Grace to You Resources
Grace to You - Resource

عندما تَخرَّجتُ مِن كُليَّة اللاَّهوت، كان مِن الواضح أنَّني مُكَرَّس لتفسير الكتاب المقدَّس. فقد رأيتُ أبي يَفعل ذلك. وقد ترك أكبر تأثيرٍ فِيَّ؛ وهذا أمر طبيعيّ لأنِّي نشأتُ في خدمته، واستمعتُ إليه يَعِظ مِن بداية إنجيل يوحنَّا إلى آخِره، ومِن بداية سِفْر أعمال الرُّسُل إلى آخِره، ومِن بداية رسالة رومية إلى آخِرها، وأسفار كِتابيَّة أخرى. وقد التحقتُ بكُليَّة اللاَّهوت كي أتعلَّم كيف أُفَسِّر الكتاب المقدَّس. وقد كنتُ تلميذًا عند الدكتور "روسكوب" (Dr. Rosscup) والدكتور توماس (Dr. Thomas). وعندما كنتُ في كُليَّة "تالبوت" (Talbot)، كنتُ مُهتمًّا بصورة خاصَّة بالدكتور "تشارلز فاينبرغ" (Charles Feinberg). لم أكن أعرف الدكتور "روسكوب" أو "توماس" عندما التحقتُ بكُليَّة اللاَّهوت، ولكنِّي كنتُ أعرف الدكتور فاينبرغ، وأعرف عن تكريسه لنصوص الأسفار المقدَّسة والكتاب المقدَّس. وكُنَّا أنا وأبي مُتَّفِقَيْن على أنَّه سيكون الرَّجُل الَّذي نريد أن يترك تأثيرًا فينا. وقد ترك تأثيرًا عظيمًا في حياتي.

لِذا فقد تَخرَّجتُ مِن كليَّة اللاَّهوت مُكرَّسًا لتفسير الكتاب المقدَّس. وهذا هو ما ابتدأتُ في القيام به عندما جئتُ إلى هنا في سنة 1969، في نفس هذا المبنى الَّذي تجلسون فيه حيثُ ابتدأ كلُّ شيء. وفي تلك الأيام، كانت لدينا أرضيَّة مَكسُوَّة بالمُشَمَّع رُسِمَت عليها لُعبة دَفْع الأقراص. وكانت الجُدران موجودة في المكان الَّذي توجد فيه الأعمدة الآن. وكما تَعلمون، لقد كُنَّا نَرفع كلَّ المقاعد ونُقيم حفل عشاء ونَتناول المَعكرونة هنا. فقد كان هذا هو المَبنى. وقد ابتدأنا بالنُّموِّ منذ تلك اللَّحظة. وخلال كلِّ هذه السِّنين، قُمتُ بصورة رئيسيَّة بتفسير الكتاب المقدَّس.

وأعتقد مِن أوجه عديدة أنَّ الأمر بَلَغَ الذُّروة عندما أعددتُ الكتاب المُقدَّس الدِّراسيّ. فقد كان ذلك... في اعتقادي... يمكنكم أن تقولوا إنَّه كان نُقطة الذُّروة في سنوات تفسير الكتاب المقدَّس إذْ إنَّني جَمَعْتُ كلَّ مادَّة تمكَّنتُ مِن جَمعِها مِن دراستي الشخصيَّة على مَرِّ السِّنين. وقد ساعدني في ذلك العاملون في كُليَّة اللاَّهوت وعددٌ مِن أعضاء الهيئة التَّدريسيَّة في الكُليَّة، وعدد مِن أصدقائي الآخرين في خدمة "غريس تو يو" (Grace To You) إذْ جَمعتُ كلَّ ما أَمكنني جَمعُهُ معًا. وبالرَّغم مِن أنَّ هناك أسفارًا أخرى قد أُفَسِّرُها في السَّنوات القادمة، إن مَنَحني الربُّ الفُرصة للقيام بذلك، ولا سيَّما في العهد القديم، فإنَّ هذا الكتاب كان هو الذُّروة. ولكنَّ قيامي بذلك لا يعني بأيِّ شكلٍ مِن الأشكال أنَّني توقَّفتُ عن القيام بذلك. فسوف أستمرُّ في القيام بذلك بقيَّة حياتي. ولكنِّي أشعر أنَّ قيامي بذلك، ولا سيَّما في تلك السَّنوات الثَّلاث الَّتي عَكفتُ فيها على إعداد الكتاب المُقدَّس الدِّراسيّ، أشعر أنَّ تلك الدِّراسة زوَّدتني بأشمل فَهمٍ للكتاب المقدَّس طَوال حياتي. وبسبب ذلك، في الفترة الَّتي أَعقبت ذلك، وَسَّعتُ قراءتي قليلاً وابتدأتُ في محاولة قراءة المزيد في المجال التاريخيّ.

فطَوال هذه السِّنين وحتَّى الآن (لأنَّ ذلك ما زال صحيحًا إلى حَدٍّ مَا)، طَوال حَياتي وحتَّى وقتٍ قصير جدًّا، كان تَركيزي الدَّائم مُنصبًّا حقًّا على الكتاب المقدَّس. لذا فقد كنتُ عاكِفا دائمًا على قراءة الكتاب المقدَّس، ودراسة الكتاب المقدَّس، ودراسة نصوص الأسفار المقدَّسة، وقراءة كُتب التَّفسير، وقراءة كُتب اللاَّهوت الَّتي تُسهِم في فَهمي للأسفار المقدَّسة كي أستمرَّ في التَّوَسُّع في هذا الفهم. ولكن يبدو في السَّنوات الأخيرة، ولا سيَّما في هذه السَّنة الأخيرة، أنَّني صِرتُ مُهتمًّا أكثر فأكثر بِسَدِّ الفجوات في فَهمي للتَّاريخ. لِذا فقد عُدتُ إلى قراءة الكُتب، ولا سيَّما الكُتب الَّتي تَعكس شيئًا مِن تأثير الأشخاص الَّذينَ كانوا بِحَقّ النُّقطة المَركزيَّة الَّتي تَحَوَّل عندها التَّاريخ.

فمؤخَّرًا، قرأتُ كتابًا صغيرًا. فأنا أُحِبُّ الكُتب المُركَّزة إن استطعتُ أن أجدها. وقد أَوشكتُ على الانتهاء مِن قراءة عددٍ مِن المُجلَّدات الضَّخمة مِثل السِّيرة الذاتيَّة لوليام تِنديل (William Tyndale) كَتَبَها "دانيال" (Daniell)، وهو عَالمٌ مُتبحِّرٌ في تِنديل بجامعة "ييل" (Yale). وهو مُجَلَّد كبير يَزخُر بالمعلومات الَّتي لا يُبالي بها أحدٌ حقًّا. ولكن يجب عليك أن تستمرَّ في قراءتها كي تَصِل إلى الأشياء الَّتي تَهُمُّك. وقد كنتُ أقرأ عددًا مِن هذه المُجلَّدات، ولكنِّي أحاول أيضًا أن أقرأ عددًا مِن الكُتُب المُرَكَّزة في الوقت نفسه كي أفهم كيف تَحَرَّك الله في الكنيسة. وهناك كِتاب صغير كَتَبَهُ "كريستوفر كاثروود" (Christopher Catherwood) بعُنوان: "خمسة مُصلِحين رُوَّاد" (Five Leading Reformers). وأنا أنصحكم بقراءته. وهو مِن منشورات دار "كريسشن فوكَس پَبليكيشن" (Christian Focus Publication). وَهُم ينشرون الكثير مِن كُتب الدكتور "ميهيو" (Mayhue). وَهي دار نشر أسكتلنديَّة رائعة. والكاتب يَتناوَل بالبحث خمسة مِن المُصلِحين الرُّوَّاد مِن الأشخاص المعروفين لديكم وَهُم: "كالفن" (Calvin)، و "لوثر" (Luther)، و "أوغسطينوس" (Augustine)، ويتحدَّث أيضًا عن "كرانمر" (Cranmer) و "زوينغلي" (Zwingli) بطريقة مُرَكَّزة جدًّا. وهو مُؤرِّخ بارِز؛ أي: "كريستوفر كاثروود". ولعلَّه كَتب أفضل تاريخٍ عن البَلقان، ويُعَلِّم تاريخ البَلقان في جامعة كامبردج وأماكن مُشابهة. لذا فإنَّه عالِم ممتاز. وهو حَفيد "مارتن لويد-جونز" (Martyn Lloyd-Jones). وقد تَناولنا الغداء معًا ذات يوم وشَكرتُه على كِتابه الصَّغير لأنَّه يُلَخِّص أهمَّ ما يَختصُّ بهؤلاء الأشخاص.

