Grace to You Resources
Grace to You - Resource

إنَّ هذا الوقتَ هوَ وقتٌ مُمَيَّزٌ جِدًّا بالنِّسبةِ إلينا في كنيسةِ النِّعْمَة (Grace Church)، على الأقَلِّ في إطارِ عائِلَتِنا الصَّغيرة لأنَّني وزوجَتي "باتريشيا" نَحتفلُ بعيدِ زَواجِنا الخَمْسين. وأَقَلُّ شَيءٍ أُريدُهُ هُوَ أنْ تَرَوْا العَطِيَّة – بَلْ أَفْضَلَ عَطِيَّة وَهَبَها اللهُ لي في حَياتي. "باتريشيا"، أرْجو أنْ تَقِفي، وأنْ تَلْتَفِتي لِكَيْ يَراكِ الجَميع.

والحقيقةُ هي أنِّي كنتُ أُفَكِّرُ: كيفَ سنَحتفلُ بعيدِ زَواجِنا الخَمْسين وبأولادنا الأربَعة؟ وَهُمْ جَميعًا مُتَزَوِّجون وأعْضاءٌ في كَنيسَتِنا. ولدينا خَمْسَةَ عَشَرَ حَفيدًا، جميعُهُمْ في كَنيسَتِنا. وَنَحْنُ عاكِفونَ على تَعْميدِهِمِ الواحِدَ تِلْوَ الآخَرِ. وقد عَمَّدْتُ حَتَّى الآنَ سَبْعَةً مِنْهُم .... وأَعْمارُهُمْ تَتَراوَحُ بينَ الثالثةِ والعِشرينَ والثَّالِثة. فكيفَ نَحْتَفِلُ بذلك؟

لذلكَ فقد خَطَرَتْ ببالي فِكْرَة وَليدَةَ اللَّحْظَة فقُلْتُ لِزَوْجَتي: "ماذا لو أَعْطَيْتُكِ خَمْسينَ يَوْمًا عَنِ السَّنَواتِ الخَمْسين؟" وكما تَعلمونَ، فإنَّها هَدِيَّة ضَئيلَة حينَ تُفَكِّرونَ فيها: خَمْسونَ يَوْمًا عَنِ السَّنواتِ الخَمْسين. لذلكَ فإنَّنا في وَسَطِ إجازَتِنا هذهِ. وقد عُدْنا لحُضورِ هذا المُؤتَمَر، ثُمَّ سَنَعودُ لِلاسْتِمْتاعِ بإجازَتِنا. ولا أَدْري، رُبَّما نَبْقى سِتِّينَ يومًا. فأنا أُفَكِّرُ في ذلكَ لأنَّنا نَقْضي وَقْتًا رائعًا. ولكِنَّنا سَنَعودُ بكُلِّ تأكيد بعدَ بِضْعَةِ أسابيع لمُتابعةِ الخِدمةِ الرائعةِ هُنا.

ونَحْنُ مُمْتَنُّونَ لمحبَّةِ الكنيسة، ولمحبَّةِ أولادِنا وأحْفادِنا. وقد وَجَدْتُ مُلاحظةً على مَكْتَبي هذا الصَّباحِ مِنِ اثْنَتَيْنِ مِنْ حَفيداتي اللَّاتي اجْتَمَعْنَ معًا وَكَتَبْنَ لي مُلاحَظَةً يَقُلْنَ فيها: "عِظْ حَسَنًا اليوم". لذلكَ، فإنَّهُنَّ يُصَلِّينَ لأجْلي. وحينَ أُفَكِّرُ في كُلِّ العَطايا الَّتي وَهَبَها اللهُ لي بأنْ جَعَلَ كُلَّ أفْرادِ عائِلَتي في المَسيح، وفي كَنيسَتِي، وفي الخِدْمَة، وفي خِدْمَةِ الرَّبِّ، فإنَّها بَرَكَةٌ لا مَثيلَ لَها مِنَ الرَّبِّ.

نحنُ نَتحدَّثُ عَنْ موضوعٍ مُعَيَّنٍ في هذا المُؤتَمَر في هذا الأسبوع وَهُوَ مَوضوعُ الحَركةِ الخَمسينيَّةِ المُعاصِرَة. والمَوْضوعُ بِعُنوان: "نَارٌ غَريبَة". وقد كانَ هذا الموضوعُ يَشْغَلُ بالي مُنْذُ سَنواتٍ عَديدَة وطويلة، بلْ إنَّهُ يَشْغَلُ بالي مُنْذُ عَشَراتِ السِّنين. ويُمْكِنُكُمْ أنْ تَعودوا إلى السَّنواتِ الباكِرَةِ جِدًّا مِنْ خِدْمَتي، حينَ ابتدأتُ الخدمةَ ورأيتُ بِداياتِ هذهِ الحَرَكةِ وشَعرتُ بقلقٍ عَميقٍ جِدًّا. وعلى مَرِّ السِّنين، تَحَدَّثْتُ عَنْ هذا الموضوعِ مِنْ على هذا المِنْبَرِ. فقبلَ أربعينَ سَنَة، عَقَدْتُ سِلْسِلَةً عَنِ الحَركةِ الخمسينيَّةِ بخصوصِ أُمورٍ كانَتْ تَحْدُثُ في تلكَ الحَرَكَة. وبعدَ بِضْعِ سَنواتٍ أَلَّفْتُ كِتابًا بعُنوان "الخَمْسينيُّون". ثُمَّ كِتابًا آخَرَ بعُنوان "الفَوْضى الخَمسينيَّة". ثُمَّ عَقَدْتُ سِلْسِلاتٍ دِراسَّية أُخرى وَرَكَّزْتُ أكْثَرَ على تلكَ المسألةِ لكي أُساعِدَ النَّاسَ على حُسْنِ التَّمْييز.

وحينَ يَسألُني النَّاسُ: "ما هيَ أكْبَرُ مُشكلةٍ في الكَنيسةِ؟" فإنِّي أقولُ دائمًا الشَّيءَ نَفْسَهُ: "عَدَم التَّمْييز". فهذهِ هيَ أكبرُ مُشكلةٍ في الكنيسةِ لأنَّهُ إنْ كُنْتَ عاجِزًا عنِ تَمْييزِ الحَقِّ المُخْتَصِّ بكلمةِ اللهِ الَّتي بينَ يَديكَ، أيْ بِخُصوصِ الكِتابِ المُقَدَّسِ الَّذي بينَ يَديكَ ... إذا كُنْتَ عاجِزًا عَنْ تَمييزِ الحَقِّ، قَدْ تَموتُ بسببِ ألْفِ هَرْطَقَةٍ. فَالأمْرُ يُشْبِهُ الإصابَةَ بِمَرَضِ نَقْصِ المَناعَةِ المُكْتَسَبَةِ (الإيدز) رُوْحِيًّا. فالنَّاسُ الَّذينَ لديهِمْ جِهازُ مَناعَةٍ ضَعيفٍ قَدْ يَموتونَ مِنْ ألْفِ مَرَضٍ. وقد تَموتُ الكَنيسَةُ مِنْ ألْفِ هَرْطَقَةٍ إنْ لَمْ تَكُنْ قادِرَة على التَّمْييز. هذهِ هيَ المُشكلة دائمًا.

ومِنَ الجِهَةِ الإيجابيَّةِ، فإنَّ جُزْءًا مِنَ مَسؤوليَّةِ الخِدْمَةِ يَتَطَلَّبُ أنْ أُعَلِّمَ بِصَبْرٍ كَبير، كَما قالَ بولسُ لِتيموثاوُس. ولكِنْ مِنْ جِهَةٍ أُخرى، هُناكَ التَّوبيخُ، والانْتِهارُ، والوَعْظُ، واسْتِخْدامُ كلمةِ اللهِ لتحقيقِ تلكَ الغايَة. ويأتي التَّمْييزُ في صُلْبِ الحَياةِ المسيحيَّةِ لأنَّ الحياةَ المَسيحيَّةَ تَعْكِسُ التَّفكيرَ المَسيحيَّ. ويجبُ أنْ يكونَ التَّفكيرُ المسيحيُّ مُرْتَبِطًا بالعقيدةِ السَّليمةِ. وهُنا يَبتدئُ التَّمْييز.

ومِنَ الواضِحِ جِدًّا أنَّ جُزْءًا كَبيرًا مِنَ المَسيحيِّينَ المُعْتَرِفينَ يَفْتَقِرونَ إلى التَّمْييز. لذلكَ فإنَّ الهَدَفَ مِنْ هذا المؤتمرِ في هذهِ الأيَّامِ، مَعَ أصدقائي الَّذينَ سيُشارِكونَ في فَتْحِ كلمةِ اللهِ وَتَعليمِكُمْ، هُوَ أنْ نُساعِدَكُمْ على التَّمْييز. فنحنُ نَعلمُ أنَّ هُناكَ أُناسًا يَنْتَمونَ إلى تلكَ الحَرَكَةِ وأنَّهُمْ مُخادِعون. وَهُمْ يَعْلَمونَ أنَّهُمْ مُخادِعون. فَهُمْ مُعَلِّمونَ زائِفون. وَهُمْ يَعْلَمونَ أنَّهُمْ مُعَلِّمونَ زائِفون. وَهُمْ يَفْعَلونَ ذلكَ لأجْلِ المالِ. وَهُمْ يَعلمونَ أنَّهُمْ يَفعلونَ ذلكَ لأجْلِ المال.

ونحنُ نَعلمُ أيضًا أنَّ هُناكَ أُناسًا وَقَعوا في فَخِّ هذهِ الحَرَكَةِ لأنَّهُمْ مَخْدوعونَ، ورُبَّما لا يَعلمونَ أنَّهُمْ مَخْدوعون. وَهُمْ أشخاصٌ يَنبغي اخْتِطافُهُمْ مِنَ النَّارِ (كَما يَقولُ يَهوذا في رِسالَتِهِ). وهُناكَ قادَةٌ يَنبغي أنْ يُواجَهُوا وَأنْ يَعْرِفَ النَّاسُ عَنْهُم. وهُناكَ قادةٌ لا يَعلمونَ أنَّهُمْ مَخْدوعونَ، وَهُمْ في حاجةٍ إلى المُساعدةِ والتَّشجيعِ لكي يَعرِفوا الحَقَّ.

فنحنُ نُريدُ أنْ نكونَ مِثْلَ مُؤْمِني بيريَّة الشُّرَفاء. فنحنُ نُريدُ أنْ نُفَتِّشَ الأسفارَ المقدَّسَةَ لكي نَرى إنْ كانَتْ هذهِ الأشياءُ هَكَذا، ونُريدُ أنْ نَفْحَصَ كُلَّ شيءٍ في ضَوْءِ كلمةِ اللهِ. وهذا هُوَ ما سَنُرَكِّزُ عليهِ في هذا الأسبوع. وكما قُلتُ قبلَ قليل، أنْتُمْ حَقًّا المُخْتارون. وأنْتُمْ لَكُمْ مَكانَةٌ خَاصَّةٌ في هذا الحَدَث. فهذا لم يَحْدُثْ (حَسَبِ عِلْمي) في الكَنيسَةِ في فَتْرَةِ حَياتي – أنْ يأتي النَّاسُ جَميعًا للتَّفكيرِ في هذهِ المَسألة.

وكَمْ حَجْمُ المُشكلة؟ هُناكَ نِصْفُ مِلْيار خَمْسيني على الأرْض ... نِصْفُ مِلْيار. ولكي تُدْرِكوا حَجْمَ المُشكلة، هُناكَ مِلْيارُ شَخْصٍ يَنْتَمونَ إلى الكَنيسةِ الكاثوليكيَّة الرُّومانيَّة. ولكي تُدْرِكوا أكْثَرَ حَجْمَ المُشكلة، هُناكَ أربعةَ عَشَرَ مِلْيونِ شَخْصٍ مِنَ المُورمون. أربعةَ عَشَرَ مِليونِ شَخْصٍ يَنْتَمونَ إلى المُورمونيَّة، ونِصْفُ مِلْيارِ شَخْصٍ يَنْتَمونَ إلى الحَركةِ الخمسينيَّة. إنَّها مَسألةٌ ضَخْمَةٌ.

ولا أعتقدُ أنَّ أَحَدًا قَدْ يُخَطِّئُ الرُّعاةَ إنْ واجَهوا المُورمونيَّة لأنَّهُ يَجِبُ عليهمْ أنْ يَفعلوا ذلك. فَهُمْ يَنظرونَ إلى اللهِ نَظرةً خاطئةً، ويَنظرونَ إلى المسيحِ نَظرةً خاطئةً، ويَنظرونَ إلى الخلاصِ نَظرةً خاطئةً. ولكِنْ لماذا كُلُّ هذا التَّرَدُّدِ في مُواجَهَةِ هذهِ الحَركةِ الضَّخْمَةِ الَّتي اسْتَعْبَدَتْ خَمْسَمِئَةِ مِلْيون شَخْص أوْ أكثَر؟

لذلكَ فإنَّ ما سنَفعلهُ معًا في هذهِ الأيَّامِ بأمانَةٍ، وبمحبَّةٍ، وبتَعاطُفٍ، ولكِنْ في نفسِ الوقتِ بصَراحَةٍ، هُوَ أنْ نُساعِدَكُمْ على رُؤيةِ الأُمورِ على حَقيقَتِها وعلى أنْ تُمَيِّزوا الحَقَّ. وحينئذٍ، ستَصيرونَ أُناسًا قادِرينَ على مُساعدةِ الآخَرينَ على رُؤيةِ النُّورِ.

أرجو أنْ تَفتحوا كُتُبَكُم المُقَدَّسَة على الأصحاحِ العاشِرِ مِنْ سِفْرِ اللَّاوِيِّين. فنحنُ نَقرأُ في لاوِيِّين 10 مَقْطَعًا كِتابِيًّا أَخَذْنا مِنْهُ عُنْوانَ هذا المُؤتَمَر: "نارٌ غَريبَةٌ". فأهَمُّ واجِبٍ، وأكبرُ امتيازٍ، وأَرْقى سُلوكٍ، وأَعْظَمُ مَسؤوليَّةٍ لدى البَشَرِ هِيَ أنْ يَعْبُدوا اللهَ. واسْمَحوا لي أنْ أقولَ ذلكَ مَرَّةً أُخرى لأنَّكُمْ رُبَّما كُنْتُمْ مُنْهَمِكينَ في الفَتْحِ على ذلكَ المَقْطَعِ الكِتابِيِّ. إنَّ أَهَمَّ واجِبٍ، وأَكبرَ امتيازٍ، وأَرْقى سُلوكٍ، وأَعْظَمَ مَسؤوليَّةٍ لدى البَشَرِ هِيَ أنْ يَعْبُدوا اللهَ.

فاللهُ طَالِبٌ ساجِدينَ حَقيقيِّينَ، أيْ أشخاصًا يُؤمِنونَ بالإنجيلِ، ويُؤمِنونَ بالربِّ يسوعَ المسيحِ. فهؤلاءِ هُمُ السَّاجِدونَ الحَقيقيُّونَ. لذلكَ، فإنَّ هذهِ هِيَ مَسؤوليَّتنا الأبديَّة، وامتيازَنا، وأولويَّتَنا. والحقيقةُ هيَ أنَّ أيَّ نَظرةٍ خاطفةٍ إلى السَّماءِ في سِفْرِ الرُّؤيا سَتَكْشِفُ لنا أنَّ جميعَ الأشخاصِ الموجودينَ هُناكَ مِنَ القِدِّيسينَ والمَلائِكَةِ يُمَجِّدونَ اللهَ وَيُعْطونَهُ الإكْرامَ الَّذي يَليقُ بِهِ. فأهَمُّ عَمَلٍ يُمْكِنُ لأيِّ شَخصٍ أنْ يَقومَ بهِ على الإطلاقِ هُوَ العِبادَة. إنَّ أَهَمَّ عَمَلٍ يُمْكِنُ لأيِّ شَخصٍ أنْ يَقومَ بهِ على الإطْلاقِ هُوَ العِبادَة.

وهذا لا يَصحُّ على السَّماءِ فقط، بل حَتَّى على الأرض. فحينَ تَجتمعونَ معًا وتقولونَ إنَّكُمْ تَفعلونَ ذلكَ لأجْلِ عِبادةِ اللهِ، فإنَّكُمْ تُعْلِنونَ أنَّكُمْ جادُّونَ، ومُلْتَزِمونَ، وَمُكَرَّسونَ لِكُلِّ عَمَلٍ تَقومونَ بِهِ. فلا يُوجدُ شَيءٌ أَهَمُّ مِنَ العِبادَة. وأَخْشَى أنَّ العِبادَةَ في ثَقافَتِنا صَارَتْ شيئًا تافهًا، وسَطحيًّا، وضَحْلًا، ومُبْتَذَلًا.

ولكِنَّ هذا العَمَلَ هُوَ أَهَمُّ عملٍ يُمكنُ لأيِّ شخصٍ أنْ يَقومَ بِهِ: أنْ يَعْبُدَ اللهَ؟ ونحنُ مَدْعُوُّونَ لأنْ نَعْبُدَهُ بالرُّوحِ. وهذا يَعني أنْ نَعْبُدَهُ بِعَواطِفِنا وبِكُلِّ قُوانا العَقليَّة البَشريَّة. ولكِنْ يجبُ علينا أيضًا أنْ نَعْبُدَهُ بالحَقِّ. فهذا هُوَ ما يُعْلِنُهُ الكِتابُ المقدَّسُ. فيجبُ علينا أنْ نَعْبُدَهُ مِنْ كُلِّ قُلوبِنا، ونُفوسِنا، وَفِكْرِنا، وقُدْرَتِنا. ويجبُ علينا أنْ نَعْبُدَهُ بمحبَّة لأنَّهُ يَجِبُ علينا أنْ نُحِبَّ اللهَ مِنْ كُلِّ قُلوبِنا، وَنُفوسِنا، وفِكْرِنا، وقُدْرَتِنا. فَكِيانُنا كُلُّهُ، وكُلُّ شَيءٍ فينا يَجِبُ أنْ يُسْتَخْدَمَ لعبادةِ اللهِ بمحبَّة – وَفْقًا لِحَقِّهِ المُعْلَن.

لقد أَسَّسَ اللهُ العِبادَةَ في إسرائيلَ في سِفْرِ اللَّاوِيِّينَ هذا. وكانَ قادَةُ العِبادَةِ الأوائِلِ الَّذينَ يمْثُلونَ أمامَ اللهِ نِيابَةً عنِ الشَّعْبِ هُمُ الكَهَنَة. وقدِ ابتدأَ الأمرُ رَسْمِيًّا بهارون في تَدْبيرِ إسرائيل. وقد دُعِيَ هارونُ للخِدْمَةِ في الأصحاح 29 مِنْ سِفْرِ الخُروج. وَقَدْ تَمَّ تَكْريسُهُ في الأصحاحِ الثَّامِنِ مِنْ سِفْرِ اللَّاوِيِّين. وَقَدْ تَمَّ تَعيينُهُ رَئيسًا للسِّبْطِ الكَهَنوتِيِّ الذي سيكونُ مَسؤولا عَنْ قيادَةِ شَعْبِ اللهِ في العِبادَة.

وفي الأصحاحِ التَّاسِعِ مِنْ سِفْرِ اللَّاوِيِّن، يُقَدِّمُ هارونُ ذَبيحَةَ عَنِ الشَّعْبِ إلى اللهِ وَفْقًا لتعليماتِ اللهِ. وقد قِيْلَ لهارون إنَّ اللهَ سَيَسْتَجيبُ عندما تُقَدَّمُ إليهِ تلكَ الذَّبيحَةُ وَفْقًا للتَّعليماتِ الَّتي أَعْطاها اللهُ. فنحنُ نَقرأُ في سِفْرِ اللَّاوِيِّين 9: 6: "فَقَالَ مُوسَى: «هذَا مَا أَمَرَ بِهِ الرَّبُّ. تَعْمَلُونَهُ فَيَتَرَاءَى لَكُمْ مَجْدُ الرَّبِّ». ثُمَّ قَالَ مُوسَى لِهَارُونَ: «تَقَدَّمْ إِلَى الْمَذْبَحِ وَاعْمَلْ ذَبِيحَةَ خَطِيَّتِكَ وَمُحْرَقَتَكَ، وَكَفِّرْ عَنْ نَفْسِكَ وَعَنِ الشَّعْبِ. وَاعْمَلْ قُرْبَانَ الشَّعْبِ وَكَفِّرْ عَنْهُمْ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ»". فقد أَعْطى اللهُ تَعليماتٍ. وكانَ يَنبغي لهارونَ أنْ يَتَقَيَّدَ بتلكَ التَّعليماتِ وأنْ يُقَدِّمَ تلكَ الذَّبيحَة. فإنْ فَعَلَ ذلكَ حَسَبَ التَّعليماتِ التي أَعْلَنها اللهُ، فإنَّ مَجْدَ اللهِ سَيَتراءَى لَهُمْ اسْتِجابَةَ لذلك.

وإذا انتقلتُمْ إلى العدد 22 مِنَ الأصحاحِ نَفْسِهِ، تَقرأونَ ما يَلي: "ثُمَّ رَفَعَ هَارُونُ يَدَهُ نَحْوَ الشَّعْبِ وَبَارَكَهُمْ، وَانْحَدَرَ مِنْ عَمَلِ ذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ وَالْمُحْرَقَةِ وَذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ. وَدَخَلَ مُوسَى وَهَارُونُ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، ثُمَّ خَرَجَا وَبَارَكَا الشَّعْبَ، فَتَرَاءَى مَجْدُ الرَّبِّ لِكُلِّ الشَّعْبِ وَخَرَجَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ وَأَحْرَقَتْ عَلَى الْمَذْبَحِ الْمُحْرَقَةَ وَالشَّحْمَ. فَرَأَى جَمِيعُ الشَّعْبِ وَهَتَفُوا وَسَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ".

فقد فَعَلَ هارونُ ما أَمَرَهُ اللهُ بِهِ فَتَحَقَّقَ وَعْدُ اللهِ. فإنْ فَعَلَ ما أَمَرَهُ اللهُ أنْ يَفْعَلَهُ، أيْ أنْ يُقَدِّمَ الذَّبيحَةَ، فإنَّ مَجْدَ اللهِ سَيَتراءَى لَهُمْ. ولأنَّهُ فَعَلَ ذلكَ، نَقرُأ في العدد 23 أنَّ مَجْدَ الرَّبِّ تَراءَى لِكُلِّ الشَّعْبِ. ثُمَّ إنَّ اللهَ نَفْسَهُ أَنْزَلَ نارًا مِنْ عِنْدِهِ أَحْرَقَتْ الذَّبيحَةَ لأنَّ اللهَ سُرَّ بتلكَ الذَّبيحَة.

وهذا يأتي بِنا إلى الأصحاحِ العاشِرِ: "وَأَخَذَ ابْنَا هَارُونَ: نَادَابُ وَأَبِيهُو، كُلٌّ مِنْهُمَا مِجْمَرَتَهُ وَجَعَلاَ فِيهِمَا نَارًا وَوَضَعَا عَلَيْهَا بَخُورًا، وَقَرَّبَا أَمَامَ الرَّبِّ نَارًا غَرِيبَةً لَمْ يَأْمُرْهُمَا بِهَا. فَخَرَجَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ وَأَكَلَتْهُمَا، فَمَاتَا أَمَامَ الرَّبِّ. فَقَالَ مُوسَى لِهَارُونَ: «هذَا مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ قَائِلاً: فِي الْقَرِيبِينَ مِنِّي أَتَقَدَّسُ، وَأَمَامَ جَمِيعِ الشَّعْبِ أَتَمَجَّدُ». فَصَمَتَ هَارُونُ".

فقد رَأى ابْنَيْه يُحْرَقانِ أمامَ عَيْنَيْهِ. "فَقَالَ مُوسَى لِهَارُونَ: «هذَا مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ قَائِلاً: فِي الْقَرِيبِينَ مِنِّي أَتَقَدَّسُ، وَأَمَامَ جَمِيعِ الشَّعْبِ أَتَمَجَّدُ»". ... "فَدَعَا مُوسَى مِيشَائِيلَ وَأَلْصَافَانَ ابْنَيْ عُزِّيئِيلَ عَمِّ هَارُونَ، وَقَالَ لَهُمَا: «تَقَدَّمَا ارْفَعَا أَخَوَيْكُمَا مِنْ قُدَّامِ الْقُدْسِ إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ». فَتَقَدَّمَا وَرَفَعَاهُمَا فِي قَمِيصَيْهِمَا إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ، كَمَا قَالَ مُوسَى. وَقَالَ مُوسَى لِهَارُونَ وَأَلِعَازَارَ وَإِيثَامَارَ ابْنَيْهِ: «لاَ تَكْشِفُوا رُؤُوسَكُمْ وَلاَ تَشُقُّوا ثِيَابَكُمْ لِئَلاَّ تَمُوتُوا، وَيُسْخَطَ عَلَى كُلِّ الْجَمَاعَةِ. وَأَمَّا إِخْوَتُكُمْ كُلُّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ فَيَبْكُونَ عَلَى الْحَرِيقِ الَّذِي أَحْرَقَهُ الرَّبُّ»". فَقَدْ دَعا إلى مَناحَةٍ قَوْمِيَّةٍ على ما حَدَث. "«وَمِنْ بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ لاَ تَخْرُجُوا لِئَلاَّ تَمُوتُوا، لأَنَّ دُهْنَ مَسْحَةِ الرَّبِّ عَلَيْكُمْ». فَفَعَلُوا حَسَبَ كَلاَمِ مُوسَى".

"وَكَلَّمَ الرَّبُّ هَارُونَ قَائِلاً: «خَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ تَشْرَبْ أَنْتَ وَبَنُوكَ مَعَكَ عِنْدَ دُخُولِكُمْ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ لِكَيْ لاَ تَمُوتُوا. فَرْضًا دَهْرِيًّا فِي أَجْيَالِكُمْ وَلِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُقَدَّسِ وَالْمُحَلَّلِ وَبَيْنَ النَّجِسِ وَالطَّاهِرِ، وَلِتَعْلِيمِ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَمِيعَ الْفَرَائِضِ الَّتِي كَلَّمَهُمُ الرَّبُّ بِهَا بِيَدِ مُوسَى»".

لقد كانَ هارونُ مُطيعًا فأنْزَلَ اللهُ نارًا الْتَهَمَتِ الذَّبيحَة. ولكِنَّ وَلَدَيْهِ عَصَيا اللهَ فأنْزَلَ اللهُ نارًا أَحْرَقَتْهُما. ولا أُريدُ أنْ أَدْخُلَ في كُلِّ تَفاصيلِ هذهِ الحادِثَةِ. ولكِنْ يَكفي أنْ أقولَ إنَّهُ عندما تأتي أمامَ الربِّ، مِنَ الأفْضَلِ لَكَ أنْ تَحْتَرِمَ الربَّ. وَمِنَ الأفضلِ لَكَ أنْ تأتي أمامَهُ بِطَريقةٍ تَتَوافَقُ مَعَ مَشيئَتِهِ وإعلانِهِ. هذا هُوَ مَعنى أنْ تَعْبُدَهُ بالحَقِّ.

لقد كانَ ابْنا هارون رَجُلَيْنِ يَلْقَيانِ كُلَّ إكْرامٍ واحْتِرامٍ. فَقَدْ كانا كاهِنَيْنِ للهِ الواحِدِ الحَقيقيِّ. وَقَدْ كانَ الابْنُ الأكْبَرُ هُوَ الشَّخْصُ التَّالي الَّذي سيَصيرُ رَئيسَ الكَهَنَةِ بِكُلِّ ما يَنْطَوي عليهِ ذلكَ مِنْ مَسؤوليَّاتٍ. ... الشَّخْصَ التَّالي. وقد كانَ مُوْسَى عَمَّهُما. وقد كانَ اسْماهُما في رأسِ لائِحَةِ شُرَفاءِ إسرائيلَ في خُروج 24. فَقَدْ كانا رَجُلَيْنِ يَحْظَيانِ بالاحْتِرامِ الشَّديد. وَعَدا عَنْ إبراهيمَ وَمُوْسَى، فإنَّهُما الشَّخصانِ الوَحيدانِ اللَّذانِ وَرَدَ اسْمُهُما في الكِتابِ المقدَّسِ في أوَّلِ مَرَّةٍ يُشيرُ فيها الكِتابُ المُقَدَّسُ إلى قَادَةِ إسرائيل. عُذْرًا، أَعني أنَّهُ عَدا عَنْ هارونَ وَمُوْسَى، فإنَّهُما الشَّخصانِ الوَحيدانِ اللَّذانِ وَرَدَ اسْمُهُما في الكِتابِ المقدَّسِ في أوَّلِ مَرَّةٍ يُشيرُ فيها الكِتابُ المُقَدَّسُ إلى قَادَةِ إسرائيل. وتَجِدونَ ذلكَ في الأصحاح 11 مِن سِفْرِ العَدَد. وقد كانَ ذلكَ سِنْهِدْريمًا حَقيقيًّا إذْ تَمَّ اخْتيارُ أوَّلِ سَبْعينَ قائِدٍ. إذًا، لم يَكُن ابْنا هارونَ فاسِدَيْنِ، ولا شِرِّيرَيْنِ، ولا اسْتِغْلالِيَّيْنِ. بلْ كانا رَجُلَيْنِ مُحْتَرَمَيْنِ.

وقَدْ حَظِيا بالشَّرَفِ، مَعَ القادَةِ السَّبْعينَ، في أنْ يَقِفا في صَحْراءِ سيناءَ وأنْ يُراقِبا مِنْ بَعيدٍ المَشْهَدَ حينَ تَكَلَّمَ اللهُ مَعَ مُوْسَى. وهذا امْتيازٌ عَظيمٌ لأنَّهُ لم يَكُنْ يُسْمَحُ للشَّعْبِ أنْ يَقْتَرِبَ مِنَ الجَبَلِ. وَحَتَّى إنَّهُ لم يَكُنْ يُسْمَحُ للحَيَواناتِ أنْ تَقترِبَ مِنَ الجَبَلِ – بِحَسَبِ ما جاءَ في الأصحاح 19 مِنْ سِفْرِ الخُروج. فقد كانَ يَنبغي للجميعِ أنْ يَبْقوا بَعيدينَ جِدًّا جِدًّا. وقد كانَ الشَّعْبُ يَقِفُ في مَكانٍ بَعيدٍ في الصَّحْراءِ ويُراقِبُ النَّارَ والدُّخانَ يَصْعَدانِ مِنَ الجَبَلِ، في حِيْنِ أنَّ "ناداب" وَ "أَبِيْهو" دُعِيا إلى الصُّعودِ إلى الجَبَل. وبحسبِ ما جاءَ في خُروج 24، فإنَّهُما رَأيا اللهَ وأَكَلا وَشَرِبا. فَهُما رَجُلانِ أُعْطِيا هذا الامْتيازَ بأنْ يَقْتَرِبا إلى اللهِ أكْثَرَ مِنْ أيِّ شَخْصٍ آخَر. فَلَمْ يَقْتَرْبْ أيُّ شَخْصٍ آخَرَ أكْثَرَ مِنْهُما سِوى مُوْسَى. وقد كانَ يَبْدو أنَّهُما في مَأمَنٍ ... في مَأمَنٍ جِدًّا.

ثُمَّ حَدَثَ ما حَدَثَ إذْ نَقرأُ في العَدَدِ الثَّاني: "فَخَرَجَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ وَأَكَلَتْهُمَا، فَمَاتَا أَمَامَ الرَّبِّ". وقد قالَ مُوسى إنَّ هذا حدَثَ لأنَّهُما وَقَفا أمامَ الربِّ بطريقةٍ غَيْرِ لائِقَةٍ وَقَدَّما لَهُ نَارًا غَريبَةً. ونحنُ لا نَدري ماهِيَّةَ تِلْكَ النَّارِ الغَريبَةِ تَحديدًا. وأعتقدُ أنَّ أَفْضَلَ افْتِراضٍ هُوَ أنَّهُما قَدَّما نارًا مِنْ مَصْدَرٍ آخَرَ غَيْرَ تلكَ النَّارِ المأخوذَةِ مِنْ على المَذْبَحِ النُّحاسِيِّ والتي كانَ اللهُ قَدْ أَشْعَلَها بِنَفْسِهِ منَ السَّماءِ. فقد كانَ يَنْبَغي لَهُما أنْ يَأخُذا النَّارَ مِنْ على المَذْبَحِ النُّحاسِيِّ، وهيَ النَّارُ الَّتي أَضْرَمَها اللهُ بنِفْسِهِ بطريقةٍ خارِقَةٍ للطَّبيعَةِ. ومِنَ الواضِحِ أنَّهُما جَلَبا نارًا مِنْ مَكانٍ آخَرَ وَمِنْ مَصْدَرٍ آخَر. وقد يَبدو هذا الأمْرُ تافِهًا. وقد يَبْدو بالنِّسْبَةِ إلى جِيْلٍ مُعْوَجٍّ كَجيلِنا يُرَكِّزُ على الأمورِ الماديَّةِ والمَلموسَةِ وعلى الذَّاتِ، قَدْ يَبدو ما حَدَثَ رَدَّةَ فِعْلٍ مُبالَغ فيها. فلماذا يَهْتَمُّ اللهُ بِمَصْدَرِ تلكَ النَّارِ؟ أليسَ هذا أمْرًا تافِهًا؟

رُبَّما كانَ هُناكَ أمْرٌ لا نَعْلَمُهُ. ولكِنَّهُ لم يَكُن أمرًا تافهًا بالنِّسبةِ إلى اللهِ. ورُبَّما كانَ هُناكَ أمْرٌ آخَرُ لا نَعْرِفُهُ. والحقيقةُ هِيَ أنَّنا نَقرأُ في العدد 9 أنَّ اللهَ أَوْصَى هارونَ ألَّا يَشْرَبَ هُوَ وَبَنوهُ خَمْرًا أوْ مُسْكِرًا. وقد نَفْهَمُ مِنْ ذلَكَ أنَّهُما شَرِبا خَمْرًا وَلَمْ يَكونا يُسَيْطِرانِ على أفْكارِهِما. ورُبَّما قادَهُما ذلكَ إلى عَدَمِ احْتِرامِ أوامِرِ اللهِ.

إنَّ النَّارَ نَفْسَها الَّتي الْتَهَمَتِ الذَّبيحَةَ في الأصحاح 9 والعَدد 24 هِيَ الَّتي الْتَهَمَتْهُما في الأصحاحِ العاشِرِ. وهذا أَمْرٌ مُهولٌ وَمُرْعِبٌ. وَهُوَ يُذَكِّرُنا بما حَدَثَ حينَ أَهْلَكَ اللهُ حَنانِيَّا وَسَفِّيرَة أمامَ الشَّعْبِ في أعْمال 5 لأنَّهُما كَذَبا على الرُّوحِ القُدُسِ بخُصوصِ ثَمَنِ الحَقْلِ الَّذي بَاعاه. وهذهِ الحادِثَةُ قَدْ تَبدو أيضًا في نَظَرِ ثَقافَةٍ عادِيَّةٍ وَجَسَدِيَّةٍ رَدَّةَ فِعْلٍ مُبالَغًا فيها قليلًا أوْ كثيرًا. ولكِن اسْمَحوا أنْ أُبَسِّطَ الأمْرَ لَكُمْ. إنَّ أَخْطَرَ جَرائِمَ تُقْتَرَفُ ضِدَّ اللهِ تَحْدُثُ في أثناءِ العِبادَةِ الفاسِدَةِ. فَأخْطَرُ الأشياءِ، أوْ بالحَرِيِّ: أخْطَرُ الجَرائِمِ ضِدَّ اللهِ تَحْدُثُ في أثناءِ العِبادَةِ الفاسِدَةِ.

افْتَحوا، مِنْ فَضْلكُمْ، على الأصْحاحِ الثَّاني والثَّلاثين مِنْ سِفْرِ الخُروج (خُروج 32). وهُناكَ الكَثيرُ لأقولَهُ. لذلكَ، سَوْفَ نَشْحَذُ هِمَّتَنا وَنَسيرُ بِسُرْعَة قليلًا. ولكِنِّي أَعْلَمُ أنَّكُمْ تَذْكُرونَ القِصَّةَ الوارِدَةَ في الأصْحاح 32 مِنْ سِفْرِ الخُروج لأنَّها قِصَّةُ العِجْلِ الذَّهَبِيِّ. والعَدَدُ الرَّابِعُ مِنْ ذلكَ الأصْحاحِ يُخْبِرُنا أنَّ هارونَ هُوَ الَّذي قادَ الشَّعْبَ في ذلك.

"فَأَخَذَ ذلِكَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَصَوَّرَهُ بِالإِزْمِيلِ، وَصَنَعَهُ عِجْلاً مَسْبُوكًا" أيْ أنَّهُ أَخَذَ كُلَّ الذَّهَبِ الَّذي قَدَّمَهُ الشَّعْبُ. "فَقَالُوا: «هذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ»". وقد كانَ العِجْلُ الذَّهَبِيُّ يُمَثِّلُ اللهَ الحَقيقيَّ تَمْثيلًا خاطِئًا. ثُمَّ نَقرأُ في العَدَدِ السَّادِسِ أنَّهُمْ "بَكَّرُوا فِي الْغَدِ وَأَصْعَدُوا مُحْرَقَاتٍ وَقَدَّمُوا ذَبَائِحَ سَلاَمَةٍ. وَجَلَسَ الشَّعْبُ لِلأَكْلِ وَالشُّرْبِ ثُمَّ قَامُوا لِلَّعِبِ". فقد كانوا يَعبُدونَ اللهَ الحَقيقيَّ بِشَكْلٍ خاطِئٍ إذْ غَيَّروا مَجْدَ اللهِ إلى صُوْرَةٍ وَشَكْلٍ تَجْدِيفِيَّيْنِ.

وأنْتُمْ تَعرِفونَ كَيْفَ سارَتِ القِصَّة. فقدْ كانَتْ تلكَ كَارِثَة لَهُم. فقد حَدَثَتْ مَذْبَحَةٌ جَماعِيَّةٌ. فقد تَمَّ قَتْلُ أُناسٍ كَثيرينَ حَالًا. وقد قامَ الأخُ على أخيهِ بالسَّيْفِ وقَتَلَ المَرْءُ أَفْرادَ عائِلتِهِ في تَطْبيقٍ حَرْفِيٍّ لِأمْرِ اللهِ بِمُعاقبةِ مَنْ يَعْبُدونَ آلِهَةً زائِفَةً.

وأوَدُّ أنْ أُكَرِّرَ هذا ثانِيَةً: إنَّ أَخْطَرَ جَرائِمَ تُقْتَرَفُ ضِدَّ اللهِ تَحْدُثُ في أثناءِ العِبادَةِ الفاسِدَةِ. وهذا يَأخُذُنا إلى النُّقطةِ الَّتي نَقولُ فيها إنَّ الحَركةَ الخمسينيَّةَ تُهينُ اللهَ دائمًا مِنْ خِلالِ أشْكالِ عِبادَتِها الخاطِئة. فَهِيَ تُهينُ الآبَ. وَهِيَ تُهينَ الابْنَ. ولكِنَّها تُهينُ تَحْديدًا الرُّوحَ القُدُسَ. فهُناكَ أفْكارٌ غيرُ مُحترَمَةٍ، وأفعالٌ غيرُ لائِقَةٍ، ومُعتقداتٌ غيرُ صَحيحَةٍ، وادِّعاءاتٌ كاذِبَةٌ، ووُعودٌ زائِفَةٌ، وسُلوكيَّاتٌ بالجَسَدِ. وَهِذِهِ تُنْسَبُ جَميعُها إلى الرُّوحِ القُدُس. ولَكِنَّها تُهينُهُ ولا يَجوزُ أنْ تُنْسَبَ إلى اسْمِهِ. إنَّها نُارٌ غَريبَةٌ. والشَّيءُ المُحْزِنُ هُوَ أنَّهُ مَحْكومٌ عليها بالدَّينونَة ... مَحْكومٌ عليها بالدَّينونَة.

عندما كنتُ أتَحَدَّثُ عَنْ هذا الموضوعِ قبلَ بِضْعَةِ أَشْهُرٍ في كَنيسَتِنا، قُلْتُ: "إنَّ الأمْرَ بهذهِ الخُطورَةِ". وقد قالَ يَسوعُ للقادةِ اليهود: "أنْتُمْ تَنْسِبونَ أعْمالَ الرُّوحِ القُدُسِ الَّتي عَمِلْتُها إلى الشَّيْطانِ". بعبارةٍ أُخرى، فقد قالوا إنَّ يَسوعَ فَعَلَ ما فَعَلَ بقوَّةِ الشَّيطان (وهذا في إنْجيل مَتَّى 12). فقد قالَ: "أنْتُمْ تَنْسِبونَ أعْمالَ الروحِ القُدُسِ إلى الشَّيطان".

ولا نُخطئُ إنْ قُلنا إنَّ العَكْسَ يَحدُثُ في العديدِ مِنَ الأماكِنِ في الحَركةِ الخمسينيَّةِ. فَهُمْ يَنْسِبونَ إلى الرُّوحِ القُدُسِ أعْمالًا شَيْطانِيَّةً. ففي وقتٍ مِنَ الأوقاتِ، كانُوا يَنْسِبونَ إلى الشَّيْطانِ أعمالًا يَقومُ بها الرُّوحُ القُدُس. ولكِنَّ الأمْرَ مَعْكوسٌ الآن. ولكِنْ لا تَجوزُ الاسْتِهانَةُ باللهِ الآبِ، ولا باللهِ الابْنِ، ولا باللهِ الرُّوحِ القُدُسِ – أيْ باللهِ المُثَلَّثِ الأقانيم. فَهَذا خَطَرٌ على كُلِّ مَنْ يُقَدِّمُ نَارًا غَريبَةً. وَهذا خَطَرٌ على كُلِّ مَنْ يُقَدِّمُ عِبادَةً فاسِدَةً. ومِنَ الخَطَرِ أنْ تُنْسَبَ إلى الروحِ القدسِ أمور لم يَقُمْ بها، أوْ لم يَقُلْها، أوْ لا يَجوزُ أنْ تُنْسَبَ إلى الروحِ القدس. فهذا ليسَ أمرًا يُسْتَهانُ بِهِ. وبالرَّغْمِ مِنْ خُطورَتِهِ الشَّديدِة، مِنَ الواضِحِ أنَّ هؤلاءِ النَّاسَ غافِلونَ عَنْ هذا الخَطَر.

لقد كنتُ أُشاهِدُ ذاتَ يَوْمٍ سُلوكيَّاتِ الهِنْدوسِ الَّذينَ يَنْتَمونَ إلى ما يُسَمَّى "البِدْعَة الكَنْدالينيَّة" (Kundalini cult) ... البِدْعَة الكَنْدَالينيَّة. وَهُمْ يَقومونَ بِحَرَكاتٍ جَسَدِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لا يَسَعُنا إلَّا أنْ نُفَسِّرَها بأنَّها ناشِئَة عَنْ سُكْنى الأرواحِ الشِّرِّيرةِ فيهم. وَهذهِ الحَرَكاتُ الجَسَدِيَّةُ مُطابِقَة تَمامًا للحركاتِ الَّتي يَقومُ بها النَّاسُ في الحَرَكَةِ الخَمسينيَّةِ – ولا سِيَّما في ما يُسَمُّونَهُ بالنَّهْضَات. فهذهِ وَثَنِيَّة. وهذا عَمَلٌ مِنْ أعْمالِ الشَّيْطانِ. وهذا عَمَلٌ مِنْ أعمالِ مَملكةِ الظُّلمةِ ولا يَجوزُ أنْ يُنْسَبَ إلى الرُّوحِ القُدُسِ.

إنَّهُ أمْرٌ مأساوِيٌّ. وأحيانًا قد يَكونُ الأمْرُ سَخيفًا جِدًّا حَتَّى إنَّ المَرْءَ قَدْ يَضْحَكُ عليه. ولكِنَّهُ، بِصَراحَة، أمْرٌ مأساوِيٌّ ومُحْزِنٌ أنْ نَرى هؤلاءِ الَّذينَ يَدَّعونَ أنَّهُمْ مُكَرَّسونَ جِدًّا للروحِ القدسِ، والَّذينَ يَدَّعونَ أنَّهُمْ يَمتلكونَ جُزءًا مِنْ قُدْرَتِهِ، والَّذينَ يَدَّعونَ أنَّهُمْ يَختبرونَ حُضورَهُ، ... مِنَ المُحزِنِ أنْ نَراهُمْ يَفْعَلونَ أُمورًا تُجَدِّفُ على اسْمِهِ، وأُمورًا تُشْبِهُ تلكَ الَّتي يَفْعَلُها أولئكَ الأشخاصُ الَّذينَ يمُارِسونَ أعمالًا شيطانِيَّةً.

حينَ نَنْسِبُ إلى الروحِ القدسِ أعْمالًا لَمْ يَقُمْ بها، وكلماتٍ لَمْ يَقُلْها، وخِبْراتٍ لا صِلَةً لَهُ بِها، فإنَّها جَريمةٌ خَطيرةٌ جِدًّا جِدًّا... جَريمةٌ خَطيرةٌ جِدًّا. وبطريقةٍ أو بأُخرى فإنَّ الخَمْسينيِّينَ طَرَحوا تَخَيُّلاتِهِمْ في النَّارِ الغَريبةِ الَّتي تُنْسَبُ إلى الخِبراتِ التَّصَوُّفِيَّةِ، والقُدرةِ الشَّيطانِيَّةِ، وَما يَنْجُمُ عَنْها مِنْ عِبادَةٍ للآلِهَةِ الزَّائِفَةِ.

وهل أنا أَحْكُمُ على كُلِّ شَخصٍ في هذهِ الحَرَكَة؟ لا. فأنا أعتقدُ أنَّ هُناكَ أُناسًا في هذهِ الحركةِ يَرغبونَ في عِبادةِ اللهِ بطريقةٍ صحيحة. ورُبَّما وَقَعَ هؤلاءِ في فَخِّ هذهِ العِبادةِ الباطِلَةِ أيضًا لأنَّ النِّيَّةَ وَحْدَها لا تَكفي. فالحَرَكَةُ نَفْسُها – اسْمَعوني جِيِّدًا – لا تُقَدِّمُ أيَّ شيءٍ يَتَّفِقُ معَ العِبادةِ الصحيحة. هل أقولُ هذا مَرَّةً أُخرى؟ إنَّ الحَرَكَةَ نَفْسَها لَمْ تُقَدِّمْ لنا أيَّ شيءٍ يُثْري العِبادةَ الصَّحيحَة.

ولماذا أقولُ ذلك؟ لأنَّ الحَركةَ الخمسينيَّةَ لم تُسْهِمْ في الوُضوحِ الكِتابِيِّ. وَهِيَ لَمْ تُسْهِمْ البَتَّة في التَّفسيرِ الكِتابِيِّ. وَهِيَ لَمْ تُسْهِمْ البَتَّة في العَقيدةِ السَّليمة. فقد كانَتْ لدينا عَقيدةٌ كِتابِيَّةٌ سليمةٌ قبلَ وقتٍ طويلٍ مِنْ بَدْءِ الحَركةِ الخَمسينيَّة. وقد كانتْ لدينا عَقيدةٌ سليمةٌ قبلَ وقتٍ طَويلٍ مِنْ ظُهورِ الحَركةِ الخمسينيَّة. وقد كُنَّا دائمًا نَسيرُ في خُطى رِجالٍ أُمَناءَ تَرْجِعُ جُذورُهُمْ إلى الرُّسُلِ، وَهِيَ جُذورٌ واضِحَةٌ مِنَ الحَقِّ تُعْطينا فَهْمًا غَنِيًّا كاملًا لكلمةِ اللهِ.

وهذا هوَ السَّبَبُ في أنَّ المُؤمِنَ المَسيحيَّ اليومَ يُمْكِنُ أنْ يَرْجِعَ إلى كِتاباتِ الرُّسُلِ، وَأنْ يَرْجِعَ ويَقرأَ كِتاباتِ المُصْلِحينَ، وأنْ يَقرأَ كِتاباتِ الطَّهورِيِّينَ، وأنْ يَتْبَعَ الحَقَّ على مَرِّ التَّاريخِ، وأنْ يَجِدَ الغِنَى والفَهْمَ والوُضوحَ في كُلِّ مَسألةٍ طَوالَ الطَّريق. ولكِنَّهُمْ لَمْ يُضيفوا أيَّ شَيءٍ إلى ذلك. بل إنَّهُمْ جَلَبوا الفَوضى، والتَّشويشَ، والتَّفسيرَ الخاطِئَ، والفَهْمَ الخَاطِئ.

وَهَلْ يُؤمِنُ أُناسٌ مِنَ الحَركةِ الخمسينيَّةِ بالحَقِّ؟ أَجَل. إنَّهُمْ يُؤمِنونَ بِهِ. وهل يَتَمَسَّكُ أُناسٌ مِنَ الحركةِ الخمسينيَّةِ باللَّاهوتِ السَّليمِ في مَسائِلَ مُعَيَّنة؟ أجل. ولكِنَّ ذلكَ الفَهْمَ السَّليمَ لَمْ يأتِ إليهِمْ مِنْ خِلالِ تلكَ الحَرَكة. فالفهمُ السَّليمُ كانَ موجودًا دائمًا مِنْ خِلالِ الوُعَّاظِ والمُعَلِّمينَ الأتْقياءِ الَّذينَ اسْتَخْدَمَهُمُ اللهُ لِلحِفاظِ على الحَقِّ وإبْقاءِ الكَنيسَةِ في المَسارِ الصَّحيح. ولكِنَّ هذهِ الحَركةَ لَمْ تُضِفْ شيئًا إلى ذلك. بل إنَّها تُشيعُ الفَوضى والتَّشويش. وَهِيَ ليسَتْ مَصْدَرًا لأيِّ تَقَدُّمٍ في فَهْمِ الكِتابِ المقدَّسِ أوِ العَقيدةِ السَّليمَة.

وهلْ خَلَصَ أُناسٌ حَقًّا في الكنائسِ الخَمسينيَّةِ تحتَ وَعْظِ المُبَشِّرينَ الخَمسينيِّين؟ الجَواب: أَجَل، لقد نالوا الخَلاصَ. ولكِن السَّببَ في خَلاصِهِمْ لم يَكُنْ يَعودُ إلى أيِّ شَيءٍ نَتَجَ عَنْ تلكَ الحَرَكَة. فالإنْجيلُ هُوَ السَّبَبُ في خَلاصِهِم. وَهُو لَيسَ مِنَ اخْتِراعِ تلكَ الحَرَكة. وفي بعضِ الأماكِنِ، ما زالَتْ رِسالةُ الإنْجيلِ سَليمَةً ولَمْ تُمَسُّ. ولكِنَّها ليسَتْ كذلكَ في أماكِنِ أُخرى.

ولم تُسْهِمِ الحَركةُ الخمسينيَّةُ في أيِّ شَيءٍ لاسْتِعادَةِ أوْ تَقويةِ الإنجيلِ الكِتابِيِّ. ولم تُسْهِمِ الحَركةُ الخمسينيَّةُ في الحِفاظِ على الحَقِّ والعقيدةِ السَّليمةِ. بل إنَّها لَمْ تُنْتِجْ إلَّا الفَوضى والتَّشويشِ والخَطأ. ولكِنَّ إيمانَ الإنجيلِ الكِتابِيِّ لَمْ يَتغيَّر. فقد نَجا. وهُوَ سَيَنْجو لأنَّ اللهَ يَحْميهِ ويُقيمُ رِجالًا أُمناءَ في كَنائِس أمينَة لِتَوصيلِهِ مِنْ جيلٍ إلى جِيْل.

والحَقيقةُ هِيَ أنَّهُ يوجدُ أُناسٌ في الحَركةِ الخمسينيَّةِ يَعرفونَ الحَقَّ، ويُحِبُّونَ الحَقَّ، ويَتَمَسَّكونَ بالإنْجيلِ القَويمِ، ولا يَتَّفِقونَ معَ ما تُعَلِّمُهُ تلكَ الحَركةِ عنِ الروحِ القُدُسِ. فليسوا جميعًا هَراطِقَة. ولكِنِّي أقولُ مَرَّةً أُخرى إنَّ الإسْهامَ في الحَقِّ في حياةِ فِئَةٍ مِنَ الأشخاصِ المُنْتَمينَ إلى تلكَ الحركةِ لا يأتي مِنَ الحَركةِ نَفْسِها، بل يأتي بالرَّغْمِ مِنْها.

ولكِنْ مِن جهةٍ أُخرى، فإنَّ الحركةَ الخمسينيَّةَ تَحْوي أُناسًا كثيرينَ ليسوا مُؤمِنينَ، وأُناسًا لا يَعرفونَ اللهَ، وأُناسًا باقينَ فيها لأسبابٍ ماديَّةٍ، ورَغَباتٍ جَسَدِيَّةٍ، وخِبراتٍ عاطفيَّةٍ. وأنا أَشْكُرُ اللهَ على الأشخاصِ الَّذينَ يَعرفونَ الحَقَّ والذينَ هُمْ أُمناءُ للحَقِّ. ولكِنِّي أَخْشَى أنَّ الغالبيَّةَ العُظمى تَعيشُ في الظَّلام. وهذا هُوَ أكْبَرُ ضَلالٍ على الإطلاق. فَالجُموعُ الغَفيرَةُ الَّتي ترَوْنَها في الأصحاحِ السَّابِعِ مِنْ إنجيلِ مَتَّى والذينَ يُوْصَفونَ بأنَّهُمْ "كَثيرونَ" إذْ نَقرأُ: "كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِــي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟" ولكِنَّ يَسوعَ سيقولُ لهم: "اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِــي الإِثْمِ". وماذا أيضًا؟ "إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ!" وهذهِ، دُوْنَ شَكٍّ، نُبوءَةٌ عَنْ هذهِ الحَرَكة.

وأنا أُعَظِّمُ اللهَ على نِعمَتِهِ مِنْ نَحْوِ الخُطاةِ الموجودينَ في تلكَ الكنائِسِ تحتَ ذلكَ التَّأثيرِ. وقد سَمَحَ اللهُ أنْ يَسْكُنَ الحَقّ في بعضِ تلكَ البيئاتِ. وأنا أُعْطيهِ المَجْدَ على تلكَ النِّعمةِ الَّتي يُعْطيها للخُطاةِ الموجودينَ في تلكَ الكنائسِ. فَمِنَ المُمْكِنِ أنْ يَصيرَ المَرءُ مُؤمِنًا بالرَّغْمِ مِنْ هذهِ الحَرَكَةِ ولكِنْ ليسَ بِسَبَبِها.

إنَّ خَوْفي الأكْبَر هُوَ أنْ يَهْلِكَ النَّاسُ الموجودينَ في هذهِ الحَرَكَةِ، وأنْ يَبْتَغوا شَهَواتٍ جَسَدِيَّةً ويَرْكُضُوا وَراءَ وُعودٍ زائِفَةٍ دُوْنَ فَهْمٍ أوْ اهْتِمامٍ بالإنْجيلِ الحَقيقيِّ، وَالتَّوبةِ الحَقيقيَّةِ، وَالمَسيحِ الحَقيقيِّ، وَالخَلاصِ الحَقيقيِّ. ولا تُوْجَدُ حَرَكَة يُفْتَرَضُ بِها أنَّها قائمة على الإنْجيلِ القَويمِ أَلْحَقَتِ الضَّرَرَ بالكنيسةِ أكْثَرَ مِنْ هذهِ الحَرَكَة. ولا أيُّ حَرَكَة أُخرى.

وكما قُلْتُ، هُناكَ 14 مِلْيونِ شَخْصٍ تابِعينَ للمُورمون. ولكِنَّ الضَّرَرَ الَّذي يُمْكِنُ لخَمْسِمِئَةِ مِلْيونِ شَخْصٍ أنْ يُلْحِقوهُ بالفَهْمِ القَويمِ للكِتابِ المقدَّسِ والحَقِّ الإلهيِّ هُوَ ضَرَرٌ مُخيف. وأَخْشى أنَّ نَجاحَها لا يأتي مِنَ ارْتِباطِها بالحَقِّ، بل إنَّ نَجاحَها يأتي مِنَ ارْتِباطِها بِمَملكةِ الظُّلْمَةِ. فهي نَاجِحَةٌ لأنَّها تَعِدُ بِما يَرْغَبُ به الخُطاةُ الذينَ لَمْ يُوْلَدوا ثانِيَةً. فالكنيسةُ الإنجيليَّةُ فَتَحَتْ ذِراعَيْها على اتِّساعِهِما وَرَحَّبَتْ بِحِصانِ طِرْوادَة الخاصِّ بالحركةِ الخمسينيَّة، وَسَمَحَتْ لهُ بالدُّخولِ إلى مَدينةِ اللهِ. وقدِ اسْتَوْلى جُنودُها على المَدينةِ وَوَضَعوا صَنَمًا في مَدينةِ اللهِ عِوَضًا عَنِ الحَقِّ.

وهل هُناكَ ما هُوَ أَخْطَرُ مِنْ هذا؟ هذا غَيْرُ مُمْكِنٍ. وعلى النَّقيضِ مِنْ ذلكَ، فإنَّ اللَّاهوتَ المُصْلَحَ (أيِ العَقيدةَ القويمةَ) ليسَ مَلاذًا للمُعَلِّمينَ الكَذَبَة. فَهُوَ ليسَ مَكانًا يُقيمُ فيهِ المُعَلِّمونَ الكَذَبة. فاللَّاهوتُ المُصْلَحُ، والعَقيدةُ القويمةُ، والتَّفسيرُ الكِتابِيُّ الأمينُ بينَ رِجالِ اللهِ الأُمناء ليسَ فيهِ مَكانٌ للمُعَلِّمينَ الكَذَبة. فَلا وُجودَ للخِداعِ فيه. ولا مَجالَ فيهِ للمُخادِعينَ الجَشِعين. وَهُوَ ليسَ مَكانًا تَجِدُ فيهِ الكَذَبَةَ وهؤلاءِ الذينَ يُمَثِّلونَ الحَقَّ تَمثيلًا خاطِئًا. فإذا ذَهبتُمْ إلى أيِّ رابِطَةٍ للكنائسِ المُصْلَحَةِ الَّتي تَضُمُّ أشخاصًا يُؤمِنونَ بعقائدِ الإصْلاحِ الَّتي تَسْتَنِدُ في الأصْلِ إلى عَقائِدِ العهدِ الجديدِ، لَنْ تَجِدوا مُعْجِزاتٍ زائَفَةً، ورُؤى زائِفَةً، ونُبوءاتٍ زائِفَةً، وَمَسْحاتٍ زائِفَةً، وسُلوكيَّاتٍ غَريبَةً وصَخَبًا غيرَ مألوفٍ. ولن تَجِدوا أُناسًا يَرْتَعِشونَ، وَيُثَرْثِرونَ، وَيَتَدَحْرَجونَ، ويَسْقُطونَ، ويَقولونَ أشياءَ غَريبَةً عنِ الروحِ القُدس. فهذا لن يَحدُثَ في تلكَ البيئةِ لأنَّهُمْ مُتَأصِّلونَ في الحَقِّ. فحالما تَصيرُ الخِبراتُ الشَّخصيَّةُ والمَشاعِرُ والحَدْسُ هِيَ مِعْيارُ الحَقِّ، فإنَّ أَبْوابَ الجَحيمِ تُفْتَحُ عَلى مَصاريعِها.

في سَنَةِ 1657، كَتَبَ "جون أُوين" (John Owen) تَحليلًا عَنِ الشَّرِكَةِ معَ اللهِ بطريقةٍ كلاسيكيَّةٍ نوعًا ما. وقدِ اعتادَ الطَّهورِيُّونَ على القيامِ بهذا الأمْر. وهذا هُوَ عُنْوانُ كِتابِهِ. هذا هُوَ العُنوان: "عنِ الشَّرِكَةِ معَ اللهِ الآبِ، والابْنِ، والرُّوحِ القُدُسِ – كُلِّ أُقْنومٍ على حِدَة في المَحَبَّةِ، والنِّعمةِ، والتَّعزيةِ". وهذا عُنوانٌ بَليغٌ. أليسَ كذلك؟ وإليكُمْ عُنوانًا آخَرَ: "كَشْفُ حَقيقَةِ شَرِكَةِ القِدِّيسينَ معَ الآبِ، والابْنِ، والرُّوحِ القُدُسِ". إنَّهُ كَنْزٌ ... هذا الكِتابُ الَّذي كَتَبَهُ "جون أوين" لأنَّهُ يَتَحَدَّثُ عَنِ الشَّرِكَةِ معَ الثَّالوث.

ويُبَيِّنُ "أُوين" كيفَ أنَّ شَرِكَتَنا هِيَ معَ الآبِ، ومعَ الابْنِ، ومعَ الروحِ القُدُسِ، وكيفَ أنَّنا نَحْصُلُ على تَجاوُبِ مِنْ كُلِّ أُقْنومٍ في الثَّالوثِ. فعلاقةُ العَهْدِ مُرْتَبِطَة بكُلِّ أُقنومٍ في الثَّالوثِ. فاللهُ هُوَ الَّذي أَسَّسَ شَرِكَتَنا، والابْنُ هُوَ الَّذي صَادَقَ عليها، والرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي أَبْلَغَنا بذلك. فالآبُ يُعَبِّرُ عَنِ المَحَبَّةِ الإلهيَّةِ. والابْنُ يُعَبِّرُ عَنِ النِّعمةِ الإلهيَّةِ. والروحُ القدسُ يُعْطي الحَياةَ الإلهيَّةَ لنا. لذلكَ، يجبُ علينا أنْ نَعْبُدَ الرُّوحَ القُدُسَ بِكُلِّ مَعنى الكلمة، وأنْ نَحْتَفِلَ بكُلِّ شيءٍ فَعَلَهُ اللهُ لتأسيسِ هذهِ الشَّرِكَةِ مَعَنا، وبِكُلِّ شَيءٍ فَعَلَهُ الابْنُ لتأكيدِ هذهِ الشَّرِكَةِ، وبِكُلِّ شيءٍ فَعَلَهُ الروحُ القدسُ مِنْ أجْلِ تَكريسِنا إذْ إنَّهُ خَلَّصَنا وَيُقَدِّسُنا.

وما هُوَ عملُ الروحِ القدسِ؟ إنَّهُ يُبَكِّتُ. وَهُوَ يُجَدِّدُ. وَهُوَ يُبَرِّرُ. وَهُوَ يُنيرُ. وَهُوَ يُطَهِّرُ. وَهُوَ يَهْدي. وَهُوَ يُقَدِّسُ. وَهُوَ يَتَبَنَّى. وَهُوَ يُعَمِّدُ. وَهُوَ يَسْكُنُ. وَهُوَ يُعْطي المَواهِبَ. وَهُوَ يُعطي القُدرةَ. وَهُوَ يُحَرِّرُ. وَهُوَ يُنْتِجُ ثَمَرًا. وَهُوَ يَضْمَنُنا. فهذا هوَ ما يَقولُهُ الكِتابُ المقدَّسُ.

ولكِنَّهُ لا يَقولُ إنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَطْرَحُنا أرْضًا، ولا أنَّ الروحَ القدسَ يَجْعَلُنا نَضحكُ بطريقةٍ سَخيفةٍ، ولا أنَّ الروحَ القدسَ يَرْفَعُ حَرارَةَ أجْسادِنا، ولا أنَّ الروحَ القدسَ يُعْطينا حَازُوْقَةً (أوْ شَهْقَةً)، ولا أنَّ الروحَ القدسَ يَجْعَلُنا نَتَشَنَّجُ، ولا أنَّهُ يَجْعَلُنا نَغيبُ عنِ الوَعْيِ، ولا أنَّهُ يَجْعَلُنا كالثَّمِلين، ولا أنَّهُ يَجْعَلُنا نَسْقُطُ أرضًا، ولا أنْ نَتَكَلَّمَ كلامًا غيرَ مَفهومٍ، ولا أنْ نُصْدرَ أصواتًا غَريبَةً، ولا أنْ نَقفِزَ، ولا أنْ نَتَدَحْرَجَ. فهذا كُلُّهُ سَخيفٌ ... سَخيفٌ جِدًّا.

ويقولُ "أُوين": "إنَّ خِدمةَ الروحِ القُدُس تَتَرَكَّزُ على تَذْكيرِنا بوعودِ المسيحِ، وعلى تَمْجيدِهِ في قُلوبِنا، وعلى تَعْميقِ مَحَبَّةِ اللهِ فينا، وعلى الشَّهادةِ فينا بخُصوصِ مَقامِنا الرُّوحِيِّ وحَالَتِنا الرُّوحِيَّة، وعلى خَتْمِنا إلى يومِ الفِداء، وعلى كَوْنِهِ عُرْبونَ ميراثِنا، وعلى مَسْحِنا وَتَعْزِيَتِنا، وعلى تأكيدِ تَبَنِّينا، وعلى حُضورِهِ مَعَنا في تَضَرُّعاتِنا. وَحِكْمَةُ الإيمانِ تَكْمُنُ في العُثورِ على المُعَزِّي في كُلِّ هذهِ الأشياءِ والتَّلامُسِ مَعَهُ، دونَ أنْ تَفْقِدَ هذهِ الأشياءُ حَلاوَتَها بسببِ مُكوثِها في الظَّلامِ كَما هِيَ حالُ مُنْشِئِها، ودونَ أنْ نَتجاهَلَ القيامَ بِما هوَ مَطلوبٌ مِنَّا". فلا يَجوزُ لَنا أنْ نَدَعَ العَمَلَ العَجيبَ للروحِ القدسِ يَقْبَعُ في الظُّلْمَةِ، بل يجبُ علينا أنْ نُقِرَّ بوجودِهِ وأنْ نُكَلِّمَهُ وَنَشْكُرَهُ على ذلك.

ويقولُ "أُوين": "إنَّ نَمَطَ الشَّرِكَة العاديَّة للمُؤمِنِ هُوَ معَ الأقانيمِ الثَّلاثةِ مِنْ خِلالِ التَّأمُّلِ، والصَّلاةِ، والحَياةِ المُنَظَّمَةِ. فيجبُ علينا أنْ نُفَكِّرَ في رَحْمَةِ وخِدْمَةِ كُلِّ أُقنومٍ مِنْ نَحْوِنا، وأنْ نَتَجاوبَ معَ ذلكَ تَجاوُبًا صَحيحًا مِنْ خلالِ إظْهارِ مَحَبَّتِنا وخُضوعِنا لِكُلِّ أُقنوم". هذهِ هيَ الشَّركةُ الكاملةُ معَ اللهِ. فاللهُ لا يُسَرُّ بأنْ نَسْخَرَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ. ونَحْنُ نَقرأُ في رُومية 12 عنِ العِبادَةِ المَقبولَة. فهذهِ أولويَّة. بل إنَّها الأولويَّةُ القُصْوى.

وهُناكَ طَهُورِيٌّ آخَر وَهُوَ "توماس غودوين" (Thomas Goodwin) يَقول: "إنَّ عِبادَتَنا تكونُ مُوَجَّهة أحيانًا للآبِ، وأحيانًا للابْنِ، وأحيانًا للرُّوحِ القُدُسِ. فقلبُ المُؤمِنِ يَرومُ أحْيانًا إلى التَّأمُّلِ في مَحَبَّةِ الآبِ في الاخْتيارِ، ثُمَّ في مَحَبَّةِ المسيحِ في الفِداءِ، ثُمَّ في مَحَبَّةِ الروحِ القدسِ في فَحْصِ أَعْماقِ اللهِ وَإطلاعِنا على مَكْنوناتِهِ، وفي احْتِمالِ كُلِّ الآلامِ مَعَنا. لذلكَ فإنَّ الإنسانَ يَمْضي مِنْ شَاهِدٍ إلى الآخَرِ بصورةٍ مُتميِّزَةٍ. وَهَذِهِ (كَما يَقولُ "غودوين") هيَ الشَّرِكَة الَّتي يَنْبَغي أنْ نَتَمَتَّعَ بها".

وَهُوَ يُتابِعُ قائلًا: "يجبُ علينا ألَّا نَكتفي البَتَّة إلَّا بَعْدَ أنْ نَتَعَبَّدَ للأقانيمِ الثَّلاثَةِ بالتَّساوي وَنَجْلِسَ في وَسَطِهِمْ في الوقتِ الَّذي يُعَبِّرونَ فيهِ عَنْ مَحَبَّتِهِمْ لنا. فهذا هُوَ أَسْمَى ما وَعَدَنا بهِ المَسيحُ في هذهِ الحَياة ..." ... وَكَمْ أُحِبُّ هذهِ العِبارَة: "... أنْ نُعْطي الأقانيمَ الثَّلاثةَ مَكانَةً مُتَساوِيَةً فينا، وأنْ نُعْطيها كَرامَةً مُتَساوِيَةً".

وهُناكَ تَحذيرٌ في عِبرانِيِّين 10، ويُمْكِنُكُمْ أنْ تَنْظُروا إليهِ إنْ شِئْتُمْ. فنحنُ نَقرأُ في عِبرانِيِّين 10: 29: "فَكَمْ عِقَابًا أَشَرَّ تَظُنُّونَ أَنَّهُ يُحْسَبُ مُسْتَحِقًّا مَنْ دَاسَ ابْنَ اللهِ، وَحَسِبَ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِسًا، وَازْدَرَى بِرُوحِ النِّعْمَةِ؟" نحنُ نَتوقَّفُ عادةً عِنْدَ النِّصْفِ الأوَّلِ مِنْ هذهِ الآيَةِ، عِنْدَ المَقطعِ الَّذي يَتَحَدَّثُ عَنِ العِقابِ الشَّديدِ الَّذي يَنْتَظِرُ مِنْ دَاسَ ابْنَ اللهِ. فهناكَ عِقابٌ شَديدٌ يَنتظرُ النَّاسَ الَّذينَ يَحْتَقِرونَ ابْنَ اللهِ. ونحنُ لا نُحِبُّ أنْ نَسْمَعَ أنَّ شَخْصًا أَهانَ ابْنَ اللهِ.

وفي السَّنواتِ الخَمْسِ والعِشرينَ الأخيرة تَقريبًا، ظَهَرَ هُناكَ دِفاعٌ عَميقٌ ومُهِمٌّ جِدًّا عنِ الإنْجيلِ. فقد ظَهَرَتْ مُنَظَّماتٌ، ومُؤسَّساتٌ، وائتلافاتٌ، وجماعاتٌ. وما زِلْتُ أَذْكُرُ الوقتَ الَّذي سَبَقَ انْتِقالَ "جيم بويس" (Jim Boice) إلى السَّماء إذْ إنَّهُ أَسَّسَ جَمعيَّةَ الإنجيليِّينَ المُعْتَرِفين. وقدِ انْضَمَّ الجَميعُ إليها. وقد كانَ يَنبغي لنا أنْ نُدافِعَ عنِ المَسيحِ، وأنْ نُدافِعَ عَنْ لاهُوتِهِ، وأنْ نُدافِعَ عَنْ شَخْصِهِ، وطبيعَتِهِ، وأنْ نُدافِعَ عَنْ عَمَلِهِ على الصَّليبِ، وأنْ نُدافِعَ عنْ قِيامَتِهِ، وأنْ نُدافعَ عَنْ عقيدةِ التَّبريرِ، وعَنِ الحَقائقِ العظيمةِ المُخْتَصَّةِ بعملِهِ على الصَّليبِ وقِيامَتِهِ.

وقد دَبَّ الحَماسُ في الجَميع، واسْتَمَرَّ، واسْتَمَرَّ، واسْتَمَرَّ، واسْتَمَرَّ. ورُبَّما زادَتِ الأُمورُ عَنْ حَدِّها قليلًا فَصارَ كُلُّ شيءٍ الآنَ يُشيرُ إلى الصَّليب، وكُلُّ شيءٍ يُرَكِّزُ على الصَّليبِ، وكُلُّ شَيءٍ يَتأمَّلُ في الصَّليبِ. فقد دافَعْنا عنِ المَسيحِ بِهِمَّةٍ وتَكْريسٍ لا يَعْرِفُ التَّعَبَ حينَ كانَ يُهاجَم.

وقد فَعَلنا الشَّيءَ نَفسَهُ حينَ كانَ اللهُ يُهاجَمُ. فقَدْ ظَهَرَ لاهوتِيُّونَ وقالوا إنَّ اللهَ لم يَكُنْ يَعلمُ المُستقبلَ، ولم يكُنْ قادِرًا على التَّخطيطِ لما سيَحدُثُ في المُستقبلِ، ولم تَكُنْ لديهِ فِكرةٌ عَمَّا سيكونُ عليهِ المُستقبل. وقد كانَ لاهُوْتُهُمْ يُعْرَفُ بِلاهوتِ الانْفِتاح (openness theology). وقد هَبَّ العُلَماءُ والكُتَّابُ والوُعَّاظُ وابتدأوا في الاتِّحادِ معًا ودَعْمِ المُجتمعِ الإنجيليِّ للرَّدِّ على هذا الهُجومِ على اللهِ الآبِ.

ولكِنْ في هذهِ الآيَةِ، يجبُ عليكُمْ أنْ تَتَذَكَّروا أنَّ هُناكَ عِقابًا صَارِمًا لِمَنْ ازْدَرى بِروحِ النِّعْمَةِ. والكَلِمَة "ازْدَرى" هِيَ تَرجمة للفِعْلِ اليونانِيِّ "إينوبريتزو" (enubrizo). وصيغةُ الاسْمِ مِنْهُ هِيَ "هوبريستيس". وَهِيَ الكلمةُ الَّتي اشْتُقَّتْ مِنْها الكلمة الإنجليزيَّة "هيوبريس" (hubris) وَمَعْناها: "وَقاحَة" أوْ "تَطاوُل" أوْ "إهانَة شَديدة" أو "ازْدراء شَديد".

ولكِنَّ هذا الرُّوحَ هُوَ رُوْحُ الربِّ. وَهُوَ نَسَمَةُ القَديرِ. وهذا هُوَ اللهُ الرُّوحُ القُدُسُ. ومعَ أنَّنا نَتَّفِقُ جَميعًا على أنَّ هُناكَ عِقابًا شَديدًا يَنتظرُ مَنْ يَدوسونَ ابْنَ اللهِ (أيْ مَنْ يَعرِفونَ الحَقَّ المُخْتَصَّ بحياتِهِ ومَوْتِهِ وتَدْبيرِهِ، ولكِنَّهُمْ يَزْدَرونَ بِهِ). ولكِنَّ التَّحذيرَ نَفْسَهُ مُوَجَّهٌ للأشخاصِ الوَقِحينَ، وَالمُسْتْهِزئينَ، والذينَ يَزْدَرونَ بِروحِ النِّعمةِ.

والآيةُ الَّتي تَليها تَقول: "«لِيَ الانْتِقَامُ، أَنَا أُجَازِي»، يَقُولُ الرَّبُّ. وَأَيْضًا: «الرَّبُّ يَدِينُ شَعْبَهُ»" ... شَعْبَهُ. "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ!" لذلكَ يجبُ على النَّاسِ أنْ يَرْتَعِبوا إنْ كانُوا يَزْدَرونَ بالرُّوحِ القُدُسِ ... أنْ يَرْتَعِبوا.

ويَكشِفُ لنا العهدُ الجديدُ أنَّ "رُوْحَ يَهْوَه" (أيْ: رُوْحَ اللهِ، أوْ الرُّوحَ القُدُسَ) يُعْطي حَياةً، ويُغَيِّرُ الحَياةَ، ويُطَهِّرُ، ويُعَزِّي، ويَجْعَلُ الخُطاةَ على صُوْرَةِ المَسيحِ، ويُؤهِّلُ، ويُعْطي القُوَّةَ، ويَخْتِمُ، ويَضْمَنُ، ويُنيرُ. فهذهِ هيَ الأشياءُ الَّتي يَسْتَحِقُّ أنْ نُكْرِمَهُ وَنُحِبَّهُ لأجْلِها.

وإليكُمْ هذا الاقْتِباس: "إنَّ أكبرَ خِدعة شيطانيَّة قُدِّمَتْ للنَّاسِ يومًا هِيَ العقيدةُ الخاطئةُ الَّتي تَقولُ إنَّكَ إذا خَلَصْتَ، فإنَّكَ سَتَبْقى مُخَلَّصًا إلى الأبد". ولكِنْ مَنِ الَّذي يَضْمَنُنا إلى الأبد؟ ومَنِ الَّذي يَخْتِمُنا إلى الأبد؟ ومَنْ هُوَ عُرْبونُ مِيراثِنا؟ إنَّهُ الرُّوحُ القُدُس. وَعَمَلُ الروحُ القدسِ هوَ أنْ يَضْمَنَنا إلى الأبد.

لقد كانَ هذا الاقتباسُ لأحدِ القادةِ الخَمسينِيِّين إذْ يَقول: "إنَّ أكبرَ خِدعة شيطانيَّة قُدِّمَتْ للنَّاسِ يومًا هِيَ العقيدةُ الخاطئةُ الَّتي تَقولُ إنَّكَ إذا خَلَصْتَ، فإنَّكَ سَتَبْقى مُخَلَّصًا إلى الأبد". ولَكِنَّهُ هُنا يَتَّهِمُ الروح القُدُسَ بالقيامِ بعملٍ شَيطانِيٍّ. ولكِنْ بسببِ عملِ الروحِ القدسِ الَّذي يَشْفَعُ فينا بأنَّاتٍ لا يُنْطَقُ بها، فإنَّ الَّذينَ دَعاهُمْ بَرَّرَهُمْ. والذينَ بَرَّرَهُمْ – ماذا؟ مَجَّدَهُمْ (رُومية 8). فهذهِ إهانةٌ للروحِ القدس. وهذا أَمْرٌ خَطيرٌ ... أَمْرٌ خَطيرٌ.

أمَّا "بيني هِنّ" (Benny Hinn) فيقول: "لا، لا تَذهبْ أبدًا إلى الربِّ وتَقُلْ لَهُ: ’إنْ كانَتْ هذهِ هِيَ مَشيئَتُك‘. لا تَقُلْ ذلكَ البَتَّة". وَهُوَ يَقولُ أيضًا: "إنَّ عَمَلَ الروحِ القدسِ يَتوقَّفُ على كَلِماتي. فهوَ لن يَتحرَّكَ إلَّا حينَ أقولُ لهُ أنْ يَفعلَ ذلك". حَقًّا؟ لقد رَأينا مِنْ خِلالِ هَذَيْنِ الاقْتباسَيْنِ فقط أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يُتَّهَمُ بالقيامِ بأعمالٍ شَيطانِيَّةٍ، وَأنَّ سِيادَتَهُ مَشْكوكٌ فيها. فَـ "بِني هِن" هُوَ السَّيِّد. أمَّا الرُّوحُ القُدسُ فَلا.

وبالمُناسبة، فإنَّ هذا الكَلامَ صَدَرَ عَنْ مُعَلِّمٍ زائِفٍ يَقولُ إنَّهُ تَلَقَّى مَسْحَةً مِنَ اللهِ. وبالمُناسَبَة، هذهِ كِذْبَة كَبيرَة ... أنَّهُ تَلَقَّى مَسْحَةً. فَهُوَ يَقولُ إنَّهُ حَصَلَ على هذهِ المَسْحَةِ أثناءِ زِيارَتِهِ لِقَبْرَيِ واعِظَتَيْنِ مَيِّتَتَيْنِ هُما "إيمي سيمبل مكفيرسون" (Aimee Semple McPherson) و "كاثرين كولمان" (Kathryn Kuhlman). فهوَ يَقولُ إنَّهُ حينَ زَارَ قَبرَيْهِما، حَلَّتْ مَسْحَةُ الرُّوحُ القُدُسُ عليه.

وأنا لا أُريدُ أنْ أُضَيِّعَ الوقتَ في الحديثِ عَنْ كُلِّ هذهِ الادِّعاءاتِ السخيفةِ الَّتي يَدَّعونَها. بل أريدُ أنْ أُرَكِّزَ على خُطورةِ ذلك. ومَرَّة أُخرى، لِنَرْجِعْ إلى النُّقطةِ الرئيسية وَهِيَ: عِبادةُ اللهِ المُثَلَّثِ الأقانيمِ هِيَ أهَمُّ الواجِباتِ وأعلى المَسؤوليَّاتِ. ففي الأصْحاح 20 مِنْ سِفْرِ الخُروج، نَجِدُ وَصايا تَختصُّ باللهِ إذْ إنَّ النِّصْفَ الأوَّلَ مِنَ الوَصايا يَخْتَصُّ بِهِ: أنْ لا نَصْنَعُ لَهُ تِمْثالًا مَنْحوتًا. وتَنتهي هذهِ الوصايا بالوصيَّةِ الَّتي تَقول: "لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ" ماذا؟ "بَاطِلاً ". حسنًا؟ لا تَنْطِقْ باسْمِهِ باطِلًا. وما المَقصودُ بذلك؟ أيْ أنْ نَتَحَدَّثَ عنِ اللهِ بأيَّةِ طَريقةٍ غيرِ لائِقَةٍ ... أنْ نَتَحَدَّثَ عنِ اللهِ بأيَّةِ طَريقةٍ غيرِ لائِقَةٍ. وهذا لا يَعني فقط أنْ نَستخدمَ اسْمَ الله لِلَّعْنِ، بل أنْ نَستخدِمَ اسْمَ اللهِ بأيَّةِ طريقةٍ غيرِ لائقةٍ، وبأيِّ طريقةٍ تُسيءُ إليهِ في طَبيعَتِهِ، أو في صِفاتِهِ، أو في أعمالِهِ أوْ كَلِماتِهِ.

إنَّ أيَّ شَيءٍ يُنْسَبُ إلى اللهِ دُوْنَ أنْ يَكونَ مِنَ اللهِ هُوَ نُطْقٌ باسْمِ الربِّ باطِلًا. فإذا فَكَّرْتَ في اللهِ أوْ تَخَيَّلْتَ اللهَ أوْ أَشَرْتَ إلى اللهِ بِغَيْرِ ما هُوَ عليهِ، أوْ إذا نَسَبْتَ إليهِ أشياءً لا يُمْكِنُ أنْ يَفعَلَها أوْ كَلِماتٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَقولَها، تَكونُ قَدْ نَطَقْتَ باسْمِهِ باطِلًا. فالأمْرُ لا يَقْتَصِرُ على الحَلْفِ، بل إنَّهُ يَشْمَلُ أيَّ إهْمالٍ لطَبيعَةِ اللهِ. فَهذا يُسيءُ إلى اللهِ. وهذا أَخْطَرُ شَيءٍ قَدْ يَحْدُثُ.

وهُناكَ مَقْطَعٌ سَنَقْرَأُهُ مِنْ سِفْرِ التَّثْنِيَةِ ابتداءً مِنَ الأصْحاح 28 والعَدَد 58: "إِنْ لَمْ تَحْرِصْ لِتَعْمَلَ بِجَمِيعِ كَلِمَاتِ هذَا النَّامُوسِ الْمَكْتُوبَةِ فِي هذَا السِّفْرِ، لِتَهَابَ هذَا الاسْمَ الْجَلِيلَ الْمَرْهُوبَ، الرَّبَّ إِلهَكَ، يَجْعَلُ الرَّبُّ ضَرَبَاتِكَ وَضَرَبَاتِ نَسْلِكَ عَجِيبَةً. ضَرَبَاتٍ عَظِيمَةً رَاسِخَةً، وَأَمْرَاضًا رَدِيَّةً ثَابِتَةً. وَيَرُدُّ عَلَيْكَ جَمِيعَ أَدْوَاءِ مِصْرَ الَّتِي فَزِعْتَ مِنْهَا، فَتَلْتَصِقُ بِكَ".

فإذا نَطَقْتَ باسْمِ الربِّ باطلًا فإنَّ اللهَ سَيُعاقِبُكَ. فأمْرٌ كهذا لَنْ يَمُرَّ مِنْ دُوْنِ عِقابٍ، كما جاءَ في سِفْرِ التَّثْنِيَة. فهُوَ لَنْ يَمُرَّ مِنْ دُوْنِ عِقابٍ.

وما يُدْهِشُني هُوَ أنَّ الحَرَكَةَ نَجَتْ بالرَّغْمِ مِمَّا تَفْعَلُهُ. فالنَّاسُ يَقولونَ لي: "لماذا لا يُعاقِبُ اللهُ هؤلاءِ النَّاسَ؟" لأنَّهُ بِطبيعَتِهِ طَويلُ الأَناةِ، ولأنَّ مَقاصِدَهُ ليسَتْ مَعلومَةً لَدَيَّ. فأنا لا أَعْرِفُ عَنِ الاجْتِماعاتِ السِّرِّيَّةِ الَّتي تَجْري في حَضْرَةِ اللهِ أكْثَرَ مِمَّا كانَ يَعْرِفُ أيُّوب. واللهُ ليسَ مُلْزَمًا بإطلاعي على كُلِّ شَيءٍ. ولكِنِّي أَعْرِفُ هذا: أنَّ نُمُوَّ الحركةِ الخمسينيَّةِ الزائفةِ لن يُوْقِفَ يَدَ اللهِ الَّتي سَتَنْزِلُ بالدَّينونَةِ في الوقتِ الَّذي يُعَيِّنُهُ اللهُ.

فنحنُ لسنا في حاجةٍ إلى تَصْويرِ الرُّوحِ القُدُسٍ في صُورةِ عِجْلٍ ذَهَبِيٍّ. ونحنُ لسنا في حاجةٍ إلى تَزْييفِ الرُّوحِ القُدُسِ. بل نحنُ في حاجةٍ إلى الرُّوحِ القُدُسِ المُعْلَنِ في الكِتابِ المقدَّسِ والذي يُسَمَّى: "نَسَمَة القَديرِ" (في أيُّوب 33)، وَ "رُوْحًا أَزَلِيًّا" (في عِبرانِيِّين 9)، و "رُوْحًا رَضِيَّة]" (في المَزمور 51)، وَ "رُوْحًا صَالِحًا" (في المَزمور 143). وهُناكَ أسماءٌ أُخرى أيضًا مِثْل: رُوحُ اللهِ الحَيِّ، وروحُ اللهِ، وروحُ الآبِ، وروحُ المَسيحِ، وروحُ الابْنِ، وروحُ الحَياةِ، وروحُ النِّعمةِ، وروحُ الحِكمةِ، وَرُوحُ المَشورَةِ والقُوَّةِ والفَهْمِ والمَعرفةِ ومَخافةِ الربِّ، وروحُ الحَقِّ، وَروحُ القداسةِ، وروحُ المَجْدِ، والمُعَزِّي، وفي لوقا 1: "قُوَّةُ العَلِيِّ".

وَكما أنَّ الآبَ والابْنَ قُدُّوسَيْنِ، فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ قُدُّوسٌ. وكما أنَّ الآبَ والابْنَ لَهُما كُلُّ السِّيادَةِ، فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لَهُ كُلُّ السِّيادَةِ. وكما أنَّ الآبَ والابْنَ قَديرانِ، فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ قَديرٌ. وكما أنَّ الآبَ والابْنَ مُنْعِمانِ، فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ مُنْعِمٌ. وكما أنَّ الآبَ والابْنَ مُحِبَّانِ، فإنَّ الرُّوحَ القُدُسَ مُحِبٌّ. فَالثَّلاثَةٌ واحِدٌ في كَمالٍ مُطْلَقٍ.

وهذا كُلُّهُ يَدْفَعُني، بِبَساطَةٍ، إلى القولِ بأنَّنا مَوْجودونَ هُنا لكي نَدْعو إلى اسْتِعادَةِ العِبادةِ الحقيقيَّةِ للروحِ القدسِ في الكنيسةِ. فَمِنَ الصَّعْبِ عَلَيَّ أنْ أَتَقَبَّلَ ما يَحْدُث. فَغَيْرَةُ بيتِ اللهِ (كَما قالَ يَسوعُ مُقْتَبِسًا مِنَ المَزاميرِ): "لأَنَّ غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي، وَتَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ". فعندما يُهانُ الرُّوحُ القُدُسُ فإنَّني أَشْعُرُ بالألم. وقد هَبَّتِ الكنيسَةُ، كَما ذَكَرْتُ، للدِّفاعِ عنِ الآبِ. وقد هَبَّتْ للدِّفاعِ عنِ الابْنِ. فلماذا لا تقومُ للدِّفاعِ عنِ الرُّوحِ القُدُسِ؟ فلا يوجدُ حَقًّا ما يُفَسِّرُ هذا التَّقْصير.

إنَّ الحَركةَ الخَمسينيَّةَ نَجَحَتْ في الحُصولِ على القَبولِ على أساسِ المَحَبَّةِ والتَّسامُح. لذلكَ فقد تَمَّ التَّرحيبُ بها لإفْسادِ الكَنيسَةِ، وَالتَّرْويجِ للاتِّكالِ على المَشاعِرِ إلى حَدِّ التَّطَرُّفِ، وتَشْويشِ النَّاسِ بِخُصوصِ الصَّلاةِ، والعِبادَةِ، والتَّسبيحِ، والإيمانِ، والقَناعَةِ، والتَّواضُعِ، والسِّيادَةِ، والكَثيرِ مِنَ الأمورِ الأُخرى. ولو أنَّ هذهِ الحَرَكَةَ ظَهَرَتْ في وقتٍ آخَرَ، وفي جُزْءٍ آخَرَ مِنَ التَّاريخِ في الماضي، لَتَمَّ رَفْضُها وَحُسِبَتْ إمَّا بِدْعَة أوْ هَرْطَقَة.

واسْمَحوا لي أنْ أَخْتِمَ بمَجموعةٍ مِنَ الأفكارِ وَأنْ أُحاوِلَ أنْ أَغْسِلَ مِنْ أَذْهانِنا بَعْضَ الأشياءِ السَّلبيَّةِ الَّتي أَجْبَرْتُكُمْ نَوْعًا ما على التَّفكيرِ فيها. فهناكَ صِفَةٌ عَظيمةٌ لِروحِ اللهِ أُريدُ أنْ أَتْرُكَها مَعَكُمْ ... صِفَة واحِدَة عَظيمَة، وَهِيَ صِفَة تَخْتَلِفُ عَنْ كُلِّ ما تَحَدَّثْنا عنهُ بخصوصِ المُخادِعينَ والمُعَلِّمينَ الكَذَبَة، وَهِيَ أَعْظَمُ عَطِيَّةٍ أَعْطاها لَنا.

لذلكَ، أرْجو أنْ تَفتحوا على رُومية 8 ... رُومية 8. وهذا مَقطَعُ مَعروفٌ جِدًّا في الكِتابِ المقدَّسِ. ولكِنِّي أريدُ مِنْكُمْ أنْ تَنْظُروا إليهِ – رُبَّما مِنْ زاويَةٍ جَديدَة. فهذا هُوَ أَعْظَمُ عَمَلٍ يَقومُ بِهِ لأجْلِنا. وسَأقرأُ ابتداءً مِنَ العَدَد 26: "وَكَذلِكَ الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا، لأَنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي. وَلكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا. وَلكِنَّ الَّذِي يَفْحَصُ الْقُلُوبَ يَعْلَمُ مَا هُوَ اهْتِمَامُ الرُّوحِ، لأَنَّهُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يَشْفَعُ فِي الْقِدِّيسِينَ". والكَلامُ هُنا يُشيرُ بِكُلِّ تأكيدٍ إلى الرُّوحِ القُدُس.

"وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ. لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ. وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا".

إنَّ رُومية 8 هُوَ أصْحاحُ الرُّوحِ القُدُس. وهذا المَقْطَعُ كُلُّهُ يَتَحَدَّثُ عَنِ الرُّوحِ القُدُسِ وخِدْمَتِهِ. وحينَ نَصِلُ إلى العَدَد 26، نَقرأُ: "وَكَذلِكَ الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا". وَهُوَ يَفعلُ ذلكَ، أوَّلًا، مِنْ خِلالِ التَّشَفُّعِ فينا. فهُوَ شَفيعٌ لَنا كما أنَّ المسيحَ شَفيعٌ لنا. وَهُوَ دائمًا يَشْفَعُ بحسب مشيئةِ اللهِ لأنَّهُ يَعْلَمُ مَشيئةَ اللهِ. ونتيجة للعملِ الشَّفاعِيِّ للروحِ القدسِ، فإنَّ كُلَّ الأشياءِ تَعْمَلُ للخير. فكُلُّ الأشياءِ تَعملُ لخَيْرِنا الأبدِيِّ بِوَصْفِنا مُؤمِنينَ، ليسَ فقط لأنَّ اللهَ يَقولُ ذلكَ، بل أيضًا لأنَّ الروحَ القدسَ يَضْمَنُ حُدوثَ ذلك. حسنًا؟ فالروحُ القدسُ هُوَ الَّذي يَجعلُ كُلَّ الأشياءِ تَعملُ لِخَيْرِنا ... كُلَّ الأشياءِ ... بِكُلِّ تأكيدٍ كُلَّ الأشياءِ.

ولكِنْ هُناكَ عُنْصُرٌ آخَرٌ في هذا الأمْر. فما هُوَ أَساسُ هذا الخَيْرِ؟ فما المَقْصودُ بأنَّ كُلَّ الأشياءِ تَعْمَلُ معًا للخير؟ وما هُوَ الخَيْر؟ نَقْرَأُ الإجابَةَ في العدد 29. فهذا هُوَ الخَيْرُ: "لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ". فهذا هُوَ العَمَلُ الأَهَمُّ للرُّوحِ القُدُسِ: أنْ يَجْعَلَنا مُشابِهينَ صُوْرَةَ المَسيح. حَسَنًا؟ فالروحُ القدسُ يَعْمَلُ عَمَلَهُ فينا ويَجْعَلُ كُلَّ الأشياءِ تَعملُ معًا مِنْ أجْلِ الخَيْرِ الأسْمَى. وهذا الخَيْرُ الأسْمَى هُوَ أنْ يُشَكِّلَنا على صُوْرَةِ ابْنِ اللهِ. لِيَكُونَ هُوَ مُتَفَوِّقًا بَيْنَ كَثِيرِينَ مِمَّنْ يُشْبِهونَهُ.

إذًا، ما الَّذي يُريدُ الروحُ القدسُ أنْ يَفعلَهُ في حياتِكَ؟ الأمْرُ بَسيطٌ: أنْ يَجْعَلَكَ مُشابِهًا صُورَةَ مَنْ؟ المَسيح. أنْ يَجْعَلَكَ مُشابِهًا للمسيح. أنْ يَجْعَلَكَ مُشابِهًا "آيكون" (eikon) ... صُورَةَ المَسيح. فَهُوَ يَعملُ فينا لكي يَجْعَلَنا مُشابِهينَ ليسوعَ المسيح.

وهذا هوَ ما يَتَحَدَّثُ عنهُ بولسُ في رِسالَتِه إلى أهْلِ فيلبِّي إذْ يَقول: "أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ". وقد تَقولُ: "حسنًا، وما هُوَ الغَرَضُ؟" الغَرَضُ هُوَ "جَعالَةُ الدَّعْوَةِ العُلْيا". وما هِيَ الجائزةُ حينَ نَتَلَقَّى الدَّعْوَةَ العُلْيا؟ أنْ نَكونَ مُشابِهينَ للمسيح. فالصُّورةُ الَّتي سنَصيرُ عليها حينَ نُمَجَّدُ هيَ الهَدَفُ حَتَّى الآنَ في تَقْديسِنا. فالشَّيءُ الَّذي سنَحْصُلُ عليهِ إنْ كانَ اللهُ قَدْ عَيَّنَنا سابقًا، واخْتارَنا، وَبَرَّرَنا هُوَ أنَّنا سَنُمَجَّدُ. وحينَ نُمَجَّدُ فإنَّنا سنَصيرُ مُشابِهينَ للمسيح. فنحنُ نَقرأُ في 1يوحنَّا 3: "وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ". فهذا هُوَ الهَدَفُ النِّهائِيُّ. والرُّوحُ القُدُسُ هُوَ الَّذي سَيأخُذُنا إلى هُناك.

وفي تلكَ الأثناءِ، أيْ إلى أنْ نُمَجَّدَ وَنَصيرَ مُشابِهينَ للمسيحِ، فإنَّ عَمَلَ الروحِ القدسِ هُوَ أنْ يَجْعَلَنا تَدريجيًّا على صُورَتِهِ. ولكي نَفهمَ عَمَلَهُ إذًا، يجبُ علينا أنْ نَنْظُرَ إلى المسيح. فيجبُ علينا أنْ نَنظُرَ إلى المسيحِ لأنَّنا سنَرى في المسيحِ (الَّذي هُوَ إنْسانٌ كامِلٌ) صُورَةً عَنِ العَمَلِ الكامِلِ الَّذي سيَقومُ بِهِ الروحُ القُدُسُ.

وكيفَ عَمِلَ الروحُ القُدُسُ في المسيح؟ هل طَرَحَهُ أرْضًا؟ وهل جَعَلَهُ يَبْدو كالسَّكْرانِ؟ وهل جَعَلَهُ يَسْقُطُ، أو يَنْطَرِحُ، أو يَتَدَحْرَجُ، أو يَضْحَكُ بطريقةٍ هِستيريَّة، أوْ يَنْبَحُ، أوْ يُجَعْجِعُ، أوْ يَتَكَلَّمُ بكلامٍ لا مَعْنى لَهُ؟ لا يُمْكِنُنا أنْ نُفَكِّرَ أنَّهُ فعَلَ أمْرًا كهذا. والنَّاسُ الَّذينَ يَجْعَلونَ الآخرينَ يقومونَ بأمورٍ كهذهِ ليسوا مَمْلوئينَ مِنَ الروحِ القُدُسِ. فهذا ليسَ ما يَفْعَلُهُ الروحُ القدسُ.

لقد كانَ الروحُ القدسُ الرَّفيقَ الدَّائِمَ ليسوع ... الرَّفيقَ الدَّائمَ ليسوع. فقد كانَ روحُ اللهِ الَّذي أَعْطاهُ حَياةً في رَحْمِ مَرْيَم. وقد تَخَلَّى ابْنُ اللهِ عَنْ حُقوقِهِ الإلهيَّةِ، وَخَضَعَ طَوْعًا لمشيئةِ الآبِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ. فقد وَضَعَ يسوعُ حُدودًا لاستخدامِ قُدُراتِهِ وامتيازاتِهِ الإلهيَّةِ، وأَخْضَعَ نَفْسَهُ للرُّوحِ القُدُس.

لذلكَ فقد مَضَتْ حَياتُهُ هَكذا. فقطِ اسْتَمِعوا إلى هذا: فبحسبِ ما جاءَ في لوقا 1، فقد حُبِلَ بِهِ مَنَ الرُّوحِ القدُسِ. وبحسبِ إنْجيل لوقا 4، فقد نَضَجَ بِقُوَّةِ الروحِ القُدُس إذْ كانَ يَتَقَدَّمُ فِي الحِكْمَةِ وَالقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ. وبحسبِ مَرْقُس 1، فقد مُسِحَ بِمَسْحَةِ الرُّوحِ القُدُسِ عِنْدَ مَعمودِيَّتِهِ. وبحسبِ لوقا 4، فقد صَمَدَ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ عِنْدَما جُرِّبَ. وبحسبِ الأصحاحِ نَفْسِهِ فقد حَلَّتْ عليهِ قُوَّةُ الرُّوحِ القُدُسِ (كما جاءَ في لوقا 4: 14-15) لكي يَخْدِمَ. وقدِ امْتلأَ بالروحِ القُدُسِ لكي يَسْلُكَ تمامًا في الطَّاعَةِ. فقد تَكَمَّلَ في الطَّاعَةِ، بقوَّةِ الرُّوحِ، وتَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَألَّمَ بِهِ. ونحنُ نَقرأُ في عِبرانِيِّين 9: 14 أنَّهُ وَاجَهَ المَوْتَ بانْتِصارٍ بقوَّةِ الروحِ القُدُسِ.

لقد كانَ الروحُ القدسُ هُوَ الَّذي يَعْمَلُ في يسوع. فنحنُ نَقرأُ في رُومية 1 أنَّهُ أُقيمَ بقوَّةِ الروحِ لقُدُسِ. وحتَّى بعدَ قيامَتِهِ، فإنَّ خِدْمَتَهُ الَّتي أَعْقَبَتْ قِيامَتَهُ (بحسبِ ما جاءَ في أعْمالِ الرُّسُلِ 1: 1-2) كانَتْ بقوَّةِ الروحِ القدسِ إذْ كانَ يُعَلِّمُ أُمورًا مُخْتَصَّةً بالملكوت.

والآنْ اسْمَعُوا: إنَّ عَمَلَ الروحِ القدسِ في المَسيحِ يُشْبِهُ عَمَلَهُ فينا. فإنْ أَرَدْتُمْ أنْ تَرَوْا كَمالَ عملِ الروحِ القدسِ فينا، انْظُروا إلى العملِ الَّذي قامَ بهِ في الإنْسانِ الكامِلِ. واسْمَحوا لي أنْ أَعودَ إلى تلكَ النُّقطة قليلًا.

لقد حُبِلَ بيسوعَ بالروحِ القدسِ. والروحُ القدسُ هوَ الَّذي يُعْطينا حَياةً إذْ إنَّنا نُوْلَدُ مِنَ الرُّوح. وقد نَضَجَ يسوعُ بعملِ الروحِ القدسِ. والروحُ القدسُ هوَ الَّذي يُعْطينا القُدرةَ على النُّمُوِّ. وقد مُسِحَ يسوعُ بواسطةِ الروحِ القدسِ عندَ مَعمودِيَّتِهِ. والروحُ القدسُ هُوَ الَّذي يُعَمِّدُنا في جسدِ المسيح. وقد صَمَدَ يسوعُ بقوَّةِ الروحِ القدسِ عِندما جُرِّبَ. والروحُ القدسُ هوَ الَّذي يُقَوِّينا في الإنسانِ الباطِنِ في وَسَطِ تَجارِبِنا. وَقَدْ حَصَلَ يسوعُ على القُوَّةِ مِنَ الروحِ القُدُسِ للقيامِ بعملِ الخِدمَة. والروحُ القدسُ هوَ الَّذي يُعطينا المواهِبَ والقُدرةَ على الخِدمة. وقدِ امتلأَ يسوعَ بالروحِ القدسِ. وهُناكَ ما يُبَرْهِنُ على ثَمَرِ الروحِ والقَداسَةِ. فالروحُ القدسُ هوَ الَّذي يَمْلأنا ويُنْشِئُ فينا ثَمَرًا. وَقَدْ تَكَمَّلَ يَسوعُ بقوَّةِ الروحِ القدسِ في الطَّاعَةِ. والروحُ القدسُ يَفعلُ الشَّيءَ نَفْسَهُ فينا. وقد واجَهَ يسوعُ الموتَ بانتصارٍ في الرُّوحِ. وروحُ النِّعمةِ والمَجْدِ هوَ الَّذي يَحْفَظُنا في آلامِنا. وقد أُقيمَ يسوعُ مِنَ الأمواتِ بقوَّةِ الروحِ القدسِ. والروحُ القدسُ هوَ الَّذي سيُقيمُنا نحنُ أيضًا.

فإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَرَوْا خِدمةَ الروحِ القدسِ وأنْ تَعْلَموا كيفَ يَعمل فينا، انْظُروا إلى ما فَعَلَهُ في المَسيح. ولا شَكَّ أنَّنا نَرى في المَسيحِ الكَمالَ كُلَّهُ. ولكِنَّ الروحَ القدسَ فَعَلَ لابْنِ اللهِ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ لنا. فالروحُ القدسُ مُلْتَزِمٌ بأنْ يَعْمَلَ فينا العَمَلَ الَّذي أَظْهَرَهُ في المَسيح.

ونَجِدُ في يُوحَنَّا 16 آيَةً مُدهشةً حقًّا إذْ نَقرأُ في العدد 7: "لكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ: إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ". لقد قالَ يسوع: "إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ" ... "إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ". لماذا؟ ... لماذا مِنَ الأفْضَلِ لَكُمْ أنْ أَذْهَبَ؟ لأنَّهُ إذا انْطَلَقْتُ، أُرْسِلُ الرُّوحَ القُدُسَ ... أُرْسِلُ الرُّوحَ القُدُسَ. وهذا أفْضَل لأنَّ الروحَ القُدُسَ سَيَفْعَلُ فيكُمْ ما فَعَلَهُ فِيَّ. فهذهِ هِيَ خِدْمَتُهُ. لقد قُمْتُ أنا بِخِدْمَتي. وهذهِ هِيَ خِدْمَتُهُ. فقدِ انْتَهَتْ خِدْمَتي. أمَّا خِدْمَتُهُ فعلى وَشْكِ البَدْءِ بِكُلِّ مِلْئِها.

ونَقرأُ في إنْجيل يوحنَّا 14: 16: "وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ، رُوحُ الْحَقِّ". ثُمَّ نَقرأُ في العَدَد 26: "وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ". وهذا سيأتي أوَّلًا للرُّسُلِ الَّذينَ سيَكتُبونَ العهدَ الجديدَ، ثُمَّ إنَّهُ سيأتي لجميعِ المُؤمِنينَ الَّذينَ يَنْتَفِعونَ مِنْ خِدْمَةِ الحَقِّ الَّتي يَقومُ بها الروحُ القُدُس.

وفي الأصحاح 15 نَجِدُ الشَّيءَ نَفسَهُ إذْ نَقرأُ في العَدَد 26: "وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ، رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي". ونَقرأُ في الأصحاح 16 والعَدد 13: "وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ".

بِعِبارةٍ أُخرى، فإنَّ خِدمةَ الروحِ القُدُسِ هِيَ أنْ يَقودَكُمْ إلى الحَقِّ، وأنْ يُعْلِنَ لَكُم الأشياءَ المُختصَّةَ بالمسيح لكي تَصيروا مُشابِهينَ لَهُ. وهذهِ حَقيقَةٌ بَسيطَةٌ وَمُدهشةٌ. فالروحُ القدسُ يَفْعَلُ فينا ما فَعَلَهُ في الابْنِ. وَهُوَ يُشَكِّلُنا على ذَاتِ صُورَةِ المَسيح.

لقد أَظْهَرَ يَسوعُ كيفَ يَكونُ الإنسانُ الكامِلُ وكيفَ تَبْدو البَشريَّةُ الكامِلَةٌ. والروحُ يُشَكِّلُنا على صُورةِ المسيحِ، ويُعْطي مُخْتاري اللهِ المَفْدِيِّينَ القُدرةَ على الانتصارِ في الوقتِ المناسبِ على سُلْطانِ الخطيَّة، والجسدِ، والشَّيطانِ، والعالمِ. وَهُوَ يُعْطينا القُدرةَ على أنْ نَصيرَ مُشابِهينَ أكثرَ فأكثرَ لابنِ اللهِ. والروحُ القدسُ يَعْمَلُ فينا ويُعْطينا مَعرفةً مُقَدَّسَةً، وعَقيدةً مُقَدَّسَةً، ويُنشِئُ فينا سُلوكِيَّاتٍ مُقَدَّسَةً، ومواقِفَ مُقَدَّسَةً، وكلماتٍ مُقَدَّسَةً، وصِفاتٍ مُقَدَّسَةً، وَأعمالًا مُقَدَّسَةً، وطُموحاتٍ مُقَدَّسَةً، وأشواقًا مُقَدَّسَةً، وعَواطِفَ مُقَدَّسَةً.

ويا لها مِنْ إساءَةٍ، ويا لَها مِنْ إهانةٍ إلى الرُّوحِ القُدُسِ أنْ نَقولَ إنَّهُ مَسؤولٌ عَنِ الفَسادِ، والنَّجاسَةِ، والحَماقَةِ، وَحَتَّى عنِ العَناصِرِ الشَّيطانِيَّةِ الَّتي تُسيءُ إلى الآبِ، وإلى الابْنِ، وإلى الروحِ القُدُسِ. فَعَمَلُ الروحِ القُدُسِ هُوَ أنْ يأخُذَ الأشخاصَ الَّذينَ شَوَّهُوا صُورةَ اللهِ ولا يَستطيعونَ أنْ يُمَجِّدوا اللهِ، والذينَ تَشَوَّهَتْ فيهِمْ صُورةُ اللهِ تَمامًا حَتَّى إنَّهُمْ جَميعًا سيَهْلِكونَ إلى الأبدِ ويَبْقونَ في عَذابِ الجَحيمِ إلى أبدِ الآبِدينَ دُوْنَ أيِّ فُرْصَةٍ للنَّجاةِ، أنْ يأخُذَ هؤلاءِ الأشخاصَ المُشَوَّهينَ والمُلَطَّخينَ بالخَطِيَّةِ، وأنْ يَجْعَلَهُمْ مُشَابِهينَ صُوْرَةَ يَسوعَ المَسيح.

وأنا سَأبدأُ في تَصديقِ أنَّ الحَقَّ مَوْجودٌ في الحَركةِ الخمسينيَّةِ حينَ أرى أنَّ القادةَ المَسؤولينَ عَنْ كُلِّ هذهِ الأُمورِ يُشْبِهونَ يَسوعَ المَسيح. أيْ حينَ أَرى أنَّهُمْ صَارُوا حقًّا شُرَكاءَ الطَّبيعةِ الإلهيَّةِ.

نَشْكُرُكَ، يا أبانا، لأنَّكَ جَمَعْتَنا بَعْضُنا مَعَ بَعْضٍ. ونَشكُرُكَ على هؤلاءِ النَّاسِ الأحِبَّاء. فهُناكَ شَوْقٌ في قُلوبهم للحَقِّ – لا لأجْلِ الحَقِّ فقط، بل لأجْلِ مَعْرِفَتِكَ، وَحُبِّكَ، وخِدْمَتِكَ، والمُناداةِ بِكَلِمَتِكَ. فنحنُ نَعلمُ ما هُوَ العَملُ الحقيقيُّ للروحِ القدسِ لأنَّكَ أَخْبَرْتَنا.

وحينَ نَرى التَّشَبُّهَ بالمَسيحِ، وتَواضُعَ المَسيحِ، ووَداعَةَ المَسيحِ، ولُطْفَ المَسيحِ، وصِدْقَ المَسيحِ ... وحينَ نَرى كَلِمَتَكَ تُعامَلُ باحترامٍ وإكْرامٍ، سَنَعْلَمُ حينئذٍ أنَّ الروحَ القُدُسَ يَعْمَلُ. وحينَ نَرى التَّضحيةَ، وحينَ نَرى المحبَّةَ، وحينَ نَرى الشَّغَفَ للكِتابِ المقدَّسِ، وحينَ نَرى التَّمْييزَ والحَقَّ يَسودان، سَنَعْلَمُ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَعْمَلُ.

ولكِنَّنا لا نَرى ذلكَ في هذهِ الحَرَكَةِ. لذلكَ، لا يُمْكِنُنا أنْ نَستَنتِجَ أنَّهُ عَمَلُ الروحِ القدسِ. ولا يُمْكِنُنا أنْ نَنْسِبَ ذلكَ إليهِ. بل إنَّنا نَخْشى حَتَّى أنْ نُفَكِّرَ في القِيامِ بذلك. اجْعَلِ الحَقَّ واضِحًا، يا رَبُّ ... اجْعَلِ الحَقَّ واضِحًا. وساعِدْنا على الفَهْمِ لكي نَكونَ أداةً لِمُساعدةِ الآخَرينَ على الفَهْمِ.

ونحنُ نَشْكُرُكَ على كُلِّ ما صَنَعْتَهُ فينا. فنحنُ لا نَشْعُرَ أنَّنا خُدِعْنا. ونحنُ لَسْنا بحاجةٍ إلى الرَّكْضِ وَراءَ أيٍّ مِنْ هذهِ الأكاذي

بِ الحَمْقاء. فنحنُ نَشْعُرُ بالرِّضا لأنَّ عَمَلَ الروحِ القدسِ وَاضِحٌ حقًّا في المؤمِنينَ الحَقيقيِّينَ. ونحنُ مُمْتَنُّونَ لأنَّنا اخْتَبَرْنا ذلكَ. وهذا واضِحٌ مِنْ خِلالِ مَحَبَّتِنا لَكَ، ومَحَبَّتِنا للحَقِّ، ومَحَبَّتِنا لشعبِ اللهِ.

هذهِ هيَ الأشياءُ الَّتي يُنْشِئُها الروحُ القُدُسُ. لا فقط مِنْ خلالِ ما نُحِبّ، بل أيضًا مِنْ خلالِ ما نَكْرَه. فنحنُ نَكرهُ الخَطَأَ، والخَطِيَّةَ، والفَسادَ. ونحنُ لسنا كامِلينَ – بَلْ بَعيدينَ عَنِ الكَمالِ. ولَكِنَّنا نُحِبُّ ما نُحِبُّ ونَكْرَهُ ما نَكْرَهُ بسببِ عَمَلِ الروحِ القدسِ فينا. ونحنُ نَشكُرُكَ على ذلك، ونُبارِكُ اسْمَكَ. أَعْطِنا أُسبوعًا رائعًا وَكَمِّلْ فينا كُلَّ مَسَرَّتِكَ. نُصَلِّي باسْمِ المَسيح. آمين.

This sermon series includes the following messages:

Please contact the publisher to obtain copies of this resource.

Publisher Information
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969

Welcome!

Enter your email address and we will send you instructions on how to reset your password.

Back to Log In

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize
View Wishlist

Cart

Cart is empty.

Subject to Import Tax

Please be aware that these items are sent out from our office in the UK. Since the UK is now no longer a member of the EU, you may be charged an import tax on this item by the customs authorities in your country of residence, which is beyond our control.

Because we don’t want you to incur expenditure for which you are not prepared, could you please confirm whether you are willing to pay this charge, if necessary?

ECFA Accredited
Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Back to Cart

Checkout as:

Not ? Log out

Log in to speed up the checkout process.

Unleashing God’s Truth, One Verse at a Time
Since 1969
Minimize