفسَهُ الآنَ بِمُعانَقَةِ هَذا الابْنِ العَاق!" ولكِنَّهُ أرادَ أن يَحمي ابنَهُ مِنَ السُّخريةِ والشَّتمِ وَالهُزْءِ الَّذي كَانَ مُتَوَقَّعًا على الرَّغمِ مِن أنَّهُ كَانَ عِقابًا عَادِلاً، وجُزءًا مِنَ الثَّقافَةِ، وَشَيئًا مُتَوَقَّعًا.

وكَيفَ يَفعلُ ذلك؟ كيفَ يَحمي ابنَهُ؟ نَقرأُ أنَّهُ رَآهُ مِنْ مَسافَةٍ بَعيدةٍ مِنَ القَريةِ "فَتَحَنَّنَ". وَهُوَ لم يَتَحَنَّنْ عَليهِ بِسَبَبِ خَطاياهِ السَّابقةِ، وَلَم يَتَحَنَّنْ عليهِ بِسَبَبِ حَالَتِهِ المُزْرِيَةِ الحَاضِرَة. فَقد كانَ يَرتَدي مَلابِسَ رَثَّة، وتَفوحُ مِنهُ رَائِحَةُ الخَنازير. ولكِنَّهُ تَحَنَّنَ عَليهِ بسببِ مَا سَيَختَبِرُه.

والكلمةُ "تَحَنَّن" هِيَ تَرجمةٌ للكلمةِ اليُونانِيَّةِ "سبلاغنيتزوماي" (splagchnizomai) مُشتَقَّةٌ مِنْ جَذْرٍ يَعني: "أحشاء" أو "أمعاء" أو "بَطْن". فَقد شَعَرَ بِشُعورٍ مُزْعِجٍ في أَحشائِهِ عندما رَأى ابنَهُ وَعَلِمَ أنَّهُ سَيَتَعَرَّضُ للكَثيرِ مِنَ التَّوبيخ. لِذا فإنَّنا نَقرأُ أنَّهُ "رَكَضَ".

والآن، يَجِبُ أن أقولَ لَكُم شَيئًا يا أحبَّائي: فَالرِّجالُ النُّبَلاءُ في الشَّرقِ الأوسَطِ لا يَركُضُون. فَهذا شَيءٌ يَعلَمُهُ الجَميع. والكلمة "رَكَضَ" المُستخدمةَ هُنا هِيَ تَرجَمَةٌ للكلمةِ اليونانِيَّةِ "درامون" (dramon)، وهي كلمةُ اصطِلاحِيَّةٌ تُستخدَمُ للإشارةِ إلى العَدْوِ في سِباق. فَقد رَكَضَ بِسُرعَة. فَقد نَفَدَ صَبْرُهُ. وَقَد شَعَرَ أنَّهُ عَاجِزٌ عَنِ الوُصولِ إلى ابنِهِ بالسُّرعَةِ المَطلوبَة. وَهَذهِ الكلمةُ لا تَعني أنَّهُ عَجَّلَ في السَّيرِ أَو أَسْرَعَ قَليلاً، أو أنَّهُ هَرْوَلَ، بَل إنَّهُ رَكَضَ بِأقصى سُرعَتِه.

وَهَذا هَدْرٌ آخر لِكَرامَتِهِ يا أحبَّائي. وَكم أَتَمَنَّى لو أنَّكُم تَعرِفونَ مَعنى ذلك. سَوفَ أقولُ لكم. لَقد أَجرى "كينيث بيلي" (Kenneth Bailey) دِراسةً عنِ الحَياةِ في الشَّرقِ الأوسطِ، وَعَاشَ هُناكَ سَنواتٍ عَديدة وَطَويلة، وَجَمَعُ مَوادًّا غَنِيَّةً تُساعِدُ في فَهْمِ الشَّرقِ الأوسَط. وَقد كَتَبَ مَا يَلي: "وَاحِدٌ مِنَ الأسبابِ الَّتي تَمنَعُ أَشرافَ القَومِ في الشَّرقِ الأوسطِ مِن أن يَركُضوا هُوَ أنَّهُم في العَادَةِ كَانُوا يَرتَدونَ أثوابًا طَويلةً. وَهَذا يَصِحُّ على الرِّجالِ والنِّساء. وَلا أحدَ يَستطيعُ أن يَركُضَ بِثَوبٍ طَويلٍ إلاَّ إذا رَفَعَهُ وَأمسَكَهُ بيَديهِ (أو إلاَّ إذا أَمْسَكَتْهُ بِيَديها). وعندما يَحدُثُ هَذا فإنَّ السَّاقَيْنِ تُكْشَفان؛ وَهُوَ أمرٌ يُعَدُّ مُهينًا". وَهُوَ يَقولُ: "مِنَ الواضِحِ أنَّ كَشْفَ السَّاقَيْنِ كَانَ عَيْبًا. فالأثوابُ ذاتُها كانت تَصِلُ إلى الأرضِ مِن أجلِ التَّيَقُّنِ مِن عَدَمِ حُدوثِ ذلك. وَهُناكَ تَقليدٌ خَاصٌّ بالسَّبتِ يَقولُ إنَّهُ إنْ زَحَفَ طَائِرٌ تَحتَ ثَوبِكَ في السَّبتِ، لا يَجوزُ لَكَ أن تُمسِكَهُ". وَهذهِ مُشكلة! "لأنَّكَ قَد تَكشِفُ عَن سَاقَيْكَ إن فَعَلْتَ ذلك".

لِذا فإنَّهُ يَقولُ: "لِذا فإنَّ البَديلَ المُقتَرَحَ هُوَ أن تَجلِسَ بِهدوءٍ شَديدٍ وَأن تَنتَظِرَ غِيابَ الشَّمسِ كَيلا يَتمكَّنَ أحدٌ مِنَ الرُّؤيةِ؛ ثُمَّ يُمكِنُكَ أن تُمسِكَ الطَّائِر. كذلكَ، يُمكِنُكَ في السَّبتِ أنْ تَهْدِلَ ثَوبَكَ لكي تَجعَلَهُ أنيقًا؛ ولكِن لا يُمكِنُكَ أن تَرفَعَهُ. وَإن لم يَكُن ثَوبُكَ يَصِلُ إلى الأرضِ ولم يَكُن لَديكَ ثَوبٌ آخر للسَّبت، يَنبغي أن تَفُكَّ حَاشِيَتَهُ لكي يَلمَسَ الأرض.

"كَذلكَ، لا يَجوزُ لأيِّ شخصٍ أن يَقفِزَ أو أن يُهَرْوِلَ بِخُطُواتٍ وَاسِعَة. فينبغي أن تَبقى رِجْلٌ واحِدَةٌ على الأرضِ طَوالَ الوقت. والسَّببُ في ذلكَ التَّقليدِ الأخيرِ هُوَ التَّحَقُّقُ مِن عَدَمِ انكِشافِ أيِّ جُزءٍ مِنَ السَّاق. وبينَما كانَ المُعَلِّمُ "حِسْدا" (Rabbi Hisda) يَمشي بينَ الأشواكِ والنَّباتاتِ الشَّائِكَةِ رَفَعَ ثَوبَهُ لكي يَحْفَظَهُ مِنَ التَّمَزُّق. وَقَدِ اضْطُرَّ إلى تَقديمِ تَعليلٍ لأتباعِهِ عن كَشْفِهِ غَيرِ المَقبولِ لِسَاقَيْه.

وفي كِتابٍ آخرَ قَديم، قِيلَ إنَّ "الأبَ حِلْقِيَّا" (Abba Hilkiah) رَفَعَ ثَوبَهُ لكي يَتجنَّبَ الأشواكَ عندما كَانَ يَمشي في الرِّيف. وَقَد طُلِبَ مِنهُ أن يُفَسِّرَ تلكَ التَّصَرُّفاتِ الغَريبَةِ المُحَيِّرَة. وَقد كانَ الثَّوبُ الخَارِجِيُّ يُسَمَّى "ميكيبيدوت" (mekebeduth) وَمَعناها: "الشَّيءُ الَّذي يَحْفَظُ كَرامَتي". فَقَد كانتِ الكَرامَةُ مُرتَبِطَةً بالثَّوب. ولم يَكُن يُسمَحُ للكَهَنةِ الَّذينَ يُقَدِّمونَ الذَّبائِحَ أن يَرفَعُوا أثوابَهُم الطَّويلةَ لِحِفْظِها مِنَ التَّلَوُّثِ بالدَّمِ على الأرض لِئلاَّ يَكشِفوا عَن سِيقانِهِم.