في الوقت نفسه، أنا أقرأ كتابًا بعنوان: "الفَصاحَة الإنجيليَّة" مِن تأليف: "ر. ل. دابني" (R. L. Dabney). وأعتقد أنَّه مِن منشورات دار "بانر أُڨ تروث" (Banner of Truth Publication) إن كانت ذاكرتي صحيحة؛ وأنا أنظر الآن إلى الغِلاف الخَلفيِّ للكِتاب. وهذا الكتاب هو سلسلة محاضرات قَدَّمها عن الوعظ. وقد عاش "ر. ل. دابني" قبل نحو مئة سنة، في حين أنَّ المُصلِحين يرجعون بكلِّ تأكيد إلى القرن السَّادس عشر.

في الوقت نفسه، لقد قرأتُ كتابًا أنصحكم بقراءته، وربَّما أقوم بمراجعة شاملة له في هذا الصَّباح، وهو بعنوان: “The Legacy of Sovereign Joy” مِن تأليف: "جون پايپر" (John Piper). وجون پايپر هو كاتب سِيَر ذاتيَّة مُميَّز أيضًا، ولا سيَّما عندما يَتحدَّث عن أشخاص يُحبُّهم حقًّا مِثل "جوناثان إدواردز" (Jonathan Edwards) أو في حالة هذا الكتاب (The Legacy of Sovereign Joy)، فإنَّه يَدرس حياة أغسطينوس ولوثر وكالفن ويَتعمَّق في التَّفاصيل الدَّقيقة. فهناك عناصر بشريَّة جدًّا تختصُّ بهؤلاء الرِّجال. ولكنَّه يَتحدَّث عن العناصر البشريَّ جدًّا جدًّا لهؤلاء الرِّجال.

ولكنَّ الشَّيء الَّذي جذبني في أثناء قراءتي لكلِّ هذه الكُتب هو أنَّها تُشير كُلُّها إلى أنَّه عندما ابتدأ هؤلاء الأشخاص بتَغيير تاريخ الكنيسة، كان ذلك قائمًا على حدوث تغييرٍ مُفاجئ في فَهمهم للكتاب المقدَّس. وقد حدث ذلك مِن خلال التَّفسير الاستدلاليّ. وقد حدث ذلك مِن خلال التَّكريس للتَّفسير. وهذا يُشجِّعُني كثيرًا لأنَّه لا يوجد كثيرون يُفسِّرون الكتاب المقدَّس استدلاليًّا اليوم. فالفكرة السَّائدة اليوم هي أنَّك إن أردتَ أن تُؤثِّر في المجتمع ينبغي لك أن تضع الكتاب المقدَّس جانبًا لأنَّ النَّاس لا يستطيعون أن يَتواصَلوا معه. لذا يجب عليك أن تُخاطبهم بلُغةٍ يفهمونها في ثقافتهم، وأن تُخبرهم قصصًا يَهتمُّون بسماعها، وأن تتكلَّم إليهم بلُغة وثيقة الصِّلة بحياتهم وبعقائد تَهُمُّهم، وبخبرات يَكترثون لها، إلخ..إلخ..إلخ. وهؤلاء هُم الأشخاص الَّذينَ إن تَكَيَّفوا مع العالَم فإنَّهم سيصيرون [ببساطة] جُزءًا مِن العالم أيًّا كان المكان الَّذي يعيشون فيه، ولن يُحْدِثوا أيَّ فَرقٍ حقيقيّ.

لِذا، لِنَعُد إلى هؤلاء الرِّجال الَّذينَ تَحَوَّل عندهم تاريخُ الكنيسة تَغَيُّرًا كبيرًا، والَّذين كانوا بصورة رئيسيَّة المُحَرِّكين الرئيسيِّين في تلك المسيحيَّة الَّتي نُكَرِّسُ جميعُنا حياتنا لها اليوم. فعلى النَّقيض مِن تلك المسيحيَّة الَّتي تَمَرَّدوا عليها، نجد أنَّهم كانوا بصورة رئيسيَّة مُفَسِّرين. ولا أحد يُوَضِّح ذلك بصورة أفضل مِمَّا يفعل "پايپر" (Piper). وقد قرأتُ الكتاب مَرَّتين لأنَّني أردتُ أن أَفهم حقًّا ما يقول. وقد صَاغَ ذلك صياغةً رائعةً. وهي معلومات مُرَكَّزة جدًّا. وقد دفعني ذلك، ولا سِيَّما بعد نقاشي مع "دِك" (Dick)، إلى التَّيقُّن مِن أنَّنا بحاجة حقيقيَّة إلى التَّركيز في حديثنا إلى الأشخاص الَّذينَ يأتون للدِّراسة في كُليَّة لاهوت "ذا ماستر" (The Master’s Seminary) على إخبارهم أنَّ ما نحاول القيام به معكم هو جعلكم مُفَسِّرين لكلمة الله. فهذا هو ما نريد منكم أن تفعلوه. فنحن لا نريد منكم أن تفعلوا أيَّ شيءٍ آخر. وأيُّ شيءٍ آخر قد تفعلونه، إن وقفتُم على المِنْبَرَ أو إن وقفتم في غُرفة الصَّفِّ... إن فعلتُم أيَّ شيءٍ آخر غير تفسير كلمة الله، تكونون قد حِدْتُم عَمَّا تَعلَّمتُموه وعن دعوتكم. ولا أدري كيف أقول ذلك بنبرةٍ أقوى. فهذا هو ما نُدَرِّبكم عليه لأنَّ هذا هو ما نُؤمنُ بأنَّ الربَّ يُريدُ منكم أن تفعلوه. فهو يريد لكلمته أن تُعلَن. والأمر مَذكور ببساطة في الرِّسالة الثانية إلى تيموثاوس 4: 2: "اكْرِزْ..." بماذا؟ "بِالْكَلِمَة".

فإن كنتَ راعي كنيسة، أنت كارِزٌ قبل أيِّ شيءٍ آخر. فهذه هي دعوتك. فأنت لستَ صاحب مشروعٍ تجاريّ. فهناك كتاب آخر مِن تلك الكُتب السَّخيفة الصَّادرة عن جمعيَّة "ويلو كريك" (Willow Creek Association) وصل إلى مكتبي في هذا الصَّباح. وَهُوَ بعُنوان: "كيف تُغيِّر كنيستك..." [أو شيئًا مِن هذا القَبيل] "...دون أن تَقتلها" (How to Change Your Church Without Killing It). فهذا هو عنوان الكتاب. وقد نظرتُ إلى الكتاب وبحثتُ في آخره عن المَراجع فوجدتُ أنَّ جميع المَراجع عِلمانيَّة. فلائحة المراجع بأسرها في كتابٍ يتحدَّث عن تغيير الكنيسة هي مَراجع عِلمانيَّة. وقد بَحثتُ عن فهرسٍ بآيات الكتاب المقدَّس فلم أجد له أثرًا. فهو غير موجود. وهذا... هذا زَيغانٌ خطيرٌ عن قصد الله للكنيسة والخدمة. فإن كنتَ راعي كنيسة، أنتَ كارِز. فأنتَ لست صاحب مشروعٍ تجاريّ، وأنت لست مُديرًا تنفيذيًّا، وأنت لستَ مُضيفًا لبرنامجٍ مُسابقات، وأنت لستَ مُناديًا في مَهرجان، ولست مندوب مبيعات، بل أنت كارزٌ بكلمة الله. فهذا هو ما تفعله. وسوف أقول ذلك ببساطة مُتناهية: سوف تفعل ذلك بقيَّة حياتك إن بقيت أمينًا لخدمتك. وكما يقول "جون پايپر": "أنت شخص مُكَرَّس تمامًا لإظهار مَجد الله مِن خلال تفسير كلمة الله". فهذا هو ما تفعله.

وقد أخبرتُ "دِك" (Dick) قبل أيَّام إنَّنا بحاجة إلى شِعارٍ جديدٍ هنا؛ شيئًا مِثل... لقد نسيتُ ما قلته له... شيئًا مِثل: "نحن نُدَرِّب رجالاً على إعلان مجد الله مِن خلال تفسير الكتاب المقدَّس". فهذا هو ما نفعله. فنحن نريد أن نُظهِر مجد الله مِن خلال تَفسير كلمته لأنَّ الله يُعلَنُ مِن خلال تَفسيرها. والحقيقة هي أنَّني لا أُجانبُ الصَّوابَ إن قُلتُ إنَّ أقوى دفاعٍ عن الكتاب المقدَّس هو أن تَكرز به وحسب لأنَّه يُظهِر الله بوضوح. فهو أقوى حُجَّة على صِحَّته. فالكلمة الَّتي يُكرَز بها تُعلِن للنَّاس جَلال الله ومَجد المسيح.

لِذا، في أثناء حديثنا عن ذلك في أثناء ذهابنا للتحدُّث إلى لجنة الاعتراف بالجامعة وكُليَّة اللاَّهوت، وهو أمر يَنطوي دائمًا على تَحَدٍّ لأنَّهم لا يَستوعبون الأمر، ولا يَفهمون الأمر، ولا يَفهمونَنا لأنَّهم ليسوا أشخاصًا مُؤمنين، بل هُم مُجَرَّد هيئة لديها مَعايير بَشريَّة. وأنا أحظى أحيانًا بفرصة مُقابلتهم. وأنا الكارِز الوحيد الَّذي تُتاح له فُرصة مُخاطبتهم. وَهُم ليسوا مُعتادين على سَماع كارِزٍ، ولكنِّي أَنجح في الكرازة لهم بنبرةٍ لطيفة بالرَّغم مِن ذلك. وقد استمتعنا بالقيام بذلك. ولكن في طريقنا إليهم، قُلتُ: "أتدري! أعتقد أنَّني أودُّ أن أُؤكِّد ذلك لهؤلاء الأشخاص. ولا أدري حقًّا كيف أفعل ذلك". قال: "تعال وحسب، وقُل ما يَخطر ببالك". وأنا أريد منكم أن تَعلموا... لقد كَتبتُ ذلك... ولكنَّه الشَّيء الَّذي خَطر ببالي في الأسابيع القليلة الأخيرة وليلة أمس في رحلة العودة بالطَّائرة مِن فانكوفر" (Vancover). فقد كنتُ أكتبُ ذلك. وعندما وصلتُ البيتَ، بقيتُ نحو ثلاث أو أربع ساعات مُستيقظًا ليلة أمس لترتيب أفكاري.

والآن، اسمحوا لي أن أبتدئ. وسوف أقول لكم بضع كلمات، وهي بمثابة عناوين كي تَعلموا أنَّني انتقلتُ مِن نُقطة إلى الأخرى. الكلمة الأولى هي: "النَّظرة السَّليمة" (perspective). فهذه هي نظرتي إلى خدمة الوعظ. وأنا أُكَرِّر ما قُلته: إن كنت راعي كنيسة، أنت واعظٌ أكثر مِن أيِّ شيءٍ آخر. فهذا هو ما تفعله... هذا هو ما تفعله. وأوَّل شيء هو أنَّه ينبغي أن يكون لديك نظرة سليمة إلى ذلك الوعظ. وأنا أعتقد أنَّ هذه نُقطة مُهمَّة جدًّا.

ولا أدري إن كنتم تستمعون إلى وعظٍ كثير. فقد كنتُ في إجازتي. وكانت تلك هي أوَّل مَرَّة لا أعِظ فيها طَوال ثلاثة أسابيع. وقد استمعتُ إلى عِظاتٍ أخرى. وكانت بعض منها عِظات حَيَّةً وبعضٌ منها على التِّلفزيون. وقد ذَكَّرني ذلك مَرَّةً أخرى كم أنَّ الصُّورة باهِتَة... كم أنَّها باهتة حقًّا. فهناك ذلك الوَعْظ الَّذي يُشبه الجُنون لدى الوُعَّاظ الكارزماتِيِّين؛ وهو وعظٌ لا يُمكن حتَّى أن يُصَنَّف بأنَّه وعظ مِن وجهة النَّظر الكِتابيَّة. ثُمَّ إنَّ هناك الوعظ التفسيريَّ الَّذي يبدو فيه أنَّ الإنجاز العظيم في الوعظ هو أن تكتب مُخَطَّطًا جَيِّدًا. ولكنَّ الشَّيئين اللَّذَيْن تفتقر إليهما تلك العِظات هُما الشَّيئان اللَّذان ينبغي لكُلِّ عِظَة أن تَتَّسِم بهما. وسوف أقول ذلك ببساطة مُتناهية: الوعظُ العَظيم يَتميَّز بالعُمق والعُلُوّ.

وقد قلتُ ذلك لكنيستنا قبل وقتٍ مَضى. فالوعظُ العظيم يتميَّز بالعُمق والعُلُوّ. ولكنَّ أغلبيَّة الوعظ الَّذي أَسمعه لا يَمتلك هاتين الخاصيَّتين. فهو ليس عميقًا وليس عاليًا. فهو لا يُدخلني إلى الأعماق ولا يَصعدُ بي إلى الأعالي، بل هو يسيرُ في خَطٍّ مستقيمٍ نوعًا مَا. ولكن بصفتك راعيًا ينبغي أن تكون عميقًا. وهذا يعني أنَّه ينبغي لك أن تَتعمَّق في النَّصّ، وأن تتعمَّق في الحقِّ الَّذي تُعلنه كلمة الله كي تَستخرج حقائقها الثَّمينة. وبعد أن تَخوضَ غِمار الكتاب المقدَّس وتَكشف روعة الله وجلاله ومجده مِن خلال الكشف عن ذلك الحقّ، يمكنك حينئذٍ أن تَصْحَبَ رعيَّتك إلى الأعالي كي يعرفوا ماهِيَّة العِبادة. أمَّا إن لم يكن وعظُك عميقًا فإنَّه ليس عاليًا. هل تفهمون ذلك؟ والأسوأُ مِن هذا كُلِّه هو أن يكون الوعظ مُعَدَّلاً ثقافيًّا ويَدور حَول الإنسان لأنَّه لن يكون حينئذٍ عميقًا ولا عاليًا.

والآن، إن أردتم أن تتعمَّقوا في الحقِّ الإلهيِّ كي تَصعدوا بالرَّعيَّة إلى ذُروة التَّسبيح، وإن أردتم أن تَغوصوا في أعماق الحقِّ الإلهيِّ وتَصعدوا إلى ذُرَى العبادة، هناك أداة واحدة فقط للقيام بذلك. ما هي؟ الكتاب المقدَّس. فهذه هي الأداة الوحيدة. فلا يوجد غيرها. فحَدْسُكَ لن يَنفع في شيء، ولا رُؤى الآخرين أو نُبوءاتهم. أمَّا الكتابُ المقدَّس فنافع.

وقد أعلن الله الحقَّ الإلهيَّ وحفظه في كتابٍ هو كاتبه. وأنتم هنا كي تتعلَّموا كيف تَحفُرون عميقًا في ذلك الكتاب كي تكشفوا لرعيَّتكم جلال الله المُعلن في عُمق الحقِّ الكتابيِّ. وهذا سيجعل رعيَّتكم تَصعد إلى ذُرى التَّسبيح وتكريم الله. أليس كذلك؟ فهذا هو ما نفعله. فالحقُّ الإلهيُّ لا يَكْمُن في كنيسة. وهذا هو ما حارب "لوثر" (Luther) لأجله. وهو لا يَكْمُن في أُسقف. فكما تَعلمون، إنَّ الكنيسة الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة هي الشَّيء الَّذي أثار غضب لوثر وجعله يبحث في الكتاب المقدَّس عن جواب. فما أثار غضبه هو أنَّ الكنيسة جعلت الكتاب المقدَّس مَصدرًا ثانيًا للإعلان بَعدها. ولكنَّ الحقَّ الإلهيَّ لا يَكمُن في كنيسة، ولا في أُسقف، ولا في بابا، ولا في طائفة، ولا في اختبار، ولا في الحَدس، ولا في التَّصَوُّف؛ بل إنَّ الحقَّ الإلهيَّ بأسرِه موجود في كِتاب... كِتاب واحد: الكتاب المقدَّس. وقد اقتنع مارتن لوثر أنَّ الله تَكلَّم فقط في ذلك الكتاب. وقد كان هذا ثوريًّا بكلِّ معنى الكلمة. وأنَّ ما قاله الله في ذلك الكتاب هو الَّذي دَان الكنيسة؛ وليس العكس. فذلك الكتاب وحده، بحسب قناعة لوثر، هو الَّذي يُقدِّم الحقَّ الَّذي يُخَلِّص، والحقَّ الَّذي يُقدِّس. وفي كلِّ مَرَّة تَكَلَّمَ فيها ذلك الكتاب تَكَلَّمَ بسُلطان.

والآن، هذا هو السَّبب في أنِّي أُحارب كلَّ الأفكار المَغلوطة عن الخَلق والنُّشوء بكلِّ قوَّة. وهذا هو السَّبب في أنَّها لعنة على الكنيسة الإنجيليَّة لا سِيَّما أنَّ مؤسَّسات إنجيليَّة كثيرة جدًّا تؤمن بشكلٍ مِن أشكال النُّشوء. وكما قلتُ مَرَّات عديدة، فإنَّ مِئة كُليَّة مِن أصل 106 كُلِّيَّات في ائتلاف الكنائس المسيحيَّة تؤمن بشكلٍ مِن أشكال النُّشوء. وما يعنيه ذلك هو أنَّهم لا يؤمنون بما جاء في سِفْر التَّكوين 1 و 2 لأنَّه لا يوجد شيء تفسيريّ في تكوين 1 و 2 يُشير إلى أيِّ شيءٍ سوى أنَّ الله خَلق الكون كُلَّه في أيَّامٍ يتألَّف كُلٌّ منها مِن أربعةٍ وعشرين ساعة؛ وتحديدًا في ستَّة أيَّام إن أردنا أن نَتوخَّى الدِّقَّة. وحالما تُنكر سُلطان تكوين 1 و2 تكون قد تَرَكْتَ الحَبْلَ على الغَارِب (أليس كذلك؟) بخصوص كيفيَّة تفسير بقيَّة النَّصّ.

ولكنَّ لوثر كان مُقتنعًا بأنَّ الله تَكلَّم فقط في الكتاب المقدَّس؛ لا مِن خلال البابا، ولا مِن خلال الأسقف، ولا مِن خلال الكنيسة، ولا مِن خلال حَدْسِ أيِّ شخص أو خبرته أو تَصوُّفه أو نُبوءاته أو ما شَابه ذلك. ويكتُب "پايپر" ما يلي فيقول: "الشَّيء الجديد بخصوص لوثر..."، وهو يَقتبس هُنا ما كَتبه "هايكو أوبرمان" [Heiko Oberman]: "الشَّيء الجديد بخصوص لوثر هو حديثه عن الطَّاعة المُطلقة للكتاب المقدَّس ضِدَّ أيِّ سُلطان سواء كان البابوات أو المجالس الكَنسيَّة". وهذا هو ما كان ثَوريًّا. لذا فإنَّنا نُفكِّر في لوثر، ونُفكِّر في عقيدة التَّبرير. وقبل أن يَتوصَّل لوثر إلى عقيدة التَّبرير بالإيمان مِن خلال النِّعمة، كان لا بُدَّ أن يتوصَّل لوثر إلى الإيمان بأنَّ الكتاب المقدَّس هو السُّلطان الوحيد والمُطلق. أليس كذلك؟ لذا، إنَّ الشَّيء الأكثر أهميَّة مِن عقيدته بخصوص الخلاص هو عقيدته بخصوص الكتاب المقدَّس. فإن لم تكن تؤمن بذلك أصلاً، لن تتمكَّن مِن قبول سُلطان الكتاب المقدَّس ووضع الأمور في نِصابِها بعد ذلك.

بعبارة أخرى، كما يَكتُب "پايپر": "إنَّ كلمة الله المُخَلِّصة، والمُقدِّسة، وذات السُّلطان تأتي إلينا في كِتاب". والمعاني الضِّمنيَّة لهذه المُلاحظة البسيطة رائعة. ففي سنة 1539، كَتب لوثر في تفسيره للمزمور 119: "في هذا المزمور، يقول داود دائمًا إنَّه لن يتكلَّم أو يُفكِّر أو يَتكلَّم أو يَسمع أو يَقرأ نهارًا وليلاً وبصورة دائمة سوى كلمة الله ووصاياه لأنَّ الله يريد أن يعطيكم روحه وحسب مِن خلال الكلمة الخارجيَّة". وهذه العبارة مُهمَّة جدًّا. فالكلمة الخارجيَّة هي الكتاب المقدَّس؛ أي أنَّها موجودة خارج أنفسنا. فروح الله الَّذي يُخَلِّص ويُقدِّس ويُنير (كما يقول لوثر) يأتي إلينا مِن خلال هذه الكلمة الخارجيَّة. "ولوثر يُسَمِّيها..."، كما يَكتب پايپر، "...الكلمة الخارجيَّة كي يُنَبِّر على أنَّها موضوعيَّة، وثابتة، وخارج أنفسنا؛ لذا فإنَّها لا تتغيَّر". فهي كتاب. ولا يمكن للمراتب الكهنوتيَّة الكَنسيَّة أو التَّصوُّف المتزمِّت أن يَستبدله أو يُشَكِّله. وهو خارجيٌّ مِثل الله. ويمكنك إمَّا أن تَقبله وإمَّا أن تتركه. ولكن لا يمكنك أن تجعله خِلافَ ما هو عليه. فهو كتاب بحروف وكلمات وجُمل ثابتة.

وقد قال لوثر بنبرة شديدة جدًّا في سنة 1545، أي في السَّنة الَّتي سَبقت وفاته (وأنا أقتبس كلامَه): "ليت الإنسان الَّذي يريد أن يسمع الله يتكلَّم يقرأ الكتاب المقدَّس". وفي وقتٍ سابق، قال في محاضراته عن سِفْر التَّكوين (وأنا أقتبس مَرَّة أخرى لوثر): "الرُّوح القُدُس نفسه والله، خالق كلّ الأشياء، هو مؤلِّف هذا الكتاب" (نهاية الاقتباس). وواحد مِن مفاعيل حقيقة أنَّ كلمة الله تأتي إلينا في كتاب، كما يقول پايپر هو: "أنَّ الفكرة هُنا هي الرَّاعي ودراسته، لا الرَّاعي وجلسته لتحضير الأرواح، ولا الرَّاعي وحَدسه، ولا الرَّاعي ونظرته الدينيَّة المُتعدِّدة" أيًّا كان المعنى المقصود مِن ذلك. "فكلمة الله الَّتي تُخلِّص وتُقدِّس، مِن جيل إلى جيل..."، كما يقول پايپر "محفوظة في كتاب. لذا فإنَّ القلب النَّابض في عمل كلِّ راعي كنيسة هو عمل الكتاب. ويمكنك أن تُسَمِّي ذلك قراءةً أو لَهجًا أو تأمُّلاً أو تَدَبُّرًا أو دراسةً أو تفسيرًا أو أيَّ تسمية تُريد؛ ولكنَّ جزءًا كبيرًا ومركزيًّا مِن عملنا هو أن نُصارع لمعرفة قصد الله في الكتاب، وأن نُعلن ذلك بقوَّة الرُّوح القُدُس". فهذا هو كلُّ ما في الأمر. وهذا هو سبب وجودكم هنا. وسوف نساعدكم في أن تكونوا قادرين على القيام بذلك.

وقد كان لوثر أيضًا مُحبًّا عظيمًا للرُّوح القُدس. وتمجيده للكتاب المُقدَّس بصفته الكلمة الخارجيَّة لا يُقلِّل مِن أهميَّه الرُّوح القُدُس بأيَّة طريقة؛ بل إنَّ العكس صحيح لأنَّه يَرفع مِن قيمة هِبَة الرُّوح القُدُس العظيمة للعالم المسيحيّ. ففي سنة 1533 قال لوثر: "إنَّ كلمة الله هي أكثر شيءٍ عظيمٍ، وتدعو الحاجة إليه ومُهِمّ في العالم المسيحيّ". أترون ذلك؟ وقد تقرأ ذلك وتقول: "أنا أَعلم الآن السَّبب الَّذي جَعله يُكَرِّس نفسه لما اكتشفه هناك". أليس كذلك؟ فمِن دون الكلمة الخارجيَّة، لا يمكننا أن نعرف رُوحًا مِن الآخر. والشَّخصيَّة الموضوعيَّة للرُّوح القُدس نفسه ستضيع في غَمرة التَّعبيرات الذاتيَّة". وهذه جُملة عظيمة. فحقيقة أنَّه يوجد لدينا كتاب خارجيّ لا تَنتقِص مِن قدر الرُّوح القُدُس. وحقيقة أنَّه يوجد لدينا كتاب خارجيّ، وأنَّنا محصورون في ذلك الكتاب الخارجيّ تُحَدِّد حقًّا مَن هو الرُّوح مِن دون التَّفسيرات الذاتيَّة الغريبة الَّتي تجعل الرُّوح القُدُس ضَحيَّةً؛ ولا سيَّما عند أولئك الَّذينَ يُعَرِّفونه بعيدًا عن أو خارج صفحات الكتاب المقدَّس. والحقيقة هي أنَّ پايپر يقول: "إنَّ حُبَّ لوثر للكِتاب المُقدَّس كان يعني بالنِّسبة إليه أنَّ الرُّوح القُدُس هو أقنوم يمكن أن يُعرَف وأن يُحَبَّ، لا مُجَرَّد شعور يمكن الإحساس به".

وهناك اعتراض آخر على تركيز لوثر على الكتاب المُقدَّس وهو أنَّه يُقَلِّل مِن قيمة الكلمة المُتجسِّد؛ أي مِن يسوعَ المسيحِ نفسِه. ولكنَّ لوثر يقول إنَّ العكس هو الصَّحيح: "إلى الحَدِّ الَّذي تنفصل فيه كلمة الله عن ’الكلمة الخارجيَّة‘ الموضوعيَّة، إلى ذلك الحَدِّ فإنَّ الكلمة المُتجسِّد؛ أي يسوع التَّاريخيّ، يصير مُجرَّد أنفٍ شَمعيّ يَتشكَّل بحسب نظرة كُلِّ جيل". هل رأيتم فيلم "بيتر جينينغز" (Peter Jennings) على محطَّة (ABC) بعنوان: "البحث عن يسوع الحقيقيّ"؟ ولكن لا يمكنك أن تعثر على يسوع الحقيقيّ إن لم تَستخدم الكتاب المقدَّس. فهو مُجرَّد أنف مصنوع مِن الشَّمع يمكنك أن تُشَكِّله بأيِّ طريقةٍ تشاء. أليس كذلك؟ والسَّبب في أنَّهم لا يستطيعون العثور على يسوع هو أنَّهم لا يرجعون إلى الكتاب المقدَّس لأنَّه المكان الوحيد الَّذي يمكنك فيه أن تعثر عليه. لذا فإنَّ ما يقوله هو أنَّ النَّظرة الرَّاسخة إلى الكتاب المقدَّس بصفته السُّلطان المُنفرد والوحيد الَّذي يُعلن الحقَّ الإلهيَّ لنا مِن الله هي الطريقة الوحيدة الَّتي تُتيح لك حقًّا أن تَفهم الرُّوح وتُكرمه، وهي الطريقة الوحيدة الَّتي يمكنك مِن خلالها أن تَفهم الابن وتُكرمه. هل تفهمون ذلك. بكلِّ تأكيد.

وهو يقول: "كان لوثر يَمتلك سلاحًا وحيدًا يُنقذ فيه الكلمة المُتجسِّد مِن أن يُباع في سوق فيتنبرغ (Wittenberg). فقد طَرح الصَّيارفة، أو الباعة الجَشِعين، بِسَوْطِ الكلمة الخارجيَّة؛ أي الكتاب المقدَّس". فعندما عَلَّق أُطروحاته الخمس والتِّسعين في اليوم الأوَّل مِن شهر تشرين الأوَّل/أكتوبر سنة 1517، كانت أُطروحَته الخامسة والأربعون تقول (وأنا أقتبس ما جاء فيها): "يجب تعليم المسيحيِّين أنَّ مَن ينظر إنسانًا مُحتاجًا ويَجوز مُقابله ويتركه ليشتري صَكَّ غُفران، فإنه لا يشتري غُفرانًا مِن البابا، بل غضبَ الله" (نهاية الاقتباس). وهذه الضَّربة نزلت مِن الكتاب المقدَّس، وتحديدًا مِن قصَّة السَّامريّ الصَّالح، ومِن الوصيَّة العظيمة الثَّانية في الكتاب المقدَّس؛ الكلمة الخارجيَّة: فمِن دون الكتاب المقدَّس "سيكون الكلمة المتجسِّد دُميةً مِنَ الطِّيْن بيد الجميع". وكما تَرون، فإنَّ الأشخاص الَّذينَ لا يَقبلون الكتاب المقدَّس بصفته كلمة الله المُنَزَّهة عن الخطأ، والمُوحى بها، وذات السُّلطان إنَّما يُشَكِّلون يسوع بأيَّة طريقةٍ يشاؤون. وَهُم قد يَستخدمون... مَن يَدري! فقد يَستخدمون نهجًا مُتحرِّرًا لتفسير العهد الجديد في محاولةٍ لإعادة تشكيل يسوع التاريخيّ. فهو مُجرَّد لُعبة مِنَ الطِّيْن يُشَكِّلونها كما يشاؤون حتَّى لو كان ذلك يَعني إنكار الكتاب المقدَّس.

ولكنَّ الكنيسة بحاجة إلى رؤية الربّ يسوع المسيح. والطريقة الوحيدة الَّتي سيرونه بها هي في الكلمة. لذا فإنَّ پايپر يقول بعد نقاشٍ مُستفيض: "إنَّ المَفاعيل المَهولة لهذا الأمر في حياة الخادم هي ما يلي: إنَّ الخُدَّام هُم في الحقيقة وُكلاء كلمة الله المُدوَّنة في كتاب". فهذا هو ما نفعله. فنحن وُكلاء كلمة الله المُدوَّنة في كتاب. فنحن بصورة رئيسيَّة قارِئون ومُعلِّمون ووُعَّاظ لرسالة الكتاب المقدَّس. ونحن نفعل هذا كُلَّه لأجل مجد الله، ولأجل تكريم الرُّوح، ولأجل تكريم الابن لأنَّ الأقانيم الثَّلاثة مُعلنة فيه حقًّا وتُعرَف مِن خلاله. لِذا، عندما يُغذِّي الرَّاعي رعيَّته على كلمة الله ولا شيء سِواها فإنَّه يكون أمينًا لدعوته. وعندما يتعمَّق في الكلمة، وفي الدَّسَم الموجود فيها، فإنَّه يَتخلَّى عن كلِّ ما هو عاديّ، ومُبتذَل، وضَحْل، وسَطحيّ، وبشريّ. وهو يَرفض الصِّيَغ، ويتغاضى عن الحكمة البشريَّة مِثلما فعل الرَّسول بولس الَّذي لم يأتِ لِيَكرِز بحكمة بشريَّة ولا بكلامٍ فَصيح. فهو يَعرف ما قاله يسوع في إنجيل يوحنَّا 17: 17: "قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كَلاَمُكَ هُوَ حَقّ". وقد كان يَعرف أنَّ الكلمة، بل الكلمة وحدها، هي القادرة أن تَحُوْل دون أن يُخطئ النَّاسُ إلى الله. ولأنَّه أخذ رَعيَّته وغاصَ بهم عميقًا في الكلمة، فقد تَمَكَّن بعد ذلك مِن الصُّعود برعيَّته إلى الأعالي فذُهلوا وراحوا يُعبِّرون عن دهشتهم ومحبَّتهم وتسبيحهم لأنَّهم فَهِموا عُمق حقائق جَلال الله المُعلن مِن خلال فَهم ذلك الحقِّ العظيم.

وهناك كتاب لديفيد ويلز (David Wells) بعنوان: "لا مكان للحقّ" (No Place for Truth). هل قرأتموه؟ إنَّه كتاب رائع حقًّا. وهو يقول فيه: "إنَّ هذا الإله ذا الجلال والقُدُّوس في ذاته هو الَّذي اختَفى مِن العالم الإنجيليّ المُعاصِر". ويقول "ليسلي نيوبيجن" (Lesslie Newbigin) في مقالة نَشرتها مجلَّة "المسيحيَّة اليوم" (CT) في سنة 1996: "لقد أدركتُ فجأةً أنَّ المرء قد يَستخدم كلَّ المُفردات المُستخدمة في الأوساط المسيحيَّة الإنجيليَّة مع أنَّ تركيزه الرئيسيَّ يَنصبُّ بصورة رئيسيَّة على الذَّات، وأنَّ الله هو شيء ثانويّ". وهذا يُعَرِّف الكنيسة المُعاصِرة والوعظ المُعاصر. فهو يَنصبُّ كُلُّه عليك أنت وعلى راحتك. وهو يَنصَبُّ كُلُّه عليك وعلى نفسك. وهو يَنصَبُّ كُلُّه عليك وعلى إصلاحك ومساعدتك وتشجيعك ورفعك بضع درجات على مقياس الرَّاحة. وهو شيء أبعد ما يكون عن الشَّيء الَّذي نادى به مارتن لوثر. وهو أبعد ما يكون عن الشَّيء الَّذي نادى به جون كالفن. وقد قرأتُ كثيرًا عن جون كالفن مؤخَّرًا لأنَّني زُرْتُ جنيف (Geneva) مَرَّتين وتمكَّنتُ، برفقة "جون غلاس" (John Glass) مِن التعمُّق أكثر في بعض الأمور في جنيف تَكشف طبيعة هذا الرَّجُل، أو شخصيَّة هذا الرَّجُل.

وقد قال "ب.ب. وورفيلد" (B.B. Warfield) عن كالفن، وربَّما كان هذا أَدَقّ وَصفٍ قيل عن جون كالفن. فقد قال "ب.ب. وورفيلد" عن كالفن: "لا يوجد إنسان لديه حِسٌّ أعمق تُجاه الله مِنه". وهذا هو السَّبب في أنَّ العالم كُلَّه انقلبَ ضِدَّ جون كالفن. فقد كانت قُوَّة ذلك الرَّجُل قائمة على عُمقه الشَّديد. فقد كان عُمقه الشَّديد هو الَّذي جعله رَجُلاً كَشَف روعة الله ومَجده. وقد قال وورفيلد ذلك في كتابه عن كالفن وأغسطينوس. والحقيقة هي أنَّ ذلك كان المِفتاح للاهوت كالفن: أنَّه دَرس العقيدة المُختصَّة بالله. وقد تأثَّر اللاَّهوت المُصلَح بكالفن وتَمَسَّك وتَشَبَّثَ بالكتاب المقدَّس قبل كلِّ شيء؛ أي بعقيدة الكتابِ المُقدَّسِ وحده. فقد تَمسَّك بالكتاب المقدَّس وتَشَبَّث به، وتَرَسَّخ فيه، ووصل إلى أعلى مَكانة. فعندما ترجِع وتسأل نفسك: أين أجد أعمق فَهْمٍ للاَّهوت؟ ستراه نابعًا مِن الإيمان المُصْلَح. أليس كذلك؟ أين أرجِع وأجد أسمى تعبيرٍ عن التَّسبيح؟ ستجده في نفس المكان. أليس كذلك؟ لأنَّ الغَوص إلى الأعماق هو الَّذي يَقودُ إلى العَلاء.

وقد انتهيتُ مؤخَّرًا مِن قراءة مقالة لـِ "هانك هانيغراف" (Hank Hanegraaff) في مَجلَّة الأبحاث المسيحيَّة (Christian Research Journal). وربَّما سينتهي اشتراكي في هذا العَدد أو العدد التَّالي. وقد نسيتُ اسم المقالة، ولكنَّها تتحدَّث عن المزامير والتَّسابيح والأغاني الروحيَّة والتَّسبيح. وهي مقالة تُبيِّن المأساة في أنَّ التَّرانيم المسيحيَّة تَدَّعي أنَّه مُوحَى بها مِثل الكتاب المقدَّس. فالتَّسابيح، مِن بين كُلِّ أنواع الموسيقا... فهناك المَزامير والتَّسابيح والأغاني الرُّوحيَّة. والمزامير نَعرفها. والأغاني الروحيَّة هي ترانيم تُعَبِّر عن شَهادة أصحابها. ومِن بين كلِّ أنواع الموسيقا فإنَّ التَّسابيح وحدها، أو رُبَّما لا يجوز أن أقول وحدها، ولكنَّ التَّسابيح هي بصورة رئيسيَّة تَعليميَّة. فهي تُركِّز على الله، وتُرَكِّز على المسيح، وتُرَكِّز على الرُّوح القُدُس. فهي لا تُرَكِّز علينا نحن. وهي تَميلُ إلى كونِها تَعليميَّة أو مُعَدَّة للتَّعليم. وقد استُعيض عنها في القرن الأخير بالأغاني الروحيَّة. وقد دُفِنَتْ مَرَّةً أخرى عميقًا تحت هذا الكَمِّ الهائل مِن ترانيم التَّسبيح الَّتي تَهدف إلى أن تكون مِثل التَّعويذات الهندوسيَّة الَّتي تَنقلك إلى حالة مِن شِبْه الوعي الَّتي تُفَسِّرونها على أنَّها عبادة. ولكنَّ العبادة شيء ذِهنيّ. وكُلَّما زادت المُفردات اللاَّهوتيَّة الَّتي تُعَبِّر عنها في التَّرنيمة، زادت العبادة فيها. لذا عندما تَرجِعون ستجدون أنَّ هؤلاء المُصْلِحين كانوا لا لاهوتيِّين عُظماء ومُتعمِّقين فحسب، بل كتبوا ماذا؟ كتبوا تَسابيح. فقد كتبَ مارتن لوثر تسابيح. لقد كَتبوا تسابيح.

فلا يمكنك أن تنزل إلى الأعماق مِن دون أن تَصعد إلى الأعالي. وإن قال شخصٌ لنا في كنيستنا: "أتَعلمون يا رِفاق أنَّ عبادتكم مُتَصَلِّبة ورَجعِيَّة، وأنَّكم تُرنِّمون كلِّ تلك التَّسابيح". آسِف يا أصدقائي، ولكن لا يوجد لدينا خِيار سِوى أن نُسَبِّح إلهَنا. والتَّسبيح تَعبيرٌ وصَدىً لما نَعلم أنَّه يِصِحُّ عليه بسبب تفسير كلمته. أمَّا فكرة أن تأتي إلى الكنيسة وتَجعل كلَّ شيء سَطحيًّا فإنَّها ببساطة تَعكس نوع التَّعليم لديكم. وإن كانت الرعيَّة تَرضى بذلك فإنَّ السَّبب هو أنَّهم جُهَّال. فإن جَعلنا عبادتنا هُنا سَطحيَّة، أو عاديَّة، أو مُبتذلَة، أو صَاخبة، أو أيًّا كانت التَّسمية الَّتي تُطلَق عليها في أماكن أخرى، لن يُحِبّها أفراد رَعيَّتُنا، بل إنَّهم سيحتَجُّون عليها لأنَّها ليست كافية للتَّعبير عَمَّا يَعرفونه في أذهانهم. أمَّا إن لم يكونوا يَعرفون ذلك فإنَّهم لن يَعلَموا أنَّهم يَفتقرون إلى ذلك. لذا فإنَّهم سيجلسون ويُرنِّمون تَعويذاتهم المَرَّة تلو المَرَّة.

والسَّبب في أنَّ كالفن كان يمتلك حِسًّا عظيمًا بالله، وحِسًّا عميقًا بالله هو أنَّ خدمته بأسرها كانت تفسيرًا. فهناك أشخاص كثيرون يُفكِّرون في جون كالفن ولا يَعرفون سِوى أنَّه كَتَبَ كِتاب "أسس الدين المسيحي" (Institutes) الَّذي كَتَبَهُ وهو في أوائل العَقد الثَّالث مِن عُمره ونُقِّحَ خمس مرَّات خلال حياته. ولكنَّ الشَّيء الَّذي لا يعرفه كثيرون هو أنَّه كان مُفسِّرًا للكتاب المقدَّس. فقد وَعَظَ فقط وعظًا تفسيريًّا مِن سنة 1536 إلى سنة 1564 في جنيف. وهناك فجوة مُدَّتها ثلاث سنوات حين طَردوه مِن المدينة. فقد طَردوه منها في سنة 1538 وعاد إليها في سنة 1541. وقد اضطُرَّ إلى الذَّهاب إلى "بازل" (Basel). وعندما ذهب إلى هناك، ورغبةً مِنه في تفسير الكتاب المقدَّس تفسيرًا أفضل، صَرَف تلك السَّنوات الثَّلاث في التَّعمُّق في دراسة اللُّغة العِبريَّة. وهل تَتخيَّلون أن تكون مَنفيًّا وأن تُتقِن العِبريَّة بمُفردك؟ لأنَّه كان يَعلم أنَّ هذه هي الطريقة الَّتي تَتعلَّم بها الكتاب المقدَّس. وقد عاد بعد ثلاث سنوات وتابَعَ الوعظَ التَّفسيريّ مِن الآية الَّتي تَوقَّف عندها عندما طَردوه قبل ثلاث سنوات. أجل. فقد كان يَمتلك عزيمةً لا تَلين.

وإن ذهبتَ إلى المكتبة، ابحث عن كُتُب التَّفسير لكالڨن. فهي تُغَطِّي نِطاقًا كبيرًا مِن الكتاب المقدَّس. مِن سنة 1536 إلى سنة 1564، باستثناء تلك السَّنوات الثَّلاث. وقد ذهب إلى قاعة صغيرة أو صالة مُجاورة لكنيسة القدِّيس بُطرس، وهي كاتدرائيَّة عظيمة هناك، حيث كان يَعِظ في يوم الربِّ وفي أوقاتٍ أخرى. ولكنَّه كان يذهب كلَّ يوم إلى تلك الصَّالة ويُعلِّم كلمة الله. وقد كان هناك خمسة أشخاص يجلسون في الصَّفِّ الأماميّ (على غِرار الأشخاص الجالسين هنا) ويُدَوِّنون كلَّ شيء يقوله لأنَّه لم يكن باستطاعة أيٍّ منهم أن يُدوِّن كلَّ شيء. ولكنَّ الأشخاص الخمسة كانوا يُدوِّنون معًا كلَّ شيء. وقد صارت تلك الملاحظات هي تفاسيره.

ويقول "ر. ل. دابني" في كتابٍ له بعُنوان: "الفَصاحة الإنجيليَّة" (Evangelical Eloquence)": "إنَّ كلَّ المُصلِحين الرُّوَّاد، سواء في ألمانيا أو سويسرا أو إنجلترا أو إسكتلندا، كانوا وُعَّاظًا دائمين، وكانت عِظاتهم تَفسيريَّة". وقد نَفتَرِض (دون أن نُخطئ) أنَّ الوسيلة الَّتي كانت تعمل بها القوَّة الروحيَّة لذلك الإعلان العظيم هي العودة إلى الوعظ الكِتابيّ. بعبارة أخرى فإنَّ "دابني" يقول: لقد وُلِدَ الإصلاح مِن تفسير الكِتاب المقدَّس". وكما تَرون فإنَّ الشَّيء الَّذي أَطلقَ حَركة الإصلاح هو أنَّهم كانوا يَرونَ أنَّ الكتاب المقدَّس هو المصدر الوحيد للحقِّ الإلهيّ. وبذلك فقد أَلغَوْا كلَّ المصادر الأخرى للسُّلطان. فقد رجعوا إلى الكتاب المقدَّس، واستمرُّوا في ضَرْب صَخرة ذلك الكتاب بالمِطرقة إلى أن انكسرت وخرج منها ماء الحياة مُتدفِّقًا.

ويُتابع "دابني" حديثه فيقول: "لقد أدَّى الزَّوغان عن ذلك على المنبر إلى الارتداد الروحيِّ في الكنيسة". لاحظوا! فسوف تعيشون وقتًا طويلاً لتروا ما يُعرَف بالارتداد الإنجيليّ. فإن زُغْتُم عن رسالة المنبر، واستأصلتم الكلمة مِن المنبر، ستُرسلون الكنيسة إلى الحَضيض. ويقول "دابني": "مِن المهمِّ جدًّا أن تلاحظوا أنَّ هناك ثلاث مراحل مَرَّ فيها الوعظ مِرارًا وأدَّى إلى النَّتائج ذاتِها. الأولى هي المرحلة الَّتي يُقَدَّمُ فيها الحقُّ الكِتابيُّ بثوبٍ كِتابيّ. وهذا لا يعني فقط أنَّ جميع العقائد الَّتي يتمُّ التَّركيز عليها قائمة حقًّا على نِظام الفِداء المُعلَن، بل إنَّها تُقدَّم بذلك الثَّوب والرِّداء الَّذي قَدَّمَها الرُّوح القُدُس به مِن دون استخدام أيِّ أسلوبٍ آخر بَشريّ. وهذه الحالة للمنبر كانت هي السِّمة السَّائدة في العصر الذهبيِّ للكنيسة. أمَّا المرحلة الثَّانية فهي المرحلة الانتقاليَّة. وفي هذه المرحلة، كانت العقائد الَّتي تُعَلَّم ما تزال كِتابيَّة، ولكنَّها صارت تُنقل بطريقة تُتوافق مع الفكر البشريّ". وهذا كتابٌ كُتِبَت مُنذ مِئة سنة.

"والآن، صار الحقُّ الإلهيُّ يَفتقر إلى جُزءٍ مِن قوَّته في التَّأثير في النَّفس. أمَّا المرحلة الثَّالثة فقد صارت وشيكة. ولن يقتصر الأمر فيها على أنَّ الأساليب والتَّفسيرات تَنسجم مع فسلفة اليوم، بل إنَّ العقائد نفسها تُناقض الحقَّ الَّذي تُعلنه الكلمة. وما أكثر ما تَقهقر رجال الدِّين تدريجيًّا وجَلبوا دائمًا نفس النَّتائج الكارثيَّة!" لذا فإنَّه يقول: "يا ليتنا نَسعى دائمًا إلى تقديم العقيدة الكِتابيَّة بثوبها الكتابيِّ الخاصِّ بها". فلا يمكنكم أن تُجَمِّلوا هذا الثَّوب لأنَّ هذه هي الطَّريقة الَّتي اختارها الله لتوصيل حَقِّه. ونحن الآن في هذه المرحلة الانتقاليَّة. أَلَسنا كذلك مَعشَرَ الإنجيليِّين؟ صحيحٌ أنَّه ما يزال هناك جزءٌ مِن العقيدة المسيحيَّة، ولكن لا يوجد أحد يرغب في تقديمها بثوبها الكِتابيّ.

إنَّ الكتاب المقدَّس يُشَكِّل كُلَّ مُحتوى وعظِنا. فالله وضع كلَّ حقائق الكتاب المقدَّس في هذا السِّياق، وهذه الطَّريقة، وهذه العلاقات الَّتي يَعلم أنَّها مُلائمة لنفس الإنسان في إطار عمل الرُّوح القُدُس بصورة تامَّة. ولا توجد صِيَغ أخرى أفضل منها. ولا توجد صِيَغ أخرى مَقبولة لديه. فاستخدام أيِّ شيءٍ آخر سِوى كلمة الله هو خِيانة. وهذا النَّوع مِن الوعظ يُفْرِخُ خيانةً للكتاب المقدَّس لدى السَّامِعين. هل تَرون ذلك؟ فإن عَلَّمتَ عقيدةً سليمةً مِن وجهة نظر غير كتابيَّة باستخدام المَنطِق، سوف يتعلَّم أفراد الرَّعيَّة أنَّ الطَّريقة الَّتي يَعرفون بها الحقَّ هي مِن خلال مَنطقهم. وبذلك تكون قد أخبرتهم أنَّ هذه الطَّريقة هي أفضل مِن الإعلان الإلهيّ.

لِذا، لِنَعُد إلى النُّقطة الَّتي ابتدأتُ منها. الرِّسالة الثَّانية إلى تيموثاوس 4: 2. افعل ماذا؟ "اكْرِزْ بِالْكَلِمَة. اعْكُفْ عَلَى ذلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ". والنَّاس يقولون: "ما معنى ذلك؟" الحقيقة هي أنَّني لا أدري تمامًا ماذا كان يدور في ذهن بولس، ولكنِّي أَعلم ما يلي: هناك احتمالان: إمَّا أن تَكرز بها حين تَحظى الكلمة بالشَّعبيَّة، وإمَّا أن تَكرِز بها حين لا تَحظى بالشَّعبيَّة. والخُلاصة هي: في كلِّ وقت. وهي الآن لا تَحظى بالشَّعبيَّة. ولكنَّ ذلك لا يُغيِّر الوصيَّة. أليس كذلك؟

والآن، هذه هي "النَّظرة السَّليمة". والحقيقة هي أنَّ لديَّ سبع نقاط، ولكنَّ واحدةً مِن نِقاطي هي: التَّأنِّي أفضل مِن الاستعجال. فهذه واحدة مِن نقاطي. أليس كذلك؟ هل تعلمون لماذا التَّأنِّي أفضل مِن الاستعجال؟ لأنَّ التَّأنِّي أعمق مِن الاستعجال. لذا فإنَّ الدِّراسة في كُليَّة اللاَّهوت ليست مَساقًا سريعًا تدرسه في نهاية الأسبوع. ولهذا فإنَّ الدِّراسة تستغرق ثلاث سنوات، أو أربع، أو خمس، أو سِتّ سنوات. ولهذا السَّبب فإنَّ عددًا مِن هؤلاء الطَّلبة يدرسون منذ 15 سنة... لأنَّ التَّأنِّي أفضل مِن الاستعجال!

النُّقطة الثَّانية: التَّحضير. فأنت تبتدئ بالنَّظرة السَّليمة ثُمَّ تنتقل إلى التَّحضير. والآن، أيُّها السَّادة، إن لم تفهموا أهميَّة التَّحضير الآن، لا أدري ما الَّذي سأقوله لكم لمساعدتكم على فهم ذلك! فقد أخبرتكم للتَّوّ أنَّه يجب عليكم أن تتمكَّنوا مِن إخبار النَّاس ما هو مكتوب في الكتاب المقدَّس. وبصراحة، هذا يتطلَّب شيئًا مِن الاستعداد. أليس كذلك؟

فحيث إنَّ كلَّ وعظٍ حقيقيٍّ ينبغي أن يكون تفسيريًّا، يجب على الواعِظ أن يَدرُس ويُحَضِّر. وسوف أقول لكم شيئًا: لقد بلغتُ الواحدة والستِّين في شهر حَزيران/يونيو الماضي. وقد صَرفتُ الجزء الأكبر مِن حياتي... مُنذ أن تخرَّجت مِن كُليَّة اللاَّهوت... صَرفتُ الجزء الأكبر مِن حياتي في الدِّراسة. وأنا ما زلت أدرس لأنَّه لا توجد أيُّ طريقة أخرى. فقد التحقتُ بكُليَّة اللاَّهوت كي أحصل على الأدوات اللاَّزمة كي أَعْكِفَ طَوال حياتي على الدِّراسة. فالدراسة مهمَّة جدًّا. والكتاب المقدَّس هو الحَقْل الَّذي ستحرثُه طَوال حياتك. وهو المَنْجَم الَّذي ستحفُره طَوال حياتك. وهو يتطلَّب تكريسًا جذريًّا للدراسة الجادَّة. فيجب عليك أن تَعِظ المعنى الحقيقيَّ للكتاب المقدَّس. وإليكم هذه الفكرة الصَّغيرة: إنَّ معنى الكتاب المقدَّس هو الكتاب المقدَّس. إنَّ معنى الكتاب المقدَّس هو الكتاب المقدَّس. ويجب عليك أن تَعِظ معناه الحقيقيَّ كما قَصَدَهُ الله. وقد قَصَدَ منه أن يقول شيئًا واحدًا. ويجب عليك أن تَعرف ما هو ذلك الشَّيء.

وسوف أختِم كلامي بما يلي: يقول "دابني": "إنَّ الواعِظ هو مُذيع. وهذه هي كلمة الله الَّتي أُوْكِلَتْ إليه كي يُذيعَها. فإن كانت مهمَّته تَكمُن في توصيل رسالة الله وإبلاغِها، ما الحقُّ الَّذي يَمتلكه في تغييرها أو تقديمها بأيَّة طريقة مُخالفة لما هي عليه؟ وعدا عن خطر تقديم مشورة قاتلة أو خاطئة بصورة خاصَّة لشخصٍ مَا في خِضَمِّ ذلك التَّشويه لما يقوله الكتاب المقدَّس تحديدًا، فإنَّ القيام بذلك يُشَوِّش أذهان السَّامعين في أثناء محاولتهم لفهم الكلمة، ويؤدِّي إلى مشاعر عدم إجلال سُلطانه".

فلا يمكنك أن تقول للنَّاس إنَّ الكتاب المقدَّس ذو سُلطان، ثُمَّ أن تعامله مُعاملةً غير لائقة. فينبغي أن يتكلَّم كلامًا مُعيَّنًا. ودابني على صَواب. فسوف تَجني مشاعر عدم الإجلال للكتاب المقدَّس إن لم تكن قادرًا على تفسيره تفسيرًا سليمًا.

وهو يقول: "إنَّ زِيْفَ ذلك الرَّجُل مُمتلئ بالعُقوق لأنَّه يقف عَلنًا في مكانٍ مُقدَّس ليُعلن رسالة الله، ولكنَّه يقول إنَّ الرُّوح القُدُس قال شيئًا لم يَقُله". ولا يجوز لك البتَّة أن تفعل ذلك. وما أعنيه هو (وهذه طريقة واحدة لقول ذلك): لا تقف يومًا على المِنبر وتقل شيئًا لم يقله الرُّوح القُدُس.

وهو يقول: "أنا أدعوكم أن تحذروا كلَّ الحذر مِن إساءة استخدام أيَّة حُرِّيَّات في تفسير الكلمة. فيجب أن تشعروا أنَّ كلَّ معنى للنصِّ غير ذاك الَّذي قصده الله صَراحةً هو ثَمرة مُحَرَّمة عليكم بالرَّغم مِن أنَّها شَهيَّة وجذَّابة؛ ولكن لا تَتجرَّأوا على لَمْسِها خَشية أن تقعوا في خطيَّةٍ مُريعة".

وكما تَرون، فإنَّ عِظة الله أقوى بكثير مِن عِظاتكم. لذا احرصوا على تقديم عِظاته. دَعونا نُصَلِّي:

نحن جميعًا تَعتَرينا الدَّهشة، يا ربُّ، وأنا أيضًا. فنحن نفهم ذلك. نحن نَفهم النَّظرة السَّليمة. ونحن نَفهم الدَّعوة إلى التَّحضير. لِذا فإنَّنا موجودون هنا. يا رَبّ، أعطنا تلك الثِّقة العظيمة والرَّاسخة بكلمتك كي نقول ما تقوله وما تَعنيه دون زيادة، وكي نُقدِّم العقيدة الكتابيَّة بثوبٍ كِتابيٍّ لأنَّك وضعتها بهذه الصُّورة كي تقوم بعملك في نُفوس الرِّجال والنِّساء. أَقِمْ رجالاً مُقتدرينَ في الحقِّ بينَنا جميعًا لأجل مجدك أنت. باسم المسيح. آمين!

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize