سوف نُتابع مِن حيث انتهينا ونَتقدَّم قليلاً في هذا الموضوع المُختصِّ بالوعظ. فقد ابتدأتُ بالقول إنَّك إذا كنتَ راعي كنيسة فإنَّك واعظٍ في المقام الأوَّل. فهذا هو ما نحن عليه، وهو ما نفعله. فنحن رِجال مُكرَّسون تمامًا لإظهار مجد الله مِن خلال تفسير كلمة الله. وقد سألني الدُّكتور "مايهيو" (Dr. Mayhue) إن كان بإمكاني، عِوَضًا عن تفسير الكتاب المقدَّس في السِّلسلة الافتتاحيَّة، إن كان بإمكاني وحسب أن أُشارك قلبي معكم قليلاً عن الوعظ. لذا فقد ابتدأتُ بإعطائكم نُقطة واحدة على الأقلّ في مُخَطَّطي الصَّغير هنا وهي: النَّظرة السَّليمة. والنَّظرة السَّليمة هي أنَّ الوعظ ينبغي أن يَتَّسِم بالعُمق والعُلُوّ. فيجب أن يَتَّسم بالعُمق والعُلُوّ. وقد تحدَّثنا قليلاً عن حقيقة أنَّه توجد لدينا أداة واحدة فقط لتحقيق ذلك... أداة واحدة تأخذنا إلى عُمق الحقِّ الإلهيِّ وترفعنا إلى ذُرى التَّسبيح. وتلك الأداة هي الكتاب المقدَّس. فقد أعلن اللهُ الحقَّ الإلهيَّ وحفظه في كتابٍ هو نفسُه كاتبُه.
وقد قلتُ لكم إنَّه عندما اكتشف المُصلِحون هذا الأمر في الماضي، ابتدأوا آنذاك في حَصْرِ الحقِّ في الكتاب المقدَّس. وحينئذٍ اكتشفوا حَقَّ الخلاص الَّذي قاد إلى الإصلاح. لذا فإنَّني أُذكِّركم بأنَّ الاكتشاف العظيم الَّذي اكتشفهُ المُصلِحون لم يكن في المقام الأوَّل هو الإنجيل، بل إنَّ الاكتشاف العظيم كان في المقام الأوَّل هو الكتاب المقدَّس المُنَزَّه عن الخطأ، والَّذي فيه كُلُّ الكِفاية، والكامِل. وقد تحدَّثنا عن الكلمة الخارجيَّة بِمعنى أنَّها خارج نِطاقنا نحن، وعن أنَّها لا تخضع لِحَدْسِنا، ولا لخبرتنا مِن جهة تفسيرها، وعن أنَّها ليست دُمية مِن طِين. وقد قلنا أيضًا إنَّ الرُّوح القُدُس لا يُعرَف معرفة حقيقيَّة إلاَّ مِن خلال الكتاب المقدَّس. وكذلك هي الحال بالنِّسبة إلى ابن الله؛ أي المسيحِ نفسِه. لذا فقد وَضَّحنا أنَّ تلك النَّظرة السَّليمة هي الأساس. ونتيجة لذلك، فإنَّنا نُكرِّس حياتنا كُلَّها لكلمة الله. ونحن نَتعمَّق فيها ونَرفع رعيَّتنا إلى الأعالي مِن خلال التَّسبيح. وأعتقد أنَّني ذَكرتُ لكم أنَّ "ب.ب. وورفيلد" (B.B. Warfield) قال إنَّه لا يوجد شخص لديه حِسٌّ أعمق تُجاه الله، وإنَّه لا يوجد شخص لديه حِسٌّ أعمق تُجاه مَجد الله أكثر مِن جون كالفن، وإنَّ ذلك الأمر كان مِفتاح لاَهوتِه، ومِفتاح تأثيره. والشَّيء نفسُه يَصِحُّ على آخرين كثيرين.
والآن، اسمحوا لي أن أنتقل مِن حديثِنا عن النَّظرة السَّليمة الَّتي تقول إنَّ الكتاب المقدَّس ينبغي أن يكون المُحتوى الكامِل لوعظِنا، إلى التحدُّث عن التَّحضير. فبسبب هذه النَّظرة السَّليمة، وبسبب فَهمِنا لحقيقة أنَّنا نمتلك أداة واحدة سنُكرِّس أنفسنا لها طَوال حياتنا، ولحقيقة أنَّ هذه هي دعوتنا في أن نُغَذِّي أنفسنا على الكلمة، ثُمَّ أن نُغذِّي رعيَّتنا كنهجِ حياة، فإنَّ الجِدَّ الحقيقيَّ مَطلوبٌ مِن خلال التَّحضير. وهذا هو حقًّا سبب وجودكم هنا في كُليَّة اللاَّهوت. ولا بُدَّ أنَّكم اكتشفتم الكَمَّ الهائل مِن التَّحضير المطلوب منكم حتَّى للدِّراسة في كُليَّة اللاَّهوت؛ مع أنَّه لا يُقارَن بالتَّحضير المطلوب منكم بَقيَّة حياتكم.
وحيث إنَّ كلَّ الوعظ الحقيقيِّ ينبغي أن يكون تفسيريًّا... وأنا لا أقول إنَّ كلَّ رسالة ينبغي أن تكون رسالةً تَفسيريَّة، ولكنَّ كلَّ وعظٍ حقيقيّ، بل وحتَّى كلَّ وعظٍ عن موضوعٍ مُعيَّن، ينبغي أن يكون ناتجًا عن التَّفسير، فإنَّ الواعِظ مَدعوٌّ إلى الدِّراسة. فهو مَدعوٌّ إلى الدِّراسة والاستعداد للوعظ. فالدِّراسة شيءٌ أساسيٌّ جدًّا. فحيث إنَّ هذا هو ما ستفعله طوال حياتك، سيكون الكتاب المقدَّس الحقل الَّذي ستَحرثه، والمَنجم الَّذي ستَحفره، والشَّيء الَّذي ستفعله إلى أن يأخذك الربُّ إليه إن بقيتَ أمينًا. لِذا فإنَّ ذلك يتطلَّب تكريسًا عظيمًا للكتاب المقدَّس، وتكريسًا عظيمًا لدراسة الكتاب المقدَّس. وقد قلتُ لكم إنَّ معنى الكتاب المقدَّس هو الكتاب المقدَّس. فرسالة الله لن تُعرَف ما لم تُفهَم.
والآن، هناك ثلاث عقبات (إن جاز القَول) أمام التَّحضير. فعلى افتراض أنَّه يوجد لديك الكتاب المقدَّس، وأنَّه توجد لديك المعلومات المطلوبة، هناك ثلاث عقبات. الأولى هي الكِبرياء. فعندما يَستخفُّ أُناسٌ بدراسة كلمة الله بِجِدٍّ، رُبَّما يُبرهنون على أنَّهم لا يَحتاجون إلى الكتاب المقدَّس، وأنَّهم أذكياء وحاذِقونَ بالقدر الكافي الَّذي يجعلهم يَخرجون بشيءٍ رُبَّما كان أفضل أو رُبَّما مُساوٍ لما يقوله الكتاب المقدَّس. وعندما يختارون أن يأخذوا حَقًّا كتابيًّا وأن يَصُبُّوه في قالب تفكيرهم البشريِّ، وأن يُخرِجوا الكتاب المقدَّس مِمَّا نُسَمِّيه "الثَّوب الكِتابيّ"، فإنَّ هذا يَدُلُّ على الكِبرياء. وَيبدو أنَّهم يُخفِقون في فَهْم ما ذَكرتُه في خِتام عِظتي في المَرَّة السَّابقة وهو أنَّ عِظات الله أقوى مِن عِظات البشر. وَهي العِظات الَّتي أعَدَّها الله كي نَعِظ بها. لذا، إن لم نفعل ذلك فإنَّ الشَّخص الَّذي ليس واعظًا كِتابيًّا، والشَّخص الَّذي لا يدرس بِجِدٍّ يُبرهن على كبريائه. وهذه واحدة مِن عقبات دراسة الكتاب المقدَّس. فأنت لا تشعر بحاجتك إلى دراسته. وأنت لا تشعر أنَّه يوجد شيء يمكن أن يأخذك أو يأخذ أيَّ شخصٍ آخر إلى مَكانٍ أبعد مِن ذاك الَّذي تستطيع أن تأخذهم أنت إليه.
أمَّا العقبة الثَّانية أمام دراسة الكتاب المقدَّس فهي عدم الإيمان. فإن لم تكن تؤمن بالكتاب المقدَّس، أو إن لم تكن تؤمن بأنَّ الكتاب المقدَّس مُنَزَّه عن الخطأ، أو إن لم تكن تؤمن بأنَّ الكتاب المقدَّس صحيح، أو إن لم تكن تؤمن بأنَّ الكتاب المقدَّس مُوحَى به، مِن المؤكَّد أنَّك لن تُكَرِّس نفسك لتفسيره.
وهناك عقبة ثالثة، في اعتقادي، تَمنعك مِن الدِّراسة الجادَّة وهي الكَسَل. فإمَّا أنَّك مُتكبِّر، وإمَّا أنَّك عَديم الإيمان، وإمَّا أنَّك كَسول إن لم تكن تدرس بِجِدٍّ كلمة الله. لِذا فقد قال لوثر إنَّ التَّفسير التَّحقيقيّ ينبغي أن يَتعامل مع النصّ بطريقة لا تختلف عن الطَّريقة الَّتي تَعامل بها مُوسَى مع الصَّخرة في البَرِّيَّة إذْ إنَّه ضَربها بعصاه إلى أن خَرَج منها ماء. ويمكنني أن أقول لكم مِن واقع خبرتي الشخصيَّة إنَّ الكتاب المقدَّس لا يُعطي دائمًا كُنوزَهُ بسهولة. أليس كذلك؟ فهو يتطلَّب عملاً جادًّا. وقد قال لوثر: "اللُّغات هي الغِمْدُ الَّذي يَحوي سَيف الرُّوح". فقد كان يَعلم ذلك. وقد كانت تلك الدِّراسة الجادَّة للُّغات الأصليَّة هي الَّتي كَشفت للوثر الحقَّ؛ أي الحقَّ المُختصَّ بالكتاب المقدَّس، والحقَّ الموجود في الكتاب المقدَّس فيما يختصُّ بالخلاص. وعَودة إلى كِتاب "پايپر" (Piper) عن الفرح العظيم، وهو كتاب بعُنوان: “The Legacy of Sovereign Joy” إذ يقول "پايپر": "عندما لا يَتِمُّ تقدير اللُّغات واستخدامها فإنَّ الاهتمام بالملاحظات الكِتابيَّة والتَّفكير الكِتابيّ، والاهتمام بالحقِّ يَتضاءل". لماذا؟ يقول: "لأنَّ اللُّغات هي الأدوات الَّتي تساعدك في التَّفكير كِتابيًّا". وهو مُحِقّ. بعبارة أخرى، يجب عليكم أن ترجعوا إلى اللُّغات.
والآن، ليس هناك ما يُحَتِّم على كلِّ شخص يُفَسِّر الكتاب المقدَّس أن يَعرف اللُّغات، ولكن إن لم تكن تَعرف اللُّغات، يُفَضَّل أن تكون قادرًا على الاطِّلاع على معلومات أشخاصٍ يعرفون اللُّغات. ولكنَّ الأفضل من ذلك هو أن تَعرف اللُّغات كي تَعلم إن كانت مَزاعم مَن يقولون إنَّهم يعرفون اللُّغات صحيحة حقًّا. وقد قال لوثر: "لو لم تُسهم اللُّغات إسهامًا إيجابيًّا أكبر في معرفتي للمعنى الحقيقيّ لكلمة الله، لَرُبَّما بقيتُ راهبًا مُستعبَدًا، ولَرُبَّما بقي البابا والسَّفسطائيُّون وإمبراطوريَّتُهم المُعادية للمسيحيَّة دون أن تَتَزعزع".
ما الَّذي يقوله؟ لقد كان يقول إنَّ مِفتاح الإصلاح هو ماذا؟ العِبريَّة واليونانيَّة. وما أعنيه... لكي تَعلموا وحسب، فإنَّه لم يسقط مِن عَربته ذات يوم، ويُصاب في رأسه، ويَخرج بعقيدة التَّبرير بالنِّعمة مِن خلال الإيمان فقط؛ بل إنَّ أطروحاته الخمس والتِّسعين نَبعت مِن التَّفسير التَّحقيقيّ. فالسَّببُ الكامِن وراء الإصلاح يُمكن أن يُعزَى لتأثير اللُّغات الأصليَّة. وقد قلتُ لكم إنَّ لوثر صَرَفَ حياته في القيام بذلك. وعندما نُفِيَ كالفن ثلاث سنوات مِن جنيف، ذَهبَ إلى "بازل" (Basel) وصَرف ثلاث سنوات في إتقان العِبريَّة.
وقد قال "ر.ل. دابني" (R.L. Dabney) في كتابٍ له بعُنوان: "الفَصاحة الإنجيليَّة" (Evangelical Eloquence) "لقد قام الإصلاح العَظيم على إحياء التَّفسير التَّحقيقيّ". فتاريخ الكنيسة تَحَوَّل بسبب الفهم السَّليم للكتاب المقدَّس. والأشخاص الَّذينَ صاروا الأدوات البشريَّة لتلك التحوُّلات العظيمة كانوا أشخاصًا كَرَّسوا أنفسهم بِجِدٍّ لدراسة الكتاب المقدَّس. وهذا يَتطلَّب مُطالعةً. وقد فعلتُ ذلك وقتًا طويلاً. وأعتقد أنِّي أقرأ الآن أكثر مِمَّا فَعلتُ في أيِّ وقتٍ مَضى. فهو نَهَمٌ لا نهاية له بالنِّسبة إليَّ. فأنا أعطش إلى قراءة الكُتب قبل أن أعطش إلى شُرب الماء. وطبيبي يقول لي دائمًا إنَّه ينبغي لي أن أشرب كميَّةً أكبر مِن الماء. ولكنِّي أَنغمسُ في قراءة الكُتب وأَنسى أن أشرب الماء. وهذا هو ما يَقودك إلى معرفة المعلومات الضروريَّة اللاَّزمة للتَّفسير السَّليم. فَضلاً عن ذلك، هناك أيضًا القراءة النَّهِمَة للكتاب المقدَّس أوَّلاً، ثُمَّ تفسير النُّصوص الأصليَّة، ثُمَّ البحث عن كُتُب تُفسِّر المعنى وتُغني وتُعَزِّز فَهمك للتَّاريخ واللاَّهوت.
وقد تَعلَّمت أيضًا أن أقرأ كُتبًا مُنتقاة. ففي هذا الصَّباح، كان يوجد على مَكتبي... وهذا يومٌ عاديّ... فقد جئتُ في هذا الصَّباح، في نحو السَّاعة الثَّامنة صباحًا، فوجدتُ على مكتبي دَزِّينةً مِن الكُتُب. وهناك كِتابٌ واحدٌ منها سآخذه إلى البيت لأنَّه يحوي فصلاً عن كيف قَتلتُ ظَبْيًا. وهو كتابٌ صغيرٌ غريب كَتَبَهُ شخص يُحِبُّ الصَّيْد. ولكنِّي سآخذه إلى البيت لأنَّه يَذكر اسمي في الكتاب ويَحكي قصَّتي الصَّغيرة عن قَتْل ظَبْي. أمَّا بقيَّة الكُتُب، باستثناء كتابٍ واحد، فقد وَزَّعتُها في جميع الاتِّجاهات. فقد ألقيتُ عددًا منها في القُمامة. وقد أعطيتُ عددًا منها للدُّكتور "مايهيو" (Dr. Mayhue). وقد أعطيتُ كِتابًا عن "توم لاندري" (Tom Landry) لشخصٍ أَعلم أنَّه يُحبُّ كُرة القدم؛ وهكذا دَواليكَ بخصوص بقيَّة الكُتب. وفي كلِّ مَرَّة يَصِلُني فيها كتاب، تَصِلُني معه ملاحظة تقول: "أرجو منك أن تقرأ هذا الكتاب وأن تُعلِّق عليه". فكما تَعلمون، إنَّهم يريدون أن يستخدموا مُلاحظاتي للتَّرويج للكتاب. وربَّما كان اليوم مُختلفًا عن الأيَّام الأخرى لأنِّي احتفظتُ بكتاب واحد مِن تأليف "إيان موري" (Iain Murray). أمَّا بقيَّة الكُتب فوزَّعتها. فيجب عليَّ أن أختار ما سأقرأ، وأن أنتقي الكُتب بعناية شديدة.
وقد أرسلَت إليَّ دار "وورد" (Word) للنَّشر كتابًا أو روايةً مسيحيَّةً كُتبت مُؤخَّرًا. ولا أعرف ماذا سيكون عنوانها النِّهائيّ. فقد كانت هذه مُسَوَّدة. وهي رواية على نَمَط روايات "جون غريشام" (John Grisham). وقد قرأتُ فقط واحدة مِن تلك الرِّوايات كان أحد أصدقائي قد أعطاني إيَّاها وطلب مِنِّي أن أقرأها، وهي بعنوان: "الشَّهادة" (The Testament). ولكنِّي لا أقرأ عادةً عن شخصٍ ترك أمواله لسيِّدة مُبَشِّرة في البرازيل. وهي رواية هدفها التَّسلية. وقد قرأتُها وقلت: "أتدري! لقد استغرقتْ قراءتي لها وقتًا طويلاً دون أن تنفعني في شيء". وأنا أعترف أنَّ ذلك الشَّخص بارع في الكتابة، وأنَّ الرِّواية مُسَلِّية؛ ولكنِّي لا أحتاج حقًّا إلى التَّسلية كثيرًا. فأنا لديَّ حاجة ضئيلة جدًّا جدًّا إلى التَّسلية. حَقًّا! فحاجتي إلى التَّرفيه ضئيلة جدًّا. فتكفيني خمس دقائق مِن "إذًا، أنت تُريد أن تصير مِليونيرًا". فهذا هو كلُّ التَّرفيه الَّذي أنا بحاجة إليه.
ومؤخَّرًا، أرسلَت إليَّ دار "وورد" (Word) للنَّشر روايةً أخرى. وقد كانت رواية تحوي حَبْكَة مُعقَّدة جدًّا جدًّا كَتبها شخص ذكيّ جدًّا جدًّا. وقد قالوا لي: "نرجو منك أن تقرأ هذه الرِّواية. مِن المهمِّ أن تقرأها. نريد منك أن تُقيِّمَها". ومَرَّةً أخرى، كان جوابي هو: "لن أفعل ذلك مَرَّةً أخرى" لأنَّ ذلك سيكون هَدْرًا آخر للوقت بالنِّسبة إليّ. كذلك، إن قرأتُ تلك الرِّوايات فإنَّ القيمة الوحيدة الَّتي أَجنيها منها هي المُفردات. لذا فإنَّني أميلُ إلى قراءتها ببُطء شديد لأنِّي أزيد مِن حصيلة المُفردات لديَّ مِن خلال قراءتها. وهذه فائدة مِن فوائد القراءة. فهي تُغني مُفرداتك. لذا فإنَّني أقرأها بتدقيق أكبر لأنَّني أحاول العثور على شيءٍ مُفيد فيها وأن أزيد مِن حصيلة المُفردات لديَّ؛ مع أنَّه عندما توجد كُتب أخرى تُغنيني فإنَّني أقرأ بسرعة كبيرة جدًّا، وأقرأ بسرعة عالية جدًّا دون أن أبحث عن معاني كلماتٍ مُحدَّدة، بل أُرَكِّز على مُنتصف الصَّفحة وأحاول أن أفهم بسرعة الفكرة الرئيسيَّة لكلِّ فِقْرة. وبعد أن أستوعب الفكرة مِن كلِّ فِقرة فإنَّني أتوقَّف فقط عندما أشاء أن أتوقَّف وأقرأ التَّفاصيل.
لِذا ينبغي لكم، إن أردتم أن تدرسوا طَوال حياتكم، وإن أردتم أن تُركِّزوا على تفسير كلمة الله... ويجب أن تعلموا أنَّه مِن جوانب مُعيَّنة فإنَّ هذا الأمر أصعب اليوم مِمَّا كان عليه في زمن لوثر أو كالفن أو زمن الطَّهوريِّين (بالرَّغم مِن أنَّهم كانوا يَملأون وقتهم بسرعة كبيرة) وذلك بسبب وجود مَواد أكثر بكثير اليوم. لِذا ينبغي لكم أن تكونوا انتِقائيِّين جدًّا وأن تقرأوا بسرعة كبيرة جدًّا. تَعَلَّموا أن تقرأوا بسرعة. وتَعلَّموا أن تقرأوا ما تريدون أن تقرأوه، وما تحتاجون أن تقرأوه؛ لا بالضَّرورة كلَّ ما هو مكتوب في الصَّفحة.
ثُمَّ بعد أن أقرأ الكتاب المقدَّس، وهو شيء أفعله باستمرار وعند تحضير العِظة، فأنا أقرأه باستمرار ثُمَّ أعود إلى النُّصوص باللُّغات الأصليَّة وأدرسها، ثُمَّ أقرأ بأكبر عرض وعُلُوّ وعُمق مُمكن عن الأفكار والمواضيع سواءٌ في كُتب التَّفسير، أو في الأجزاء الَّتي تتحدَّث عنها في كُتب اللاَّهوت، أو في أيِّ مَصدرٍ آخر يُعزِّز ذلك كُلَّه. ثُمَّ إنَّني أنتقل مِن كُلَّ تلك القراءة والاستيعاب إلى الكتابة. وأنا أُوْمِنُ حقًّا أنَّك بحاجة إلى كتابة الرِّسالة الَّتي ستعظ بها. يجب عليك أن تكتبها. فلا يكفي أن تكتب مُخطَّطًا، بل ينبغي لك أن تكتب العظة لأنَّ كتابتها تساعد في توضيحها. وإن كنت تَستخدم الحاسوب، ينبغي أن تطبعها أو أن تُدخلها على حاسوبك. فتلك العمليَّة تساعدك في رؤية حقيقة تَدفُّق الأفكار. لذا، بالنِّسبة إليَّ، هناك مُسَوَّدة أولى، ومُسَوَّدة ثانية، ومُسَوَّدة ثالثة قبل أن أكتبها بالصِّيغة الَّتي أريد. وأنا أفعل ذلك كلَّ أسبوع في حياتي، وأفعل ذلك منذ سنوات وسنوات وسنوات، وأُعِدُّ ما لا يَقِلّ عن عِظَتين أو غالبًا أكثر مِن ذلك.
وهذه حياة كاملة مِن العمل الجادّ، ولكنَّ حصيلة ذلك العمل الجادّ هي أنَّه يُعطي المجد لله ويقود إلى خلاص النَّاس وتقديسهم. ومَرَّةً أخرى، لقد عُدتُ... وها أنتم تَحصدون ثَمر قراءاتي الأخيرة... لقد عُدتُ إلى كالفن ورحتُ أقرأ قليلاً عن إنتاجيَّته. فقد كَتَب كِتاب "نُبَذ" (Tracts)، وكَتَبَ كتاب "أُسُس الدِّين المَسيحيّ" (The Institutes)، وكتب كُتب تفسير كثيرة. وقد كَتَب كالفن كلَّ هذه الأشياء في نفس الوقت الَّذي كان فيه يُلقي المُحاضرات. وفي العادة، كان يَعِظ عشر عظات في كلِّ أسبوعين؛ أي خمس عِظات في الأسبوع. وكلُّ عِظاته هي تفسير تحقيقيّ للكتاب المقدَّس. وكلُّها قائمة على معرفته باللُّغات الأصليَّة. فكلُّ ما كان يَفعله هو أنَّه كان يُفَسِّر الكتاب المقدَّس. وقد وَعظ لوثر ما بين سنة 1510 وسنة 1546 ثلاثة آلاف عظة، وكان يعظ غالبًا أيَّامًا عديدة في الأسبوع، ويعظ غالبًا مرَّات عديدة في اليوم. فبالنِّسبة إلى هؤلاء الرِّجال، لم تكن هناك راحة مِن الدِّراسة والإنتاج والوعظ.
وبالنِّسبة إلى كِتاب كالفن الأصليّ "أُسُس الدِّيْن المَسيحيّ"، أعتقد أنَّه كان في عُمر الثَّالثة والعشرين عندما كَتَبَهُ، وأنَّه صدرت خمس نسخ مُختلفة مِن ذلك الكِتاب، وأنَّه استمرَّ في تَنقيحه، وتَنقيحه، وتَنقيحه، وتَنقيحه، وتَنقيحه في نفس الوقت الَّذي كان يَكتب فيه مواد جديدة. وفي الوقت نفسه، كانوا يَشتركون أيضًا في المجادلات. فقد كانوا يشتركون في التَّصَدِّي للمعارضة، والتَّصدِّي للخطأ، ومُجادلة الأشخاص الَّذينَ وقعوا في تلك الأخطاء.
ومِن المدهش أن نُفكِّر في أنَّهم كانوا، في الوقت نفسه، يَتصدُّون لمشاكلهم الشخصيَّة في الحياة. فهناك الزَّوجات، والأولاد، وموت الأبناء. وأعتقد أنَّ زوجة لوثر أنجبت له ستَّة أولاد. وقد مات بعض منهم. وكان يَعِظ بهم جميعًا بعد ظُهر يوم الأحد عندما كان يُعلِّمهم أصول الدِّين المسيحيّ. وفي سنة 1520، كَتَبَ لوثر 133 مُؤلَّفًا. وفي سنة 1522 كَتَبَ 130 مُؤلَّفًا. وفي سنة 1523 كَتَبَ 183 مُؤلَّفًا. وهذا يعني كِتابًا يومًا بعد يوم.
إذًا، لقد كان كلُّ ما يفعلونه هو أنَّهم يدرسون الكتاب المقدَّس، ويَعظون، ويُعلِّمون، ويكتبون. وقد كان ذلك يقتضي عملاً هائلاً. وأنا لا أتوقَّع منكم جميعًا أن تَفعلوا ذلك. فربَّما يقترب بعض منكم مِن ذلك. ولكنِّي أقول وحسب إنَّ هذا النَّوع مِن العمل هو الَّذي تَحَوَّل عنده تاريخ الكنيسة. وأنا أرجع إلى حيث ابتدأت في هذه النُّقطة اليوم: إنَّ ما يَمنع النَّاس مِن الاجتهاد في الخدمة هو: أوَّلاً، الكبرياء. وهذا أمرٌ خطير. أليس كذلك؟ أي أن تَفترض أنَّ الكتاب المقدَّس لا يَملِك الكثير ليُقدِّمه لك في عِظاتك. وهذه عقبة قد تَحُوْلُ دون دراستك بجِدّ. والعقبة الثَّانية هي ألاَّ تؤمن بكلمة الله. والعقبة الثَّالثة هي ماذا؟ الكسل.
والآن، اسمحوا لي أن أذكر لكم نُقطة ثالثة هنا. فقد ذَكرنا النَّظرة السَّليمة، والتَّحضير. وأنا أَعلم أنَّني بطيء قليلاً، ولكنْ هذا هو أحد الأشياء الَّتي تفعلها عندما تريد أن تقول الكثير، وعندما تُنَقِّح ما ستقوله في ذهنك قبل أن تقوله. وأنا أريد أن أتحدَّث عن الإيقاع. أريد أن أتحدَّث عن الإيقاع. فالنَّاس يسألونني كثيرًا لماذا يستغرقني الأمر كلَّ هذا الوقت لتعليم سِفْرٍ واحد. وأنا أتذكَّر دائمًا... لا أذكر اسمه، ولكنِّي أتذكَّر أنِّي قرأت عن واعظٍ في إنجلترا الجديدة كان مِن الأميركيِّين الطَّهوريِّين، وكان يَرعى كنيسةً. وأعتقد أنَّه رَعى تلك الكنيسة نحو عشرين سنة. وقد ابتدأ منذ رعايته لها بتعليم سِفْر إشعياء. وبعد نحو عشرين سنة، مات وهو ما يزال في الأصحاح الثَّامِن مِن سِفْر إشعياء! هذا صحيح! وأنا لا أقول إنَّ هذه سُرعة مُناسبة حقًّا، بل يبدو أنَّه كان بطيئًا قليلاً. فهذا يُشبه تفسير "بارنهاوس" (Barnhouse) لرسالة رومية إذ إنَّه تفسير لرسالة رومية وكلِّ شيء آخر في الكتاب المقدَّس تحتاج إلى معرفته. فهو نَهْجٌ تَمَاسِّيّ بِمَعنى أنَّ أيَّ كلمة قد تُمَهِّد للتوسُّع كثيرًا في الحقِّ الكِتابيّ. ثُمَّ إنَّ الأمور تَتشعَّب مِن هناك. وربَّما كان "مارتن لويد-جونز" (Martyn Lloyd-Jones) كذلك نوعًا ما. أليس كذلك؟ وأنا لا أعني بذلك أنَّ هناك ضرورة حَتميَّة لأخذ العظة على الجبل والتَّوسُّع بها لتصير ألف صفحة.
ولا شَكَّ في أنَّه لا يوجد خطأ في القيام بذلك، ولكنِّي أعتقد أنَّ الإيقاع... أو أعتقد أنَّ ما أعنيه بذلك هو أنَّه مِن الأفضل أن نَتأنَّى على أن نَتَعَجَّل. فالتَّأنِّي أفضل مِن الاستعجال. لماذا؟ لأنَّ الدِّراسة العميقة أفضل مِن السَّطحيَّة، ولأنَّ التَّدقيق أفضل مِن الضَّحالة. واسمعوا ما سأقول: إنَّ الهدف هو ليس إطلاقًا فَنّ الوعظ. فهذا ليس البتَّة الهدف مِن العظة. ففَنُّ الوعظ ليس لاعبًا مُهمًّا البتَّة في تحضير العظة. فهو مُجرَّد إطار تضع الصُّورة فيه، ولكنَّه ليس الصُّورة. وبالرَّغم من ذلك، هناك أشخاص يَشعرون بالرِّضا العظيم عندما يَعِظون بسبب أسلوبهم في الوعظ. ولكنَّ هذا ليس الهدف على الإطلاق. فالهدف هو أن تَفهم النَّصّ. والعُمق أفضل مِن السطحيَّة، والتَّدقيق أفضل مِن الضَّحالة، والتَّأنِّي أفضل مِن الاستعجال.
وقد سمعتُ واعظًا على الإذاعة يوم أمس عندما كنتُ أقود سيَّارتي إلى هنا؛ لا بل في الحقيقة بعد الظُّهر عندما كنتُ في طريقي لزيارة الطَّبيب. وقد كان هذا الواعظ يقول: "نريد أن نَنظر نظرةً عامَّةً إلى هذا النَّصّ". صحيحٌ أنَّ هناك مكانا للنَّظرة العامَّة. وهذه هي الفكرة مِن أنَّكم تنظرون ببساطة نظرةً عامَّةً إلى النَّصّ. وقد قال: "إنَّ هذه الآيات الثَّماني تَعني كذا، وتلك الآيات الثَّماني تَعني كذا، وتلك الآيات السَّبع تعني كذا، وهذه الآيات الخمس تعني كذا". ولكنَّ هذه ليست نُقطة النِّهاية، بل هي نُقطة البداية. أليس كذلك؟ فهذه مُجرَّد نظرة إلى السِّياق. ولكنَّ هذه لا يمكن أن تكون طريقة مناسبة لتفسير أيِّ نَصٍّ.
وقد زُرتُ كنيسةً؛ ولا يمكنني أن أنسى ذلك يومًا. فقد زرتُ كنيسةً كان راعيها يَدرس إنجيل مَتَّى. وقد كانت العِظة الَّتي سمعتُها هي مِن إنجيل مَتَّى والأصحاحات 24-28. لن أنسى ذلك يومًا. وقد كانت مُدَّة العظة 40 دقيقة. إن كُنت تُعَلِّم مساقًا عن مُخَطَّطِ كُلِّ سِفْر، أو مساقًا مَسْحِيًّا، أو تُمَهِّد لأحد الأسفار مِن خلال إعطاء نظرة عامَّة شاملة، يمكنك أن تبتدئ بذلك. ولكنَّها ليست طريقة مناسبة لتعليم الكتاب المقدَّس، بل يجب عليك أن تمضي ببطء لأنَّه ينبغي لك أن تَتعمَّق. فينبغي لك أن تدرس بتمعُّن. وأنا أقول لنفسي دائمًا: "ربَّما يجب عليَّ أن أُعَجِّل في الدِّراسة كي أتمكَّن مِن إنهاء العهد الجديد قبل أن أموت"، ولكنِّي أعتقد حقًّا أنَّه وفقًا للسُّرعة الَّتي أسير بها الآن... وقد أخبرني الطَّبيب يوم أمس بأنَّه بحسب عِلْمِهِ فإنَّني لا أُحْتَضَر؛ وهو شيء أَعلمُه. فأنا لا أشعر بتوعُّك، بل أشعر أنَّني بخير. ولكن وَفقًا للإيقاع الَّذي أسير به الآن، وهذا أمر مُدهش... فوَفقًا للإيقاع الَّذي أسير به الآن، ربَّما أحتاج لستّ سنين أخرى أو سبع سنين أخرى لإنهاء إنجيل لوقا. وهذا يعني أنَّ عُمري سيكون 68 سنة. ثُمَّ يمكنني أن أدرس إنجيل مَرقس خلال سبع سنوات أخرى فيكون عمري 75 سنة. وحينئذٍ، يمكنني أن أذهب إلى السَّماء بعد أن أكون قد أنهيتُ كلَّ العهد الجديد.
وقد سألني أحد الأشخاص مؤخَّرًا: "عندما تنتهي مِن تعليم العهد الجديد، هل ستبتدئ بتعليم العهد القديم؟" قلت: "بكلِّ تأكيد". وسوف يكون عُمري 190 سنة عندما أنتهي منه. لا... ولكن يجب أن تَعلموا أنَّه أمر مدهش. فبنعمة الله، إن عِشتُ، سوف أُنهي ما سيَسمح به عُمري، وأُنهي ما آمُلُ في أن أُنهيه في حياتي. وربَّما كان كلُّ ما يمكنني أن أقوله عن ذلك هو: ربَّما سيَسمح الله بذلك في خُطَّته الإلهيَّة. ولكنَّ هدفي في الوعظ هو ألاَّ أضع أيَّ شيءٍ في إطارٍ زمنيٍّ مُعيَّن. فأحيانًا يقول الوُعَّاظ لي: "هل تُخَطِّط لِسَنَتِك؟ كيف تُخطِّط لعِظاتِك على طُول السَّنة؟" فأقول: "أنا لا أضع خُطَّةً لعِظاتي السَّنويَّة، بل أُخَطِّط فقط ليوم الأحد القادم" لأنِّي لا أعلم حقًّا إلاَّ عند دراستي للنَّصّ كم عدد الآيات الَّتي سأتمكَّن مِن تَعليمها. فإن أخذتُ سِفْرًا وجَزَّأتُه... فمثلاً، إن أخذت رسالة فيلبِّي أو أيَّ رسالة أخرى وقلت: "حسنًا، سوف أُجَزِّئ هذه الرِّسالة إلى عِظاتٍ عَدَدها كذا، وأُقدِّم هذه العظات على مَدى أسابيع عددها كذا"، وأضع خُطَّة مُحكمة لذلك، أكون قد فَرضتُ تلك النَّظرة العامَّة على النَّصّ. أليس كذلك؟ أكون قد فَرضتُ ذلك. ولكنِّي لا أريد حقًّا أن أفعل ذلك. وما يحدث غالبًا في أثناء تقديمي للعظة نفسها أنَّه قد خَطرت ببالي أشياء لم أُحَضِّرها أو أُخَطِّط لقولها. وهذا يُغيِّر ما سأقوله في الأسبوع التَّالي.
لِذا، أنا لا أُخَطِّط مُسَبَّقًا توقيت عِظاتي، أو عدد عِظاتي، أو عدد الأسابيع الَّتي سأُنهي فيها سِفْرًا مُعيَّنًا، بل أنا أمضي بحسب ما أشعر أنَّ النصَّ يُقدِّمه لي. وأنا لا أعرف في الحقيقة ما سيُقدِّمه لي إلاَّ عندما أبتدئ بدراسته. ولكنِّي لا أخضع البتَّة لفَنِّ الوعظ. وأنا لا أُخضع نفسي البتَّة لأيِّ مُخَطَّط. وأنا أعتقد أنَّ التَّأنِّي أفضل مِن الاستعجال. فنحن لسنا بحاجة إلى النَّظرة السَّريعة، بل بحاجة إلى الفهم العَميق. لذا فإنَّ الإيقاع مهمٌّ جدًّا.
في سِفْر أعمال الرُّسُل والأصحاح 20، يقول الرَّسول بولس إنَّه لم يُؤخِّر شيئًا ولم يَحرمهم مِن شيء. وقد وَعَظَ جون كالفن باطِّراد سفرًا بعد سِفْر مِن أسفار الكتاب المقدَّس ولم يَحِد عن هذا النَّهج في الوعظ مُدَّة 25 سنة هناك في جنيف؛ باستثناء عددٍ مِن الأعياد الرسميَّة والمناسبات الخاصَّة. ويقول أحد الكُتَّاب: "يوم الأحد، كان يَعِظ دائمًا مِن العهد الجديد؛ باستثناء عددٍ مِن المزامير مساء أيَّام الأحد. وخلال الأسبوع، كان يَعِظ دائمًا مِن العهد القديم. وتُبَيِّن السِّجلاَّت أقلَّ مِن سِتَّة استثناءات في المناسبات المسيحيَّة". ثُمَّ استمعوا إلى ما يقول: "لقد كان يتجاهل بصورة شبه كاملة عيد الميلاد المجيد وعيد الفِصح المجيد". إنَّه رَجُلٌ حَسَبَ قلبي. أتَعلمون ذلك؟ فيمكنهم أن يُقَسِّموا تَقويم الكنيسة بسبب كلِّ تلك الأشياء وأن يَجعلوك تَحيد عن مُواصلة التَّفسير. فهناك عيدُ الأُمّ، وعيدُ الأبّ، وعيد الجَدِّ والجَدَّة، وعيد كذا، وعيد كذا، وعيد كذا... كما تَعلمون. وهناك وُعَّاظ يَقفزون مِن موضوعٍ إلى موضوع بسبب ذلك. ولكنَّه كان يتجاهل بصورة شبه كاملة عيد الميلاد المجيد وعيد الفِصح المجيد عندما يَختارُ نَصَّهُ.
ولإعطائكم فكرة عن نِطاق مِنبره بمعنى كيف كان يَعِظ مِن جهة الإيقاع، فإنَّه ابتدأ بتعليم سفر أعمال الرُّسُل في الخامس والعِشرين مِن شهر آب/أغسطس سنة 1549 وأنهى الدِّراسة في شهر آذار/مارس سنة 1554. وبعد أعمال الرُّسل، انتقل إلى رسالتيّ تسالونيكي حيث قَدَّم 46 عظة. وعندما انتقل إلى رسالتيّ كورنثوس، قَدَّم 186 عظة. والرَّسائل الرَّعويَّة 86 عظة، ورسالة غلاطيَّة 43 عظة، ورسالة أفسس 48 عظة. وقد فعل ذلك ما بين سنة... أو ينبغي أن أقول: إلى سنة (لأنِّي لا أَعلم بالضَّبط متى ابتدأ فيها)، ولكنَّه انتهى في سنة 1549... بل في سنة 1559... المَعذرة! ثُمَّ في ربيع تلك السَّنة، ابتدأ بالتَّعليم عن تَوافُق الأناجيل ولم يُكمل ذلك. فبعد خمس سنوات، مات. فقد مات في شهر أيَّار/مايو سنة 1564. وخلال أيَّام الأسبوع في ذلك الموسم، قَدَّم 159 عظة عن سِفْر أيُّوب، و200 عظة عن سِفْر التَّثنية، و 353 عظة عن سِفْر إشعياء، و 123 عظة عن سِفْر التَّكوين، وهكذا دَواليك. وما أقوله لكم أيُّها السَّادة هو أنَّ هذا هو نوع الجِدّ، ونوع الدِّراسة، ونوع الإنتاج الَّذي تَحَوَّل بسببه تاريخ الكنيسة.
وقد قال أحدهم إنَّ واحدًا مِن أوضح الأمثلة على هذا التَّكريس للوعظ التَّحقيقيّ هو أنَّ كالفن اختار بنفسه في يوم عيد الفِصْح في سنة 1538، بعد العظة، أن ينزل عن المِنبر في كنيسة القدِّيس بُطرس بعد أن طَرَدَهُ مجلس المدينة، وأن يعود في شهر أيلول/سبتمبر سنة 1541 (أي بعد ثلاث سنوات) ويُكمِل التَّفسير مِن الآية الَّتي كان قد توقَّف عندها. فلماذا... لماذا كان مُكرَّسًا كُلَّ هذا التَّكريس للقيام بذلك؟ هناك ثلاثة أسباب يَقترحها "جون پايپر". فهو يقول إنَّ هناك ثلاثة أسباب مُقترحة دفعته إلى ذلك التَّكريس العظيم لما يُسَمِّيه پايپر "الوعظ التَّفسيريِّ المُتوالي": أوَّلاً، لقد كان كالفن يؤمن بأنَّ كلمة الله هي سِراج سُلِبَ مِن الكنائس. فقد قال في شَهادته الشخصيَّة: "كلامُك الَّذي ينبغي أن يَظهر لكلِّ شعبك كسراج قد سُلِبَ أو على الأقلِّ أُخْمِدَ بالنِّسبة إلينا. والآن، يا رَبّ، ماذا تَبَقَّى لشخصٍ بائسٍ مِثلي سِوى أن أتضرَّع إليك بشدَّة أَلاَّ تَدين بحسب بُعدي، ولا بحسب إهمالي المُرعِب للكلمة الَّتي استخدمْتَها بِفِعْلِ صَلاحِك على الأقلِّ لتخليصي" (نهاية الاقتباس). فقد رأى كالفن أنَّ التَّفسير المستمرَّ لأسفار الكتاب المقدَّس هو أفضل طريقة للتغلُّب على ما أَسماهُ بالإهمال المُرعِب لكلمة الله.
فهذا هو ذلك النَّوع مِن التوقيت. أليس كذلك؟ فهو يحدث حين يكون هناك إهمال مُرعب لكلمة الله. والحقيقة المؤسفة هي أنَّ الأشخاص الَّذينَ تَدَرَّبوا كي يُفسِّروا الكتاب المقدَّس يَنضمُّون إلى أولئك الَّذينَ تَخَلَّوا عن الكتاب المقدَّس. وما ينبغي أن يحدث اليوم هو العكس تمامًا. فقد كان التَّفسير المستمرُّ لأسفار الكتاب المقدَّس أفضل طريقة للتغلُّب على ذلك.
ثانيًا، كَتَبَ "پاركر" (Parker) عن كالفن فقال إنَّ كالفن كان لديه سبب آخر لقيامه بالوعظ التَّفسيريِّ المُتوالي. فقد كان كالفن يَرتعب مِن الأشخاص الَّذينَ يَعظون بأفكارهم الشخصيَّة مِن على المِنبَر. فلماذا، في اعتقادك، قام بذلك؟ الحقيقة هي أنَّه قام بذلك لأنَّه كان مُنغمسًا جدًّا في الكتاب المقدَّس. فقد قال (وأنا أقتبس كلامَه): "عندما نقف على المِنبر فإنَّنا لا نفعل ذلك لكي نُشارك أحلامنا وخَواطِرَنا الشخصيَّة" (نهاية الاقتباس). فقد كان يؤمن بأنَّه مِن خلال تفسير الكتاب المقدَّس كَكُلّ، فإنَّه مُضطرٌّ إلى قولِ كُلِّ ما يريد الله أن يقوله؛ لا فقط ما يريد هو أن يقوله. والتَّفسير المُتوالي لجميع أسفار الكتاب المقدَّس يَضمن أنَّك ستقول كُلَّ ما يريد الله أن يَقوله.
ثالثًا، أو السَّبب الثَّالث للوعظ التَّفسيريّ المُتوالي الَّذي قام به كالفن هو ما يلي: لقد رأى كالفن جَلال الله في كلمة الله. فقد كان يؤمن حقًّا بأنَّ كلمة الله هي كلمة الله، وبأنَّ مجد الله قد أُعلِن فيها. ففي العظة 61 مِن سِفْر التَّثنية، شَجَّع الرُّعاة في زمانه وزماننا إذْ إنَّه كَتَبَ يقول: "ليتجرَّأ الوُعَّاظ على تَحَدِّي كلِّ الأشياء بكلمة الله. لِنَكبَح كلَّ قوَّة ومجد وعظمة في العالم كي نُفسِح المجال للجَلال الإلهيِّ لهذه الكلمة ونُطيعَها. وليُلزِموا كلَّ شخصٍ بها مِن الأعلى شأنًا إلى الأقلّ شأنًا. وليَبنوا جسد المسيح. وليُقَوِّضوا سُلطان الشَّيطان. وليَرعوا الخِراف، ويَقتلوا الذِّئاب، ويُعلِّموا ويُوبِّخوا المُتمرِّدين. وليربطوا ويَحُلُّوا الرَّعد والبرق إن اضطُرُّوا إلى ذلك. ولكن ليفعلوا ذلك كلَّه بحسب كلمة الله".
أمَّا النُّقطة الرَّابعة في مُخَطَّطي فهي أنَّ الوعظ شخصيٌّ... شَخصيٌّ. وأنا أحاول وحسب أن أساعدكم على رؤية نظرتي إلى الوعظ. فَمِن زاويتي: هذه فُرصة سَانِحَة للدِّراسة. فوُجهة النَّظر السَّليمة موجودة. والتَّحضير موجود. والإيقاع موجود. ولكنَّ الأمر كُلَّه يَتلخَّص في هذه النُّقطة. فهذا أمر شخصيٌّ جدًّا بالنِّسبة إليَّ. وقد قلتُ هذا على مَرِّ السِّنين، وسأقوله مَرَّة أخرى: أنا لم أدرس الكتاب المقدَّس يومًا لأُعِدَّ عِظَةً. قَطّ! فأنا لم أدرس يومًا الكتاب المقدَّس كي أُعِدَّ عظةً. فالعظة هي آخر شيءٍ أفعله. فأنا أدرس لا لأُعِدَّ عظةً، بل أدرس لأعرف كلمة الله وإلهَ الكلمة. فأنا أبحث عن الحقِّ لأجلي رُوحي. وأنا أدرس لأجل رُوحي. وأنا أغوص إلى العُمْق لأنَّ هذا هو المكان الَّذي أريد أن أذهب إليه كي أتمكَّن مِن بُلوغ الأعالي في عبادة الرَّبّ.
والأمر هكذا دائمًا. وأنا لا أدري لماذا... لماذا يَشعر النَّاس بالدَّافع بالطَّريقة الَّتي تُلائمهم. وأنا لا أدري لماذا أشعر أنا بالدَّافع بهذه الطَّريقة. ولكنِّي أتذكَّر عندما كنتُ صَبيًّا يافعًا، وتحديدًا عندما كنتُ في المرحلة الإعداديَّة، أنَّني كنتُ أشعر برغبةٍ عميقةٍ في داخلي لِفَهم الكتاب المقدَّس. فقد كان أبي يَكرز بالكتاب المقدَّس بأمانة، ولكنَّ يبدو أنَّ ذلك وحده لم يكن كافيًا بالنِّسبة إليَّ. فقد كان لديَّ شوق عميق في داخلي لشيءٍ موجودٍ ولكنِّي لم أعرفه بعد. وقد كنتُ في المرحلة الإعداديَّة تقريبًا. وقد كنتُ طالبًا عاديًّا في المرحلة الإعداديَّة. وقد كنتُ في ورطة كأيِّ شخصٍ آخر. ولكنَّ الله زَرَعَ شيئًا ما في قلبي. وقد أعطاني أحد الأشخاص كتابًا بعُنوان: "الاقتداء بالمسيح" (The Imitation of Christ) لتوما الكَمبيسي" (Thomas a Kempis)، وهو في الحقيقة كتاب صُوفيّ. ولكنِّي ابتدأتُ بقراءته. ويمكنكم أن تتخيَّلوا صَبيًّا في المرحلة الإعداديَّة يقرأ ذلك الكتاب! فقد ابتدأت بقراءته. وقد قادني إلى أعماق التَّأمُّل في الله بطريقةٍ لم أختبرها مِن قَبل.
ثُمَّ إنَّ شخصًا أعطاني كتابًا لِـ "إي. إم. باوندز" (E.M. Bounds). ولعلَّكم تعرفون ذلك الكتاب عن الصَّلاة. وهو يتحدَّث عن أشخاص صَنَعوا حُفَرًا في الأرضيَّات الخشبيَّة لكثرة رُكوعهم، وعن ذلك النَّوع مِن الأشياء والجوع لله. وقد كنتُ في صِبايَ أقرأ هذا النَّوع مِن الكُتب الصُّوفيَّة وأتساءل عن مَاهيَّة ذلك الفَهم العميق لله لدى هؤلاء الأشخاص. وقد عَلِمتُ في وقتٍ لاحقٍ أن ليس كلال ما يُقال عن تلك الأساليب الصُّوفيَّة صحيح بالضَّرورة؛ ولكنَّ ذلك هو ما جذبني.
وقد قادتني تلك الحاجة المُلِحَّة إلى معرفة الكتاب المقدَّس إلى كُليَّة اللاَّهوت. وأوَّل شيءٍ فَعلتُه هو أنِّي اخترتُ تَخصُّصي الفَرعيِّ في اللُّغة اليونانيَّة. فكلُّ ما كان بإمكاني أن أدرسه في كُليَّة اللاَّهوت هو أن أختار تخصُّصًا فَرعيًّا في اللُّغة اليونانيَّة. ولكنِّي اخترتُ أن يكون تَخصُّصي الفَرعيِّ في اللُّغة اليونانيَّة لأنِّي كنتُ أعلمُ أنِّي إن أردتُ أن أتعلَّم العهد الجديد، يجب عليَّ أن أعرف شيئًا عن اللُّغة الأصليَّة. لذا، عندما كنتُ طالبًا في السَّنة الأولى، أخذتُ عشر ساعاتٍ مُعتمدة. وفي السَّنة الثَّانية درستُ سِتَّ ساعات مُعتمدة. وعندما تَخرَّجتُ، كنت قد درستُ 24 أو 26 ساعة مُعتمدة لُغة يونانيَّة في كُليَّة اللاَّهوت. وفي نهاية السَّنة الثَّالثة أو الرَّابعة مِن دراسة اليونانيَّة، كنتُ الطَّالب الوحيد في الصَّفّ. وقد تَعلَّمتُ اليونانيَّة في السَّنة الثَّالثة والسَّنة الرَّابعة لأنِّي كنتُ أريد أن أتعلَّم ذلك. وأنا لم أفعل ذلك لأنِّي أردتُ أن أعرف اليونانيَّة، ولا لأنِّي أردتُ أن أحفظ كلَّ تلك الأشياء، ولا لأنِّي أردتُ أن أدرس كلَّ تلك البطاقات؛ لا سِيَّما أنَّ كلَّ شيءٍ في تلك اللُّغة غير قِياسيّ. فلا أحد مِنَّا يستمتع حقًّا بالقيام بذلك. ولكنِّي فعلتُ ذلك لأنِّي كنتُ أَعلم أنَّ هذا هو المِفتاح الَّذي يَفتح أمامي الباب لمعرفة الأشياء الَّتي أحتاج إلى معرفتها. فقد كان قلبي جائعًا للمعرفة.
وبعد التحاقي بكُليَّة اللاَّهوت، حصلتُ على كتاب بعنوان "وُجود اللهِ وصِفاتُه" (The Existence and Attributes of God) مِن تأليف "ستيفن شارنوك" (Stephen Charnock). وقد غُصْتُ في ذلك الموضوع في بداية دراستي في كُليَّة اللاَّهوت وما زلت غائصًا فيه. فهذا شيءٌ يَستمرُّ ويَستمرُّ ويَستمرّ. وما أعنيه هو أنَّني قد أغرق في ذلك. فقد كان هناك شوق عظيم وحسب في داخلي. في الوقت نفسه، كانت لديَّ كلُّ الأمور العاديَّة في الحياة، كما تَعلمون، إذ إنِّي كنتُ مُنغمسًا في كلِّ أنواع النَّشاطات والأمور. ولكن في أعماقي، كانت شَهيَّتي مفتوحة جدًّا لمعرفة الأشياء. ثُمَّ إنِّي قرأتُ دراسةً سيكولوجيَّةً عندما كنتُ في كُليَّة اللاَّهوت تقول إنَّ الدَّافع إلى المعرفة أقوى مِن الدَّافع الجنسيِّ أو الدَّافع للأكل بحسب اختبارات نفسيَّة مُعيَّنة. ولا شَكَّ في أنَّ هناك أشخاصًا يُشَكِّكون في ذلك. ولا أدري إن كنتُ في موقعٍ يُتيح لي أن أُعطي حُكمًا في ذلك، ولكن مِن الواضح أنَّها كانت رغبة قويَّة جدًّا. وأنا أعتقد أنَّ الرُّوح القُدُس هو الَّذي جَعلها أقوى في حالتي.
لِذا، عندما... عندما تَخرَّجتُ مِن كليَّة اللاَّهوت كنتُ... لقد تخرَّجتُ مِن الجامعة عندما كان عُمري 21 سنة في اعتقادي، وتخرَّجتُ مِن كليَّة اللاَّهوت وأنا في الرابعة والعشرين. لذا فقد كنتُ صغيرًا جدًّا ليقتنع أيُّ شخص بأنِّي جَيِّد. لذا، لم تكن أيُّ كنيسة لترغب في تعييني. ولم أكن أريد أن أكون راعي شَبيبة تحديدًا لأنِّي أردتُ أن أُفسِّر الكتاب المقدَّس. وفي تلك الأيَّام، إذا كنتَ راعيًا للشَّبيبة... أنا أقول لكم وحسب إنَّه في تلك الأيَّام، إذا كنتَ راعيًا للشَّبيبة، كانوا يُعطونك كُرةً ويقولون لك: "أنت راعي الشَّبيبة. أَقِمْ حَفلةً لَهُم على الشَّاطئ". فمفهوم راعي الشَّبيبة لم يكن شبيهًا بما هو موجود هنا. لذا فقد قلتُ: "أريد وحسب أن أعِظ. أريد وحسب أن أعظ. أريد وحسب أن أُفَسِّر الكلمة". ولكن لم يرغب أحد في تعييني. لذا فقد انتهى بي المَطاف في الشَّارع. وقد ابتدأتُ في الوعظ في أيِّ مكان أمام تَجَمُّعات الشَّباب. ولكنِّي شعرتُ بالإحباط لأنَّهم كانوا يريدون دائمًا أن يَسمعوا نفس العظات. ويمكنك أن تحفظ عشر عِظات جميلة وأن تُتقنها جيِّدًا. ولكنِّي لم أكن راضيًا قَطّ بذلك. وفي نُقطةٍ ما، رُحتُ أتضرَّع إلى الرَّبّ: "أرجوك أن تَضعني في مكانٍ يمكنني فيه أن أتعلَّم الكلمة. فأنا أريد أن أتعلَّم الكلمة طَوال الوقت". وقد اتَّصلتْ بي إحدى الكنائس، ثُمَّ قَرَّروا أنَّني صغير جدًّا. ثُمَّ إنَّ كنيسة "النعمة" (Grace Church) اتَّصلت بي. وكما تَعلمون، كان الرَّاعيان الأسبقان قد ماتا، وكانوا يُريدون راعيًا شابًّا. لذا، كان هذا هو مُؤهِّلي الرَّئيسيّ.
أجل! هذه هي الحقيقة. فقد كانت هناك أرملتان ينبغي للكنيسة أن تَهتمَّ بهما. وهذا مُكلِفٌ جدًّا. لذا فقد قالوا: "نحن نريد راعيًا شابًّا بصحَّة جيِّدة"، وهَلُمَّ جَرَّا. لذا فقد جئتُ إلى هنا. وقد كنتُ مُتحمِّسًا جدًّا لأنِّي سأتمكَّن مِن الدِّراسة كلَّ يوم لأنَّي أملِك هذه الشَّهيَّة المفتوحة. وأنا لم أفقدها يومًا. فبالنِّسبة إليَّ، ما زال الشَّيء الَّذي يَحْفِزُني هو ليس العِظة، بل ما يَحفزُني هو الإعلان... الاكتشاف. والحقيقة هي... سوف أخبركم الآن الأسرار الحقيقيَّة. إنَّ الوعظ ليس هو مصدر فرحي الأعظم. فهو عَمل. وبكلِّ صراحة، عندما أنهضُ في صباح الكثير مِن أيَّام الأحد، لو كان الخِيار بيدي فإنَّني لن أعِظ، بل أُفَضِّل أن أذهب وأستمع إلى شخصٍ آخر يَعِظ. فأنا أُفضِّل أن آتي، وأجلس، وأعبد الربَّ، وأسمع شخصًا آخر يَعِظ. فهو عمل. وأحيانًا أشعر بالتَّعب. وأحيانًا أشعر بالتَّوعُّك. وأحيانًا أشعر بألمٍ في مَعِدتي. وليس مِن السَّهل أن تذهب إلى مكانٍ ما مِثل "رُوسيا البيضاء" (Belarus) وأن تُعلِّم كلَّ العهد الجديد تسع ساعات في اليوم مُدَّة سِتَّة أيَّام مُتواصلة. فهذا الجزء هو عمل. ولكنَّ الشَّيء الَّذي لا أحسبه عملاً هو الاكتشاف. فهذا هو الفرح، وهذه هي البَهجة. وأنا أدرس دائمًا كي أكتشف. لِذا فإنَّ معلوماتي أفضل مِن وَعظي. أنا أعترف بذلك... أعترف. فمعلوماتي أفضل مِن وَعظي.
ذاتَ مَرَّة، دُعيتُ لإجراء حَلْقة دراسيَّة للوُعَّاظ في مونتريال. وقد ذهبتُ إلى هناك نحو تسع مرَّات. فقد افتتحوا كُليَّة لاهوت. وهي كُليَّة لاهوت فرنسيَّة اسمها: "كُليَّة لاهوت كيبك" (Seminaire Biblique de Quebec). "كيبك" (Quebec)، وهي فرنسيَّة. وهي المكان الوحيد في الحضارة الغربيَّة توجد فيها كنيسة تُشبه كنيسة الجيل الأوَّل. حسنًا؟ فالكاثوليك هَيمنوا على كيبك. ففي الستينيَّات وأوائل السبعينيَّات مِن القرن العشرين، كانت الكنيسة الكاثوليكيَّة تسجن المُرسَلين البروتستنت. لذا فإنَّ الكنيسة في كيبك الآن هي كنيسة تُشبه كنيسة الجيل الأوَّل. وما حدث هو أنَّ الكنائس قد ابتدأت بالتوسُّع، ولم يكن لديهم أيُّ أشخاص ناضجين يمكن أن يصيروا رُعاةً. لذا فقد شَكَّلوا معًا كُليَّة لاهوت وأحضروا أذكى الشُّبَّان الَّذينَ يشعرون أنَّهم مَدعُوُّون إلى الوعظ، وعَيَّنوهم رُعاةً على تلك الرَّعايا الصَّغيرة. وكانت الكنائس تُفْتَح بمُعدَّل 25 كنيسة في الأسبوع، أو 25 كنيسة كلَّ بضعة أسابيع. وقد راحت تَنتشر وتَنتشر وتَنتشر في كلِّ مكان لأنَّ الشَّعب الفرنسيَّ ابتدأ في التَّجاوب مع الحقّ.
وعلى أيِّ حال، لقد أرادوا أن يُرسلوا هؤلاء الأشخاص للدِّراسة لأنَّهم لم يتلقَّوْا أيَّ تدريب. لذا فقد أرسلوهم أسبوعًا هنا وأسبوعًا هناك... أسبوعًا هنا وأسبوعًا هناك... أسبوعًا هنا وأسبوعًا هناك. وكان بعضٌ مِنَّا يذهبون إلى هناك لتعليمهم. فقد كان "دون كارسون" (Don Carson)... وهو بالمناسبة يتكلَّم الفرنسيَّة بطلاقة لأنَّه مِن مُقاطعة "كيبك" إذ إنَّه ولد هناك... كان هو وأنا وآخرون نذهب إلى هناك لتعليم هؤلاء الأشخاص؛ أي أولئك الأشخاص الَّذينَ كانوا أطفالاً في الإيمان إذ رُبَّما مَضى على خلاصهم أربع أو خمس سنوات. فقد كانوا رُعاةً ويريدون وحسب أن يَتعلَّموا كلَّ ما يَلزمهم.
وأنا أَذكُرُ أنِّي تحدَّثتُ أسبوعًا كاملاً عن الوعظ التَّفسيريّ. وقد أخبرتهم كيف يفعلون ذلك؛ أي الطَّريقة الصحيحة للقيام بذلك. ثُمَّ إنَّنا عَقدنا يومًا لطرح الأسئلة والإجابة عنها في آخر يوم. وكان السُّؤال الأوَّل.... فقد وقف هذا الشَّخص وقال بالفرنسيَّة، وكانت هناك ترجمة فوريَّة مِن خلال سمَّاعات الأذن... قال لي: "أيُّها الرَّاعي ماك آرثر، لقد سمعنا ما قلته، واستمعنا إلى عظاتك المُسجَّلة لأنَّنا نستطيع أن نتكلَّم الإنجليزيَّة قليلاً. ونحن نريد أن نَعلم لماذا لا تَعِظ بالطَّريقة الَّتي أخبرتنا عنها؟" قلت: "نعم! أجلَ هذا صحيح! هذه مُشكلة". فكما تَعلمون، أنا أَعلم كيف أكتبُ عِظَةً حسب الأصول. ولكنِّي لا أستطيع... لا أستطيع أن أُطَبِّق أصول الوعظ، ولن أحصر نفسي في فَنِّ الوعظ. لذا فإنَّ عِظاتي المُعَدَّة إعدادًا حسنًا، والمُصاغة صياغةً مُحترفة، تصير في النِّهاية سلسلةً عجيبة. ولكنَّ السَّبب في ذلك هو أنَّني دائمًا خادمٌ للمُحتوى، لا للمُخَطَّط. لذا فقد قلتُ: "انظر! أريد أن أقول لك إنَّ المُحتوى هو المَلِك، وإنَّ فَنَّ الوعظ هو الخادم. هذا هو كلُّ ما في الأمر". والسَّبب في ذلك هو أنِّي أدرس كي أعرف الحقّ.
حسنًا! إليكم فكرة أخرى. ويمكنكم أن تَتوسَّعوا فيها بأنفسكم. فهناك نُقطة أخرى في اللَّائحة وهي: القوَّة... القوَّة. فلا يجوز أن تدرس الكتاب المقدَّس مِن دون قوَّة. فقبل أن تفتح الكتاب المقدَّس، التجئ إلى العَرش: "اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ". أين توجد هذه الآية؟ في المزمور 119: "اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ". فيجب أن تكون هذه هي صلاتكم أيُّها الرِّجال. ينبغي أن تكون هذه هي صلاتكم. أو يمكنك أن تُصلِّي العدد 27. هل تعرفون ما الَّذي يقوله ذلك العدد؟ "طَرِيقَ وَصَايَاكَ فَهِّمْنِي"، أو العدد 34: "فَهِّمْنِي فَأُلاَحِظَ شَرِيعَتَكَ". وهناك آيات كثيرة أخرى مِثل العدد 35 و 36 و 37. ومَن هو ذاك الَّذي تَدعوه؟ الرُّوح القُدُس الَّذي يُنير.
ويمكنني أن أقول المزيد، ولكنِّي سأكتفي بذلك. وقد واظبتُ على القيام بذلك طَوال حياتي. وهذه نُقطة أخرى يمكنكم أن تُضيفوها إلى اللَّائحة: المُثابرة. فلا يمكن لأيِّ شيء أن يُغيِّر ذلك. وما أعنيه بذلك هو: يبدو أنَّ كُلَّ شيء في خدمتي... وقد عشتُ وقتًا طويلاً الآن لأعرف أنَّ كلَّ شيء قد يُحاول أن يَحِلَّ مَحَلَّ كلمة الله في الكنيسة... كلَّ شيء. فكلُّ ما يُؤذي الكنيسة لا بُدَّ أن يَجذب الكلمة إلى أسفل. أليس كذلك؟ فسوف يُستعاض عنها بالجُنون الكارزماتيّ، أو بعلم النَّفس، أو بالثَّقافة المُعاصرة، أو بأيِّ شيء آخر؛ ولكنَّ كلَّ تلك الأشياء تحاول أن تَهدم الكتاب المقدَّس. ولكن يجب أن تكونوا راسِخينَ تمامًا وَألاَّ تَستسلموا لضعفكم. ولا أدري إن كنتم قد قرأتم ذلك، ولكنَّ كالفن كان يعاني مشاكل صحيَّة كبيرة جدًّا. فقد كان يُعاني صُداعًا نِصفيًّا، وكان يَبصُق دمًا، ويُعاني مِن داء النِّقْرِس، ولديه أيضًا حَصَى في الكُلى. وهو يقول إنَّ تلك الأمراض... وهذه كلمات قديمة مُدهشة قالها كالفن: "لقد سَبَّبت لي تلك الحَصى آلامًا مُبْرِحَة. وبعد وقتٍ طَويل وآلام شديدة جدًّا، تَخلَّصتُ منها، وخَفَّت حِدَّة آلامي نوعًا ما. ولكنَّ تلك الحَصَى في الكُلى كانت كبيرة الحجم حتَّى إنَّها مَزَّقتني. ولم يكن يمكن إيقاف النَّزيف إلاَّ مِن خلال إعطائي الدَّواء بواسطة حُقنة". فقد عانى حقًّا، ولكنَّه كان عاقِد العَزم جدًّا ومُثابر جدًّا.
وهناك نُقطة أخرى، وسوف أترك لكم المَجال للتَّوسُّع فيها: الاضطهاد. ومِن المؤكَّد أنَّني لا أستطيع أن أُقارن نفسي ببعض هؤلاء الأشخاص الَّذينَ عاشوا في الماضي، ولكن يمكنني أن أقول لكم ما يلي: إن كَرزتم بالكلمة بأمانة، ستَختبرون ردود فعل سلبيَّة، وستَختبرون العَداوة. ولكنَّ الرَّسول بولس قال لتيموثاوس: "فَاشْتَرِكْ أَنْتَ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ كَجُنْدِيٍّ صَالِحٍ لِيَسُوعَ الْمَسِيح". أليس كذلك؟
This article is also available and sold as a booklet.