اسمَعوني: لقد كانَ هَذا الأمرُ جُزءًا لا يَتجزَّأُ مِن ثَقافَةِ الشَّرقِ الأوسطِ حَتَّى إنَّ عَدَدًا مِنَ التَّرجَماتِ العَرَبِيَّةِ مِنَ الكتابِ المقدَّسِ، أو مِنَ العهدِ الجديدِ، لا تَذكُرُ أنَّ هَذا الأبَ رَكَضَ. ففي عَدَدٍ مِنَ التَّرجَماتِ السِّريانِيَّةِ نَجِدُ أنَّ الأبَ يَركُض. ولكِن في عَددٍ مِنَ التَّرجَماتِ العَربيَّةِ القَديمةِ نَقرأُ أنَّهُ ذَهَبَ، أو مَضَى، أو أسرَعَ، أو عَجَّلَ. فالمُترجِمونَ لم يَتمكَّنُوا مِنَ استِخدامِ تلكَ الكلمةِ الَّتي تَعني: "رَكَضَ".

وعلى مَدى ألفِ سَنَةٍ مِنَ التَّرجماتِ العَربيَّةِ لهذهِ القِصَّةِ، تَمَّ استِخدامُ مَجموعَةٍ كَبيرةٍ مِنَ الكلماتِ الأخرى كَما لو أنَّهُ كانَت هُناكَ مُؤامرةٌ لِتَجَنُّبِ الحَقيقةِ المُهينَةِ في النَّصِّ والَّتي تَقولُ إنَّ الأبَ رَكَضَ. وَتَفسيرُ هَذا كُلِّهِ بَسيطٌ. فالتَّقليدُ نَفسُهُ يُعَرِّفُ الأبَ بأنَّهُ اللهُ. والرَّكضُ أمامَ النَّاسِ هُوَ أمرٌ مُهينٌ جدًّا وَلا يَجوزُ أن يُنْسَبَ إلى شَخصٍ يَرمِزُ إلى الله.

وأخيرًا، في سَنةِ 1860، في التَّرجمةِ المَعروفَةِ باسم "تَرجمة فاندايك العَربيَّة للكِتابِ المُقدَّسِ"، نَجِدُ أنَّ الأبَ يَركُض. ولكِنَّ أوراقَ العَمَلِ الَّتي كَتَبَها المُتَرجِمونَ مَا تَزالُ مَوجودةً. وَأوَّلُ وَرَقةِ عَمَلٍ تَذكُرُ أنَّهُم تَرْجَمُوا هذهِ الكلمةَ: "أَسْرَعَ". وفي وَرَقَةِ العَمَلِ الأخيرةِ اتَّفَقُوا على أن يُتَرجموها أنَّهُ "رَكَضَ".

وَما الَّذي يَركُضُ اللهُ مِن أجلِه؟ ولماذا يَجلِبُ العَارَ والهُزْءَ على نَفسِهِ بأن يَكشِفَ نَفسَهُ؟ إنَّهُ أمرٌ صَادِمٌ وَحَسْب. والسَّبَبُ هُوَ أنَّ الأبَ يَركُضُ وَيَقبَلُ العَارَ لِكَي يَحمي الابنَ مِنَ التَّعَرُّضِ للعَار. فَهُوَ يَرتَضي لِنَفسِهِ السُّخريةَ، والهُزْءَ، والشَّتائِمَ لِئَلاَّ يُضْطَرَّ الابنُ إلى تَحَمُّلِ ذلك. وعندما يَصِلُ أخيرًا إليهِ فإنَّهُ يَفعلُ شَيئًا صَادِمًا أكثر إذْ إنَّهُ عَانَقَهُ. والنَّصُّ يَقولُ حَرفِيًّا: "وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ". فَقَدْ أَلقى بِنَفسِهِ عَليهِ وَعَانَقَهُ بِقوَّة، وَدَفَنَ رَأسَهُ في عُنُقِ ابنِهِ الَّذي كانت تَفوحُ مِنهُ رَائِحَةٌ قَذِرَة، وكانَ مُتَّسِخًا وَرَثَّ المَلابِس.

والآن، نَعلمُ أنَّ الأبَ كَانَ يُعاني بِصَمتٍ طَوالَ فَترةِ غِيابِ الابن. فَقد كان يُعاني بِصَمتٍ، وَيُحِبُّ ابنَهُ في أثناءِ غِيابِهِ. والآنَ، هَا هيَ تلكَ المَحَبَّةُ المُتألِّمَةُ الصَّامِتَةُ والسَّاكِنَةُ قَد عُرِضَتْ عَلى المَلأ حينَ رَاحَ يَركُضُ في الشَّارِعِ جَالِبًا العَارَ عَلى نَفسِهِ لكي يُعانِقَ ابنَهُ وَيَحميهِ مِنَ العَار.

والآن، بَاتَ كُلُّ شَخصٍ يَعرِفُ مِقدارَ مَحَبَّةِ ذلكَ الأبِ لابنِهِ ذاك. فَهُوَ يُحِبُّهُ حُبًّا جَمًّا حَتَّى إنَّهُ يَحمِلُ العَارَ عَنهُ، وَحَتَّى إنَّهُ يَتَنازَلُ عَن كُلِّ كِبرياءٍ، وكُلِّ حُقوقٍ، وكُلِّ شَرَفٍ. فَهُوَ يُضَحِّي، وَيُظهِرُ مَحَبَّتَهُ، وَيَرتَضي بِجَلبِ العَارِ عَلى نَفسِهِ لكي يُلقي ذِراعَيْهِ حَولَ ذلكَ الخَاطِئِ العَائِدِ وَيَحميهِ مِن تَعييرِ الجَميعِ لَهُ. وعندما دَخَلَ الابنُ القَريةَ، كَانَ ابْنًا تَصالَحَ مَعَ أبيهِ تَمامًا.

وَلا يُمكِنُني أن أَصِفَ لَكُم صَدْمَةَ المُستَمِعين. وإن لم يَكُن ذلكَ كَافِيًا، فإنَّنا نَقرأُ أنَّهُ: "قَبَّلَهُ". والكلمة "كاتافيليئو" (kataphileo) تَعني أنَّهُ قَبَّلَهُ مِرارًا وتَكرارًا على خَدَّيْهِ، وَعلى وَجْنَتَيْهِ، وَفي كُلِّ مَكان. وَهذا مُدهِشٌ! فَهل تُريدونَ أن تَعلَموا كَم يَكونُ اللهُ مُتَحَمِّسًا لاستِقبالِ شَخصٍ خَاطئ؟ سَوفَ يَركُضُ على التُّرابِ وَيَقبَلُ العَارَ. وَسوفَ يُعانِقُ الخَاطِئَ بِكُلِّ قُوَّتِهِ وَيُقَبِّلُهُ في جَميعِ أجزاءِ رَأسِه.

فَهُناكَ أشخاصٌ يَظُنُّونَ أنَّ اللهَ مُخَلِّصٌ مُتَرَدِّدٌ. لا، إنَّهُ ليسَ كَذلك. فَهذهِ القُبُلاتُ الحَارَّةُ تَتَكرَّرُ وَتَتَكرَّر. فَالخَاطِئُ يُبدي الاستعدادَ لِتَقبيلِ قَدَمَيِّ الآبِ، ولكِنَّ أباهُ يُقَبِّلُ رَأسَهُ. وَهَذهِ إيماءَةٌ في تِلكَ الثَّقافَةِ على القَبولِ، والصَّداقَةِ، والمَحَبَّةِ، والغُفرانِ، والرَّدِّ، والمُصالَحةِ، وكُلِّ شَيءٍ آخر. وَقد حَدَثَ هَذا كُلُّهُ قَبلَ أن يَقولَ الابنُ كلمةً واحِدَة. فَما الَّذي سَيَقولُهُ؟ فَقد عَادَ إلى هُناك. وَهَذا يَكفي للتَّدليلِ على إيمانِهِ بأبيهِ وَتَوبَتِه. فَقد عَادَ وَهُوَ يَعلَمُ أنَّهُ يَنبغي لَهُ أن يَطرَحَ نَفسَهُ على رَحْمَةِ أبيهِ. وَقد جَاءَ وَهُوَ مُستَعِدٌّ لاحتِمالِ العَار. فَقد عَاد.

وَهذهِ قِصَّةٌ مُتَطَرِّفَةٌ يا أحبَّائي. فهي مُتَطَرِّفَةٌ وغيرُ اعتِياديَّة. لِذا فهي لم تَكُن مُتَوَقَّعَةً البَتَّة. وَهُنا تَأتي المُفاجأةُ الكُبرى في القِصَّة. فالأبُ يَتَحَنَّنُ، ويُهينُ نَفسَهُ بِسَبَبِ مَحَبَّتِهِ العَميقةِ لهذا الابن، وَيَركُضُ مِن بَيتِهِ على الطَّريقِ التُّرابِيِّ في القَريةِ، وَيَركُضُ مُحْتَمِلاً الخِزيَ وَالعَارَ، ويُلقي ذِراعَيهِ حَولَ الخَاطِئِ التَّائِبِ المُؤمِنِ الَّذي جَاءَ إليهِ بِثِيابِهِ البَالِيَةِ القَذِرَة. فَهذا الأبُ يَفعلُ تَمامًا مَا فَعَلَهُ يَسوعُ... يَفعلُ تَمامًا مَا فَعَلَهُ. فقد جَاءَ إلى قَريَتِنا وَعَرَّضَ نَفسَهُ للهُجومِ، وَحَمَلَ العَارَ، وَاحتَمَلَ الشَّتْمَ والهُزْءَ، وَأَلقَى ذِراعَيْهِ حَولَنا، وَقَبَّلَنا، وَتَصالَحَ مَعَنا.

والصَّدمَةُ هِيَ أنَّ كُلَّ هَذا حَدَثَ مِن دُونِ أيِّ مَاذا؟ أعمال. هَذهِ هِيَ الصَّدمَة. فَقد كانَ الأمرُ كُلُّهُ نِعْمَةً كَما هُوَ وَاضِحٌ مِنَ الآيةِ الَّتي تَلي ذلك. وَقَد فَهِمَ الابنُ ذلك. "فَقَالَ لَهُ الابْنُ: يَا أَبِي، أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ...". "...أخطأتُ إلى السَّماءِ وَقُدَّامَكَ، وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا". وَقَدِ انتَهى الحَديثُ عِندَ هَذا الحَدِّ.

ولكِنَّهُ أَسْقَطَ جُزءًا. مَا الجُزءُ الَّذي أَسْقَطَهُ؟ ارجِعُوا إلى العَدد 19. فَقد أَسْقَطَ الجُزءَ الأخيرَ الَّذي يَقولُ فِيه: "اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ". لِماذا؟ لأنَّهُ لا حَاجَةَ إلى الأعمال. فَقد نَالَ النِّعمَةَ للتَّوّ. وَهذهِ هيَ الصَّدمَةُ الكُبرى. فالأبُ مُتَحَمِّسٌ جدًّا. فَهُوَ يَقبَلُ الابنَ، ويُعانِقُهُ، وَيَتصالَحُ مَعَهُ قَبلَ أن يَقولَ الابنُ أيَّ شَيء.

ولكِن عندما يَتكلَّمُ الابنُ فإنَّهُ يُسْقِطُ الجُزءَ المُختصَّ بالأعمال. فَحيثُ تُوجَدُ تَوبةٌ كَامِلَةٌ، وَإيمانٌ كَامِلٌ، لا حَاجَةَ للأعمال. لماذا؟ لأنَّهُ قُبِلَ للتَّوِّ بِصِفَتِهِ ابنًا. وَقد نَالَ الغُفرانَ للتَّوّ. وَقد نَالَ للتَّوِّ رَحمَةً. وَقد نَالَ للتَّوِّ مُصالَحَةً. فَتوبَتُهُ حَقيقيَّة. وَإيمانُهُ حَقيقيٌّ. وَأبوهُ يَتجاوَبُ بِغُفرانٍ كَامِلٍ وَمُصالَحَةٍ تَامَّة. والآن، بَاتَ الابنُ يَعرِفُ ذلكَ ويقول: "أنا لَستُ بحاجَةٍ إلى العَمَلِ مِن أجلِ المُصالَحة. فقد عَانَقَني أبي، وَقَبَّلَني، وَحمَلَ عَاري".

فَهُناكَ طَلَبٌ شَائِنٌ، وَتَمَرُّدٌ شَائِنٌ، وَتَوبَةٌ شَائِنَةٌ، وَاستِقبالٌ شَائِنٌ مِن ذلكَ الأبِ [مِن وُجهَةِ نَظَرِهم] أَدَّى إلى مُصالَحَةٍ شَائِنَة. لِنَنتقل إلى العَدد 22. وَهَذا هُوَ الجُزءُ الصَّغيرُ الأخيرُ المُختصُّ بالأب: "فَقَالَ الأَبُ لِعَبِيدِهِ: أَخْرِجُوا [سَريعًا] الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ، وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ". سَوفَ نَتوقَّفُ هُنا قَليلاً.

وَهُنا أيضًا صُدِمَ الحَاضِرون. فَالأبُ لا يُبالي بالعَار. فَقد رَكَضَ بِطريقةٍ مُهينَةٍ، وَهُوَ الآنَ يُسبِغُ البَرَكَةَ دُونَ تَرَدُّدٍ على ابنِهِ الَّذي تَصالَحَ مَعَهُ. ولم يَفهَمِ الحَاضِرونَ البَتَّةَ مَا يَجري. فَهذا أمرٌ صَادِمٌ جدًّا لا سِيَّما أنَّ الأبَ لم يُبالِ البَتَّةَ بِكَرامَتِه. وَهُوَ يُعطي ابنَهُ ثَلاثةَ أشياء: حُلَّةً، وَخَاتَمًا، وَحِذاءً.

وَقَد فَهِمَ الجَميعُ مَغزى ذلك. فَقد فَهِمَ الجَميعُ ذلك. فَقد تَوَقُّعوا أنَّهُ سيَقولُ لَهُ في أفضلِ الأحوال: "انظُر! أنا أريدُ أن أغفِرَ لَكَ. ورُبَّما لن يَتطلَّبَ الأمرُ مِنكَ أن تَعملَ طَوالَ حَياتِكَ؛ ولكِنِّي أريدُ أن أُراقِبَكَ سَنَةً أو سَنَتَينِ كَي أرى مَا يَحدُثُ في حَياتِكَ، وَكَي أرى إن كُنتَ قَد تُبتَ حَقًّا، وَإن كُنتَ تَعني حَقًّا أنَّكَ تُريدُ استِعادَةَ العَلاقَة".

ولكِنَّ شَيئًا مِن هَذا لَم يَحدُث، بل إنَّ كُلَّ شَيءٍ حَدَثَ في عُجالَة. فالأبُ يَقولُ ذلكَ لِعَبيدِهِ. والصُّورَةُ كانت هَكذا. فَها هُوَ الأبُ يَخرُجُ مِن بَيتِهِ، ويَركُضُ في الشَّارِعِ التُّرابِيِّ في القَريةِ، والخَدَمُ يَركُضونَ خَلفَهُ دُونَ أن يَدرُوا أينَ هُوَ ذَاهِبٌ وَلماذا يَركُضُ بتلكَ الطَّريقة. وَهُم يَعلَمونَ أنَّهُ لا يَجوزُ لَهُ أن يَفعلَ ذلك؛ ولكِنَّهُم لَحِقوهُ لأنَّهُم خُدَّامُ بَيتِه.

وَأخيرًا فإنَّهُ يَصِلُ إلى ابنِهِ. وَهُوَ يُعانِقُهُ على الرَّغمِ مِن رَائِحَتِهِ النَّتِنَة، وَيُقَبِّلُهُ في كُلِّ مَكان. وَهُوَ يَلتَفِتُ إلى الخَدَمِ الَّذينَ كانوا يَلْهَثونَ وَيَتَنَفَّسونَ بِقُوَّةٍ مَعَهُ وَيَقولُ لَهُم: "أَخْرِجُوا سَريعًا". والكلمةُ اليُونانيَّةُ "تاكو" (tacho) تَعني حَالاً، وَبسُرعة، وفي عُجالَةٍ، وَدُونَ تَأخير. "أَخْرِجُوا [سَريعًا] الْحُلَّةَ الأُولَى".

وَلا يُوجَدُ أبٌ يَتصرَّفُ هَكذا لأنَّهُ [كَما تَعلَمونَ] كانَ كُلُّ رَجُلٍ نَبيلٍ يَمْتَلِكُ حُلَّةً أولى. وَما أعنيهِ هُوَ أنَّكَ تَملِكُ حُلَّةً أولى واحِدَة تَرْتديها عِندَما تَذهبُ إلى مَكانٍ فَخْمٍ. فأنتَ تُخرِجُ أفضلَ حُلَّةٍ لَديكَ، أو أفضلَ بَذلَةٍ لَديكَ لِكَي تَرتَديها في المُناسَباتِ الخَاصَّةِ أوِ المُناسَباتِ المُهِمَّة. وأنتُنَّ أيَتُها النِّساءُ لَديكُنَّ فُستانٌ خَاصٌّ للمُناسباتِ الخَاصَّة. وإن لم يَكُن لَديكِ فُستانٌ كَهذا فإنَّكَ تَذهبينَ وَتَشتَرينَ واحِدًا لأنَّ المُناسَباتِ تَتَطَلَّبُ فُستانًا كَهذا.

وَقد كانَت تُوجَدُ لدى العَائلاتِ في تلكَ الأيَّامِ حُلَّةٌ خَاصَّة. وَقد كانت تِلكَ الحُلَّةُ هِيَ أجمَلُ حُلَّةٍ وأكثرُها إتقانًا. والحَقيقةُ هي أنَّ هَذا هُوَ مَا يَقولُهُ النَّصُّ اليُونانِيُّ. فَهِيَ تُسَمَّى "ستولين تين بروتان" (stolen ten proten) وَمَعناها: "الحُلَّة الأولى"... "ستولن الأولى". فالكلمة "ستولين" تَعني: "حُلَّة". وَقَدْ أَلْبَسَهُ تِلكَ الحُلَّة.

ثُمَّ إنَّهُ يَضَعُ خَاتَمًا في يَدِهِ. وَقد كَانُوا جَميعًا يَفهَمونَ مَغزى ذلك. وَقد كانَ هَذا أيضًا صَادِمًا لَهُم لأنَّ الخَاتَمَ كَانَ خَاتَمَ تَوقيعٍ. فقد كانَ ذلكَ الخَاتَمُ يَحْمِلُ سِمَةً أو عَلامَةً خَاصَّةً حَتَّى عِندَما تَطْبَعُ خَاتَمَكَ على الشَّمْعِ الذَّائِبِ فَوقَ وَثيقَةٍ فإنَّكَ تُوَثِّقُ تلكَ الوَثيقة. لِذا فقد كَانَ خَاتَمًا يُشيرُ إلى السُّلطَة. فإنِ استَخدمتَ ذلكَ الخَاتَمَ على أيَّةِ وَثيقةٍ فإنَّكَ تَصيرُ مُلْزَمًا بِما تَنُصُّ عَليه.

وَلم يَكُنِ الأُجَراءُ يَنْتَعِلونَ شَيئًا، ولم يَكُنِ العَبيدُ يَنْتَعِلونَ شَيئًا؛ ولكِنَّ السَّادَةَ وَأبناءَهُم كَانُوا يَنْتَعِلونَ أحذيةً أو نِعالاً. وَقد كانُوا يَفهَمونَ مَا يَقول. فَهذا شَرَفُ بُنُوَّةٍ كَامِل. فَهُوَ يُعطيهِ شَرَفًا بأنْ يُلْبِسَهُ هَذِهِ الحُلَّة.

وبالمُناسَبَة، كانتِ الحُلَّةُ للأبِ. فقد كانتِ الحُلَّةَ المُخَصَّصَةَ لأبرَزِ شَخصٍ في العَائلةِ كي يَرتَديها في أَهَمِّ الأعيادِ وَأَهَمِّ المُناسَبات. وكانَ الأبُ على وَشْكِ إقامَةِ أعظمِ احتِفالٍ أُقيمَ في تلكَ العَائلةِ وفي تلكَ القَرية. وَهُوَ يَتَخَلَّى عنِ الحُلَّةِ الَّتي كَانَ يَرتديها في تلكَ المُناسَبات.

وَهذا يَعني أنَّهُ يَقولُ للابن: "كُلُّ مَا هُوَ لي هُوَ لَك". وَهُوَ يَعني بذلكَ: "أفضَلُ مَا لَديَّ هُوَ لَكَ. وَأفضَلُ كُلِّ شَيءٍ لَديَّ هُوَ لَكَ" كَما هُوَ وَاضِحٌ مِن خِلالِ الثَّوب. بَل إنَّ الأمرَ يَعني مَا هُوَ أكثرُ مِن ذلك. فَقد تَمَّ رَدُّكَ تَمامًا بِصِفَتِكَ ابنًا. فَكَأنَّ المَلِكَ يُعطي ثَوبَهُ المَلَكِيَّ للأمير. وَهَذا عَمَلٌ آخر مِن أعمالِ إخلاءِ الذَّاتِ مِنْ قِبَلِ الأبِ إذْ إنَّهُ كَسَى الابْنَ بِحُلَّتِهِ الخَاصَّة.

ولم يَكُن أيُّ أَبٍ قَد فَعَلَ ذلكَ مِن قَبل. وَمَرَّةً أخرى نَقولُ إنَّ هَذا الأبَ لم يَكُن يُبالي البَتَّةَ بِكَرامَتِه. ولكن كَما تَرَوْنَ، فإنَّهُم لا يَفهمونَ أنَّ كَرامَةَ اللهِ تَتَجَلَّى في مَحَبَّتِهِ وَنِعْمَتِهِ وغُفرانِه. فَكُلُّ ما كانُوا يَعرِفونَهُ هُوَ أعمالُهُ وَناموسُه. فقد جاءَ الابنُ بِقَذارَتِهِ، وَبثِيابِهِ البَالِيَةِ، وَبِنَجاسَتِهِ. ولكِنْ لَن يَراهُ أحدٌ بتلكَ الطَّريقَةِ مَرَّةً أخرى. هذهِ هي الصُّورَة.

فقد جَاءَ وَهُوَ لا يَملِكُ أيَّ شَيءٍ. فَهُوَ لم يَأتِ حَامِلاً حَقيبةً، بَل جَاءَ بِثيابِهِ القَذِرَة. وَبالكَادِ تَمَكَّنَ مِنَ الوُصول. وَهُوَ لم يَكُن يَملِكُ أيَّ شَيء. وهذهِ هي الحَالَةُ الَّتي يَأتي بها الخَاطِئ. وَهَكذا أَتَيْنا جَميعًا لأنَّ اللهَ "يُبَرِّرُ الفَاجِر" (كَما جَاءَ في رسالة رُومية 4: 5)؛ أيِ الَّذينَ لا يَملِكونَ شَيئًا، بَل هُمْ بَائِسونَ وَحَسْب.

وَهَذا هُوَ تَمامًا الشَّيءُ الَّذي يَفعلُهُ يَسوعُ بهؤلاءِ الخُطاة. وهَذا هُوَ الشَّيءُ المُحَدَّدُ الَّذي كانَ الفَرِّيسيُّونَ والكَتَبَةُ يَرفُضونَ أن يَرَوْا أنَّهُ عَملُ الله. فَهُم يَرفُضونَ أن يَرَوْا أنَّهُ عَملُ الله. ولكِنَّهُ عَملُ الله. إنَّهُ عَملُ اللهِ أن يُعطي كُلَّ شَيءٍ للخَاطِئِ التَّائِبِ حَالاً – لا بَعدَ فَترةٍ زَمنيَّةٍ، بَل حَالاً.

ثُمَّ إنَّ الأبَ، بِقيامِهِ بذلكَ، يُمارِسُ شَيئا يُسَمَّى تَاريخيًّا: "حَقَّ الانتِفاع". وَرُبَّما سَمِعتُم هَذِهِ الكلمةَ إنْ عَمِلتُم يَومًا في القِطاعِ المَالِيِّ. فَحَقُّ الانتِفاعِ هُوَ مُصْطَلَحٌ يُشيرُ إلى الحَقِّ في التَّصَرُّفِ في أملاكٍ أُعطِيَتْ أصلاً للابنِ الأكبَر. فَمَعَ أنَّ الأبَ كَانَ قَد أَعطى ذلكَ الجُزءَ مِنَ الأملاكِ للابنِ الأكبَرِ الَّذي مَا زَالُ في البيتِ، فإنَّ الأبَ يَستطيعُ أن يُطَبِّقَ حَقَّ الانتِفاعِ حَيْثُ إنَّهُ يَستطيعُ أن يَستخدِمَ ذلكَ الحَقَّ كَما يَشاء لأنَّهُ مَا يَزالُ رَبَّ تِلكَ العائِلَة. فَهُوَ يَمْلِكُ الحَقَّ في القِيامِ بذلك.

لِذا فإنَّ مَا يَفعلُهُ بِصورةٍ رَئيسِيَّةٍ هُوَ أنَّهُ يَستَرِدُّ كُلَّ شَيءٍ يَمْلِكُهُ الابنُ الأكبرُ ويَقولُ للابنِ الأصغَر: "إنَّ كُلَّ هذهِ الأشياءِ لَكَ". وَلا بُدَّ أنَّهُم قَالُوا: "كيفَ تُكافِئُ هَذا الابنَ على الطَّريقةِ الَّتي تَصَرَّفَ بها وَتُعطيهِ الأملاكَ الَّتي تَخُصُّ الابنَ الَّذي بَقِيَ في البَيت؟" وَهَذا أيضًا شَيءٌ يَفوقُ استِيعابَهُم. ولكِنَّهُ مَا يَقولُهُ الأبُ حَرفِيًّا.

وَلا بُدَّ أنَّ الابنَ الأكبرَ ارْتَدى تلكَ الحُلَّةَ في يَومٍ مَا. فَلا بُدَّ أنَّ الابنَ الأكبرَ ارتَدى تلكَ الحُلَّةَ الأولى في حَفْلِ زِفافِهِ لأنَّ الحُلَّةَ الأولى تُلْبَسُ في مُناسَبَةٍ كَهذه. فَهذا هُوَ أعظمُ احتِفالٍ يُمكِنُ أن يَحدُثَ في العَائلةِ؛ أيْ أن يَتزوَّجَ الابنُ الأكبَر. فَلا بُدَّ أنَّهُا ارْتَداها. ولكِنَّها صَارَتْ بِحَوزَةِ أخيهِ الأصغرِ الآن. ولا بُدَّ أنَّ الابنَ الأكبرَ كَانَ يَتصرَّفُ نِيابَةً عَن أبيهِ بَأنْ يأخُذَ خَاتَمَ أبيهِ. لِذا فقد كانَ بِمَقدورِهِ أن يُوَقِّعَ قَانونِيًّا على كُلِّ الوَثائِقِ الَّتي تَخْتَصُّ بأملاكِ العَائلة. لِذا فإنَّ مَا يَحدُثُ الآنَ غيرُ مُنطِقِيٍّ. فَلا يُمكِنُكَ أن تُكَافِئَ شَخصًا فَعَلَ ذلك، بَل يَنبغي أن تُكافِئَ ذلكَ الابنَ الَّذي بَقِيَ في البيت. أليسَ كذلك؟ كَلاَّ!

بِسُرعَة، وَبِلا تَرَدُّدٍ، وَدُونَ حَتَّى أنْ تَرمُشُوا: أَلْبِسوهُ الحُلَّةَ الأولى. فَلَنْ يَراهُ أحدٌ في تلكَ الثِّيابِ البَالِيَةِ بعدَ الآن. وبالمُناسَبة، إنَّهُ لا يَقولُ للابنِ الأصغَر: "لِمَ لا تَذهبُ إلى البَيتِ وَتَسْتَحِمّ. فَبعدَ أن عَانَقْتُكَ وَجَدْتُ أنَّ هَذهِ حَاجَةً مُلِحَّة". إنَّهُ لا يَقولُ ذلك.

بَل إنَّهُ يُعامِلُهُ كَأميرٍ. فَهُوَ يَقول... انظُروا إلى مَا يَقولُ لِعَبيدِهِ: "أنتُم أَخْرِجُوا الحُلَّةَ الأولى. أنتُمْ أَلبِسوهُ تِلكَ الحُلَّة. أنتُم خُذوهُ، أنتُم نَظِّفوهُ. عَامِلوهُ كَمَلك. عَامِلوهُ كَأمير. أنتُم ضَعُوا خَاتَمًا في يَدِهِ. أنتُم ضَعُوا حِذاءً في رِجلَيهِ". إنَّها مُعامَلَةٌ مَلَكِيَّة. ولا شَكَّ في أنَّ هَذا الأمرَ يَفوقُ الاستيعاب. والرِّسالةُ وَاضِحَة. فَهُناكَ مُصالَحَةٌ كَامِلَة، وحُقوقٌ كَامِلَة، وامتيازاتٌ، وسُلطانٌ، وكَرامَةٌ، واحترامٌ، ومَسؤوليَّةٌ بِصِفَتِهِ ابنًا.

ولا شَكَّ في أنَّ الحَشْدَ كُلَّهُ صُعِقَ وَلم يُصَدِّق مَا يَسمَع. فَهذا مُناقِضٌ تَمامًا للطَّريقةِ الَّتي كَانُوا يُفَكِّرونَ فيها. فأنتَ لا تُعطيهِ فقط الحُلَّةَ الأولى الَّتي تَمْنَحُهُ كَرامَةً في العَائلةِ، بل إنَّكَ تُعطيهِ الخَاتَمَ الَّذي يُعطيهِ سُلطانًا في التَّصرُّفِ بِكُلِّ مُمتلكاتِ العَائلةِ، وكُلِّ أُصولِ العَائلةِ، وَكُلِّ ثَرْواتِ العَائلةِ، وكُلِّ مُمتلكاتِ العَائلةِ الَّتي يُمكِنُ التَّصَرُّفُ بها مِنْ قِبَلِ الشَّخصِ الَّذي يَمْلِكُ ذلكَ الخَاتَم. يا للعَجَب! فَهُوَ يَمْلِكُ سُلطانًا في التَّصَرُّفِ نِيابَةً عَن أبيه. إنَّهُ يَمْلِكُ سُلطانًا في التَّصَرُّفِ عِوَضًا عَن أبيه. وَهُوَ يَمْلِكُ سُلطانًا في التَّصَرُّفِ بِكُلِّ مَوارِدِ العَائِلَة.

وَلا تُوجَدُ فَترةُ انتِظارٍ هُنا. وَلا تُوجَدُ فَترةُ اختبارٍ. وَلا تُوجَدُ فَترةُ إمْهالٍ. وَلا يُوجَدُ حَدٌّ للامتيازات. إنَّها بُنُوَّةُ كَامِلَةٌ على أعلى مستوىً. وَقد جَاءت سَريعًا. وَكانَ كُلُّ ذلكَ يَنبغي أن يَكونَ مِن نَصيبِ الابنِ الأكبَر. والحِذاءُ كانَ يَنبغي أن يَكونَ في قَدَمَيْه عَلامَةً على أنَّهُ السَّيِّدُ الآن. فَهُوَ ليسَ أجيرًا، وَهُوَ ليسَ عَبدًا؛ بَل هُوَ السَّيِّد. وَهُوَ صَاحِبُ السُّلطان، وَصاحِبُ الكَرامَة. وَهُوَ المَسؤول. وَهُوَ مَنْ يَحظَى بالاحتِرام. وَهُوَ الابنُ المُفَوَّضُ تَمامًا والَّذي يَستطيعُ أن يَتَصرَّفَ بالنِّيابَةِ عَن أبيه. وَهُوَ الَّذي يَستطيعُ أن يَستخدِمَ كُلَّ ثَروةِ العَائلة. يا للعَجَب!

وما هِيَ الرِّسالَةُ هُنا؟ أنَّ النِّعمَةَ تَنتَصِرُ على الخَطِيَّةِ في أسوأِ حَالاتِها. فالقِصَّةُ لا تَقولُ إنَّ كُلَّ خَاطِئٍ يَصِلُ إلى الحَضيضِ الَّذي وَصَلَ إليهِ الابنُ الأصغَر، ولكِن عندما يَفعلُ الخُطاةُ ذلكَ فإنَّ النِّعمَةَ ما تَزالُ هِيَ الَّتي ستَنتصِر. وَهذهِ فِكرةٌ جَديدةٌ تَمامًا. ويجبُ عليكم أن تَفهموها. أليسَ كذلك؟ فَهِيَ فِكرةٌ جَديدةٌ تَمامًا. إنَّهُ غُفرانٌ لا يَستَحِقُّهُ الخَاطِئُ. وَهِيَ بُنُوَّةٌ لا يَستَحِقُّها. وَهُوَ خَلاصٌ لا يَستَحِقُّهُ. وَهِيَ كَرامَةٌ لا يَستحِقُّها. وَكذلكَ الاحترامُ والمَسؤوليَّةُ. فَقد حَصَلَ على كُلِّ امتيازاتِ الابنِ دُونَ أيِّ تَعويضٍ، ودُونَ أيِّ عَمَل. وقد كانَ هَذا النَّوعُ مِنَ المَحَبَّةِ الغَامِرَةِ، وهَذا النَّوعُ مِنَ النِّعمةِ الَّتي تُسْبَغُ على الشَّخصِ التَّائِبِ، وَهذهِ المَّزايا الَّتي تُمْنَحُ للخَاطِئِ... كانَ هَذا كُلُّهُ فِكرةً غَريبةً على الذِّهنِ النَّاموسِيِّ.

ثُمَّ إنَّ التَّركيزَ يَنْحِسِر عَنِ الابنِ ويَتَرَكَّزُ على الأب. وَهُناكَ فَرَحٌ شَائِن في العَدد 23. فالأبُ لا يَتَمالَكُ نَفسَهُ. وَهُوَ لا يَشعُرُ بأيِّ عَار؛ بل إنَّهُ يَأمُرُ بإقامَةِ حَفْلٍ أعظمِ مِن أيِّ حَفلٍ آخر. "وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ فَنَأْكُلَ وَنَفْرَحَ، لأَنَّ ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ. فَابْتَدَأُوا يَفْرَحُون".

كانت كُلُّ عَائلةٍ تَمْلِكُ قَطيعًا مِنَ المَواشِي. وَإنْ كانَت عَائلةً نَبيلَةً كَهذهِ، كَما هُوَ وَاضِحٌ، وغَنِيَّةً، كانَتْ تَحْتَفِظُ بِعِجْلٍ للمُناسَباتِ الخَاصَّةِ يَتِمُّ تَسمينُه. والكلمةُ "مُسَمَّن" هِيَ تَرجمةٌ لكلمةٍ يُونانِيَّةٍ تُشيرُ في الأصلِ إلى الذُّرَةِ أوِ الحُبوب. أيْ: "العِجْلَ الَّذي تَغَذَّى على الحُبوب". فَهُوَ عِجْلٌ خَاصٌّ. وَكانوا يَحتفظونَ بِعِجلٍ كَهذا لِلمُناسَباتِ الخَاصَّةِ كَحَفْلِ زِفافِ الابنِ الأكبرِ، أو في حَالِ استِضافَةِ شَخصٍ لَهُ مَكانَتُهُ، أو لِمُناسَبَةٍ تَتَطلَّبُ وَليمةً كَبيرة.

وَكانَتْ تِلكَ هِيَ المُناسَبَةُ الخَاصَّةُ. إنَّها أَهَمُّ مُناسَبةٍ. فهذا هُوَ الحَدَثُ الأعظمُ الَّذي لم يَحدُث مِن قَبل في تَاريخِ العَائلةِ أوِ القَريةِ مِن وُجهَةِ نَظرِ الأب. هَذهِ هي أَهَمُّ مُناسَبَة. وَنَجِدُ هُنا صُورةً عَنِ السَّماء. أليسَ كذلك؟ عَن فَرَحِ السَّماء. فَعندما يَخلُصُ خَاطِئٌ وَاحِدٌ فإنَّ اللهَ يُقيمُ وَليمَةً عَظيمة. أحضِروا ذلكَ العِجلَ المُسَمَّنَ، ذلكَ العِجلَ الَّذي تَغَذَّى على الحُبوبِ، واذبَحوه. وَكانَتْ عَمليَّةُ الذَّبْحِ تلكَ تَجري استِعدادًا للعَشاءِ في وَقتٍ لاحِقٍ مِن ذلكَ المَساء.

فَقد تَمَّ اختيارُ العِجلِ في وَقتٍ سَابِقٍ، وَتَمَّ تَسمينُهُ والعِنايَةُ بِهِ وَحِفْظُهُ لِهذهِ المُناسَبةِ الخَاصَّة. وَبالمُناسَبة، كانَ أَكْلُ اللُّحومِ نَادِرَ الحُدوثِ في الشَّرقِ الأوسطِ في زَمَنِ يَسوع. فَقد كانَ نَادِرًا جدًّا. فَأنتَ لا تَأكُلُ اللَّحمَ إلاَّ في المُناسَباتِ الخَاصَّةِ، وَلا تَأكُلُ العِجْلَ المُسَمَّنَ إلاَّ في المُناسَباتِ الخَاصَّةِ جدًّا جدًّا. ولكِنَّ هَذهِ الوَليمَةَ كَانتِ الأعظَم. "فَنَأْكُل وَنَفْرَح". "فَنَأْكُل وَنَفْرَح". وَلَعَلَّكُم تَذكُرونَ أنَّهُ كَانَ يُوجَدُ شَخصٌ أحمق في جُزءٍ سَابِقٍ مِن إنجيلِ لُوقا قَالَ إنَّهُ يُريدُ أن يَأكُلَ وَيَشرَبَ وَيَفرَحَ؛ ولكِنَّ نَفسَهُ طُلِبَتْ مِنهُ في تلكَ اللَّيلة. فَقد كَانَ شَخصًا أحمَقَ لأنَّهُ أرادَ أن يَحتَفِلَ بِمُمتلكاتِهِ. ولكِن إن أردتَ أن تَحتَفِلَ، يَنبغي أنْ تَحتَفِلَ بِفِداءِ اللهِ. فَهذا احتِفالٌ مَشروع.

وبالمُناسَبة، كانَ العِجلُ المُسَمَّنُ يَكفي لإطعامِ نَحوِ مِئَتَي شَخص. وَكانَ لا بُدَّ أن يَكونَ كذلكَ لأنَّ كُلَّ شَخصٍ في القَريةِ سَيَحضُر. فَلا يَجوزُ أن تُقَدِّمَ عِجلاً كَهَذا دُونَ أن تَدعو جَميعَ سُكَّانِ القَرية. وكانَ لا بُدَّ أن يُؤكَلَ في جَلسَةٍ واحِدَة. فَهُم لَم يَكونوا يَحفَظونَ تلكَ الأشياء، بل كانَ الجَميعُ يأتونَ وَيُشارِكونَ في الوَليمَة. فَنحنُ نَقرأُ في العَددِ السَّادِسِ أنَّهُ عِندَما وَجَدَ الرَّاعي الخَروفَ الضَّالَّ وَعَادَ وَهُوَ يَحمِلُهُ على مَنْكِبَيْهِ فإنَّهُ دَعا أصدقاءَهُ وَجيرانَهُ وَقال: "افْرَحُوا مَعِي، لأَنِّي وَجَدْتُ خَرُوفِي الضَّالَّ". وَفي العَددِ التَّاسِعِ، عِندما عَثَرتِ السَّيِّدَةُ على الدِّرْهَمِ فإنَّها دَعَتِ الصَّدِيقَاتِ وَالْجَارَاتِ قَائِلَةً: "افْرَحْنَ مَعِي لأَنِّي وَجَدْتُ الدِّرْهَمَ الَّذِي أَضَعْتُهُ". وَعندَما عَثَرَ الأبُ على ابنِهِ فإنَّهُ يَقولُ: "افرَحُوا مَعي لأنِّي وَجَدْتُ ابني".

ونَقرأُ في العَدد 24: "لأَنَّ ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا". هَل تَذكُرونَ أنِّي قُلتُ لَكُم أنَّهُ عِندَما غَادرَ الابنُ فإنَّهُم أقامُوا لَهُ مَاذا؟ جَنازَة. فَكأنَّهُ قَد مَات. فَقد كانَ يَتَمَنَّى أن يَموتَ أبوهُ. لِذا فإنَّهُم يُعامِلوهُ كَما لو أنَّهُ قَد مَات. "هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ". وَمَنِ الَّذي أَعادَهُ إلى الحَياةِ؟ وَمِنِ الَّذي رَدَّ إليهِ حَياتَهُ مَرَّةٍ أخرى؟ هَل حَصَلَ عَليها بِجدارَتِهِ؟ لا. بَل إنَّ أباهُ هُوَ الَّذي رَدَّها إليهِ مَعَ كُلِّ الحُقوقِ والامتيازات. فَقد كانَ ضَالاً. وَمَنِ الذي جَعَلَهُ يُوجَدُ؟ وَمَنِ الَّذي عَانَقَهُ، وَقَبَّلَهُ، وَجَعَلَهُ ابنًا بِكُلِّ مَعنى الكلمة؟ إنَّ أباهُ هُوَ الَّذي فَعَلَ ذلك. "فَابْتَدَأُوا يَفْرَحُون".

وَهَذا في الحَقيقةِ ليسَ احتفالاً بالابن، بَل هُوَ احتِفالٌ بالأب. فالوَليمَةُ تُكَرِّمُ الأبَ. فَهِيَ تُكَرِّمُ الأبَ على مَا فَعَلَهُ. فالأبُ هُوَ الَّذي رَدَّ إليهِ حَياتَهُ. وَالأبُ هُوَ الَّذي جَعَلَهُ ابنًا. والأبُ هُوَ الَّذي رَدَّهُ إلى حَالةِ البَرَكَةِ مِن خِلالِ رَحمَتِهِ وَغُفرانِهِ وَنِعمَتِهِ وَمَحَبَّتِه. وَقَد جَاءتِ القَريةُ كُلُّها لِتَفرحَ بذلكَ الأبِ الشَّائِنِ الَّذي يَحتَفِلُ بِنعمَتِهِ وَرَحمَتِه.

فقد أَظهَرَ هَذا الأبُ لُطفًا غَيرَ مَسبوقٍ، وَصَلاحًا غَيرَ مَسبوقٍ، ومَحَبَّةً مُضَحِّيَةً، ونِعمَةً مُضَحِّيَةً. والابنُ الَّذي "كانَ مَيِّتًا" (كَما يَقولُ النَّصُّ اليُونانِيُّ حَرفيًّا): "قَامَ وَعَاش". والابنُ الَّذي كَانَ ضَالاًّ قَدْ وُجِد. فقد حَصَلَ الابنُ على حَياةٍ جَديدة، ومَكانَةٍ جَديدة، وَمَوقفٍ جَديد. وَهَذِهِ هي المَرَّةُ الأولى الَّتي يَتمتَّعُ فيها بِعلاقَةٍ حَقيقيَّةً بأبيهِ المُحِبِّ الغَفورِ الَّذي جَعَلَهُ وَارِثًا لكُلِّ شَيءٍ يَملِكُهُ، والَّذي تَصالَحَ مَعَهُ، والَّذي سَيُعَبِّرُ لَهُ عَن مَحَبَّتِهِ وَيَخدِمُهُ بالمُقابِل.

فَقِدِ استَودَعَ الابنُ حَياتَهُ بينَ يَدَيِّ أبيه، وَقَدِ استَودَعَ الأبُ مَوارِدَهُ بينَ يَديِّ الابن. فَقد عَادَ الابنُ أخيرًا إلى البيت. وَهُوَ في مَنزلِ الأب. وَهُوَ في العَائلة. وَهُوَ يَستطيعُ أن يَتمتَّعَ بِكُلِّ غِنَى الأبِ. وَهُوَ يُشارِكُ الجَميعَ في الاحتفالِ بِعَظَمَةِ هذهِ المُناسَبة.

وأنا أُحِبُّ مَا جَاءَ هُنا إذْ نَقرأُ في نِهايةِ العَدد 24: "فَابْتَدَأُوا يَفْرَحُون". لأنَّ هذهِ الحَفلةَ لا تَنتَهي. وَهَذا يُشيرُ إلى مَا يَحدُثُ في السَّماء. فَهِيَ احتفالٌ لا يَنتَهي بِنِعمَةِ الأبِ المُحِبِّ الَّتي يُسبِغُها على الخُطاةِ التَّائِبينَ الَّذينَ يُؤمِنون. هذهِ هي الأبديَّة. فَأفراحُ السَّماءِ لا تَتوقَّفُ البَتَّةَ عندما يَعودُ أَحَدُ الخُطاةِ إلى البيت.

في الخِتام، مَا الدُّروسُ الَّتي نَتَعَلَّمُها؟ لا أريدُ أن أقولَها كُلَّها لَكُم لأنِّي أعتقدُ أنَّكُم تَستطيعونَ مَعرِفَتَها في أثناءِ دِراسَتِنا للنَّصّ. ولكنِّي أريدُ أن أُذَكِّرَكُم بِبِضْعِ نُقاطٍ. فاللهُ يَقبلَ الخَاطِئَ النَّادِمَ الَّذي يَأتي تَائِبًا وَمُؤمِنًا: "مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا". فَهُناكَ رَحمَةٌ عِندَهُ. وَهُناكَ عَرْشُ نِعمَةٍ يُمكِنُنا أن نَلتَجِئَ إليهِ وَنَجِدَ رَحمَةً. فاللهُ يُسْبِغُ نِعْمَةً غَفورَةً بِسَخاء. واللهُ يَنزِعُ الثِّيابَ البَالِيَةَ القَذِرَةَ عَنِ الخَاطِئِ وَيُلبِسُهُ عِوَضًا عَنها ثَوْبَ بِرِّهِ. وَكما قالَ النَّبِيُّ إشَعْياء، فإنَّهُ يَكسونَا بِرداءِ البِرّ.

فاللهُ يُعطي ابْنَ مَحَبَّتِهِ غُفرانًا، وكَرامَةً، وَسُلطانًا، واحترامًا، ومَسؤوليَّةً، وَيُتيحُ لَهُ أنْ يَحصُلَ في أيِّ وَقتٍ على كُلِّ كُنوزِهِ، وَيَمْنَحُهُ الحَقَّ الكَامِلَ في تَمثيلِه. وَنَحنُ نُقَدِّمُ للنَّاسِ مِن حَولِنا الكُنوزَ الإلهيَّةَ بِصِفَتِنا سُفراءَ عَنه. فاللهُ يَتوقُ جدًّا إلى العَطاءِ، وَيَركُضُ لِمُعانَقَتِنا، ويُسارِعُ إلى تَقبيلِنا، ويُسارِعُ إلى إلباسِنا الحُلَّةَ، ويُسارِعُ إلى وَضْعِ الخَاتَمِ في يَدِنا، ويُسارِعُ إلى وَضْعِ الحِذاءِ في أرْجُلِنا. فَهُوَ يُريدُ أن يُعطي كُلَّ مَا لَهُ للخَاطِئِ التَّائِبِ، ويُريدُ أن يُقيمَ وَليمةً حَالاً ويَدعو جَميعَ سُكَّانِ السَّماءِ إلى المَجيءِ والتَّجَمُّعِ للاحتفالِ بِهِ بِصِفَتِهِ الأبَ المُصالِحَ الَّذي يُرَحِّبُ بابنِهِ التَّائِب.

فاللهُ يُعامِلُ الخَاطِئَ كَما لو أنَّهُ فَرْدٌ مِنَ العَائِلَةِ المَالِكَةِ، ويَجعَلُهُ وَارِثًا مَعَ يَسوعَ المَسيح. واللهُ يُقيمُ حَفلاً سَماوِيًّا لكُلِّ خَاطِئٍ أَثيمٍ يأتي إليهِ. وَهَذا الفَرَحُ لا يَنتهي البَتَّة.

اسمَعوني: في الخِتام، اللهُ يَفرحُ لا لأنَّ مُشكلةَ الخَطِيَّةِ في العَالَمِ قَدِ انتَهت. فالسَّماءُ لا تَقولُ: "نَوَدُّ أن نُقيمَ حَفلاً هُنا، ولكِنَّ أمورًا كَثيرةً سَيِّئَةً تَحدُث. ولا يُمكِنُنا أن نَبتدِئَ الاحتفالَ إلاَّ عندما تَتحسَّنُ الأحوالُ كثيرًا عَمَّا هِيَ عَليهِ الآن". وَهُم لا يَقولونَ في السَّماءِ: "هُناكَ الكَثيرُ مِنَ المُعاناةِ في العَالَم. وَهُناكَ الكَثيرُ مِنَ المَصائِبِ. وهُناكَ الكَثيرُ مِنَ الألمِ. وَهُناكَ الكَثيرُ مِن خَيبةِ الأمل. إنَّهُ عَالَمٌ مُضطربٌ جدًّا. نَحنُ نَرغبُ في الاحتفالِ؛ ولكِنَّنا لا نَستطيعُ أنْ نَتغَاضَى عَن كُلِّ هَذهِ المَشاكِل".

كَلاَّ! فَاللهُ لا يُؤجِّلُ الاحتفالَ إلى أنْ يَأتي عَشْرَةُ آلافِ شَخصٍ إلى الخَلاصِ في مَلْعَبٍ رِياضِيٍّ ضَخم. كَلاَّ. بَلْ إنَّ الاحتفالَ يَبتَدِئُ في كُلِّ مَرَّةٍ يَتوبُ فيها كَم خَاطِئ؟ خَاطِئٌ وَاحِد. وفي كُلِّ مَرَّةٍ، لا يَتوقَّفُ الاحتفالُ لأنَّهُ احتِفالٌ لِتَكريمِ اللهِ، لا الخَاطِئ. وكُلَّما مَضَى الوَقتُ أكثر، وَانْتَهى يَومٌ وابتدأَ يَومٌ، وَقَامَ اللهُ بِتَخليصِ مَزيدٍ مِنَ الأشخاصِ، فإنَّ الحَفْلَ يَمتَدُّ ويَمتَدُّ، ويَتَعاظَمُ وَيَتَعاظَمُ، ويَستمرُّ المَلائكةُ والقِدِّيسونَ المَفدِيُّونَ في تَسبيحِ اللهِ لأنَّهُ أَبٌ مُنْعِمٌ يُصالِحُ الخَطاةَ.

وَأعتقدُ أنَّ السُّؤالَ الَّذي يَنبغي أن نَطرَحَهُ على أنفسِنا هُوَ: "مَا هُوَ دَوْرُنا في هذهِ الوَليمَة؟" قَبلَ كُلِّ شَيءٍ، إن لم تَكُن مُؤمِنًا، فإنَّ الوَقتَ مُناسِبٌ لِقَبولِ مَحَبَّةِ الآبِ الَّذي يَنتَظِرُ عَودَتَكَ. أمَّا بالنِّسبةِ إلينا نَحنُ المُؤمِنين، هَل نُشارِكُ في فَرَحِ اللهِ مِن خِلالِ فِعْلِ كُلِّ مَا نَقدِرُ عَليهِ لِتَوصيلِ إنجيلِ الغُفرانِ المَجيدِ هَذا إلى النَّاسِ الَّذينَ نَلتَقيهِم؟

هُناكَ أشخاصٌ لا يَفهَمونَ هَذا الأمر. إنَّهُم أشخاصٌ مُتَدَيِّنونَ؛ ولكِنَّهُم لا يَفهَمونَ ذلك. وَقد كَرِهَ الفَرِّيسيُّونَ فِكرةَ أنَّ الآبَ يُعامِلُ شَخصًا خَاطِئًا بتلكَ الطَّريقة. وَسوفَ نَرى رَدَّةَ فِعلِهم في المَرَّةِ القَادِمَة. دَعونا نُصَلِّي مَعًا:

يا أبانا، يَا لَهُ مِنْ حَقٍّ عَظيمٍ كَامِنٍ في هَذِهِ القِصَّةِ العَظيمة. لِذا فإنَّنا نَشكُرُكَ عَليه. وَنَشكُرُكَ على إغنائِهِ لِحياتِنا، وَعلى مَا يُخبِرُنا بِهِ عَنك. نَحنُ نُحِبُّكَ. وَنحنُ نُحِبُّكَ أكثر عِندما نَعرِفُ هَذِهِ الأشياء. فنَحنُ نَراكَ بطريقةٍ جَديدة. وَنُدركُ عَظَمَةَ تَجَسُّدِكَ. فَهُوَ حَقيقيٌّ جدًّا بالنِّسبةِ إلينا. وَهُوَ حَياة.

نَشكُرُكَ على إخبارِنا بِهذهِ القِصَّةِ لا بِطريقَةٍ خَياليَّةٍ كَما لو أنَّها مِن عَالَمٍ آخر، وَلا مِن خِلالِ أشياءٍ لا يُمكِنُنا أن نَلْمَسَها فَتَزيدُ صُعوبَةَ فَهْمِنا لَها؛ بَل بِطُرُقٍ بَسيطةٍ يُمكِنُنا أن نَستوعِبَها. وَنَشكُرُكَ على أنَّكَ الله. لَكَ كُلُّ التَّسبيح. وَسوفَ نَستَمِرُّ في تَسبيحِكَ إلى أبدِ الآبِدينِ في حَضْرَتِكَ في السَّماء. فَسوفَ نَكونُ هُناكَ في ذلكَ الحَفلِ الَّذي نَفْرَحُ فيهِ بِمُصالَحَتِنا مَعَ اللهِ الَّذي يَؤولُ إليهِ كُلُّ المَجدِ في النِّهايةِ لأنَّهُ أَبْدَى الاستِعداد لاحتِمالِ العَار. أليسَ الأمرُ كذلكَ دَائمًا؟ فَلا أحدَ مِنَّا سَيُمَجَّدُ مِنكَ إلاَّ بعدَ أن نُواجِهَ عَارَ خَطايانا.

يا أبانا، نَشكُرُكَ على هَذا الصَّباحِ الرَّائعِ، وَوَقْتِ العِبادَةِ الرَّائِع. وَنحنُ نَبْتَهِجُ جدًّا حينَ نُفَكِّرُ في حَقيقةِ وِلادَةِ المَسيحِ عندما تَرَكْتَ مَسْكَنَكَ وَنَزَلْتَ إلى الطَّريقِ التُّرابِيِّ وَإلى القَريةِ الَّتي نَعيشُ نَحنُ فيها، أيْ إلى هَذا العَالَمِ، وَاحتَمَلتَ العَارَ، وَتَعَرَّضتَ للهُجومِ، وَوَسَّخْتَ نَفسَكَ [إنْ جَازَ التَّعبيرُ] بِغُبارِ آلامِ هَذا العَالَمِ لكي تَقْبَلَنا، وَتَحْمِلَ مِنْ خِلالِ صَليبِكَ عَارَنا، وَتَجعَلَنا أولادًا لَك. وَكُلُّ هَذا ابتدأَ بالنِّسبةِ إلينا هُنا في بَيتِ لَحْم. لِذا، لا عَجَبَ في أنَّنا نَحتَفِل. وَلا عَجَبَ في أنَّنا نَفرَح. وَليتَ فَرَحَنا يَكونُ فَرَحًا حَقيقيًّا وَخَالِصًا فِيما نُعَبِّرُ عَن مَحَبَّتِنا لَكَ. لَكَ كُلُّ الشُّكر. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize